Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
-- كِتَابُ الرَّضَاعِ
ورعونته. وقال ابن أبي أويس: (عياياء طباقاء) أي: عيي مطبق عيا
لا یتصرف ولا یتوجه لوجهٍ.
وقيل: الطباقاء من الرجال: الثقيل الصدر، الذي (يطبق)(١) صدره
على صدر المرأة عند المباضعة. قالت أمرأة أمرئ القيس تذمُّه: ثقيل
الصدر، خفيف العجز، سريع (الإراقة) (٢) بطيء الإفاقة(٣).
قال الجاحظ: وهو عكس الخصي، فإنه بطيء الإراقة سريع
الإفاقة.
وقال يعقوب: العياياء: الذي لا يهتدي لوجهٍ (٤).
وقال الداودي: غياياء من الغي، وعياياء من العجز والجهل
والظلمة.
وقال ابن التين: وأنكر أبو عبيد المعجمة(٥).
قلت: ووقع في كتاب ابن بطال عنه: (عياياء) بالعين ليس بشيء إنما
هو بالغين المعجمة(٦)، كذا رأيته في أصله، ومعجمة في الحاشية
تصحيح عليها .
لكن سيأتي عن القاضي ما يرده.
(١) في الأصول: لا يطبق. وهو خطأ؛ لأنه إذا كان لا يطبق صدره على صدر المرأة
عند المباضعة، فهُذِه صفة مدح لا ذم، وهي في مقام الذم، وما أثبتناه هو الذي في
(بغية الرائد)) ص ٩٠، ((المفهم)» ٣٣٩/٦.
(٢) في الأصول: الإرادة، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب، يوضحه قول
الجاحظ بعدُ: بطيء الإراقة.
(٣) انظر: ((بغية الرائد)) ص ٩٠.
(٤) (بغية الرائد)) ص٨٩.
(٥) انظر: ((غريب الحديث)) ٣٦٨/١.
(٦) الذي وقع في ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٠٠ إنما هو (بالعين) ولم يقل المعجمة.

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن فارس: العِيُّ خلاف البيان، يقال: رجل عيي وعياياء،
وفحل عياياء إذا لم يهتد للضراب، قال: والطباقاء من الرجال:
العيي، ومن الأبل: الذي لا يحسن الضراب(١)، جعله مثل عياياء،
فكأنه كرره لما اختلف اللفظ مثل بعدًا وسحقًا، وعبس وبسر.
وقال القاضي عياض: قول أبي عبيد أن الغياياء -بالمعجمة- ليس
بشيء ولم يفسره، وتابعه على ذلك سائر الشراح، فقد ظهر لي فيه معنى
صحيح - إن شاء الله- في اللغة، بَيِّنٌ في التأويل، وهو أن يكون مأخوذًا
من الغياية، وهي كل ما أظل الإنسان فوق رأسه من سحاب وغيره، ومنه
سميت الراية غياية، فكأنه غطى عليه من جهله، وسترت مصالحه، وقد
يمكن أن يكون أيضًا من الغي، وهو الأنهماك في الشر، أو من الغي
وهي الخيبة. قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ لأنه خائب من كل
فضيلة(٢) .
وقولها: (كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ)، أي: كل داء من أدواء الناس فهو فيه،
ومن أدوائه(٣)، فقد اجتمعت فيه المعايب، فيحتمل أن يكون (داءٌ)
خبرًا ل(كل)، يعني: من كل داء في الناس فهو فيه، وأن يكون [له](٤)
صفة لـ(داء) و(داء) خبر لـ(كل)، أي: كل داء فيه بليغ منتهاه، كما
تقول: إن زيدًا رجل، وإن هذا الفرس فرس(٥).
وقولها: (شَجَّكِ)، أي: أصاب شجك.
(١) ((مجمل اللغة)) ١/ ٥٩٢، ٦١١/٢.
(٢) (بغية الرائد)) ص٨٩ - ٩٠.
(٣) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٦٩/١.
(٤) ساقطة من الأصول، ومثبتة من ((الفائق)).
(٥) أنظر: ((الفائق)) ٥١/٣.

٥٨٣
- كِتَابُ الـ
وقولها: (أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلَّا لَكِ). وجاء: (أو بجك) والبج:
الجرح في الرأس خاصة و(الفل)(١) في جميع (الجسد)(٢)، وقيل: هو
الطعن، وقال ابن الأنباري: (فلك): كسرك، ويقال: ذهب بمالك،
يقال: فل القوم فانفلوا، ويقال: كسرك بخصومته، ويجوز أن يريد
بالفل الإبعاد والطرد(٣).
وقولها: (أَوْ جَمَعَ كُلَّا لَكِ)، أي: جمع الضرب والخصومة.
والشج: الجرح من الطعنة؛ وصفته بالحمق والتناهي في جميع
النقائص والعيوب، وسوء العشرة مع الأهل، وعجزه عن حاجتها مع
ضربها وأذاه لها، فإذا حدثته سبها، وإذا مازحته قبحها، وإذا غضب
إما أن يشجها في رأسها أو يكسر عضوًا من أعضائها، وهو معنى
(فلك)، أو طعنها وهو معنى (بجك). قال ابن دريد: (بج)(٤) القرحة
إذا شقها وكل شق بج، وجمع ذلك كله لها من الضرب، والجرح،
وكسر الأعضاء، والكسر بالخصومة، وموجع الكلام، وأخذ مالها.
الوجه الثالث عشر:
قول الثامنة؛ وصفته بحسن الخلق ولین الحدیث کمس ظهر الأرنب
ولينه. و(الزرنب): نبت من الطيب، واحدها زرنبة، قاله ابن حبان في
((شرحه)). يحتمل أن تكون أرادت طيب (ريح)(٥) جسده أو طيب الثناء
في الناس وانتشاره فيهم كريح الزرنب. قيل: يشبه ورق الطرفاء،
(١) من (غ).
(٢) من (غ).
(٣) أنظر: ((الفائق)) ٥١/٣، ((بغية الرائد)) ص٩١.
(٤) من (غ).
(٥) في الأصول: أريج، والمثبت هو الصواب، كما في ((غريب الحديث)) ٣٦٩/١.

٥٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ويسمى رِجْل الجراد لشبهها بها، وقيل: إنه الزعفران، وقيل: إنه
المسك، وأنشد لسلمى أم الخير أم الصديق إذ كانت تنقزه:
ذو المنظر الأنيق
عتيق وما عتيق
كالزرنـب الــق
رشفت منه ريق
لأن غير المسك لايقال فيه العتيق، إنما هو من صفات المسك،
وقيل: إنه صنف من الآس، وزعم ابن البيطار أنه أضرب عن كلام
صاحب ((الفلاحة)) وإسحاق بن عمران . -يعنى ما ذكره عياض من
أنها شجرة عظيمة- قال: لأنه ليس بمعروف في زماننا هذا ولا من
قبله أيضًا. وجاء في رواية أبي عبيد: (وأغلبه والناس يغلب)(١)،
وصفته بالشجاعة. قال معاوية ووصف النساء: يغلبن الكرام ويغلبهن
اللئام. وقال الأعشى الحِرْمَازي:
وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ (٢).
الوجه الرابع عشر:
قول التاسعة إلى أن قالت: (مِنَ النَّادِ). هو بحذف الياء، وهو
المشهور في الرواية ليتم السجع، وإن كان الفصيح في العربية إتيانها ،
وصفته بالشرف وسناء الذكر نسبًا وسؤددًا في قومه، فهو رفيع فيهم،
وأصل العماد: عماد البيت، وجمعها عمد، وهي العيدان التي تعمد
(١) رواها النسائي في ((الكبرى)) ٣٥٧/٥ (٥/٩١٣٩)، والزبير في ((الأخبار
الموفقیات» ص ٤٦٢.
(٢) رواه أحمد ٢٠١/٢، وأبو يعلى (٦٨٧١)، والبيهقي ٢٤٠/١٠.
وهو عجز بيت صدره: وقَذَفَتْنِي بَيْنَ عِيصِ مُؤْتَشِبْ.
انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي ٢٤٠/١، ((النهاية في غريب الحديث)) ١/
١١٣، ((لسان العرب)) ٢١٤/١.

٥٨٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
بها البيوت. وإنما هذا مثل تعني: أن بيته [رفيع](١) (في) (٢) حَسَبِهِ، رفيع
في قومه(٣) .
فبيته عالٍ بحِشْمَته وسعادته لا كبيت غيره من الفقراء، تقصد
ارتفاعه؛ ليراه أرباب الحوائج والأضياف فيأتونه، وهذه صفة بيوت
الأجواد.
وتريد بالنجاد -بكسر النون- حمائل السيف، فكأنها وصفته بطول
القامة، فإن كان طويلا كانت حمائل سيفه طول، فوصفته بالطول
والجود، وهو مما يمدح به الشعراء قال مروان في الرشيد:
قصرت حمائله عليه فقلصت ولقد تأنق قَيْئُها فأطالها
وقال الأعشى في هَوْذَة بن علي :
رفيع العماد طويل النجاد يحمي المضاف ويعطي الفقير
وقولها: (عَظِيمُ الرَّمَادِ) وصفته بالجود وكثرة الضيافة من لحم الإبل
وغيرها، فإذا فعل ذلك عظمت ناره وكثر وقودها، فيكون الرماد
كثيرًا(٤)، وقيل: لأن ناره لا تطفأ ليلًا؛ ليهتدي بها الضيفان، ومن
عادة الكرام يعظمون النيران في الظلمة ويوقدونها على التلال؛
ليهتدى بها. قالت الخنساء في أخيها :
وإن صخرًا لتأتم الهداة [به](٥) (كأنه) (٦) علم في رأسه نار
(١) زيادة يقتضيها السياق، مثبتة من ((غريب الحديث)).
(٢) في الأصل: تعني، والمثبت من (غ).
(٣) انظر: ((غريب الحديث)) ١/ ٣٧٠.
(٤) انظر: ((غريب الحديث)) ٣٧٠/١.
(٥) ساقطة من الأصول، ومثبتة من ((الإيضاح في علوم البلاغة)) ص١٨٩.
(٦) من (غ).
:

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال غيرها :
متى تأته تَعْشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد (١)
وقولها: (قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النَّادِ)، تريد (أنه ينزل)(٢) بين ظهراني
الناس ليعلموا مكانه، فينزلوا عليه ولا يبعد عنهم ولا يتوارى منهم،
بخلاف اللئام(٣) .
والناد: المجتمع للمشاورة يبدو القوم حوالیه، ولا یسمی ناديًا حتى
يكون فيه أهله فَكَنَّتْ عن ارتفاع بيته في الحسب برفيع العماد. وعن طول
قامته بطول النجاد، وعن كثرة القرى بعظيم الرماد، وعلم مكانه بقريب
الناد.
الوجه الخامس عشر:
قول العاشرة تريد تعظيمه، و(ما) استفهامية، وفيها معنى التعظيم
والتهويل وحقيقته: فمَا مَالِكٌ وما هو؟ أَيْ: أَيُّ شيء هو، ما أعظمه
وأكبره وأكرمه، ومثله قوله: ﴿الْمَاقَّةُ ﴿ مَا الْحَاقَّةُ ﴾ [الحاقة: ١-٢].
و﴿اَلْفَارِعَةُ ﴿ مَا الْفَارِعَةُ ﴾﴾ [القارعة: ١-٢]. أَيْ: أيُّ شيء
هي، ما أعظم أمرها .
وقولها: (مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ). زيادة في التعظيم، وتفسير لبعض
الإبهام، وأنه خير مما أَشِيرُ إليه من ثناء وطيب ذكر، أو فوق ما أعتقِدُهُ
فيه من سؤدد وفخر.
(١) عزاه في ((إصلاح المنطق)) ص١٩٨ للحطيئة.
(٢) في الأصل: إن نزل، والمثبت من (غ)، وهو الموافق لما في ((غريب الحديث)).
(٣) أنظر: ((غريب الحديث)) ١/ ٣٧٠. بتصرف :

٥٨٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وقولها: (لَهُ إِيلٌ قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ (كَثِيرَاتُ)(١) المَبَارِكِ). يعني:
لا يوجههن ليسرحن نهارًا إلا قليلًا؛ ولكنهن يتركن بفنائه باركات،
فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبة عنه ولكنها بحضرته فيقريه من
ألبانها ولحومها (٢). ويروى: عظيمات المبارك، وهو كناية عن سمنها
وعظم جِرْمها. وعند ابن قتيبة: إذا تركت إبله كانت كثيرة؛ لكثرة من
ينضم إليها ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلة، لقلة
من ينضم إليها من الأضياف والعفاة(٣)، وقيل: إنها إذا بركت كانت
كثيرة؛ لوفور عددها، وإذا سرحت كانت قليلة؛ لكثرة ما نحر منها
للأضياف. وفي رواية الهيثم عن هشام في آخر ذلك: وهو أمام القوم
في المهالك.
وقولها: (إِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ) تريد: العود الذي يضرب به،
معناه: أنه مما كثرت عادته للضيفان وإطعامهم وشربهم، وضرب
المعازف عليهم، ونحر الإبل؛ فلذلك صارت الإبل إذا سمعت ذلك
أيقنَّ أنهن منحورات.
وقال أبو سعيد النيسابوري: إن كن لا يسرحن إلا قليلاً من النهار،
ثم تحبس في المبارك سائر النهار فهي هالكة هزالًا، وإن كن يسرحن
بالليل فقد (ضاع)(٤) أضياف الليل. والتفسير: أن مسارحها قليلة؛
لقلة الإبل، وكثرة مباركها بالفناء؛ لكثرة ما تثار فتحلب ثم تترك،
(١) من (غ)، وفي (س): قليلات.
(٢) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٧١/١.
(٣) العفاة: السائلون.
(٤) في الأصول: ضاف، وهو خطأ، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٠٢، (بغية
الرائد)» ص١٠٨.

٥٨٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فالقليلة إذا فعل بها هذا كثرت مباركها. وقوله: المِزْهَر: العود؛ نَحْنُ
نُنْكِرُهُ؛ لأن العرب كانوا لا يعرفون العود إلا من خالط الحضر منهم،
والعود إنما أحدث بمكة والمدينة، والذي نذهب إليه أنه المُزْهِر،
وهو الذي يَزْهَرُ النارَ للأضياف والطريق، فإذا سمعت صوت ذلك
وحسه ومعمعة النار، أيقنت بالعقر (١).
وقال عياض: لا نعرف أحدًا رواه (المُزْهِر) كما قال النيسابوري،
وإن كان يصح؛ لأن زهور السراج والنار تلألأ سَنَاها، والذي رواه
الناس كلهم (المِزْهَر)، وهو الصواب.
قال: وقوله إن العرب لا تعرف العود إلا من خالط منهم الحضر،
فمن أخبره أن المذكورات لم يخالطن الحضر؛ لأنا ذكرنا في بعض طرق
هذا الحديث أنهن كن بقرية من قرى اليمن، والقرى مرتقى الحاضرة،
وفي طريق: أنهن من مكة. مع أن العرب جاهليتها وإسلامها فيها بدويها
وحضريها قد ذكرت في أشعارها المزاهر وأشباهها(٢).
وقال الدوادي: هو الذي يضرب به، وكان للأضياف.
الوجه السادس عشر:
قول الحادية عشرة: (زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فَمَا أَبُو زَرْعٍ). هوكقول
العاشرة: (مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ).
وقولها: (وَأَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ) هو بتشديد الياء من أذني على
التثنية .
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٢/٧-٣٠٣.
(٢) ((بغية الرائد)) ص ١١٢.

٥٨٩
كِتَابُ الرَّضَاعِ
والنَّوَس: الحركة من كل شيء متدلِّ، يقال: ناس يَنُوس نَوْسًا
وأَنَاسَهُ غيرُهُ إِناسَةً، وقال [ابن](١) الكلبي: إنما سمي ملك اليمن ذو
نُواسٍ؛ لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه(٢)، تريد: حلاني قرطه
وشنوفًا ينوس بأذني(٣) .
وقولها: (مَلأَّ مِنْ شَحْم عَضُدَيَّ) لم ترد العضد خاصة، إنما أرادت
الجسد كله، تقول: إنما أسمنني بإحسانه إليَّ، فإذا سمنت العضد سمن
الجسد (٤). وقيل: قصدت بذكرها سجع الكلام.
وقولها : (وَبَجَّحَنِي فَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي) أي: فرحني ففرحت، وقد
بجح الرجل يبجح إذا فرح(٥)، وقال ابن الأنباري: معناه: عظمني.
وقال ابن أبي أويس: وسع على وتَرَّفني.
وقولها: (فُوَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ)، تريد: تصغير غنم.
و(بشق) أهل الحديث يقولون بالكسر، قال أبو عبيد: وهو بالفتح:
آسم موضع(٦). وصوبه الهروي، وقال النووي: إنه المعروف عند
أهل اللغة، وحكاهما ابن الأنباري وأنه أسم موضع، قال ابن أبي
أويس وابن حبيب: هو جبل لقلتهم(٧)، زاد ابن أبي أويس: وقلة
(٨)
غنمهم(٨).
(١) ساقطة الأصول، ومثبتة من ((غريب الحديث)) ٣٧١/١ ((شرح ابن بطال)) ٣٠٣/٧،
(بغية الرائد)» ص١١٨.
(٢) ((غريب الحديث)) ٣٧١/١.
(٤) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٧١/١.
(٥) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٧١/١.
(٦) انظر: ((غريب الحديث)) ٣٧٢/١.
(٧) في ((شرح مسلم)): يعني: بشق جبل لقلتهم.
(٨) ((شرح مسلم)) ٢١٧/١٥.
(٣) أنظر: ((المفهم)) ٣٤٣/٦.

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال عياض: كأنها تريد أنهم لقلتهم وقلة غنمهم حملهم على سكنى
شق الجبل، أي: ناحيته أو بعضه؛ لأن الشق يقع على الناحية من الشيء
وعلى بعضه، والشق أيضًا: النصف. فيكون التفسير على رواية من روى
بالفتح -وهو أليق بقولها: لقلتهم - شق في الجبل كالغار ونحوه.
وله وجه آخر ذهب إليه نفطويه، وهو بالحديث أولى وأوضح لغة.
ومعنى: الشق -بالكسر - الشظف من العيش والجهد منه، قال ابن دريد:
يقال: هو بشق وشظف من العيش، (أي: بجهد)(١) منه، وعليه نزول
قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسَِّ﴾(٢) [النحل: ٧].
قال الداودي: يروى بشق بفتح الباء والشين، وبكسرهما، والتشديد
في القاف، فمن رواه بالتخفيف: أراد موضعًا، ومن شدد هو الجهد من
قوله: ﴿بِشِقِّ الْأَنفُسَِّ﴾ .
وقولها: (فجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطِ). الصهيل: أصوات
الخيل، والأطيط: أصوات الإبل. يعني: أنه ذهب بها إلى أهله،
وهم أهل خيل وإبل، وكان أهلها أصحاب غنم، ليسوا بأصحاب
خيل ولا إبل.
قال عياض: وأصل الأطيط: أعواد المحامل والرِّحَال، ويشبه أن
يريد بالأطيط هذا المعنى، فكأنها تريد أنهم أصحاب محامل
ورفاهية؛ لأن المحامل لا يركبها إلا أصحاب السعة، وكانت قديمًا
من مراكب العرب(٣).
(١) في (س): والجهد، والمثبت من (غ).
(٢) ((بغية الرائد)) ص١٢٢.
(٣) ((بغية الرائد)) ص١٢٤.

٥٩١
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
قلتُ: قد ذكر المبرد أن أول من عمل المحامل الحجاج بن يوسف
الثقفي، وفيه قول الراجز:
أول عبد عمل المحاملا أخزاه ربي عاجلًا وآجلا(١).
وقولها: (دَائِسٍ وَمُنَقٌّ)، قال أبو عبيد: تأوله بعضهم من دِیَاس
الطعام، وهو دِرَاسُهُ، وأهل العراق يقولون: الدياس، وأهل الشام
يقولون: الدراس، قال: ولا أظنها واحدة من هاتين الكلمتين، فليسا
من كلام العرب، فإن كان كما قيل فأرادت أنهم أصحاب زرع(٢).
وقال أبو سعيد: الدياس: الطعام الذي أهله في دياسة، وعندهم من
الطعام مقتنى فخيرهم متصل (٣). وقال ابن التين: يريد أنهم أصحاب
زرع، يدوسونه إذا حصد وينقونه مما يخالطه. وأما : (منقّ): فالمحدثون
يقولونه بالكسر، قال أبو عبيد: ولا أدري معناه، وأحسبه منق بالفتح،
أرادت به تنقية الطعام(٤)، وأرادت أنهن أصحاب زرع.
قال الهروي: وقال بعضهم: المنقي: الغربال.
وقال إسماعيل بن أبي أويس: المنقِّ -بالكسر- نقيق (أصوات)(٥)
المواشي والأنعام، تصف كثرة ماله.
وقال أبو سعيد النيسابوري: هو مأخوذ من نقتقة الدَّجَاج يقال: أنق
الرجل إذا أتخذ دجاجًا ينقنق أي: أنهم أهل طير. أي: نقلني من فقر إلى
عمران.
(١) ((الكامل في اللغة والأدب)) ٢٢٨/١.
(٢) ((غريب الحديث)) ١/ ٣٧٢.
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٤/٧.
(٤) ((غريب الحديث)) ٣٧٣/١.
(٥) في الأصول: أصحاب، وهو خطأ، والمثبت من ((بغية الرائد)) ص١٢٥، ((شرح
مسلم)) ٢١٨/١٥.
:

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال ابن سراج: ويجوز أن يكون (منق) بالإسكان أي: وأنعام ذات
نقى. أي: سمان(١). وعند ابن قتيبة: قال أبو عبيد: المنَق مفتوح
النون، ولا أعرف كسرها، وقال غيره بكسرها .
وقال النووي: المراد الذي ينقي الطعام، أي: يخرجه من تِبْنِه
وقشوره، وهو أجود من قول الهروي: هو الذي ينقيه بالغربال(٢).
وقولها: (فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ). أي: فلا يقبح عليَّ قول يقبل مني.
(وأشرب فأتقمح)، أي: يرويني الشراب حتى لا أحب الشرب، مأخوذ
من الناقة المقامح، وهي التي ترد الماء فلا تشرب. وترفع رأسها ريًّا،
وكل رافع رأسه فهو مقمح وقامح قال تعالى: ﴿فَهُم ◌ُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨]
أي: لا يستطيعون الشرب، وكانت في قوم عندهم قلة الماء.
قال أبو عبيد: أي: أروى حتى أدع الشرب من شدة الري. قال:
ولا أراها قالت هذا إلا من عزة الماء الذي عندهم، وبعضهم يرويه :
فأتقنَّح، بالنون، ولا أعرف هذا الحرف ولا أرى المحفوظ إلا بالميم (٣).
وقال أبو سعيد: فأتقنَّح: هو الشرب على رسل لكثرة اللبن؛ لأنها
ليست بناهبة غيرها، وإنما تنتهب ما كان قليلًا يخاف عجزه، ويقول
الرجل لصاحبه إذا أحثه على أن يأكل أو يشرب: والله لتقمحنه.
والتقمح: الأزدياد من الشرب، وقال ابن السكيت في التقنح الذي لم
يعرفه أبو عبيد: أتقنح: أقطع الشراب. [قال](٤) أبو زيد: قال
الكلابيون: قنحت تنقح قنحًا وهو: التكاثر في الشراب بعد الري.
(١) أنظر: ((بغية الرائد)) ص١٢٥.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢١٨/١٥.
(٣) ((غريب الحديث) ١/ ٣٧٣.
(٤) ساقطة من الأصول، ومثبتة من ((شرح ابن بطال)).

٥٩٣
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
وقال أبو حنيفة: يقال: قنحت من الشراب قنحًا، وقنحتُ أقنحُ
قنحًا: تكارهت عليه بعد الري. والغالب: تقنحت. والترنح: كالتقنح(١).
قال عياض: حكى أبو علي القالي في ((البارع)) و((الأمالي)): قنحت
الأبل تقنح -بفتح النون في الماضي والمستقبل- قنحًا بإسكانها. وقال
شمر: قنحًا: إذا تكارهت الشرب، ومن رواه بالفاء والتاء (أتفتح) إن لم
يكن وهمًا فمعناه: التكبر والزهو والتيه. ويكون هذا الكبر والتيه من
الشراب، لنشوة سكره، وهو على الجملة يرجع إلى عزتها عنده،
وكثرة الخير لديها، أو يكون معنى أنفتح: كناية عن سمن جسمها
واتساعه(٢) .
قال عياض: ولم يروه في الصحيح إلا بالنون، وكذا هو في جميع
النسخ. وقال البخاري: قال بعضهم: فأتقمح، بالمیم.
قال: وهو أصح، والذي بالنون معناه: أقطع الشرب وأتمهل فيه،
وقيل: هو الشرب بعد الري.
:
وقولها: (فَأَتَصَبَّحُ). أي: أنام الصبيحة؛ لأنها لها من يكفيها
الخدمة من الإماء وشبهها .
وقولها: (عُكُومُهَا رَدَاحٌ)، تريد: الأحمال والأعدال التي فيها
الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع، واحدها عكم، کجلد وجلود.
والرداح: العظيمة، تقول: هي كثيرة الحشو(٣). يقال للمرأة: رداح؛
إذا كانت عظيمة العجز، ثقيلة الأوراك.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٤/٧-٣٠٥.
(٢) (بغية الرائد)) ص١٢٧ -١٢٨.
(٣) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٧٣/١ -٣٧٤.

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن حبيب: إنما هو دراح. أي: ملاء، وليس كما قال
الشارح: رداح.
قال (عياض: ما قاله)(١) أبو عبيد وغيره صحيح معروف، ومعناه
ظاهر، وما أدري لم أنكر ابن حبيب وهو بنفسه معنى ما فسره هو به
مع مساعدة سائر الرواة لما قاله أبو عبيد، فإن روايتهم كلهم رداح.
قال: ولم أسمعها من شيخ، ولا وجدته في جماهير اللغة وصحاح
العربية، إلا أن يكون وهم عليه، وإنما أراد: رِداح بكسر الراء،
وأنكر فتحها فقط، فلقوله وجه، ويكون (رداح) هنا بمعنى ما قاله
أبو عبيد، لكنه جمع (رادح)(٢) كقائم وقيام، وكذا وجدته مضبوطًا
عند بعض رواة الحديث بكسر الراء (٣).
وقولها: (وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ)، هو بفتح الفاء أي: واسع كبير.
وقولها: (كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ)، هذا من تمادح الرجال، وأصل الشطبة
ما شطب من جريد النخل وهو سعفه، وذلك أنه تنشق منه قضبان
دقاق ينسج منها الحصر، يقال للمرأة التى تفعل ذلك: شاطبة،
وجمعها شواطب، فأخبرت أنه مهفهف ضرب اللحم، شبهته بتلك
الشطبة (٤).
وعبارة ابن التين: أرادت أنه ضرب الجسم، وهو مما يمدح به
الرجال.
(١) من (غ).
(٢) في الأصول: ردح، وهو خطأ، والمثبت هو الصواب؛ لمناسبة (قائم) و(قيام).
(٣) (بغية الرائد)) ص١٣٢ - ١٣٣.
(٤) انظر: ((غريب الحديث)) ٣٧٤/١.

٥٩٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وقال أبو سعيد: تريد كأنه سيف مسلول من غِمْد، شبهته بذي شطب
يمان، وسيوف اليمن كلها مشطبة، وفي كتاب ابن حبان: الشطبة
والشطب: ما شطب من سعف النخل.
وقولها: (وتكفيه -وفي لفظ: وتشبعه- ذراع الجفرة) فالجَفْرَة:
الأنثى من أولاد الغنم، وقيل: من أولاد الماعز، والذكر: جفر،
وهي التي لها من العمر أربعة أشهر، ومنه الغلام الجفر، والعرب
تمدح الرجل بقلة الأكل والشرب كما مرَّ، وزاد فيه بعضهم: كريم
(الخل)(١) برود الظل، وفي الإلِّ. أي: وَافِيّ العهد، وبرد الظل كناية
عن طيب العشرة، ولا يخادن أخدان السوء.
وقولها: (وَمِلُْ كِسَائِهَا)؛ وصفتها بالسمن، و(غيظ جارتها): أي
ضرتها. أرادت أن ضرتها ترى من حسنها ما يغيظها .
وقولها: (ومَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْع؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا). هو بالباء
الموحدة، ويروى بالنون، وأحدهما قريب المعنى من الآخر: لا تظهر
سرنا .
وقال ابن الأعرابي: التُّثَّاث المغتابون للمسلمين، والأول أشبه،
بمعنى الخدمة.
وقولها: (وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا). وفي رواية: لا تنقل. يعني: الطعام
لا تأخذه فتذهب به، تصفها بالأمانة. والتنقيث: الإسراع في السير.
أي: لا تذهب به وتخون(٢).
(١) في الأصول: الجد، وهو تحريف، والمثبت من ((بغية الرائد)) ص١٤٨، ((التدوين
في أخبار قزوين)) ١/ ٣٦٧، ((فتح الباري)) ٢٧١/٩.
(٢) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٧٥/١.
:

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعبارة بعضهم: النقث: النقل، والتنقيث: مبالغة. وقال ابن
حبيب: لا تفسده ولا تفرقة. وقال ابن أبي أويس: لا تسرق. وقال
أبو سعيد: التنقيث: إخراج ما في منزل أهلها إلى (الأجانب)(١)،
وهو النقث والنفث، والثاء والفاء يتعاقبان(٢). وقال ابن فارس: نقث
القوم حديثهم: خلطوه، كما ينقث الطعام(٣).
وقولها: (وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا). التعشيش : -بالعين المهملة-
مأخوذ من عشعش (الخبز) (٤) إذا فسد؛ تريد: أنها تحسن الطعام
المخبوز، وتتعهده بأن تطعم منه أولًا فأولًا طريًّا، ولا تهمل أمره
فيطرح ويفسد(٥)، ذكره ابن التين، ثم قال: وقال الداودي: أراد أنها
لا تتسمع إلى أخبار الناس فتأتينا بها .
وقال يعقوب فيما حكاه ابن قتيبة: تريد النميمة وما شاكلها .
وقال ابن حبان: تريد أنها عفيفة الفرج لا تفسق. وعبارة بعضهم:
لا تخبئ خبيئًا كعش الطائر، أو كأنها لا تَقُمّ البيت فهو كعش الطائر في
قذره وقشبه .
وقال النووي: لا تترك القمامة والكناسة فيه مفرقة كعش الطائر، بل
هي مصلحة للبيت معتنية بتنظيفه.
وقيل: لا تسرق طعامنا فتخبأه في زوايا البيت(٦).
(١) في الأصول: جانب، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٣٠٦/٧، ((بغية الرائد)) ص١٤٩.
(٣) ((المجمل)) ٨٨١/٢.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٦/٧.
(٤) في الأصول: الخمر، وهو تحريف، والمثبت صوابه، كما في ((أعلام الحديث))
١٩٩٩/٣، ((إكمال المعلم)» ٧/ ٤٦٧.
(٥) انظر: ((أعلام الحديث)) ١٩٩٨/٣-١٩٩٩.
(٦) ((شرح مسلم)) ١٥/ ٢٢٠.

٥٩٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
وقال سعيد بن سلمة، عن هشام: تعشعش بيتنا تعشيشًا .
فائدة :
في رواية الهيثم عن هشام: ضيف أبي زرع، وما ضيف أبي زرع؟
في شبع وري ورتع. قال ابن قتيبة: الرتع: جمع رتعة من قوله تعالى:
﴿يَتَعْ وَيَلْعَبْ﴾(١) [يوسف: ١٢]. وقال أبو عبيد (٢): يلهو ويتنعم(٣).
وقال الكلبي: يرتع: يذهب ويجيء وينشط ويلهو ويلعب. وفي رواية
أيضًا: طهاة أبي زرع، فما طهاة أبي زرع؟ لا تفتر ولا تعدى
(تقدح) (٤) قدرًا وتنصب (أخرى)(٥) فتلحق الآخرة الأولى؛ تريد
بالطهاة الطباخين، واحدهم طاهي يقال: طها الرجل إذا طبخ.
ولا تعدى. ترید: لا تصرف عن اتخاذ ذلك.
وقولها: (تقدح قدرًا) معناه: تغرف قدرًا، يقال: قدح: إذا غرف،
والمقدحة المغرفة، وأصلها المقدوح. كالجريح والمجروح .
فائدة :
أسلفنا معنى قولها: (وَمِلْءُ كِسَائِهَا). وجاء في رواية: صِفْر ردائها
بكسر الصاد المهملة وهو الخالي.
قال الهروي: أي: ضامرة البطن، فالرداء ينتهي إلى البطن.
(١) ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ٤٨٤/١.
(٢) كذا بالأصل: أبو عبيد، ولعله أبو عبيدة.
(٣) أنظر: ((مجاز القرآن)) ٣٠٣/١.
(٤) في الأصول: للقدح، والمثبت من ((التدوين في أخبار قزوين)) ٣٦٨/١، ((فتح
الباري)» ٩/ ٢٧٢.
(٥) في الأصول: الأخرى، والمثبت من ((التدوين في أخبار قزوين)) ٣٦٨/١، ((فتح
الباري)» ٢٧٢/٩.

۔
٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال غيره: معناه أنها خفيفة أعالي البدن -وهو موضع الرداء-
ممتلئة أسفله - وهو موضع الكساء- توضحه رواية: وملء إزارها .
قال عياض: أرادت امتلاء منكبيها وقيام نهديها بحيث يدفعان الرداء
عن أعالي بدنها فلا يمسه، فيصير خاليًا بخلاف أسفله(١).
فصل :
سلف معنى قوله: (وَغَيْظُ جَارَتِهَا). وفي رواية: عَقْر جارتها.
بالعين المفتوحة والقاف الساكنة.
قال عياض: كذا ضبطناه عن جميع شيوخنا، وضبطه الجياني:
(عُبْر) بضم العين وإسكان الباء، وكذا ذكره (ابن الأنباري)(٢)، وكأن
الجياني أصلحه من كتاب ابن الأنباري، وفسره على وجهين:
أحدهما من الاعتبار (أي)(٣): ترى من حسنها وعفتها ما تعتبر به.
والثاني: من العَبْرة: هي البكاء. أي: ترى من ذلك ما يبكيها
لحسدها وغيظها، ومن رواه بالقاف فمعناه: تغيظها، فتصير
كمعقورة، وقيل: تدهشها، من قولهم: عَقْرًا إذا دهش (٤).
وعند الإسماعيلي: وذكرت كلب أبي زرع.
قولها: (وَالأَوْطَابُ تُمْخَضُ). تريد بالأوطاب أسقيه اللبن،
فصل :
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٦٦/٧.
(٢) في الأصول وفي ((شرح مسلم)) للنووي ٢١٩/١٥ ابن الأعرابي، والمثبت من
((إكمال المعلم)» ٧/ ٤٦٧: وهو الصواب يوضحه ما ذكره بعد.
(٣) من (غ).
(٤) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٤٦٧ بتصرف.

٥٩٩
كِتَابُ الرَّضَاعِ
واحدها: وطب، قاله أبو عبيد(١)، وأنكره أبو سعيد وقال: هذا منكر في
العربية أن يكون فَعْل يجمع على أَفْعَال، لا يقال: كلب وأكلاب،
ولا وجه وأوجاه، وإنما الصحيح: الأوطب في القلة والأوطاب في
الكثرة(٢).
ومعنى: (تمخض) تُحرَّك حتى تخرج زبدتها ويبقى المخيض،
ومعنى كلامها يحتمل أنها أرادت تبكير خروجه من منزلها غدوة،
وانطوى في أثناء ذلك كثرة خير داره، وغزر لبنه، وأن عندهم منه
ما يشرب صريحًا ومخيضًا، ويفضل عن حاجتهم حتى يمخضوه في
الأوطاب ويستخرجوا زبده وسمنه.
ويحتمل أنها تريد أن خروجه في استقبال الربيع وطيبه، وأن خروجه
إما لسفر أو غيره كان في هذا الزمن، فتكون الفائدة في الاحتمال
الأول: تعريفها بخروجه عنها بكرة النهار، والثاني: إعلامها بوقت
خروجه عنها في أي فصل هو.
فصل :
قولها: (فَلَقِيَ مَعَهَا وَلَدَانِ كَالْفَهْدَيْنِ). وفي رواية: كالصقرين.
احتاجت إلى ذكرها هنا؛ لتنبه على أحد أسباب تزويجه لها؛ لأن
العرب كانت ترغب في الأولاد، وتحرص على النساء المنجبات في
الخَلْقِ والخُلُق. لكن في رواية الخطيب أنهما أخواها لا ابناها، وأنه
إنما تزوجها بكرًا .
(١) ((غريب الحديث)) ٣٧٥/١.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٦/٧.

٦٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
وقولها: (يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنٍ). يعني أنها ذات كفل
عظيم، فإذا أستلقت نتأ الكفل بها من الأرض حتى يصير تحت خصرها
فجوة يجري فيها الرمان، وقيل: إنهما الثديان. وأنكره أبو عبيد فقال:
ليس هذا موضعه(١).
وحكاه ابن قتيبة عن ابن أبي أويس. قال عياض: والأول أرجح؛
لاسيما وقد روي: من تحت درعها برمانتين(٢).
وعبارة ابن التين وصفها بكبر الكفل والصدر.
فصل :
قولها: (فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا).
كذا في ((الصحيح)) وفي رواية أبي الهيثم: فاستبدلت بعده، وكل بدل
أعور، فتزوجت شابًّا. والسري: بالسين المهملة أي: من سراة الناس.
وقال عياض، عن ابن السكيت: بالمعجمة يعني: سيدًا شريفًا سخيًّا.
و(ركب شريًّا) بالمعجمة، وهو الفرس الذي يستشري في سيره،
أي: يلح ويمضي بلا فتور، وقال يعقوب: وهو الفرس الفائق
الخيار(٣)، ونقل ابن بطال عن ابن السكيت: ركب فرسًا شريًّا. أي:
خيارًا، من قولهم: هذا من سراة المال أي: من خياره(٤)؛ ولما
(١) ((غريب الحديث)) ٣٧٥/١-٣٧٦.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤٦٨/٧.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٤٦٩/٧، بتصرف.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٠٧. ونَصّ عبارته كما عند الزمخشري في ((الفائق)) ٥٤/٣ :
الفرس الشري: الذي يشري في عدوه، أي: يلج ويتمادى، وقيل هو الفائق
الخيار، من قولهم: سراة المال وشراته لخياره. عن ابن السكيت، واشتراه
واستراه: أختاره. اهـ