Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كِتَابُ الرَّضَاعِ = ضبطه النووي بالمعجمة أدعى فيه الاتفاق، ويأتي على ما حكاه ابن بطال عن ابن السكيت الإهمال أيضًا (١). فصل : قولها: (وَأَخَذَ خَطِّيًّا). يعني: الرمح؛ لأنه يأتي من بلاد ناحية البحرين يقال له: الخط، فنسب الرماح إليها، وإنما أصل الرماح من الهند ولكنها تحمل إلى الخط في البحرين ثم تُفرق منها في البلاد (٢)، وهي قرية بسيف البحر عند عمان. قال أبو الفتح: قيل لها ذلك؛ لأنها على ساحل البحر، والساحل يقال لها: الخط، لأنه يفصل بين الماء والتراب. والخَطيّ: بفتح الخاء المعجمة في أخبار ثعلب في ((فصيحه)): قال ابن درستويه: والعامة تكسر الخِطية في كل حالٍ، وهو خطأ (٣). قلت: في ((شرح ابن هشام)) يقال بكسر الخاء. قال عياض: ولا يصح قول من قال: إن الخط منبت الرماح(٤). وعند ابن سيده في ((العويص)): كل سيف خط(٥)؛ قال: فأما قول سلامة بن جندل : يأخذن بين سواد الخط فاللوب فإن الخط هنا: الطريق، حكاه ثعلب. وفي ((معجم أبي عبيد)): الخط: ساحل بين عمان إلى البصرة، ومن (١) (شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٠٧، ((شرح مسلم)) ٢٢٠/١٥. (٢) انظر: ((غريب الحديث)) ٣٧٦/١. (٣) ((تصحيح الفصحیح)) لابن درستويه. (٤) ((إكمال المعلم)) ٤٦٩/٧. (٥) أنظر: ((المخصص)) ٣٤/٢. ٦٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = كاظمة إلى الشِّحر، ثم أنشد قول سلامة السالف ثم قال: واللوب: الحرار، حرار قيس. قال: وإذا كانت من حرار قيس إلى ساحل البحر، فهي نجد كلها، قال: وقيل: الخط فيها الرماح الجياد، وهي لعبد القيس(١). فصل : قولها: (نَعَمًا) هو بفتح النون الإبل خاصة، قاله عياض وابن بطال (٢)، وابن التين، وقال غيرهم: لجمع الإبل والبقر والغنم، والنعم تذكر وتؤنث قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةً وَفَرْشٌَ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. ثم قال: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] فذكر أنواع الماشية. ووقع في رواية: (نِعمًا) بكسر النون جمع نعمة، والأشهر الأول(٣). وقولها: (ثَرِيًّا) هو بفتح الثاء المثلثة ثم راء مهملة ثم مثناة تحت وهو الكثير من المال وغيره، ومنه الثروة في المال، وهي كثرته، قال الكسائي: يقال: قد ثرى بنو فلان بني فلان يثرونهم إذا كثروهم وكانوا أكثر منهم و(القياس)(٤) ثرية، لكنه ليس من حقيقي التأنيث، ومعنى: (أراح): تأتي في الرواح بعد الزوال. فصل : قولها: (وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا). أي: أعطاني اثنين من كل (١) ((معجم ما استعجم)) لأبي عبيد البكري ١/ ٥٠٣. (٢) (شرح ابن بطال)) ٣٠٧/٧، و((إكمال المعلم)) ٤٦٩/٧. (٣) (بغية الرائد)» ص١٦٢. (٤) في الأصول: القياسر، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب. ٦٠٣ ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ ما يروح من الإبل والبقر والعبيد، والزوج هنا الأثنين، ويقال للواحد زوج، ويحتمل أنها أرادات صنفًا، والزوج يقع على الصنف، ومنه [الواقعة: ٧] وصفته بالسؤدد فى قوله تعالى: ﴿وَكُمْ أَزْوَجَا ثَّةَ (@) ذاته، والسعة في ذات يده، وأنه صاحب حرب وركوب، وأنه محسن إليها مفضل على أهلها، ثم إنه مع هذا كله لم يقع عندها موقع أبي زرع، وأن كثيره دون قليله، فكيف بكثيره، وأن حال هذا معيب إذا أضافته إلى حال أبي زرع، مع إساءة أبي زرع أخيرًا في تطليقها والاستبدال بها، ولكن حبها له بغض إليها الناس بعده؛ ولهذا كره أولو الرأي تزويج أمرأة لها زوج طلقها؛ لميل نفسها إليه (١). وقوله: (وَمِيرِي أَهْلَكِ). أي: صليهم بالميرة، وهي الطعام، وأصله من أمتيار البوادي من الحواضر. فصل : قوله وَّ لعائشة رضي الله عنها: ( ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْع لأُمِّ زَرْع)) ) قاله؛ تطييبًا لنفسها ومبالغة في حسن معاشرتها، ثم أُستثنى من ذلك الأمر المكروه منه أنه طلقها ((وإني لا أطلقك))؛ تتميمًا لتطبيب نفسها، وإكمالًا لطمأنينة قلبها، ورفعًا للإيهام؛ لعموم التشبيه بجملة أحوال أبي زرع، إذ لم يكن فيها مذمة سوى طلاقه لها . وقد جاء في رواية أبي معاوية الضرير ما يدل أن الطلاق لم يكن من قبل أبي زرع واختياره، فإنه قال: لم تزل به أم زرع حتى طلقها . وجاء أن عائشة قالت: بأبي أنت وأمي، بل أنت خير لي من أبي زرع. وهو جواب مثلها في فضلها وعلمها، فإنه القَيّ لما أخبرها أنه (١) أنظر: ((بغية الرائد)) ص ١٦٣ - ١٦٤. ٦٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = لها كهو؛ لفرط محبة أم زرع له وإحسانه إليها. أخبرته هي أنه عندها أفضل. وهي له أحب من (أم زرع لأبي زرع)(١). فصل : قد أسلفنا في الوجه الخامس أن فيه التأسي بأهل الإحسان إلى آخره، وهو ما ذكره المهلب واعترضه القاضي فقال: هذا عندي غير مسلَّم؛ لأنا لا نقول أنه التئه اقتدى بأبي زرع، بل أخبر أنه لها كأبي زرع، وأَعْلَم أن حاله معها مثل حالة ذلك لا على سبيل التأسي به، فأما قوله فيه التأسي فصحيح مالم تصادمه الشريعة(٢). فصل : قوله لها: ( ((كُنْتُ لَكِ)) ) أي: أنا لك؛ كقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] أي: أنتم خير أمة، ويمكن بقاؤها على ظاهرها كما قال القرطبي: إني كنت لك في علم الله السابق، ويمكن أن يكون مما أريد به الدوام كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٣) [النساء: ١٣٤]. فصل : في فوائده مختصرًا غير ماسلف: فيه: جواز إعلام الرجل بمحبته للمرأة إذا أمن عليها من هجر أو شبهه. وفيه: ذكر محاسن النساء للرجال إذا كن مجهولات، بخلاف المعينات، فذلك منهي عنه في قوله: ((لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها)) (٤) . (١) في الأصول: أبي زرع لأم زرع، والمثبت الصواب، وهو المناسب للسياق. انظر: ((بغية الرائد)» ص١٦٨. (٢) ((بغية الرائد)) ص١٧١. (٣) ((المفهم)) ٣٤٩/٦-٣٥٠. (٤) سيأتي برقم (٥٢٤٠) كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها. ٦٠٥ كِتَابُ الرَّضَاعِ = وفيه: ما يدل على التكلم بالألفاظ العربية والأسجاع، وإنما كره ذلك للتكلف . وفيه: حسن المعاشرة مع الأهل ومحادثتهن بما لا إثم فيه، وأن بعضهن ذكرت ما في زوجها من عيبه، ولم يكن ذلك (غيبة)(١) إذا كانوا لا يعرفون، وإنما الغيبة مَن عين بما يكره ذكره. وفيه: جواز قول المرء لصاحبه: بأبي أنت وأمي. وفيه: الرد على من لم يجز قول هذا، وما يحكى عن الحسن ومن قال بقوله، وأنه لا يفدي أحدكم بمسلم، فهذِه عائشة قد قالته وأبواها مسلمان . وفيه: شكر المرأة إحسان زوجها، وعليه ترجم النسائي، وخرج معه في الباب حديث ابن عمر: ((لا ينظر الله إلى أمرأة لا تشكر زوجها))(٢). وفيه: مدح المرء في وجهه إذا علم ذلك غير مفسد ولا مغير نفسه، والشارع مظنة كل مدح، ومستحق كل ثناء، وأن من أثنى بما أثنى فهو فوق ذلك كله. وما أحسن قول البوصيري(٣) فيما أخبرنا غير واحد عنه: واحکم بما شئت مدخًا فيه واحتكم دع ما أدعته النصارى في نبيهم فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم وقد ورد في الأثر أنه التَّ كان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ(٤). (١) في الأصول: عيبًا، والمثبت هو الصواب، لمناسبته لما بعده. (٢) ((السنن الكبرى)) ٣٥٤/٥. (٣) في قصيدته المشهورة المعروفة بـ((البردة)) وعليها كثير من المؤاخذات. (٤) رواه الترمذي في ((الشمائل)) (٣٥٢)، وابن سعد في ((الطبقات)) ٤٢٥/١، والطبراني ١٥٨/٢٢، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٩١/١، وفي ((الشعب)) ١٥٧/٢. ٦٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال القتبي: إلا أن يكون ممن أنعم عليه وَّر فيكافئه الآخر الثناء(١)، ورده ابن الأنباري وغلطه؛ لأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله؛ لأن الله تعالی جعله للناس كافة وهداهم ورحمهم به، فكلهم تحت نعمته، والثناء عليه فرض عليهم لا يتم الإسلام إلا به، وإنما المعنى لا يقبل الثناء إلا من رجل عرف حقيقة إسلامه ممن لا ينبذ بنفاق، وقيل: مكافئ: مقارب في مدحه غير مفرط فيه، قال القفيها: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى القبيئية))(٢). فصل : قال عياض: وفي قوله: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمَّ زَرْعٍ في الألفة (والرفاء)(٣)). فائدة : إن لم يصح النهي عنه جواز قوله للمتزوج؛ لأنه إذا قال أحد الزوجين لصاحبه، فلا يمتنع أن يقوله الأجنبي لأحدهما. وقد اختلف العلماء في هذا، فروي جوازه عن عبد الملك بن حبيب (٤)، وعن شريح أيضًا(٥)، وكرهه آخرون. منهم عقيل بن أبي طالب فيما رواه عنه الحسن(٦) . قال الطبري: ولم يسمع منه، وقد سلف قريبًا . (١) ((غريب الحديث)) ١/ ٥٠٧. (٢) سلف برقم (٣٤٤٥). (٣) في الأصول: الوفاء، والمثبت من ((بغية الرائد)). (٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٩٢/٤. (٥) رواه عبد الرزاق ٦/ ١٩٠ (١٠٤٥٨). (٦) رواه عبد الرزاق ١٨٩/٦ (١٠٤٥٧)، وابن أبي شيبة ٦/٤ (١٧٢٠٧). ٦٠٧ كِتَابُ الرَّضَاعِ = فصل : فيه جواز المزح في بعض الأحيان، وإباحة المداعبة مع الأهل، وبسط الوجه مع جميع الناس بالكلام السهل الحلو، وكان الكلئلا يمزح ولا يقول إلا حقًّا، أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بإسناد جيد، بلفظ: قال: قالوا يارسول الله إنك تداعبنا قال: ((إني لا أقول إلا حقًّا)). ثم قال: حديث حسن(١). وأخرجه الزبير في (كتاب الفكاهة والمزاح)) من هذا الوجه بلفظ: قالوا: يارسول الله وعليه إنك تداعبنا، قال: ((إني وإن داعبتكم فإني لا أقول إلا حقًّا)). ورواه أيضًا مرسلًا عن بكر بن عبد الله المزني، وعن يحيى بن أبي كثير: كان رجل من الصحابة ضحاكًا، فذكر ذلك لرسول الله وَله فقال: ((ما يعجبون، إنه ليدخل الجنة وهو يضحك))(٢). وعن طلحة بن خراش وعبد الرحمن بن ثابت وعبد الله بن بسر أن الني وّر ضرب فخذ الفاكه بن سكن وقال: ((استعطي يا أم عمرة)). وقال لأبي اليسر ((يا أم اليسر)). قالوا: فألقى الفاكه يده على فرجه لا يشك أنه عاد أمرأة فقال وَالطيار: ((مالك؟)) فقال: ما شككت أني عدتُ أمرأة، فقال ◌َّ: ((إنما أنا بشر أمزح معكم)). وسماه من يومئذ الموقن. وأما ما روي عن ذم المزاح والنهي عنه فيما روى ابن الأعرابي، عن المطين، عن ابن نمير، عن المحاربي، عن أبيه، عن عبد الملك، عن عكرمة، عن مولى يرفعه: ((لا تمار أخاك ولا تمازحه))(٣). (١) الترمذي (١٩٩٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٦٩)، من حديث يحيى بن أبي كثير. (٣) رواه الترمذي (١٩٩٥) من طريق المحاربي، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ٦٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وحدثنا أبو داود، وساقه إلى عبد الله بن السائب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((لا يأخذ أحدكم متاع أخيه جادًّا ولا لاعبًا))(١)، فليس هذا من المزاح المحمود المباح، فإنما يهيج (الضغائن)(٢)، ويعد من السباب والكذب، أو يتسلط به على ضرر رجل أو ماله، فليس من المزاح المحمود، ولا هو من جنس ما جاء عن رسول الله وَلّر، فإنه ليس مما ورد عنه من ذلك شيء زائد على خفض الجناح وبسط الوجه وطلب التودد. ومن ذهب إلى أنه يسقط الهيبة كما قال أكثم بن صيفي، فلعله في الإكثار منه والتخلق به. وأما قول من قال: إنما سمي (المزاح)(٣) مزاحًا؛ لأنه زاح عن الحق فلا يصح لفظًا ولا معنى، أما المعنى، فلما ذكرنا عن رسول الله ◌َّ من أنه كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا، وأما اللفظ؛ فلأن الميم في المزاح أصلية ثابتة في الأسم والفعل، ولو كان كما قال كانت تكون زائدة ساقطة من الفعل. فصل : وفي الحديث أيضًا أن كنايات الطلاق لا يقع بها الطلاق إلا بالنية؛ لأنه التَّ قال: ((كنت لك كأبي زرع)) ومن جملة أفعاله أنه طلق امرأته أم زرع، ولم يقع عليه التيا طلاق بتشبيهه؛ لكونه لم ينو الطلاق، وقد سلف في رواية: ((غير أني لم أطلقك))(٤). (١) أبو داود (٥٠٠٣). (٢) في الأصول: الطغائن، هو خطأ، والمثبت هو الصواب. (٣) من (غ). (٤) أنظر هذِه الفوائد في: ((بغية الرائد)) ص١٧١ - ١٨٥. ٦٠٩ كِتَابُ الرَّضَاعِ = فصل : في الباب حديث عائشة رضي الله عنها: كَانَ الحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَيَسْتُرَنِي رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الجَارِيَةِ الحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ. وقد سلف في العيد وفي المساجد(١)، وأن لعبهم كان في المسجد، وادعى بعضهم نسخه بقول الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وبحديث: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم))(٢)، وأبداه أبو عبد الملك بحثًا، فقال: يحتمل أن يكون منسوخًا؛ لأن نظر النساء إلى الرجال وإلى اللهو فيه ما فيه، وهو عجيب. وقوله: (فاقدروا قدر الجارية) يقال: قدرت الأمر كذا أقدر وأقدِر إذا نظرت فيه ودبرته، وقدر بفتح الدال كما ذكره ابن التين. قال الهروي: قدرت على الشيء أقدر قَدْرا قَدَرًا وقدرة ومقدرة وقدرانا. قال: ومنه يقال: أقدر بدرعك. وضَبْطُه عند ابن فارس بإسكان الدال، والمعنى: أن الجارية تطيل المقام؛ لأنها مشتهية للنظر. (١) سلف برقم (٤٥٤، ٩٥٠). (٢) رواه ابن ماجه (٧٥٠). وقد سبق تخريجه موسعًا. ٦١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٨٣- باب مَوْعِظَةِ الرَّجُلِ ابنتَهُ لِحَالِ زَوْجِهَا ٥١٩١- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ عَنِ المَزْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وََّ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُّكُمَا ﴾ [التحريم: ٤] حَتَّى حَجَّ وَحَجَجْتُ مَعَهُ، وَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ، فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ جَاءَ فَسَكَيْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ المزْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لَ اللَّتَانِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ [التحريم:٤]؟ قَالَ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابن عَبَّاسِ، هُمَا عَائِشَةُ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ وَحَفْصَةُ. ثُمَّ أَسْتَقْبَلَ عُمَرُ الَحَدِيثَ يَسُوقُهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌّ لِي مِنَ الأَنَّصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمْ مِنْ عَوَالِيِ المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحِي أَوْ غَثْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُنَّ مَغْشَرَ قُرَيْشِ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَّى الأَنَّصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَبِ نِسَاءِ الأَنَّصَارِ، فَصَخِبْتُ عَلَى آَمْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَزْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، قَالَتْ: وَلَمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ◌ََّ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ. فَأَفْزَعَنِي ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهَا: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ. ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي فَنَزَلْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةً فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ حَقْصَةُ، أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتٍ وَخَسِرْتِ، أَفَتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ وَل﴿ فَتَهْلِكِي؟! لَا تَسْتَكْثِرِي النَّبِيَّ نََّ وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ، وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ رََّ- يُرِيدُ عَائِشَةَ -. قَالَ عُمَرُ: وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الَخَيْلَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنَّصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءَ فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ: أَثَّمَّ هُوَ؟ ٦١١ = كِتَابُ الرَّضَاعِ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ اليَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ ◌َِّ نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: خَابَتْ حَقْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هذا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَّابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ وَّةَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةً فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هذا، أَطَلَّقَكُنَّ النَّبِيُّ ◌َ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي المَشْرُبَةِ. فَخَرَجْتُ فَجِثْتُ إِلَى المِنْبَرِ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ التِي فِيهَا النَّبِيُّ ◌َّ فَقُلْتُ لِغُلَامِ لَهُ أَسْوَدَ: أَسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ الغُلَامُ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ وََّ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: كَلَّمْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ وَذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: أَسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَرَجَعْتُ فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ اِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِثْتُ الغُلَامَ فَقُلْتُ: أَسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَلَمَّا وَلَّيْثُ مُنْصَرِفًا - قَالَ : - إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِ فَقَالَ: قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ ◌َِّ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعْ عَلَىْ رِمَالِ حَصِيٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌْ، قَدْ أَثَّرَ الرَّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِثًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمِ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ إِلَى بَصَرَهُ فَقَالَ: ((لا)). فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبُرُ. ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَغْشَرَ قُرَيْشِ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِيُهُمْ نِسَاؤُهُمْ. فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ نَِّ - يُرِيدُ عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ وََّ تَبَشُمَةً أُخْرِى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةِ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اَدْعُ اللّهَ فَلْيُوَسِّغْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسًا وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأَعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ. فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َّ. وَكَانَ مُتَّكِئًا. ٦١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فَقَالَ: ((أَوَفِي هذا أَنْتَ يَا ابنِ الخَطَّابِ؟ إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيَِّاتِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا)». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْتَغْفِرْ لِي. فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ◌َ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الَحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَقْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ قَالَ: ((مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا)). مِنْ شِدَّةِ مَؤْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعُ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةَ أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَ)). فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعَا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَىْ آيَةَ التَّخَتُّرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ أَمْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَاخْتَزْتُهُ. ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ. [انظر: ٨٩- مسلم: ١٤٧٩- فتح ٢٧٨/٩]. ذكر فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقد سلف في: المظالم، في باب: الغرفة بطوله(١)، وفي آخر: وقال عبيد بن حنين: سمع ابن عباس من عمر: أعتزل النبي و 08 أزواجه(٢)، وهو مطابق لما ترجم له، وسلف بعضه في: العلم (٣). وفيه: بذل الرجل المال لابنته بتحسين عشرة زوجها؛ لأن ذلك صيانة لعرضه وعرضها، وبذل المال في صيانة العرض واجب. وفيه: تعريض الرجل لابنته بترك الأستنكار من الزوج، إذا كان ذلك يؤذيه ويحرجه . (١) سلف برقم (٢٤٦٨). (٢) سلف برقم (٤٩١٣) كتاب: التفسير، باب: ﴿تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ (٣) سلف برقم (٨٩) باب: التناوب في العلم. ٦١٣ كِتَابُ الرَّضَاعِ = وفيه: سؤال العالم عن بعض أمور أهله، إذا كان في ذلك سنة تنقل، ومسألة تحفظ، وإن كان فيه غضاضة، وعما لا غضاضة فيه، وإن كان من سره. وفيه: توقير للعالم عما يخشى أن يجشمه، والمطل بذلك إذا لم يخش فواته، فإذا خشي ذلك جاز للطالب أن يفتش عما فيه غضاضة، وما لا غضاضة فيه. وفيه: إجابة العالم في ابنته وفي أمرأته مما سلف لها من خطأ، وما ضلت فيه من سنة. وفيه: سؤال العالم في الخلوات وفي موضع التبرز، لاسيما إذا كان في شيء من أمر نسائه وأسراره، فلا يجب أن يسأل عن ذلك في جماعة الناس، ويترقب المواضع الخالية. فصل : وفيه - كما قال الطبري(١) -: الدلالة الواضحة على أن الذي هو أصلح للمرء وأحسن به الصبر على أذى أهله، والإغضاء عنهم، والصفح عما ناله منهم من مكروه في ذات نفسه دون ما كان في ذات الله، وذلك الذي ذكره عمر عن رسول الله وَيقول من صبره على ما يكون إليه منهن من الشدة على رسول الله وَ لقر، وأذاهن وهجرهن له، ولم يذكر عن رسول الله وَر أنه عاقبهن على ذلك، بل ذكر أن عمر هو الذي وعظهن عليه دون رسول الله وَله، وبنحو الذي ذكر عن عمر من خلق رسول الله وَلّ تتابعت الأخبار عنه، وإلى مثله ندب أمته الطَّها، وقد قال فيما روته عائشة رضي الله عنها عنه قَال: ((خيركم خيركم لأهله، (١) (تهذيب الآثار)) مسند عمر بن الخطاب ١/ ٤٠٧ وما بعدها. ٦١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأنا خيركم لأهلي))(١). وخطب -فيما رواه عبد الله بن زمعة- فذكر النساء فقال: ((علام يعمد أحدكم فيجلد (امرأته)(٢) جلد العبد، ولعله يضاجعها من يومه))(٣) ويأتي هذا قريبًا في البخاري (٤). (١) رواه الترمذي (٣٨٩٥) كتاب: المناقب، باب: فضل أزواج النبي ◌ّر، والدارمي ١٤٥١/٣ (٢٣٠٦) كتاب: النكاح، باب: في حسن معاشرة النساء - دون شطره الأخير - والطبري في (تهذيب الآثار)) ٤٠٨/١ (٦٧٩) مسند عمر بن الخطاب، وابن حبان ٤٨٤/٩ (٤١٧٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ١٣٨/٧، والبيهقي في ((السنن)) ٤٦٨/٧، وفي ((الشعب)) ٤١٥/٦ (٨٧١٨)، ٤٦٦/٧ (١١٠١٤) وعند بعضهم زيادة، كلهم من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به. ورواه البزار كما في ((الكشف)) (١٤٨١)، والطبري في ((تهذيب الآثار)) ١/ ٤٠٨ (٦٧٨) مسند عمر بن الخطاب. كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به. ورواه الطبراني في «الأوسط)» ١٨٧/٦ (٦١٤٥) من طريق روح بن القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري، وروي هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي وَلّ مرسلًا. اهـ والحديث أورده الألباني في ((الصحيحة)) (٢٨٥) من طريق سفيان الثوري ثم قال: إسناده صحيح على شرط الشیخین. اهـ. ثم ذكر له شاهدین من حديث ابن عباس وابن عمرو. (٢) في الأصول: أمته، والمثبت من مصادر تخريج الحديث. (٣) سلف برقم (٤٩٤٢) كتاب: التفسير، سورة الشمس، وكذا رواه مسلم (٢٨٥٥) كتاب الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، وأحمد في ((المسند)) ١٧/٤، واللفظ له. (٤) سيأتي قريبًا برقم (٥٢٠٤) كتاب: النكاح، باب: ما يكره من ضرب النساء، كما سيأتي أيضًا برقم (٦٠٤٢) كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾. ٠ ٦١٥ كِتَابُ الرَّضَاعِ وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما (مرفوعًا) (١): ((علق سوطك حيث يراه الخادم))(٢) وحديث أبي ذر: ((أخف أهلك في الله ولا ترفع عنهم عصاك))(٣). فقيل: أسانيدهما واهية، وأفضل ما تخلق به الرجل في أهله الصفح عنهم، على ما صح به الخبر عن رسول الله وَ لاته، (١) من (غ). (٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٢٩)، والبزار كما في ((الكشف)) (٢٠٧٧)، والطبري في ((تهذيب الآثار)) ٤١١/١ (٦٨٣) مسند عمر، والطبراني ٢٨٤/١٠- ٢٨٥ (١٠٦٦٩- ١٠٦٧٢)، وفي ((الأوسط)) ٣٤١/٤ (٤٣٨٢) والخطيب في (تاريخ بغداد)) ٢٠٣/١٢، كلهم من طريق علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه ابن عباس مرفوعًا -وجاء عند بعضهم: ((حيث يراه أهل البيت))- والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٠٦/٨ وقال: وإسناد الطبراني حسن. اهـ كما حسنه العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١٧٤٢)، والحديث أورده أيضًا الألباني في ((الصحيحة)) (١٤٤٧) وقال: الحديث حسن إن شاء الله. اهـ. وفي الباب عن ابن عمر، وجابر، يراجع ((المقاصد الحسنة)) (٧٠١). (٣) رواه الطبري في (تهذيب الآثار)) ٤١٢/١ (٦٨٥) مسند عمر، والطبراني في ((الدعاء)) ١٥٤٤/٣-١٥٤٥ (١٦٤٩) كلاهما من طريق النضر بن معبد عن محمد ابن واسع، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر مرفوعًا، بزيادة فيه. قلت: وعبد الله بن الصامت ومحمد بن واسع كلاهما ثقة. ((التقريب)) (٣٣٩١، ٦٣٦٨) وأما عن النضر بن معبد فقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. ((الجرح والتعديل)) ٤٧٤/٨ (٢١٧٨)، و((لسان الميزان)) ٢٠٥/٧ (٨٨٩٢) لكن قد تابع النضر سلامُ أبو المنذر، وهُذِه المتابعة رواها الطبراني في ((الدعاء)) ١٥٤٣/٣ (١٦٤٨). هذا وقد ورد الحديث في ((الإرواء)) (٢٠٢٦) من رواية معاذ مرفوعًا، واستشهد له الألباني بحديثين من رواية أبي الدرداء وأم أيمن، ثم قال في الخاتمة: وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق والشواهد صحیح بلا ريب. اهـ وفي الباب أيضًا عن عبادة بن الصامت. ٦١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقيل: بل صحيحة؛ ومعنى ذلك أن يضرب الرجل امرأته إذا رأى منها ما يكره فيما يجب عليها فيه طاعته، واعتلوا بأن جماعة من الصحابة كانوا يفعلون ذلك. روي عن جرير، عن مغيرة، عن أم موسى قالت: كانت ابنة علي بن أبي طالب تحت عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فربما ضربها، فتجيء إلى الحسن بن علي فتشتكي، وقد لزق (درع حرير)(١) بجسدها من الضرب فيقسم عليها لَترجعن إلى بيت زوجها . وروى أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت: كنت رابعة أربع نسوة تحت الزبير، وكان إذا عتب على إحدانا أخذ عودًا من المشجب، فضربها به حتى يكسر عليها . وروى شعبة عن عمارة قال: دخلت على أبي مجلز فذكر بينه وبين امرأته كلام، فرفع العصا فشجها قدر نصف أنملة أصبعه. وكان محمد بن عجلان يحدث بقوله العليا: ((لا ترفع عصاك عن أهلك)). فكان يشتري سوطًا فيعلقه في قُبَّته؛ لتنظر إليه أمرأته وأهله. وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ منه بالأدب والوعظ، وأن لا يخلو من تفقدهم بما يكون لهن (مانعًا)(٢) من الفساد عليهم، والخلاف لأميرهم، ومنه قول العرب: شق فلان عصا المسلمين: إذا خالف ألفتهم، وفرق جماعتهم. ومن ذلك قيل للرجل إذا قام بالمكان واستقر به واجتمع إليه أمره: قد ألقى فلان عصاه، وضرب فيه أرواقه. فأما ضربها لغير (الهجر)(٣) في المضجع فغير جائز له، بل هو محرم عليه، قالوا: وقد (١) كذا في الأصول، وفي (تهذيب الآثار)): درع من حدید. (٢) في الأصول: نافعًا، والمثبت هو الصواب كما في (تهذيب الآثار)). (٣) في الأصل: الهرب، والمثبت هو الصواب. ٦١٧ كِتَابُ الرَّضَاعِ = حرم الله أذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا؛ فكذلك ضربهن بغير ما أكتسبن حرام. قال: والصواب أنه غير جائز لأحد ضرب أحد ولا أذاه إلا بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٨]. سواء كان المضروب أمرأة أو مملوكًا أو صغيرًا؛ لأن الله تعالى قد أباح لهؤلاء ضرب من ذكر بالمعروف على ما فيه صلاحهم. وأما حديث: ((لا ترفع عصاك عن أهلك))(١) فمحمول على الترهيب في ذات الله؛ لئلا يركبوا ما لا ينبغي، فتبقى سبة، إذ كان التَّا قيمًا على أهله وراعيًا عليهم، كما جعل الأمير راعيًا على رعيته، وعلى الراعي رعاية رعيته بما يصلحهم دِينًا ودُنيا، يوضحه قوله لفاطمة بنت قيس: ((أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه))(٢). أعلمها شدته على أهله، فلو كان ما ذكروه لم يكن لتزهيده فيه بما ذكر معنى، إذ الوعظ لا يوجب لصاحبه ذمًا وقدحًا(٣). وقد جاء: ((أما أبو جهم فضراب للنساء)) (٤). فصل : وفيه: أن لذي السلطان وغيره أتخاذ الحجبة؛ ليحول بينه وبين من أراده، ومن الوصول إليه إلا بإذنه لهم؛ لقول عمر عليه (ورسول الله وقَليه في مشربة له، وعلى بابها غلام أسود). (١) تقدم تخريجه. (٢) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها. (٣) هنا انتهى كلام الطبري رحمه الله. انظر ((تهذيب الآثار)) مسند عمر ٤٠٧/١-٤٢٥ بتصرف. (٤) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٧). ٦١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وفيه: بيان أن ما روي عن رسول الله وَّر: لم يكن له بواب(١). أن معناه: لم يكن له بواب في الأوقات التي يظهر فيها لحاجات الناس ويبرز لهم فيها، فأما في الأوقات التي يخلو بنفسه فيها فيما لابد له منه، فإنه قد كان يتخذ فيها أحيانًا بوابًا وحاجبًا، ليُعْلِمَ مَنْ قَصَدَه أنه خالٍ بما لابد له منه من قضاء حاجة، وتلك هي الحال التي وصف عمر أنه وجد على باب مشربته بوابًا. وتأتي زيادة في هذا المعنى في: الأحكام، في باب: ما ذكر أنه العَيْه لم يكن له بواب(٢). قال المهلب: وفيه: أن للإمام والعالم أن يحتجب في بعض الأوقات عن بطانته، وخاصة عندما يطرقه، ويحدث عليه من المشقة مع أهله وغيرهم، حتى يذهب ما بنفسه من ذلك؛ ليلقى الناس بعد ذلك وهو منبسط إليهم غير مشتكٍ لما عرض له. فصل : في سكوته القليل عن الإذن لعمر في تلك الحال الرفق بالأصهار، والحياء منهم عندما يقع للرجل مع أهله؛ لأنه وَ ر لو أمر غلامه برد عمر وصرفه، لم يجز لعمر أن ينصرف مرة بعد أخرى حتى أذن له الكبير: فدخل عليه، فدل ذلك أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام وأفضل في بعض الأحايين. فصل : وفيه: الإبانة - كما قال الطبري- (عن أن كل)(٣) لذة وشهوة قضاها (١) سلف برقم (١٢٨٣) كتاب: الجنائز، باب: زيارة القبور، من حديث أنس، ورواه أيضًا مسلم (٩٢٦) كتاب: الجنائز، باب: في الصبر على المصيبة. (٢) سيأتي برقم (٧١٥٤) من حديث أنس أيضًا. (٣) في الأصول: عن أكل، والمثبت هو الصواب. ٦١٩ كِتَابُ الرَّضَاعِ المرء في الدنيا فيما له مندوحة عنها، فهو استعجال من نعيم الآخرة الذي لو لم يستعجله في الدنيا كان مدخورًا له في الآخرة؛ وذلك لقوله القي: «أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا)). فأخبر أن ما أوتيه فارس والروم من نعيم الدنيا تعجيل من الله لهم نظير ما أدخر لأهل عبادته عنده، فكره الكليه لأمته أن تؤتى مثل ما أوتي فارس والروم علي سبيل التلذذ والتنعم. فأما على صرفه في وجوهه وتفريقه في سبله التي أمر الله بوضعه فيها؛ فلاشك في فضل ذلك وشرف منزلته، إذ هو من باب منازل الامتحان والصبر على المحن، مع أن الشكر على النعم أفضل من الصبر على الضراء وحدها (١). فصل : معنى: (فَتَبَرَّزَ): خرج إلى البراز، وهو ما برز عن البيوت والدور وبعد . ومعنى: (سكبت): صببت، يقال: سكبت أسكب سكبًا، وهو ماء مسکوب: إذا سال. وقوله: (وَهُمْ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ)، العوالي: جمع عالية، وهو ما أرتفع من نجد إلى تهامة. والسوافل: ما سفل من ذلك. ومعنى (تراجعني): ترادني، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى رَجْعِهِ، لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨]. قيل: عنى به: رد الماء في الصلب، وقيل: عنى به: رد الإنسان بعد الكبر إلى الصغر، وقيل: عنى به رد الإنسان بعد مماته كهيئته قبل مماته. وقد أسلفنا هناك أن المراد بالجارة الضرة، وهو كلام العرب، (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣١٣/٧-٣١٤. ٦٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ومنه قول حَمَلَ بن مالك: كنت بين جارتين(١)، في معنى ضرتين. قال ابن سيرين: وكانوا يكرهون أن يقولوا: ضرة. ويقولون: إنها لا تذهب من رزقها بشيء، ويقولون: جارة. والعرب تسمي صاحب الرجل وخليطه جاره، والصاحبة والخليطة [جارة](٢)، وتسمى زوجة الرجل جارة؛ لاصطحابهما ومخالطة كل واحد منهما صاحبه، وقد سلف في حديث : ((الجار أحق بسقبه))(٣). فصل : وفيه: الإلحاح في الاستئذان، وأن يستأذن ثلاثًا، وإن علم أنه سمعه، وقال مالك: إن علم أنه لم يسمعه فلا بأس أن يزيد على الثلاثة(٤)، وقيل: لا يجوز ذلك لعموم النهي عن ذلك. (١) رواه البيهقي ١١٤/٨. (٢) زيادة يقتضيها السياق من ((شرح ابن بطال)) ٣١٥/٧. (٣) سلف برقم (٢٢٥٨). (٤) أنظر: ((المعونة)) ٥٧٨/٢.