Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
كِتَابُ الرَّضَاعِ
وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ، وَمِيرِي أَهْلَكِ. قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِي
مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأَمِّ زَرْع)).
هذا الحديث عظيم حفيل جم الفوائد، أفرد بالتأليف(١)، أفرده
أبو القاسم بن حبان، والقاضي، وابن قتيبة، وقد أخرجه مسلم في
(صحيحه))، وكذا الترمذي في ((شمائله))، والنسائي في عشرة النساء؛
عن علي بن حجر به(٢) .
ويختصر الكلام عليه في وجوه:
أحدها :
الحديث أخرجه النسائي من حديث عباد بن منصور، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة(٣)، والمحفوظ حديث هشام، عن أخيه،
كما أسلفناه.
قال عياض: اختلف في سند هذا الحديث ورفعه مع أنه [لا](٤)
أختلاف في صحته، وإن الأئمة قد قبلوه ولا مخرج له -فيما أنتهى
إلي- إلا من رواية عروة عن عائشة، فروي من غير طريق [عن](٥)
(١) وممن أفرده بالتأليف: عبد الباقي بن عبد المجيد المكي، وسماه ((مطرب السمع
في شرح حديث أم زرع))، كما في ((كشف الظنون)) ١٧١٨/٢. ومحمد بن
عبد الملك السمرقندي الملقب بأمير معزي. ((هدية العارفين)) ٤٩٣. وابن ناصر
الدين الدمشقي، وسماه ((ريع الفرع))، كما في ((هدية العارفين)) ٥٥٣ وغيرهم.
(٢) مسلم (٢٤٤٨)، ((الشمائل المحمدية)) (٢٥٤)، ((السنن الكبرى)) (٩١٣٨).
(٣) ((السنن الكبرى)) ٣٥٨/٥ (٧/٩١٣٩).
(٤) زيادة يقتضيها السياق من ((بغية الرائد)) ص١٨.
(٥) زيادة يقتضيها السياق من (بغية الرائد)) ص١٨.

٥٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
عروة عنها من قول رسول الله ◌َر، كله هكذا، رواه عباد بن منصور
والدراوردي، وعبد الله بن مصعب الزبيري، ويونس بن أبي إسحاق؛
كلهم عن هشام، عن أبيه، عنها، عن رسول الله وَالآن.
وكذا رواه أبو معشر عن هشام، لكنه قال: عن هشام وغيره من أهل
المدينة، عن عروة، عنها مرفوعًا بطوله.
وكذا رفعه القاسم بن عبد الواحد، إلا أنه قال: حدثني عمر بن
عبد الله بن عروة، عن عروة، عنها، مرفوعًا، كذا ذكره النسائي(١).
وقال الدارقطني: عمر، عن أبيه، عن عائشة، جعلوه من قول رسول
الله وَّ نصًّا من غير أحتمال، وأسندوه بطوله.
وكذا ظاهر رواية حنبل بن إسحاق، عن موسى بن إسماعيل، عن
سعيد بن سلمة عن هشام، إلا أنه قال: عن هشام، عن أخيه، عن
أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله وَّرَ: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْع
لأُمِّ زَرْع)» ثم أنشأ يحدث حديث أم زرع بطوله. وكذا قال أحمد بنَ
داود الحراني، عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن أخيه عبد الله،
عن أبيه، عن عائشة، عن رسول الله وَال﴾ (٢).
وكذا حكاه عنه القاسم بن سلام(٣)، وكذلك رفعه الهيثم بن عدي
عن هشام، إلا أنه قال: عن أخيه يحيى بن عروة، عن عروة، وساقه
كله من قول رسول الله وَلهل نصًّا.
(١) ((السنن الكبرى)) ٣٥٨/٥ (٨/٩١٣٩).
(٢) رواية حنبل بن إسحاق، وأحمد بن داود الحراني، رواهما علي بن المديني في
كتاب ((من روى عنه من أولاد العشرة)) ص ١٧٢ -١٧٨.
(٣) ((غريب الحديث)) ١/ ٣٦٤.

٥٦٣
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
رواه علي بن حجر، وابن جناب، وسليمان بن عبد الرحمن،
وغُنْدَر، وهشام بن عمار، ومحمد بن جعفر الوَرْكَاني، وصالح بن
مالك الخوارزمي، عن عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبد الله بن
عروة، عن عروة عنها من قولها .
وكذا أسنده سويد بن عبد العزيز، عن هشام وحسن الحلواني، عن
ابن أبي الحسام(١)، عنه. وكذا رواه أبو عقبة(٢)، عن أبيه عقبة بن خالد،
عن هشام، إلا أنه قال: عن أبيه، عن عائشة. وكذا قاله ابن أبي أويس،
ويوسف بن زياد، وسليمان بن بلال، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، عن
هشام، وأبو معاوية الضرير، عنه مختصرًا .
وكذا ساقه داود بن شابور، عن عمر بن عبد الله بن عروة [عن
عروة](٣)، ويقال عن أبيه، عن عائشة من قولها. وقال عقبة بن خالد
أيضًا: عن هشام، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عنها، عن
رسول الله وَّيه بمثله مختصرا، يريد قوله: ((كنت لك)) إلى آخره، وكذا
قال أبو أويس وإبراهيم بن أبي يحيى، عن ابن رومان، عن عروة،
عنها، عن رسول الله وَالجهل.
قال النسائي إثر حديث عقبة: يريد قوله: ((كُنْتُ لَكِ)) إلى آخره(٤).
(١) هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام القرشي، العدوي، أبو عمرو المدني.
انظر ترجمته في: ((التاريخ الكبير)) ٤٧٩/٣، ((تهذيب الكمال)) ٤٧٧/١٠-٤٨٠.
(٢) هو خالد بن عقبة بن خالد السكوني، أبو عقبة الكوفي. قال النسائي: صالح. وذكره
ابن حبان في ((الثقات)). مات سنة سبع وأربعين ومائتين.
انظر ترجمته في: ((الجرح والتعديل)) ٣٤٥/٣ (١٥٥٥)، ((تهذيب الكمال))
٨/ ١٣٣.
(٣) زيادة يقتضيها السياق من (بغية الرائد)) ص ٢٠.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٣٥٨/٥ (٦/٩١٣٩).

٥٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد وقع مفسرًا عن غير النسائي، قال أحمد بن حنبل: فذكر منه
حرفًا، قال: ((كُنْتُ لَكِ)) إلى آخره. وفي رواية ابن حبيب: قالت
عائشة: فكان رسول الله وَ﴾ كثيرًا ما يقول لها إذا (عبر)(١): ((يا
عائشة كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعِ لأَمِّ زَرْع)». زاد في بعض الروايات: ((إنه
طلقها وإني لا أطلقك)). ذكِّرها أحمد بن خالد في ((مسنده)).
وعند ابن الأنباري: ((كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الألفة والوفاء
لا في الفرقة والجلاء)). قال: وقال عروة: إنما يرد هذا الحديث بهذا
الحرف، فذكره(٢).
قال القاضي: ولا خلاف في قوله: ((كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ)).
والخلاف في بقيته.
وقال الخطيب أبوبكر: المرفوع من ((كُنْتُ)) إلى آخره، وما عداه فمن
كلام عائشة رضي الله عنها حدثت به هي رسول الله وَ له، بَيَّنَ ذلك عيسى
بنُ يونسَ في روايته، وأبو أويس، وأبو معاوية، وقد رُوِيَ أنَّ القائلَ في
حديث سعيد بن سلمة: (ثم أنشأ يحدث الحديث) هُوَ هِشَامٌ، حكى أن
أباه أنشأ يحدث الحديث، فأوهم السامع من ذلك أن عائشة أخبرت به
عن رسول الله وَيءٍ(٣).
وقال الآجري، عن أبي داود: لما حدث هشام بن عروة بحديث أم
زرع هجره أبو الأسود، يتيم عروة، وقال: لم يحدث عروة بهذا، إنما
كان تحديثًا بهذا يقطع السفر.
(١) كذا بالأصل؛ ولم يتبين معناها.
(٢) ((بغية الرائد)» ص١٨ - ٢٠.
(٣) ((الفصل للوصل)) ٢٧٩/١-٢٨٠.

٥٦٥
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
وفي كتاب العقيلي: قال أبو الأسود بن محمد عبد الرحمن: لم يكن
أحد يرفع حديث أم زرع غير هشام. وقال الدارقطني: الصحيح عن
عائشة أنها هي حدثت رسول الله وَل بقصة النسوة، فقال لها حينئذٍ:
((كُنْتُ لَكِ)) إلى آخره.
وقول عيسى بن يونس، وسعيد بن سلمة، وسويد بن عبد العزيز،
ومن تابعهم؛ عن هشام، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عنها، وهو
الصواب.
ولا يدفع قول عقبة: عن هشام، عن (ابن)(١) رومان، عن عروة،
عنها(٢).
الوجه الثاني :
في الخبر الذي حكاه ابن الأنباري من رواية الهيثم بن عدي، عن
هشام أنها قالت: جلس إحدى عشرة امرأة في الجاهلية. والهيثم
متكلم فيه. وفي الخبر الذي رواه الدراوردي أنهن من بطن من بطون
اليمن، وأنهن أجتمعن بقرية من قرى اليمن(٣). وروي أيضًا في هذا
الحديث من رواية أحمد بن عبيد بن ناصح، عن الهيثم بسنده، عن
عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله محمدلر -وقد اجتمع
نساؤه ليخصني بذلك -: ((يا عائشة كنت لك كأبي زرع لأم زرع)).
قلت: يارسول الله، ومن أبو زرع؟ فقال: ((اجتمع نسوة من قريش
بمكة، إحدى عشرة امرأة .. )) وساق الحديث، وهو مخالف للأول.
(١) في الأصول: أبي، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب.
(٢) ((بغية الرائد)) ص٢٠- ٢٢.
(٣) رواه الزبير بن بكار في ((الأخبار الموفقيات)) ص٤٦٢، ومن طريقه الطبراني في
((الكبير)) ١٧٦/٢٣.

٥٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال عياض: وقرأت في بعض كتب الأدباء أن أمرأة زوجت إحدى
عشرة ابنة لها في ليلة ودخل بهن أزواجهن، فأمهلتهن سنة ثم زارتهن،
فسألت كل واحدة عن زوجها. فأخبرتها بصفةٍ، فوافق حديث أم زرع
كلام صاحبة (المس مس أرنب) بنصه، وصاحبة (رفيع العماد)،
وصاحبة (زوجي لحم جمل غث)، وخالف في البواقي.
ويشبه أنه موضوع، فإن ألفاظه تنبئ عن ذلك، رُكِّبَ على حديث أم
زرع، ولا يصح أن يكون (هو) (١) هذا؛ لصحة حديث أم زرع وضعف
هذا، وإنما ذكرنا في بعض روايات حديث أم زرع ما دل أنهن غير
أخوات(٢).
الوجه الثالث: في بيان أسمائهن :
قال الخطيب: لا أعلم أحدًا سمَّى النسوة في حديث إلا من الطريق
الذي أذكره، وهو غريب جدًّا، ثم ساقه من حديث الزبير بن بكار،
حدثني محمد بن الضحاك الحزامي، عن الدراوردي، عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة: دخل عليَّ رسول الله بَّله وعندي بعض نسائه فقال:
((أنا لك كأبي زرع)) قلت: يارسول الله، وما حديث أبي زرع؟ فقال:
((إن قرية من قرى اليمن كان بها بطن من بطون اليمن، وكان منهن
إحدي عشرة امرأة، وإنهن خرجن إلى مجلس من مجالسهن)). فذكر
الحديث .
وسمَّى الثانية عمرة (بنت عمرو)(٣)، وسمى الثالثة حُيَّى بنت كعب،
(١) من (غ).
(٢) ((بغية الرائد)» ص ٢٥.
(٣) من (غ).

٥٦٧
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
والرابعة مهرة (١) بنت أبي هزومة، أو مرومة، والخامسة كبشة، والسادسة
هند، والسابعة حُبَّى بنت علقمة، والثامنة بنت أوس بن عبد، والعاشرة
كبشة بنت الأرقم، وأم زرع بنت أكيمل بن ساعدة(٢) .
قلت: وكما ساقه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبان في كلامه على
هذا الحديث من هذا الوجه، ساقه من طريق الأسود بن خير المعافري،
قال: دخل رسول الله وَدليل على عائشة وفاطمة، وقد جرى بينهما كلام
فقال: ((ما أنت بمنتهية يا حميراء - أو يا شقيراء- عن ابنتي، إن مثلي
ومثلك كمثل أبي زرع وأم زرع)) فقالت: يا رسول الله، حدثنا عنهما،
فقال: ((كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجال خلوفًا - يعني
غيبا- فقلن: تعالين نتذاكر أزواجنا بما فيهم ولا نكذب)). فذكر نحو
حديث أبي بشر، وسماها ابن دريد في ((وشاحه)): عاتكة.
الوجه الرابع :
قولها: (جَلَسَ). كذا في الأصول، ووقع في مسلم بنون(٣)، وهنا:
:
أمرأة، وفي أخرى: نسوة.
وللنسائي: أجتمعن (٤).
(١) كذا في الأصول، وفي ((الأخبار الموفقيات)): مهرد، وفي ((المعجم الكبير)):
هدد، وفي ((الأسماء المبهمة)): مهدد.
(٢) رواه الزبير بن بكار في ((الأخبار الموفقيات)) ص ٤٦٢-٤٦٤، ومن طريقه الطبراني
١٧٦/٢٣-١٧٧، والخطيب في ((الأسماء المبهمة)) ص٥٢٨-٥٣٠.
(٣) قال النووي في ((شرح مسلم)) ١٥/ ٢١٢: قولها: (جلس إحدى عشرة امرأة) هكذا
هو في معظم النسخ، وفي بعضها جلسن بزيادة نون، وهي لغة قليلة .
وقال القاضي عياض في ((بغية الرائد)) ص٢٦: وفي رواية الطبري من ((صحيح
مسلم)) فيما حدثنا به عبد الله بن محمد الفقيه، عنه: جلسن.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٣٥٦/٥ (٥/٩١٣٩).

٥٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ولأبي عبيد: اجتمعت. بالتاء(١).
قال ابن التين: وقوله: (جَلَسَ إِحْدى عَشْرَةَ أَمْرَأَةً)، أي: جمع مثل :
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ اُلْمَدِينَةِ﴾. قال عياض: والأحسن في الكلام حذف
علامة التأنيث ونون الجماعة (٢). وباب العدد في العربية أن مابين
الثلاثة إلى العشرة مضاف إلى جنسه، ومن أحد عشر إلى تسعة
وتسعين مميز بواحد يدل على جنسه. وما بعد هذا مضاف إلى واحد
من جنسه، وقد جاء هنا: النسوة، وهو جنس بعد إحدى عشرة، وهو
خارج عن وجه الكلام، ولا يصح نصبه على التفسير؛ إذ لا تفسير في
العدد إلا بواحد. ولا يصلح إضافة العدد الذي قبله إليه، ووجه نصبه
عندي على إضمار: أعنى، أو يكون مرفوعًا بدلًا من (إحدى عشر)(٣)،
وهو الأظهر، وعلى هذا أعربوا قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَهُمُ أَثْنَتَ عَشْرَةَ
أَسْبَاطًا أُمَمَّا﴾ [الأعراف: ١٦٠] الأسباط بدل من ﴿أَثْنَىَّ عَشْرَةَ﴾، وليس
بتفسير فيما قاله الفارسي وغيره(٤).
وقولها: (جَلَسَ إِحْدى عَشْرَةَ). قال النحویون: يجوز: جلست،
كما تقول في واحد: جلست أمرأة. ولو قلت: قام الرجال جاز.
ويجوز: قامت، بتقدير: قامت جماعة الرجال، قال تعالى: ﴿قَالَتِ
اُلْأَعْرَابُ ءَامَنًا﴾ [الحجرات: ١٤].
الوجه الخامس :
فيه: جواز نقل الأخبار عن حسن المعاشرة، وضرب الأمثال بها،
(١) ((غريب الحديث)) ٣٦٤/١.
(٢) ((بغية الرائد)) ص٢٦.
(٣) في الأصول: أحد عشر. والمثبت من (بغية الرائد)).
(٤) ((بغية الرائد)) ص٣١.

-
٥٦٩
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
والتأسي بأهل الإحسان من كل أمة، ألا ترى أن أم زرع أخبرت عن أبي
زرع بجميل عشرته فتمثله الشارع.
وفيه: جواز تذكير الرجل امرأته بإحسانه إليها؛ لأنه لما جاز من
النساء كفران العشير جاز تذكيرهن بالإحسان.
الوجه السادس :
قول المرأة الأولى: (زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ، غَثّ). أي: مهزول،
يقال: غث يغث، والغث: الفاسد من الطعام، والأصل هنا: الهزيل؛
لقولها بعد: (لَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ). قال أبو سعيد النيسابوري: ليس شيء
من الغثاث من الأزواج الثمانية هو أخبث غثائة من الجمل؛ (لأنه)(١)
یجمع خبث طعم وخبث ریح، حتى ضرب به المثل(٢).
وقولها: (عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ) قال أبو عبيد: تصف قلة خيره وبعده مع
القلة، كالشيء في (قبة)(٣) الجبل الصعب لا ينال إلا بالمشقة؛ لقولها:
(لَا سَهْلِ فَيُرْتَقَى) يعني: الجبل (ولا سمين فينتقى) (٤) يعني: يستخرج
نِقْيه، بكسر النون وسكون القاف، وهو: المخ. ومن روى:
(فينتقل)، يريد: ليس سمين فينقله الناس إلى بيوتهم فيأكلونه، بل
يتركونه رغبة عنه(٥) كرواية(٦). وصفت زوجها بالبخل، وقلة الخير،
(١) من (غ).
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٩٩/٧.
(٣) في هامش (س): لعله قمة.
(٤) من (غ).
(٥) ((غريب الحديث)) ٣٦٦/١.
(٦) كذا بالأصول، وفيه سقط، ولعله يكون: (كرواية: ولا له عندي معول). وهُذِه
الرواية قد ذكرها القاضي في ((بغية الرائد)) ص٧ بعد قولها: ولا سمين فينتقل.

٥٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وبُعْده من أن ينال خيره مع قلته - كما أسلفناه- كاللحم الهزيل المنتن الذي
يزهد فيه فلا يطلب، فكيف إذا كان على رأس جبل صعب وعر لا ينال
إلا بمشقة. وذهب الخطابي إلى أن تمثيلها بالجبل الوعر إشارة إلى سوء
خلقه والذهاب بنفسه وترفيعها تِيْهًا وكِبْرًا. تريد: مع أنه مع قلة خيره
يتكبر على عشيرته، فيجمع إلى البخل سوء الخلق(١)، وهو تشبيه
الجلي بالخفي، والتوهم بالمحسوس، والحقير بالخطير.
قال عياض: ويجوز في (غث) الرفعُ وصفًا ل(لحم)، والكسر وصفًا
للجمل، وقد روي بالوجهين، ومنهم من رواه: (لحم غث). بالرفع على
ما تقدم، وبالكسر على الإضافة بتقدير حذف (جمل) وإقامة وصفه
مقامه .
وقوله(٢): (لَا سَهْلِ فَيُرْتَقَى). يجوز فيه ثلاثة أوجه، كلها مروية:
نصب (لا سهل) دون تنوين، ورفعها، وخفضها منونة. وأَعْرَبُهَا عندي
الرفع في الكلمتين (٣).
واستدل بعض العلماء من هذا أن ذكر السوء والعيب إذا ذكره أحد
فيمن لا يعرف بعينه واسمه أنه ليس بغيبة، وإنما الغيبة أن يقصد معينًا بما
يكره؛ لأنه التَّا قد حكى عن بعض هؤلاء النسوة ما ذكرنه من عيب
أزواجهن، ولا يحكي عن نفسه أو غيره إلا ما يجوز ويباح، ذكره
(٤)
الخطابي (٤).
(١) ((أعلام الحديث)) ١٩٨٨/٣.
(٢) كذا في الأصول، وصوابها قولها.
(٣) ((بغية الرائد)) ص٤٨.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٣/ ٢٠٠٠. ((بغية الرائد)» ص٤٨.

٥٧١
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
قال عياض: ورأيت أبا عبد الله محمد بن علي التميمي (١) لا يرتضي
هذا القول، وقال: إنما كان يكون هذا حجة أن لو سمع رسول الله وَله
أمرأة تغتاب زوجها ولا تسمِّيهِ فأقرها عليه، وأما هذِه الحكاية عن نساء
مجهولات غير حاضرات، فينكر عليهن، فليس بحجة في جواز ذلك
وحالهن كحال من قال: في العالم من يسرق ويزني. فلا يكون غيبة،
ولكن المسألة لو نزلت لوصف امرأة زوجها بما هو غيبة وهو معروف
عند السامع، فإن ذلك ممنوع، ولو كان مجهولًا لكان لا حرج فيه
على رأي بعضهم، وللنظر فيه مجال(٢).
فصل :
في بعض الروايات: (جبل وعر). أي: غليظ حَزَن يصعب الصعود
إليه، وروي: (على رأس قوز وعر). قال أبوبكر: القوز: العالي من
الرمل (كأنه جبل)(٣)، فالصعود فيه شاق.
ويجوز في قوله: (وَلَا سَمِينٍ). الرفع صفة لـ(لحم)، والخفض:
نعت للجبل، ذكره ابن التين. وقيل: ليس مما يرغب فيه فينقله الناس
إلى بيوتهم.
الوجه السابع :
قول الثانية: (لَا أَبُثُّ). أي: لا أنشر ولا أذكر، ورواه بعضهم:
(أنث) بالنون رفعها، هما واحد إلا أن النون أكثر ما يستعمل في
الشر. ومعنى (أذره) أدعه. و(العُجَر) تعقد العروق والعصب في
الجسد حتى تراها ناتئة من الجسد.
(١) هو المازري.
(٢) ((المعلم بفوائد مسلم)) ٢/ ٣٤٣، و ((بغية الرائد)) ص ٥٤ -٥٥.
(٣) من (غ).

٥٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
و(البُجَر) كذلك إلا إنها مختصة بالبطن، فيما ذكره الأصمعي،
واحدها بجرة، ومنه قيل: رجل أبجر، إذا كان عظيم البطن، وامرأة
بجراء. يقال: فلان بجرة، إذا كان ناتئ السرة عظيمها(١). وقال
الأخفش: العجر: العقد في سائر البدن، والبجر يكون في القلب.
وقال أبو سعيد النيسابوري: لم يأت أبو عبيد بالمعنى في هذا،
وإنما عنت أن زوجها كثير العيوب في أخلاقه، منعقد النفس عن
(٢)
المكارم(٢).
وقال ابن فارس: البجرة: خروج السرة، والرجل (أبجر)(٣). وفي
((المبدأ)): (وصبت) (٤) إليه بِعُجَرِي وبُجَرِي؛ أي: بأمري كله.
وقال الداودي: العُجَر والبجر: عُروق البطن والذراعين، وبالجملة
فإنها أرادت أن تكني عن جميع عيوبه من غير تفسير.
وقال ابن الأعرابي: العجر: نفخة في الظهر، فإذا كانت في السرة
فهي بجرة، ثم ينقلان إلى الهموم والأحزان(٥).
قال الأصمعي: يستعمل ذلك في المعايب. أي: أذكر عيوبه. وقال
يعقوب: أسراره. وعبارة غيره: عيوبه الباطنة، وأسراره الكامنة.
قال ثعلب في العجر والبجر: ومنه قول علي في الجمل لما رأى طلحة
ابن عبيد الله قتيلا: أعزز عليَّ أبا محمد أن أراك معفرًا (تحت)(٦) نجوم
(١) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٦٦/١ - ٣٦٧.
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٩٩/٧.
(٣) في الأصول: البجر. والمثبت من ((المجمل)) ١١٦/١.
(٤) كذا بالأصل، وفي ((المجمل)): أفضيت.
(٥) أنظر: ((المعلم بفوائد مسلم)) ٣٣٥/١.
(٦) من (غ).

٥٧٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
السماء وفي بطون الأودية شقيت نفسي وقتلت معشري، إلى الله أشكو
عجري وبجري (١). أي: همومي وأحزاني، وقيل: العجر ظاهر، والبجر
باطنها .
قال الشاعر :
يكفيك عجر حالتى عن بجري
لم يبق عندي ما يباع بدرهم
لأبيعه فعسى تكون المشتري
إلا بقايا ماء وجهٍ صنته
والهاء في (أذره) عائدة على الخبر أي: لطوله وكثرته إن بدأتة [لم
أقدر](٢) على إتمامه، ويعضده رواية: ولا أقدر قدره.
وفيه: تأويل آخر ذكره أحمد بن عبيد بن ناصح: أن الهاء عائدة على
الزوج، وكأنها خشيت فراقه إن ذكرته(٣). وقاله الداودي أيضًا.
وعلى هذا تكون (لا) زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا
تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ويحتمل عدم زيادتها -كما ذكره القرطبي -
وأنها خافت أن لا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها (٤)، ويحتمل
-كما قال عياض- رجوع(٥) الهاء إلى الزوج تأولًا آخر، أي: إن أخبرت
بشيء من عيوبه ونقائصه أفضى ذلك إلى ذكر شيء أقبح منه، وقد
عاهدت صواحبها أن لا تكتم شيئًا من صفاته عنهن، فكرهت
ما تعاقدت عليه معهن، وذهبت إلى ستر عيوبه لكثرتها، ولم تر أن
(١) أثر علي، رواه الخطابي في ((غريب الحديث)) ١٥٦/٢-١٥٧.
(٢) ساقطة من الأصول استدركناها من ((بغية الرائد)).
(٣) انظر: ((بغية الرائد)) ص ٦٠-٦١.
(٤) ((المفهم)) ٣٣٦/٦.
(٥) في (س): (جاز رجوع)، وضبب عليها الناسخ في (غ). وهو الصواب؛ لاكتمال
المعنى.

٥٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تذكر بعضًا دون بعض، فإنها إن ذكرت شيئًا تسبب به إلى ذكر شيء آخر،
فرأت الإمساك أولى، يدل على هذا ما وقع في بعض طرقه: أخاف أن
لا أذره من سوء. قال عياض: أرى -والله أعلم- أن زوج هذِه كان
مستور الظاهر رديء الباطن، فلم ترد هتك ستره، وأنها إن تكلمت
بما عاقدت عليه صواحبها كشفت من قبائحه ما أستتر، بل لَوَّحت
وما صرَّحت، وجملت وما شرحت، واكتفت بالإيماء والإجمال في
الخبر عنه، ولم تهتك الحجاب عن عوراته ما عرفت منه(١).
الوجه الثامن: قول الثالثة: (الْعَشَنَّقُ) بفتح العين المهملة، ثم شين
معجمة، ثم نون مشددة، ثم قاف- وهو الطويل، قاله الأصمعي
وأبو عبيد(٢). وعبارة الجوهري عن الأصمعي أنه الطويل الذي ليس
بمقل ولا ضخم، من قول عشانقة، والمرأة عشنَّقة(٣)، تقول: ليس
عندي شيء أكثر من طوله بلا نفع فله مَنْظر بلا مَخْبر، والطول في
الغالب دليل السفَهِ، وقد علل ذلك ببعد الدماغ من القلب، فإن ذَكَرْت
ما فيه من العيوب طلقني، وإن سكت تركني معلقة لا أيمًا ولا ذات
بعل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]. وخطأهم
في ذلك عبد الملك بن حَبيب وقال: العشنق: المقدام على ما يريد
الشرس في أموره، بدليل وصفها له (٤). وقال أبو سعيد النيسابوري:
الصحيح غير ما ذكره أبو عبيد أنه من الرجال الطويل النجيب، الذي
ليس أمره إلى أمرأته وأمرها إليه، فهو يحكم فيها بما يشاء وهي
(١) (بغية الرائد)) ص٦١ - ٦٢.
(٢) ((غريب الحديث)) ١٩٩/١.
(٣) ((الصحاح)) ٤/ ١٥٢٥ -١٥٢٦.
(٤) أنظر: ((بغية الرائد)) ص ٦٣.

كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
٥٧٥
(تخافه)(١). وقال صاحب ((العين)): إنه الطويل العنق (٢). وقال ابن
قتيبة: وقيل: إنه القصير. قال ابن الأنباري: فكأنه جعله من
الأضداد. ولا (أعرفه)(٣) عند أهل اللغة (٤).
قلت: فَوَصْفُهَا له على رأي أبي عبيد - (مدح)(٥)؛ لأن العرب
تمدح الرجال والسادة بطول القامة، ويحتمل أن تريد علاقة بالحب؛
فلذلك كانت تكره النطق خوف المفارقة. وعند غيره أنها ذَامَّةٌ له تخبر
أن له مَنْظرًا بلا مَخْبر.
فائدة :
العشنط بمعنى العشنق (٦).
الوجه التاسع :
قول الرابعة: (تِهَامَةَ). من بلاد الحجاز.
وقال ابن بطال: إنها اسم مكة، وحرها شديد نهارًا، وليلها معتدل،
فتذهب الشدة وتعتدل.
وخصته بهذا ورضيته بحسن صحبتها، وجميل عشرتها، واعتدال
حاله، وسلامة باطنه، وثقتها به، وذلك أن الحرَّ والقُرَّ - بضم القاف،
وهو البرد- كلاهما فيه أذى إذا اشتد، وهذا لا غائلة عنده، ولا شر
فأخافه، ولا يسأمني، ولا يستثقل بي فيملَّ صحبتي (٧).
(١) في الأصول: تخالفه، وهو خطأ، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٠٠.
(٢) ((العين)) ٢٨٧/٢.
(٣) في الأصول: (أعرف)، والمثبت هو الصواب.
(٤) انظر: ((بغية الرائد)) ص٦٣.
(٦) انظر: ((الفائق)) ٥٠/٣.
(٧) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٣٠٠.
(٥) من (غ).

٥٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
زاد في رواية: (والغيث غيث غمامة)(١). أي: جوده ينهل، فيحيي
به الأنام كغيث الغمام(٢) .
الوجه العاشر :
قول الخامسة: (فَهِدَ) - بفتح الفاء وكسر الهاء. وقد تسكن - تصفه
إذا دخل البيت بكثرة النوم، والغفلة في منزله على وجه المدح له؛ لأن
الفهد كثير النوم، يقال: أنوم من فهد. وأَسِد - بفتح الهمزة وكسر السين-
وَصْفٌ له بالشجاعة، ومعناه: إذا صار بين الناس أو خالط الحرب كان
كالأسد، يقال: أسد واسْتَأْسَد بمعنى، وَصَفَتْهُ بالصفة الغالبة على هذين
الحيوانين من السلاطة(٣) والسكون في حال الخلوة، والعرب تمتدح
بذلك قال :
وأب برّ إذا ما قدرا
أسد ضار إذا هيجته
يعلم الأدنى إذا ما أفتقرا
يعلم الأقصى إذا استغنى ولا
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه
ومن هذا المعنى قوله:
إذا هو ما استغنى ويبعد بالفقر
وكان عليّ إذا سمعه يقول: ذاك طلحة بن عبيد الله (٤).
وقولها: (وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) أي: لا يتفقد ما ذهب من ماله،
ولا يلتفت إلى معايب البيت وما فيه، كأنه ساوٍ عن ذلك، يوضحه
قولها: (وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) يعني: عما كان عندي قبل ذلك.
(١) رواها الزبير بن بكار في ((الأخبار الموفقيات)) ص ٤٦٢، ومن طريقه الخطيب في
((الأسماء المبهمة)) ص٥٢٩.
(٢) أنظر: ((بغية الرائد)) ص٦٩.
(٣) السلاطة: القهر، وقيل: هو التمكن من القهر. ((تاج العروس)) ٢٩٤/١٠.
(٤) أنظر: ((الاستيعاب)) ٣٢٠/٢-٣٢١.
:

٥٧٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
قال عياض: قولها هذا يقتضي تفسيرين لعهد: عهد قبل، فهو يرجع
إلى تفقد المال، وعهد الآن فهو بمعنى الإغضاء عن المعايب
والاحتمال. وقال ابن أبي أويس: تقول إن دخل وثب عليَّ وثوب
الفهد، وإن خرج كان كالأسد جُرْأَة وإقدامًا. بقولها هذا يحتمل أن
تريد به البطش بها والضرب لها، أو تريد به المبادرة إلى جماعها،
وكثرة الحظ من استمتاعها دون ملاعبتها، وتقديم الإيناس. قال ابن
حبيب: وصفته بأنه في اللين والدعة والغفلة كالفهد، ولم ترد النوم.
قال عياض: وقد ظهر لي فيه وجه آخر مع صحة ما ذكروه، وذلك
أنه يتوقف قولها: (فَهِدَ) على الاشتقاق من خلق الفهد، والمثل
المضروب به في النوم. وفي الفهد أيضًا مثل آخر ذكره أصحاب
الأمثال، كما ذكروا الأول، وهو قولهم: أكسب من فهد. قال أبو عبد
الله حمزة الأصبهاني في ((شرح الأمثال)): وذلك أن الفهود الهرمة التى
تعجز عن الصيد تجتمع على فهد فتي، فيصيد عليها كل يوم شبعها،
فلا يمنع أن يكون قولها: (إذا دَخَلَ فَهِدَ). أي: إذا جاء المنزل جاء
بالكسب والخير والفوائد كما يفعل الفهد في كسبه، ولا فرق بين هذا
وبين الأول، إذ كل واحد منهما إنما أشتق من خلق الفهد. وكانت
العرب تتمادح بالكسب والاستفادة. قال عياض: هذا التأويل عندي
لا يبعد، وإن كان الأول أظهر وأليق بالكلام؛ لمطابقة لفظه ومعناه(١).
الوجه الحادي عشر:
قول السادسة اللَّف في المطعم: الإكثار منه مع التخليط من صنوف
أستقصائه حتى لا يبقى منه شيئًا، فمعنى (لف): قمش صنوف الطعام
(١) (بغية الرائد)) ص ٧٠-٧١، ٧٣ -٧٤.

٥٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وخلط، يقال: لف الكتيبة بالكتيبة إذا خلطها. والاشتفاف في الشرب أن
يستقصي ما في الإناء من الشراب ولا يسئر فيه سؤرًا، وإنما أخذ من
الشفافة وهي البقية التى تبقى في الإناء من الشراب، فإذا شربها
صاحبها قيل اشتفها. وروي: أستف -بالسين المهملة- وهو قريب من
معناه(١).
وقولها: (وَإِنِ أَضْطَجَعَ التَفَّ). تعني: رقد ناحية ولم يباشرها،
وقيل: رقد وهجع، وهما بمعنى واحد، وقيل: إذا نام التف في
ثيابه. وهذا يقتضي المدح والذم، فالمدح بمعنى أنه ينام في ثيابه
مستوفزًا لصارخ يصرخ، أو داعٍ يدعو، والثاني: أنه يأتي وهو تعبان،
فيكسل عن نزع ثيابه، فينام فيها، أو يكون نومه في ثيابه أدعى لكثرة
النوم، وذلك منه مذموم، قالت أمرأة في زوجها: يشبع ليله لطاف،
وینام ليله يخاف.
وقولها: (وَلَا يُولِجُ الكَفَّ). أي: لا يدخل يده، و(الْبَث): الحزن
(فأحسبه)(٢) كان بجسدها عيبًا وداءً تكتئب له، فكان لا يدخل يده في
بدنها ليمس ذلك العيب فيشق عليها، تصف بالكرم، (قاله)(٣)
أبو عبيد(٤).
وأُنْكِر عليه، إنما عليه شكت قلة تعهده إياها تقول: يلتف منتبذًا عنها
إذا نام لا يقرب منها، فيولج داخل ثوبها، فيكون منه إليها ما يكون من
الرجل إلى أهله.
(١) أنظر: ((غريب الحديث)) ٣٦٧/١، ((الفائق)) ٥٠/٣، ((بغية الرائد)) ص ٨٠.
(٢) من (غ).
(٣) في (غ): قال.
(٤) ((غريب الحديث)) ٣٦٨/١.

٥٧٩
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
ومعنى (البث): ما تظهر المرأة من الحزن على عدم الخلوة منه،
كأنها ذمته بالنهم والشره وقلة الشفقة، وإن (أرادها) (١) لم يدخل يده
في ثوبها ليجسها متعرفًا؛ لما بها على عادة الناس الأباعد فضلاً عن
الأزواج(٢)، ولا معنى لما توهمه أبو عبيد من أن الداء بجسدها
فيتأول بذلك ترك التفقد منه لذلك على الكرم، وذلك أن أول الكلام
ذم، واستلام له، ومهانته، وسوء المعاشرة والمرافقة، فكيف يكون
آخره مدحًا ووصفًا بالكرم؟ والعرب تذم الرجل بكثرة الأكل والشرب،
وتمدح بقلتها، ثم إنها وصفته بعد بقلة الاشتغال بها، والتعطيل لها،
وعدم مضاجعتها وإدنائها من نفسه، وأنه لا همة له في المباضعة التي
هي من ممادح الرجال، فإن العرب كانت تتمادح بالقوة على
الجماع؛ لأنه دليل على صحة الذكورة، وتذم بضده، وممن رده عليه
القتيبي والخطابي وابن حبيب وابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري:
لا حجة على أبي عبيد في هذا؛ لأن النسوة كن تعاهدن على أن
لا يكتمن (شيئًا)(٣) من أخبار أزواجهن، فمنهن من وصفه بالخير في
جميع أموره، ومنهن بضد ذلك، ومنهن من وصفت ما فيه من الخير
وما فيه من الشر.
قال عياض: ويؤيد ما ذهبوا إليه ما أشار إليه عروة بن الزبير بقوله:
هؤلاء خمسة يشكون. وقالت أمرأة عبد الله بن عمرو لعمرو بن العاصي
وسألها: كيف وجدت زوجك؟ فقالت: من خير الرجال لم يفتش لنا
(١) كذا بالأصول وفي ((الفائق)): رآها عليلة.
(٢) انظر: ((الفائق)) ٥٠/٣.
(٣) من (غ).

٥٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كنفًا (١). ومنه قول عائشة رضي الله عنها تصف رجلا (٢) بالعفة: ما كشف
من كنف أنثى قط(٣). أي: أنه لم يكن يشتغل بالنساء ولا له فيهن
مذهب، فعبرت عن ذلك بكشف الكنف، وهو الثوب الذي يكنفها
أي: يسترها، ومنه قولهم: في كنف الله وحفظه، أي: ستره.
وقيل: معنى (لا يولج الكف) أي: لا يتفقد أموري وما يهمني من
مصالحي، وهو كقولهم: ما أدخل فلان يده في الأمر، أي: لم يشتغل به
ولم يتفقد، قاله أحمد بن عُبيد بن ناصح ونحوه عن ابن أبي أويس(٤).
الوجه الثاني عشر:
قول السابعة: (عَيَايَاءُ أَوْ غَيَايَاءُ)، شك من الراوي، هل قاله
بالمعجمة أو المهملة، والأكثر بغير شك، والشاك عيسى بن يونس،
وعقبة بن خالد، وسائر الرواة يقولونه بالمهملة، وأما المعجمة فليس
بشيء، قال ابن قتيبة: هو تصحيف، والعياياء من العي، وهو من
الإبل الذي لا يضرب النُوق ولا يلقح، وكذلك هو في الرجال كأنه
عيي عن ذلك .
والطباقاء -بالمد- من العي، الأحمق القدم(٥). وعبارة بعضهم: إنه
المفحم الذي أنطبق عليه الكلام، أي: أنغلق، وصفته بعجز الطرفين(٦)،
وعند ابن حبان: الذي فيه رعانة وحمق، كالمطبق عليه في حمقه
(١) سلف برقم (٥٠٥٢).
(٢) ورد بهامش الأصل: هو صفوان بن المعطل.
(٣) سلف برقم (٤١٤١) في آخر حديث الإفك.
(٤) انظر: (بغية الرائد)) ص ٨٤ -٨٧.
(٥) انظر: ((غريب الحديث)) ٣٦٩/١.
(٦) أنظر: ((الفائق)) ٥١/٣.