Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
ـ كِتَابُ الرَّضَاعِ
٢٣- باب شَهَادَةِ المُرْضِعَةِ
٥١٠٤- حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَزْيَمَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الَحَارِثِ قَالَ: وَقَدْ
سَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ لَكِنِّي ◌َحِدِيثِ عُبَيْدِ أَحْفَظُ قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةَ، فَجَاءَتْنَا أَمْرَأَةٌ سَوْدَاءُ
فَقَالَتْ: أَرْضَعْتُكُمَا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ، فَجَاءَتْنَا
آَمْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ لِي: إِّ قَدْ أَرْضَغْتُكُمَا. وَهْيَ كَاذِبَةٌ، فَأَعْرَضَ، فَأَتَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ
وَجْهِهِ، قُلْتُ: إِنَّهَا كَاذِبَةٌ. قَالَ: ((كَيْفَ بِهَا وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟! دَعْهَا
عَنْكَ)). وَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى يَحْكِي أَيُّوبَ. [انظر: ٨٨- فتح
٩ / ١٥٢].
ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث - رضي الله عنه- السالف في العلم
والشهادات والبيوع(١)، هذا الحديث أخذ به الليث، واختلف في مذهب
مالك في شهادة واحدة مع النسوة واثنين مع عدمه، هل يفرق بذلك أم لا؟
واختلف في الأب والأم إذا قالا ذلك قبل عقد النكاح(٢)، وروي
عن ابن عباس وطاوس جواز شهادة واحدة فيه إذا كانت مرضية،
وتستحلف مع شهادتها، وهو قول الزهري والأوزاعي وأحمد
وإسحاق عملًا بقوله فيه: ((كيف وقد قيل؟!)) وبنهيه، وذكر عن
الأوزاعي أنه اختار شهادة أمرأة واحدة في ذلك إذا شهدت قبل أن
تتزوجه فأما بعده فلا، وروي عن عمر بن الخطاب أنه لا يقبل في
ذلك إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين دون رجل(٣)، وبه قال
(١) سلف برقم (٢٠٥٢)، (٢٦٤٠).
(٢) ((المدونة)) ٢٩١/٢.
(٣) أنظر: ((المغني)) ٣٤٠/١١-٣٤١.
۔

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحكم، قال مالك: كان ذلك قد فشا وعرف من قولهما. هذِه رواية ابن
القاسم، وروى ابن وهب أنه تقبل شهادة امرأتين(١)، وهو قول
الكوفيين، وقال مالك: تقبل شهادة امرأتين، وإن لم يفش ذلك من
قولهما(٢) .
وقالت طائفة: لا يقبل في ذلك أقل من أربع نسوة، روي ذلك عن
عطاء(٣) والشعبي(٤)، وهو قول الشافعي، قال: ولو شهد في ذلك
رجلان أو رجل وامرأتان لجاز، وتأول أهل هذه المقالات غير الأولى.
قوله: ((كيف وقد قيل؟!)) إنما هو على وجه التنزه والتورع لا على
الإيجاب، وروى ابن مهدي عن حفص بن غياث، عن [حذلم](٥)
العبسي، عن رجل ابن رجل من عبس، قال: سألت عليًا رضي الله
عنه وابن عباس عن رجل تزوج أمرأته فجاءت امرأة فزعمت أنها
أرضعتهما فقالا: يتنزه عنها فهو خير، وأما أن يحرمها عليه حد فلا .
وقال زيد بن أسلم: إن عمر بن الخطاب لم يجز شهادة أمرأة واحدة
في الرضاع، وأنه الكليّ أخبر عن رضاع أمرأة فتبسم وقال: ((كيف وقد
قيل؟!))(٦).
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٨٤/٥.
(٢) ((المدونة)) ٢٩١/٢.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤٨٣/٧ (١٣٩٧٢).
(٤) أنظر: ((المغني)) ٣٤١/١١.
(٥) في الأصل (غلام) والمثبت من ((شرح ابن بطال)).
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٢/٧ -٢٠٣.

٣٠٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
٢٤- باب مَا يَحِلّ مِنَ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية.
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٢٣- ٢٤]. وَقَالَ أَنَسٌ:
﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٤]: ذَوَاتُ الأَزْوَاجِ الحَرَائِرُ
حَرَامٌ ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لَا يَرِىُ بَأُسَا أَنْ
يَنْزِعَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ. وَقَالَ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ
حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعِ
فَهْوَ حَرَامٌ، كَأُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ.
٥١٠٥- وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي
حَبِيبٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْحَ. ثُمَّ قَرَأَ:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ. وَجَمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ ابنةِ
عَلِيٍّ وَامْرَأَةٍ عَلِيٍّ. وَقَالَ ابن سِبِينَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَكَرِهَهُ الَحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.
وَجَمَعَ الَحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بَيْنَ ابنتَى عَمِّ فِي لَيْلَةٍ، وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدِ لِلْقَطِيعَةِ،
وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَقَالَ
◌ِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِأُخْتِ آَمْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ آَمْرَأَتُهُ. وَيُرْوىُ عَنْ يَجْيَى
الكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّغبِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ، فِيمَنْ يَلْعَبُ بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ
أُمَّهُ. وَيَحْيَى هذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، لَمْ يُتَابَغْ عَلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى
بِهَا لَمْ تَحْزُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرِ أَنَّ ابن عَبَّاسِ حَرَّمَهُ. وَأَبُو نَصْرِ هذا لَمْ
يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابن عَبَّاسِ. وَيُزْوىُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدِ،
وَالْحَسَنِ، وَبَعْضٍ أَهْلِ العِرَاقِ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ حَتَّى يُلْزِقَ
بِالأَرْضِ. يَغْنِي: يُجَامِعَ. وَجَوَّرَهُ ابن المُسَيَّبِ وَعُزْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عَلِيّ:
لَا تَحْزُمُ. وهذا مُزْسَلٌ. [فتح ٩/ ١٥٣].

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقال لنا أَحمدُ بنُ حَنْبَلِ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي
حَبِيبٌ، عَنْ سَعِيدٍ بن جبير، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: حَرُمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ، وَمِنَ
الصِّهْرِ سَبْعٌ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ.
وجمَعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ بِنتِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةٍ عَلِيٍّ. وَقَالَ ابن سِيرِينَ:
لَا بَأْسَ بِهِ. وَكَرِهَهُ الحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَجَمَعَ الحَسَنُ بْنُ
الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَيْنَ ابنتَى عَمِّ فِي لَيْلَةٍ واحدة، وَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ
لِلْقَطِيعَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢٤] وَقَالَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَى بِأَخْتِ امْرَأَتِهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ
آمْرَأَتُهُ. وَيُرْوىْ عَنْ يَحْيَى الكِنْدِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ، فِيمَنْ يَلْعَبُ
بِالصَّبِيِّ: إِنْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَلَا يَتَزَوَّجَنَّ أُمَّهُ. وَيَحْيَى هذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، لَمْ
يُتَابَعْ عَلَيْهِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِذَا زَنَىْ بِهَا لا تَحْرُمْ عَلَيْهِ
آمْرَأَتُهُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي نَصْرٍ أَنَّ ابن عَبَّاسٍ حَرَّمَهُ. وَأَبُو نَصْرِ هُذَا لَمْ
يُعْرَفْ بِسَمَاعِهِ مِنِ ابنِ عَبَّاسٍ. وَيُرْوىُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ، وَجَابِرِ بْنِ
زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَبَعْضٍ أَهْلِ العِرَاقِ: تَحْرُمُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَحْرُمُ
عليه حَتَّى يُلْزِقَ بِالأَرْضِ. يَعْنِي: يُجَامِعَ. وَجَوَّزَهُ ابن المُسَيَّبِ وَعُرْوَةٌ
وَالزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عَلِيٍّ: لَا تَحْرُمُ. وهُذَا مُرْسَلٌ.
الشرح:
الرواية ثابتة عن ابن عباس -كما قال ابن بطال- أن السبع
المحرمات بالنسب المذكورات في الآية إلى قوله: ﴿اَلْأُخْتِ﴾،
والسبع المحرمات بالصهر والرضاع الأمهات من الرضاع والأخوات
منها وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين،
والسابعة: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (١) [النساء: ٢٢].
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٤/٧.

٣٠٥
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
والأمهات: المراد به الوالدات ومن فوقهن من الجدات من قبل
الأمهات والآباء، والبنات: المراد به بنات، الأصلاب ومن أسفل
منهن من بنات الأبناء والبنات وإن سفلن، والأخوات: المراد الأشقاء
وغيرهن من الآباء والأمهات، والعمات: المراد أخوات الآباء من
الآباء والأمهات ومن الآباء أو من الأمهات، وكذلك أخوات
الأجداد ومن كل واحدة من الجهات الثلاث وإن علون، والمراد
بالخالات: أخوات الأمهات الوالدات لآبائهن وأمهاتهن أو لآبائهن
أو لأمهاتهن، وأخوات الجدات كأخوات الأمهات في الحرمة؛ لأنه
إذا كان لهن حكم الأمهات كان أيضًا لأخواتهن حكم أخوات
الأمهات، وبنات الأخ: المراد بنات الأخ من الأب والأم أو من
الأب أو من الأم، وبنات بنيهم وبنات بناتهن وإن سفلن، وبنات
الأخت: كذلك أيضًا من أي جهة كن وأولاد أولادهن وإن سفلن،
﴿ وَأُمَهَتُكُمُ الَِّىَ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هو على الأم المرضعة ومن
فوقها من أمهاتها وإن بعدن، وقام ذلك مقام الوالدة ومقام أمهاتها،
وكذلك حكم الأخوات من الرضاعة حكم اللواتي من النسب، وتحرم
زوجة الرجل على ابنه، دخل بها أو لم يدخل، وعلى أجداده. وعلى
ولد ولده الذكور والإناث، ولا تحل لبني بنيه، ولا لبني بناته
ما تناسلوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَِّلُ أَبْنَابِكُمُ﴾ الآية [النساء: ٢٣].
وقوله: ﴿وَلَا شَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]
ولم يذكر تعالى دخولًا، فصارتا محرمتين بالعقد والملك، والرضاع
في ذلك بمنزلة النسب، والمراد ب﴿مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ﴾ آباء الآباء وآباء
الأمهات ومن فوقهم من الأجداد، وكل هذا من المحكم المتفق على
تأويله، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن، فإن بعض السلف اختلفوا إذا بانت
الأبنة قبل الدخول بها هل تحرم أمها أم لا، مذهب جمهورهم على
التحريم، وأنها حرام بالعقد على البنت، ولا تحرم البنت إلا بالدخول
بالأم، وبه قال جميع أئمة الفتوى بالأمصار(١).
وقالت طائفة: الأم والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول
بالأخرى وتأولوا الآية على غير تأويله فقالوا: المعنى: وأمهات نسائكم
اللاتي دخلتم بهن وربائبكم أيضًا كذلك، وزعموا أن شرط الدخول
راجع إلى الأمهات والربائب جميعًا، روى هذا القول الخلاس عن
علي بن أبي طالب(٢)، ورواية عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وهو
قول ابن الزبير لم يختلف عنهما ولم يقل به أحد من [أئمة](٣)
الفتوى، وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة؛ لأنه لا تصح
روايته عنه عند أهل العلم بالحديث وإن كان أثبتها أحمد بقوله: كان
على شرطة علي، ذكره العقيلي(٤) وغيره، والصحيح عن ابن عباس
مثل قول الجماعة(٥) .
روى سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:
﴿وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] هي مبهمة(٦)، لا تحل بالعقد على
الآينة.
(١) أنظر ((تفسير القرطبي)) ١٠٥/٥.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٧٢ (١٦٢٦١).
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) ((الضعفاء الكبير)) ٢٩/٢.
(٥) أنظر: ((تفسير القرطبي)) ١٠٦/٥.
(٦) ((المصنف)) ٤٧٤/٣ (١٦٢٧٣).

٣٠٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
وكذلك روى مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سئل زيد بن ثابت
عن رجل تزوج أمرأة ثم فارقها قبل أن يصيبها هل تحل له أمها؟ فقال:
لا؛ الأم مبهمة، وإنما الشرط الربائب (١). وهذا الصحيح عن زيد هو
ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية، ثنا ابن أبي عروبة، عن قتادة،
عن ابن المسيب، عن زيد أنه كان لا يرى بها بأسًا إذا طلقها
ويكرهها إذا ماتت عنده(٢).
وأما ابن المنذر فلما ذكر عن زيد ما سلف قال: وهذا هو الصحيح
لدخول جميع أمهات النساء في الآية(٣)، وأيضًا فإن الاستثناء راجع إلى
الربائب؛ لأنهم أقرب مذكور، ولا يرجع إلى أمهات النساء، والدليل
عليه أن العرب تحمل الوصف على أقرب الموصوفين دون أن تحمله
على أبعدهما، وإن شرك بينهما فيه، تقول: هذا جحر ضب خربٍ،
والضب ليس بخرب، وإنما هو الجحر قصدًا إلى جري الكلام على
طريقة واحدة؛ ولأن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدًا لا يجيز
النحويون: مررت بنسائك وهربت نساء زيد الظريفات على أن يكون
الظريفات نعتًا لهما (٤).
قال ابن المنذر: أحتج بعضهم بما وقع بالحديث السالف:
((لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن))(٥) ولم يقل اللاتي في حجري،
ولكنه سوى بينهن في التحريم(٦)، وقد أجمع عوام علماء الأمصار
(١) ((الموطأ)) ص ٣٣٠.
(٢) ((المصنف)) ٤٧٢/٣ (١٦٢٦٢).
(٣) ((الإشراف)) ١/ ٧٧.
(٤) أنظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٥٣/٢.
(٥) سلف برقم (٥١٠١) كتاب: النكاح، باب: ((وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)).
(٦) ((الإشراف)) ٧٨/١.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل
له تزويج ابنتها، وهو قول مالك(١) ومن تبعه وأصحاب الرأي ومن
وافقهم من أهل الكوفة(٢) والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام
والشافعي (٣) وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ومن تبعهم من أهل
الحديث (٤)، وروي عن جابر بن عبد الله وعمران بن حصين أنهما
قالا : إذا طلقها قبل أن يدخل بها تزوج ابنتها (٥).
واختلفوا في معنى الدخول الذي يصح به تحريم الربائب، فقالت
طائفة: الدخول: الجماع، روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال طاوس
وعمرو بن دينار وعبد الكريم، وفيه قول ثان وهو أن تحريم ذلك
(التفتيش)(٦) والقعود بين الرجلين هكذا قال عطاء، وقال حماد بن
أبي سليمان: إذا نظر الرجل إلى فرج امرأته فلا يحل له أن ينكح
أمها ولا ابنتها .
وقال الأوزاعي: إذا دخل بالأم وعراها أو لمسها بيده، أو أغلق
بابا، أو أرخى سترًا فلا يحل له نكاح ابنتها(٧)، وسيأتي أيضًا.
فصل :
اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]
فقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية كل أمة ذات زوج من المسلمين
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٥٠٧/٤-٥٠٨.
(٢) أنظر: ((المبسوط)) ١٩٩/٤ -٢٠٠.
(٣) ((الأم)) ١٣٢/٥-١٣٣.
(٤) انظر: ((المغني)) ٩/ ٥١٧.
(٥) انظر: ((الإشراف)) ٧٧/١ -٧٨.
(٦) صورتها في الأصل: التنفيس، وما أثبتناه من ((الإشراف)).
(٧) انظر: ((الإشراف)) ٧٨/١.

٣٠٩
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
والمشركين فهن حرام على غير أزواجهن، إلا أن تكون مملوكة اشتراها
مشتر من مولاها فتحل له. ويبطل ببيع سيدها إياها النكاح بينها وبين
زوجها، روي هذا القول عن ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر وأنس.
وقال: بيع الأمة طلاق لها وهو قول النخعي وابن المسيب
والحسن(١) وقالت أخرى: المحصنات في الآية ذوات الأزواج المسبيات
منهن بملك اليمين هن السبايا التي فرق بينهن وبين أزواجهن السبي
فحللن بما صرن له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها، روي
ذلك عن ابن عباس قال: كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وهو
قول زيد بن أسلم ومكحول وقالوا: إن هذه الآية نزلت في سبي
أوطاس، وقالوا: ليس بيع الأمة طلاقها(٢). وأن الآية نزلت في
السبي خاصة وبهذا قال مالك والكوفيون وأحمد وإسحاق وأبو ثور،
واحتجوا بحديث بريرة، ولو كان بيع الأمة طلاقًا ما خيرت(٣).
قال الطحاوي: والقياس يوجب فساد قول من جعل بيع الأمة
طلاقها؛ لأنها لا فعل للزوج في ذلك ولا سبب له، والطلاق لا يقع
إلا من الأزواج.
وقال آخرون: المحصنات في الآية وإن كن ذوات الأزواج فإنه
يدخل في ذلك محصنة عفيفة ذات زوج وغيرها مسلمة أو كتابية في
أن الله حرم الزنا، وأباحهن بالنكاح أو الملك روي هذا عن علي
وابن عباس ومجاهد، وهو معنى قول ابن المسيب، ويرجع ذلك إلى
أن الله حرم الزنا، ومعنى الآية عندهم: إلا ما ملكت أيمانكم يعني
(١) انظر: ((الإشراف)) ١٩٨/١، ((تفسير الطبري)) ٤/٤-٦.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) ١٩٨/١، ((تفسير الطبري)) ٣/٤-٤.
(٣) أنظر: ((الإشراف)) ١٠٤/١.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
يملكون عصمتهن بالنكاح ويملكون الرقبة بالشراء(١)، والمراد بانقضاء
العدة الاستبراء بالوضع من الحامل وتحقيقه من الحائض، وفي مسلم
من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله ◌ُّ بعث يوم
حنين سرية فأصابوا حيًا من العرب يوم أوطاس، فيهم نساء لهن
أزواج، فكان ناس من الصحابة تأثموا من غشيانهن من أجل أزواجهن
فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فهن
حلال لكم، إذا أنقضت عدتهن (٢).
فصل :
قول أنس إلى آخره أخرجه ابن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد، عن
التيمي، عن أبي مجلز عنه(٣).
قال ابن التين: وذلك ينزع الرجل أمته من عبده، وقيل: هم السبايا
سبيا معًا أو متفرقين يفسخ نكاحها ، قال: وهذا المعروف من مذهب
مالك، وقيل: إذا سبيا معًا فلا فسخ.
فصل :
وقول ابن عباس: (ما زاد) إلى آخره أخرجه إسماعيل بن أبي زياد
الشامي في ((تفسيره))، عن جويبر، عن الضحاك، عنهم. وقوله: (وقال
لنا أحمد .. ) إلى آخره. كأنه أخذه عنه مذاكرة. وأخرجه البيهقي عن
أبي عمرو الكاتب، ثنا الإسماعيلي، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا
يعقوب، ثنا يحيى بن سعيد به (٤).
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٠٧/٧-٢٠٨.
(٢) مسلم (١٤٥٦) كتاب: الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء.
(٣) («المصنف)) ٥٣٠/٣ (١٦٨٨٥).
(٤) ((سنن البيهقي)) ١٥٩/٧.

٣١١
= كِتَابُ الرَّضَاعِ
فصل :
قوله: (جمع عبد الله بن جعفر بين بنت علي وامرأة علي) أخرجه
أبو عبيد، عن إسماعيل بن عمرو، عن ابن أبي ذئب، عن مولى لبني
هاشم أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب تزوج بنت علي بن أبي
طالب، وتزوج معها ليلى بنت مسعود أمرأة علي فكانتا عنده جميعًا،
وفي حديث ابن لهيعة عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني غير
واحد أن عبد الله بن جعفر جمع بين أمرأة علي وابنته ثم ماتت بنت
علي فتزوج عليها بنتًا له أخرى، قال: وثنا قبيصة عن سفيان، عن
محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مهران قال: جمع ابن
جعفر بين بنت علي وامرأته في ليلة، وعند ابن سعد من حديث ابن
أبي ذئب حدثني عبد الرحمن بن مهران أن جعفرًا تزوج بنت علي
وتزوج معها أمرأة علي ليلى بنت مسعود، وقال ابن سعد: فلما
توفيت زينب تزوج بعدها أم كلثوم بنت علي، بنت فاطمة (١).
قال ابن بطال: وإنما فعل ذلك؛ لأن الأبنة كانت من غير تلك
المرأة، وهذا جائز عند الأربعة والثوري والأوزاعي وإسحاق
وأبي ثور؛ لأنه إنما حرم على الرجل أن يتزوج المرأة وابنتها،
وليس بحرام عليه أن يتزوج المرأة وربيبتها لا في كتاب الله ولا في
سنة رسوله، بل هما داخلان في جملة قوله: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ
ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وفي قوله: ﴿فَأَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾.
[النساء: ٣] وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز هذا النكاح، وكرهه الحسن
وعكرمة .
(١) ((الطبقات)) ٤٦٤/٨-٤٦٥.

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن المنذر: وثبت رجوع الحسن عنه(١).
وحجة الذين كرهوه ولم يجيزوه ما أصله العلماء في معنى الجمع
بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها .
قال الشعبي: أنظر فكل امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يجز له
نكاح الأخرى، ولا يجوز الجمع بينهما، قيل له: عمن؟ قال: عن
أصحاب محمد رَّ، وقال الثوري: تفسير هذا أن يكون من النسب،
وليس بين أمرأة الرجل وابنته من غيرها نسب يجمعهما، فكذلك يجوز
الجمع بينهما وعلى هذا التفسير جماعة الفقهاء، ولذلك أجاز أكثر
العلماء أن ينكح المرأة وينكح ابنة ابنتها من غيره وكره ذلك طاوس
(٢)
ومجاهد(٢) .
قوله: (وجمع الحسن .. ) إلى آخره. أخرجه أبو عبيد في كتاب
((النكاح)) بالنية عن حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار
أن الحسن بن محمد أخبره أن حسن بن حسن بن علي بنى في
ليلة واحدة ببنت محمد بن علي وبنت عمر بن علي فجمع بين ابنتي
العم، وأن محمد بن علي قال: هو أحب إلينا منهما - يعني: ابن
الحنفية .
قال ابن بطال: وكرهه مالك وليس بحرام وهو قول عطاء وجابر بن
زيد وقال: إنما كره ذلك للقطيعة وفساد ما بينهما ورخص فيه أكثر
(٣)
العلماء(٣).
(١) ((الإشراف)) ١/ ٨٢. وقال ابن المنذر: وأما إسناد حديث عكرمة ففيه مقال.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦/ ٢٦٣، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥١٩/٣-٥٢٠.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٨/٧-٢٠٩.

٣١٣
كِتَابُ الرَّضَاعِ
قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح، وهما داخلتان
في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين به بكتاب ولا سنة ولا إجماع،
وكذلك معنى الجمع ابنتي عمة وابنتي خالة(١).
وفي ((المصنف)) عن عطاء يكره الجمع بينهما، لفساد بينهما وكذا
ذكره عن الحسن، وحدثنا ابن نمير عن سفيان حدثني خالد الفأفأ،
عن عيسى بن طلحة قال: نهى رسول الله وَّلهو أن تنكح المرأة على
قرابتها مخافة القطيعة(٢). وفي ((علل الخلال)) عن إسحاق بن
عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه قال: كان أصحاب رسول الله وَله
يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن، قيل: من كره ذلك منهم؟
فقال: أبو بكر وعمر وعثمان، وهذا حديث مجهول لا أصل له.
فصل :
وقوله: (وقال ابن سيرين: لا بأس به .. ) إلى آخره.
أخرجه أبو عبيد بن سلام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيوب،
عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا بذلك، ورواه كذلك عن ابن أبي
مريم، عن الليث، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار قال:
وكذلك قول سفيان وأهل العراق لا يرون به بأسًا، ولا أحسبه إلا قول
أهل الحجاز، وكذلك هو عندنا، ولا أعلم أحدًا كرهه إلا شيئًا عن
الحسن ثم كأنه رجع عنه، قال: وثنا ابن عيينة، عن سلمة بن علقمة
قال: إني لجالس عند الحسن إذ سأله رجل عن ذلك فكرهه قال:
فقال له بعضهم: يا أبا سعيد هل ترى بينهما شيئًا، فنظر ساعة ثم
(١) ((الإشراف)) ٨٢/١-٨٣.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥١٩/٣ (١٦٧٦٧).

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال: ما أرى بينهما شيئًا، وأجازه أكثر أهل العلم وفعل ذلك عبد الله بن
صفوان بن أمية، وأباحه ابن سيرين وسليمان بن يسار والثوري
والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق والكوفيون وأبو ثور وأبو عبيد،
وقال مالك: لا أعلم ذلك حرامًا، وبه نقول، والإسناد إلى عكرمة
في كراهته فيه(١) .
قال: وفي ((علل الخلال)) بإسناد جيد أن رجلًا من الصحابة يقال له :
صلة من أهل مصر جمع بين أمرأته وابنته من غيرها، قال أبو طالب: قال
أبو عبد الله: قد فعل ذلك رجل من الصحابة، ونقله أيضًا ابن جعفر،
وإسناده صالح جيد، وعبد الله بن أبي شيبة، قال أيوب: نبئت أن
سعيد بن قرط - رجلًا له صحبة- جمع بينهما .
فصل :
قوله: (وكرهه جابر بن زيد للقطيعة) هذا أخرجه أبو عبيد، عن
يزيد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمرو بن هرم، عنه.
فصل :
قوله: (وقال ابن عباس: إذا زنا بأخت امرأته لم تحرم عليه امرأته)
هذا أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى، عن هشام، عن قيس بن
سعد، عن عطاء، وحدثنا عبد الصمد، عن سعيد، عن قتادة، عن
يحيى بن يعمر، عن ابن عباس به، وعن الزهري كذلك، وقال:
لا يحرم حرام حلالا(٢). وكذا قاله ابن أشوع، زاد: جسرتُ عليها،
وهابه إبراهيم والشعبي، وقال أيضًا: عطاء وقتادة وأكثر العلماء على
(١) أنظر: ((الإشراف)) ١/ ٨٢.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣/ ٤٨٠ (١٦٣٤٥).

٣١٥
= ڪِتَابُ الرَّضَاعِ
الإباحة كما نقله ابن بطال (١)، وإنما حرم الله الجمع بين الأختين بالنكاح
خاصة، لا بالزنا، ألا ترى أنه يجوز نكاح واحدة بعد أخرى، من
الأختين، ولا يجوز ذلك في المرأة وابنتها من غيره.
والكوفيون على أنه إذا زنى بالأم حرم عليه بنتها وكذا عكسه، وهو
قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق أنه تحرم عليه أمها وبنتها (٢)،
وهي رواية ابن القاسم في ((المدونة))(٣) وقالوا: الحرام يحرم الحلال،
وخالف فيه ابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة وربيعة والليث، فقال:
الحرام لا يحرم الحلال، وهو قول في ((الموطأ)) (٤)، وبه قال الشافعي
وأبو ثور، وحجة هذا القول أنه ارتفع الصداق في الزنا ووجوب
العدة والميراث ولحوق الولد ووجب الحد أرتفع أن يحكم له بحكم
النكاح الجائز، ورخص أكثر الفقهاء في تزويج المرأة التي زنى بها،
وشبه ابن عباس ذلك بالذي يسرق تمر النخلة فيأكلها ثم يشتريها
وكره ذلك ابن مسعود وعائشة والبراء وقالوا: لا يزالان زانيين
ما اجتمعا (٥).
فصل :
قوله: (ويروى عن يحيى الكندي .. ) إلى آخره، وفي آخره (ويحيى
هذا غير معروف ولم يتابع عليه) في كتاب ((الثقات)) لابن حبان(٦)
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٢١٠.
(٢) انظر: ((المغني)) ٥٢٦/٩.
(٣) ((المدونة)) ٢٠٢/٢.
(٤) ((الموطأ)) ص ٣٣٠-٣٣١.
(٥) أنظر: ((الإشراف)) ٨٤/١.
(٦) ((الثقات)) ٦٠٨/٧.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١) وتاريخ [البخاري](٢) يحيى بن
قیس الكندي روى عن شريح، روى عنه أبو عوانة وشريك والثوري،
فيجوز أن يكون هذا.
وقوله: (ويذكر عن أبي نصر .. ) إلى آخره، وفي رواية: عن أبي
النصر أو نصر، أبو نصر هذا عرفه أبو زرعة بأنه أسدي، وأنه ثقة، وروى
عن ابن عباس أنه سأله عن قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ﴾ وَلَالٍ عَشْرٍ
[الفجر: ١، ٢] وهو ظاهر في سماعه منه، لا كما قال البخاري، أنه
لا يعرف سماعه منه.
وقوله: (ويروى عن عمران) إلى آخره، التعليق عن عمران أخرجه
ابن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن،
عنه(٣) .
والتعليق عن جابر والحسن أخرجه أيضًا عن أبي أسامة، عن هشام،
عن قتادة قال: كان جابر بن زيد والحسن يكرهان أن يمس الرجل أم
امرأته يعني في الرجل يقع على أم امرأته (٤)، قال أبو عبيد: حدثنا
يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن قال: إذا فجر بأم امرأته
أو بابنة امرأته حرمتا عليه، وحدثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن في
رجل فجر بابنة أمرأته قال: يفارق امرأته.
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٨٢/٩ (٧٥٤).
(٢) غير واضحة بالأصل، والمثبت من ((عمدة القاري)) ٢٩٣/١٦، وانظر ((التاريخ
الكبير)) ٢٩٩/٨ (٣٠٧٧).
(٣) ((المصنف)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٢٦).
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٣٦).

٣١٧
كِتَابُ الرَّضَاعِ
=
والتعليق عن بعض أهل العراق أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن
حفص، عن ليث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن
مسعود قال: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج أمرأة وابنتها(١)، وثنا
جرير، عن حجاج، عن أبي هانئ الخولاني قال رسول الله وَله: ((من
نظر إلى فرج أمرأة لم تحل له أمُّها ولا ابنتها))(٢)، وثنا جرير عن
مغيرة، عن إبراهيم وعامر في رجل وقع على ابنة أمرأته، قال: حرمتا
عليه كلتاهما، قال إبراهيم: كانوا يقولون: إذا اطلع الرجل من المرأة
على ما لا يحل له أو لمسها بالشهوة فقد حرمت عليه وولدها
جميعًا (٣)، وثنا عبيد الله، عن شعبة: سألت الحكم وحمادًا عن رجل
زنى بأم امرأته؟ فقالا: أحب إلينا أن يفارقها (٤).
قال ابن المنذر: وهو قول عطاء والثوري وأحمد وإسحاق
وأصحاب الرأي، وكذلك إن وطئ الأبنة والأم زوجته حرمت عليه،
وقالت طائفة: إذا غشي أم أمرأته أو ابنة امرأته لم تحرم عليه زوجته
كذلك، قال ابن عباس، وبه قال الحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر
والشافعي ومالك وأبو ثور وبه نقول؛ وذلك أن الصداق لما أرتفع في
الزنا ووجوب العدة والميراث أرتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز
كما سلف(٥) .
(١) ((المصنف)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٢٨).
(٢) ((المصنف)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٢٩).
(٣) ((المصنف)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٣٠).
(٤) ((المصنف)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٣٣).
(٥) ((الأشراف)) ٨٤/١.

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال ابن بطال: أما تحريم النكاح باللواط فإن أصحاب مالك
والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لا يحرمون النكاح به، وقال الثوري:
إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد قال: إذا تلوط
بابن أمرأته أو أبيها أو أخيها حرمت عليه أمرأته، وقال الأوزاعي: إذا
لاط غلام بغلام وولد المفجور به لم يجز للفاجر أن يتزوجها؛ لأنها
بنت من قد دخل هو به وهو قول أحمد(١)(٢).
فصل :
(وقوله: وجوزه ابن المسيب .. ) إلى آخره، التعليق عن سعيد بن
المسيب رواه ابن أبي شيبة، عن ابن علية عن يزيد الرشك عنه(٣)، قال
الداودي: إنما حرم الحسن وغيره أخت المرأة إذا زنى بأختها تنزيهًا
وتوقيًا، وإذا قلنا بالتحريم لمن زنى بابنة أمرأة وأمها وقلنا تحرم عليه
امرأته هل ينزه فيؤمر بذلك أو يخير عليه؟ فيه تردد، وعند المالكية إذا
وطئ ابنته ظانا أنها امرأته، هل تحرم عليه أمرأته أم لا؟
قال سحنون: لا، وأُنكر عليه، ونزلت بشخص ففارق.
وقول أبي هريرة: (لا يحرم عليه حتى تلزق بالأرض) وهو بفتح
الزاي.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧/ ٢١٠-٢١١.
(٢) انظر: ((المغني)) ٥٢٨/٩-٥٢٩.
(٣) ((المصنف)) ٤٦٩/٣ (١٦٢٣٧).

٣١٩
كِتَّابُ الرَّضَاعِ
=
٢٥ - باب ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم
مِّن تِسَائِكُمُ الَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]
وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الدُّخُولُ وَالْمَسِيسُ وَاللَّمَاسُ هُوَ الجِمَاعُ.
وَمَنْ قَالَ: بَنَاتُ وَلَدِهَا (هن بناتها)(١) فِي التَّحْرِيمِ؛ لِقَوْلِ
النَّبِيِّ وَّهُ لِأُمِّ حَبِيبَةَ: ((لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ)). وَكَذَلِكَ
حَلَائِلُ وَلَدِ الأَبْنَاءِ هُنَّ حَلَائِلُ الأَبْنَاءِ، وَهَلْ تُسَمَّى الرَّبِبَةَ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي حَجْرِهِ؟ وَدَفَعَ النَّبِيُّ نَّهِ رَبِيبَةً لَهُ إِلَى مَنْ
يَكْفُلُهَا، وَسَمَّى النَّبِيُّ وَِّ ابنِ ابنِتِهِ ابنا.
٥١٠٦ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ،
عَنْ أُمّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ قَالَ: ((فَأَفْعَلُ
مَاذَا؟)). قُلْتُ: تَنْكِحُ. قَالَ: ((أَتُحِبِّينَ؟)). قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ
شَرِكَنِي فِيكَ أُخْتِي. قَالَ: ((إِنَّهَا لَا تَحِلُّ ◌ِي)). قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخْطُبُ. قَالَ: (ابْنَةَ
أُمِّ سَلَمَةَ)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي مَا حَلَّتْ لِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا
ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ)). وَقَالَ اللَّيْتُ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ
بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ. [انظر: ٥١٠١- مسلم: ١٤٤٩ - فتح ٩/ ١٥٨].
ثم ساق حديث أم حبيبة قلت: يا رسول الله، هل لك في ابنة أبي
سفيان .. الحديث السالف.
وفيه قَالَ: ((بنت أُمِّ سَلَمَةَ)).
وفي آخره: وَقَالَ اللَّيْثُ: ثَنَا هِشَامٌ: دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ.
(١) كذا بالأصل، وفي أصل ((اليونينية)) (من بناته) وذكره الحافظ في ((الفتح)) ١٥٨/٩
(هن من بناتها)، وذكر اختلاف النسخ الشيخ زكريا الأنصاري في ((المنحة))
٨/ ٣٥٣ فأثبت (من بناته) وقال: وفي نسخو (هن بناتها) أي: هن كبناته. اهـ

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد اختلف العلماء في معنى الدخول بالأمهات، وقد أسلفناه في
الباب الذي قبل، وأن ابن عباس قَالَ: إنه الجماع.
قَالَ ابن بطال: ولم يقل بهذا أحد من الفقهاء، واتفق الفقهاء أنه إذا
لمسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها(١).
قلت: لا، فالخلاف فيه للشافعي، والأظهر من مذهبه أنه لا يحرم به (٢) .
ثم اختلفوا في النظر، فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها
أو شيء من محاسنها بلذة حرمت عليه أمها وابنتها .
وقال الكوفيون: إذا نظر إلى (فرجها)(٣) للشهوة، كان بمنزلة اللمس
للشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز بالنظر حَتَّى يلمس، قَالَ: وهو
قول الشافعي (٤).
قلت: قد أسلفنا أنه خلاف الأظهر في مذهبه، وقد روي التحريم
بالنظر عن مسروق، والتحريم باللمس عن النخعي والقاسم ومجاهد(٥)،
وأجمع الفقهاء عَلَى أن الربيبة تحرم عَلَى زوج أمها إذا دخل بالأم
وإن لم تكن الربيبة في حجره(٦).
وشذ أهل الظاهر عن جماعة الفقهاء، وقالوا: لا تحرم عليه الربيبة
إلا أن تكون في حجره، واحتجوا بظاهر الآية، قالوا: فتحريمها بشرطين
(١) ((ابن بطال)) ٢١١/٧.
(٢) انظر: ((الوسيط)) ١٤٩/٣.
(٣) في الأصول (وجهها) والصواب ما أثبتناه كما في ((مختصر اختلاف العلماء))
٣٠٩/٢.
(٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٠٩/٢ -٣١٠، ((المدونة)) ٢٠٠/٢-٢٠١.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣١٠/٢.
(٦) انظر: ((الإشراف)) ٧٧/١-٧٨.