Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
(٦٨) سورة نون
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾ جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ:
﴿لَضَالُّونَ﴾ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿كَالصَّرِمِ﴾
كَالصُّبْحِ أَنْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهْوَ
أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ أَنْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ، وَالصَّرِيمُ أَيْضًا
المَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ .
هي مكية، وعن ابن عباس: من قوله إلى: ﴿سَنَسِمُهُ﴾ مكي، ومن
بعد ذلك إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ مدني، وهي بعد المزمل،
وقبل المدثر(١). وفي ((أدب الإملاء)) لابن سعد السمعاني من حديث
أبي هريرة عليه مرفوعًا: ((أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون)) وهي
الدواة، وذلك قوله: ﴿ت﴾ الآية(٢).
(ص) (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿عَلَى حَرْرٍ﴾: جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِمْ) أخرجه
عبد الرزاق، عن معمر، عنه (٣). والجد بالكسر: الأجتهاد في الأمر
كنقيض الهزل، وربما ضبط بالفتح.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿لَضَالُّونَ﴾ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا) أخرجه
ابن أبي حاتم، عن علي بن المبارك، ثنا زيد بن المبارك، ثنا
ابن ثور، عن ابن جريج، عنه (٤).
(١) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص ٧.
(٢) ((أدب الإملاء)» ص١٥٨.
(٣) ((تفسير عبد الرزاق)) ٢/ ٢٤٧ بلفظ: جهد من أمرهم.
(٤) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٩٦/٦ وعزاه لابن أبى حاتم.

٤٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (أَضْلَلْنَا) قال الدمياطي بخطه: صوابه: ضللنا، يقال:
ضللت الشيء: إذا جعلته في مكان ولم تدر أين هو، وأضللته: إذا
ضيعته وإذا وجدته ضالاً أيضا، وإذا حملته على الضلال وأدخلته فيه
أيضا .
(ص) (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿كَلَصَرِمٍ﴾ كَالصُّبْحِ أَنْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ
أَنْصَرَمَ مِنَ النَّهَارِ، وَهْوَ أَيْضًا كُلُّ رَمْلَةٍ أَنْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ)
قلت: فكل شيء قطع من شيء فهو صريم.
(وَالصَّرِيمُ أَيْضًا المَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلِ وَمَقْتُولٍ) قلت: وقال ابن
عباس: كالرماد الأسود بلغة خزيمة(١).
وقيل: کالزرع الذي حصد.
(١) ذكره البغوي في ((تفسيره)) ١٩٥/٨ وابن الجوزي في ((زاد المسير)) ٣٣٦/٨.

٤٤٣
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
-
١- باب
* [القلم: ١٣]
عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنٍِ
٤٩١٧- حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ﴿عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِمٍ ﴾﴾ [القلم: ١٣]
قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشِ لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ. [فتح: ٨ /٦٦٢]
٤٩١٨- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدِ، قَالَ: سَمِعْتُ
حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الْخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟
كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلٌّ
جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). [٦٠٧١، ٦٦٥٧ - مسلم: ٢٨٥٣ - فتح: ٨/ ٦٦٢]
[القلم: ١٣]
ساق فيه حديث ابن عباس: ﴿عُثُلِ بَعْدَ ذَلِكَ زَئِمٍ
قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشَّاةِ.
وعن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَّهِ يَقُولُ:
((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لِأَبَرَّهُ،
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلُّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)).
الشرح :
هذا الحديث ذكره في الأدب والأيمان والنذور، وأخرجه الترمذي
وابن ماجه، وأبو داود بعضه(١).
العتل: الغليظ والعنيف. وقال الفراء: الجافي عن الوعظ(٢).
(١) الترمذي (٢٦٠٥) وقال: حسن صحيح وابن ماجه (٤١١٦) وأبو داود (٤٨٠١)
بلفظ: ((لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري)) قال: والجواظ: الغليظ الفظ.
(٢) قال الفراء في ((معاني القرآن)) ١٧٣/٣٣: وقوله: ﴿عُثُلٍ﴾ في هذا الموضع هو
الشديد الخصومة بالباطل.

٤٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقيل: الشديد من كل شيء. وقيل: الكافر. وقال الداودي: هو السمين
العظيم العنق والبطن. وقال الهروي: هو الجموع المنوع، قال: ويقال:
القصير البطين. وقيل: الأكول الشروب الظلوم.
والزنيم: الدعي في النسب الملحق بالقوم وليس منهم، تشبيهًا له
بالزنمة، وهو شيء يقطع من أذن الشاة ويترك معلقا بها، وهو أيضا
هنة مدلاة في حلق الشاة كالملحقة بها. وعن ابن عباس روايات فيه،
فروى عطاء عنه أنه الملصق في قوم ليس منهم (١).
وروى سعيد عنه أنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها (٢)، وروى
ابن أبي زياد عنه: أنه الذي زنمته كزنمة الشاة أسفل من أذنه. وعبارة
مقاتل: في أصل أذنه مثل زنمة الشاة زيادة في خلقه (٣).
وروى الوالبي عنه: أنه الظلوم(٤)، وروى ابن أبي زياد عنه: أن
الموصوف بهذه الصفات الوليد بن المغيرة المخزومي. قال مجاهد:
كانت له ست أصابع، في كل يد أصبع زائدة (٥).
وفيه قول ثان: أنه الأخنس بن شريق، قاله السدي(٦). يعني: أنه
كان ثقفيًّا، ويعد في بني زهرة. قال ابن قتيبة: إنما قيل له: زنيم
للتعريف به لا على جهة الذم له(٧).
(١) ذكره الواحدي في ((الوسيط)) ٣٣٥/٤.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٨٧/١٢ وانظر ((تفسير مجاهد)) ٦٨٨/٢ والمستدرك
٤٩٩/٢.
(٣) أنظر: ((تفسير الرازي)) ٣٠ / ٨٥.
(٤) أخرج الطبري ١٨٧/١٢ عن علي عن ابن عباس في قوله ﴿زَنِيٍِ﴾ قال: ظلوم.
(٥) ذكره القرطبي في تفسيره)) ٢٣٤/١٨.
(٦) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٣٩٣ لابن أبي حاتم.
(٧) انظر: ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة ص١٥٩.

٤٤٥
= ڪِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
وقول ثالث: أنه الأسود بن عبد يغوث، أو عبد الرحمن بن الأسود،
قاله مجاهد(١).
وروى ابن عباس مرفوعًا: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: الجواظ والعتل
والجعظري)) قيل: يا رسول الله، وما الجواظ؟ قال: ((الجموع المنوع،
البخيل بما في يده)) (٢) والجعظري: الفظ بما ملكت يمينه، والغليظ
لقرابته وجيرانه وأهل بيته، والعتل: الوثيق الخلق إلى حيث الخوف،
الأكول الشروب الغشوم الظلوم.
وفي الزنيم أقوال أخر: الهجين الكافر، قاله علي (٣). أو الفاجر
أو اللئيم أو النمام.
فصل :
وحارثة بن وهب هذا هو أخو عبيد الله بن عمر لأمه، أمهما أم كلثوم
بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعية. وأم عبد الله وحفصة زينب
بنت مظعون (ابن) (٤) أخت عثمان.
فصل :
وقوله: ((كل ضعيف مُتَضَعَّف)) هو بفتح العين المشددة، وكذا ضبطه
الدمياطي. قال ابن الجوزي: وغلط من كسرها، وإنما هو بالفتح. يريد
أن الناس يستضعفونه ويقهرونه. وقال النووي: روي بالفتح عند الأكثرين
وبكسرها، ومعناه: التواضع والتذلل والخمول(٥).
(١) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٣٩٣ لابن أبي حاتم.
(٢) رواه أحمد ١٦٩/٢ وهو عن عبد الله بن عمرو بن العاصي.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢٤٧/٢.
(٤) كذا في الأصل، ولعلها زائدة.
(٥) ((شرح مسلم)) للنووي ١٧ / ١٨٧.

٤٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فصل :
والجواظ - بجيم ثم واو مشددة ثم ظاء معجمة - الشديد الصوت في
الشر، أو القصير البطين، أو المتكبر المختال في مشيته الفاجر، أو الكثير
اللحم، أو الجموع المنوع أقوال(١).
وقوله: ( ((ألا أخبركم بأهل الجنة؟)) ) أي: معظمهم، كما أن معظم
أهل النار القسم الآخر، وليس المراد الأستيعاب في الطرفين.
(١) انظر: ((المحكم)) ٣٧٢/٧، ((تهذيب اللغة)) ٦٨٢/١ [جوظ].

٤٤٧
=
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
٢- باب
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]
٤٩١٩- حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ،
صَهَا الله
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ◌َُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
يَقُولُ: (يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ
يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًّا وَاحِدًا)).
[انظر: ٢٢ - مسلم: ١٨٣- فتح: ٦٦٣/٨]
ساق فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري عُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَلـ
يَقُولُ: ((يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ
كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًّا
وَاحِدًا)). وهو مختصر من حديث الرؤية، ومتفق على إخراجه، وقد
اختلف العلماء في هذا الحديث(١)، فمنهم من توقف عن كشف
معناه. ومنهم من أقدم عليه فأولها بالشدة والكرب؛ لأنه يستعمل في
اللغة على معنى شدة الأمر، كقوله: وقامت الحرب على ساق.
وعبر بعضهم عنه بالقيامة وهولها، وبعضهم بأول ساعاتها، وهي
أفظعها وأشدها، ومنهم من قال: المراد ما يبرز من أمور القيامة
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: تنازعوا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكْشَفُ عَن
سَاقٍ﴾ فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، أن الله يكشف عن الشدة
في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات للحديث الذي رواه
أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذِه من
الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يَكْثَفُ عَن سَاقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم
يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل
هذا ليس بتأويل.

٤٤٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وشدتها، فترتفع معه شدائد الامتحان، ويؤذن لأهل اليقين والإخلاص
في السجود، ويكشف الغطاء عن أهل النفاق، فتعود ظهورهم طبقًا
لا يستطيعون السجود، ويؤيده حديث أبي موسى («فيكشف لهم
الحجاب فينظرون إلى الله))(١) وعن ابن مسعود ((إذا كان يوم القيامة
قام الناس لرب العالمين أربعين عامًا)) فيه: ((فعند ذلك يكشف عن
ساق ويتجلى لهم .. )) (٢) الحديث.
وقريب منه أن المراد بالساق: النفس. ومنه قول علي حين راجعه
أصحابه في قتال الخوارج فقال: والله لأقاتلنهم ولو تلفت ساقي.
(٣)
یرید: نفسه(٣).
والمراد: التجلي وكشف الحجب حتى إذا رأوه سجدوا له،
ومنهم من قال: المراد: يكشف لهم عن ساق بعض المخلوقين من
الملائكة، فيجعل لهم شيئًا لبيان ما يشاء من حكمته في أهل الإيمان
والنفاق.
وقرأها ابن عباس بضم الياء، ورد الحكيم الترمذي على ابن قتيبة
حيث قال في ((مشكله)): المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يَّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ أي: عن
شدة الأمر (٤) بحديث ابن مسعود السالف. وأن هذا يوم سرور المؤمنين
وقرة عيونهم إذا كشف لهم الغطاء عن معبودهم، وأما في غير هذِه
٣٩
الآية فالأمر كما قاله، وأما قوله تعالى: ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِلسَّاقِ
(١) رواه الآجرئ في الشريعة (٥٥٧) ص٢٢١-٢٢٢ وأصله عند أحمد في ((المسند))
٤٠٧/٤-٤٠٨ بنحوه.
(٢) رواه الدار قطني في ((رؤية الله عز وجل)) (١٧٦) ص١٣٨.
(٣) أورده البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ١٨٧/٢.
(٤) ((تأويل مشكل القرآن)) ص١٣٧ بنحوه.

٤٤٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
فالمراد: ساق الدنيا أو أمرها أو أعمالها بالآخرة عند الموت. وقيل:
يلفان في الأكفان(١).
فصل :
وقوله: ( ((فيعود ظهره طبقا واحدًا)) أي: فلا ينثني للسجود رجاء كأن
في ظهورهم السفافيد واحتج به بعض من يرى تكليف ما لا يطاق. قال:
﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ
سَلِمُونَ﴾ ورد الداودي بأن الله أمر عباده بالطاعة وجعل فيهم من
الاستطاعة ما يطيقون به فعل ما أمروا به وترك ما نهوا عنه، فمن قبله
هداه، ومن أباه ختم عليه ومنعه السجود يوم القيامة عقوبة له، لكن
مذهب أهل السنة خلاف قوله، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا
طَاقَةَ لَنَا بِهِءٌ﴾ [البقرة: ٢٨٦] لكن من قال به اختلف في وقوعه،
والمختار المنع. وإذا قلنا بالتكليف به، فهل ورد به شرع أم لا؟
قيل: نعم، كما في قصة أبي لهب.
فصل :
والطبق: فقار الظهر، واحدها طبقة. يريد أنه صار فقارهم كأنه
كالفقارة الواحدة فلا يقدرون على السجود(٢).
(١) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٣٤٧/١٢-٣٤٩.
(٢) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٢١٦٢/٣ [طبق]، ((النهاية في غريب الحديث والأثر))
١١٤/٣.

٤٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(٦٩) سورة الحَاقّةِ
﴿عِيشَةٍ رَضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ فِيهَا الرِّضَا ﴿اَلْقَاضِيَةَ﴾ المَوْتَةَ الأُولَى
التِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا ﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ أَحَدٌ يَكُونُ
لِلْجَمْعِ وَلِلْوَاحِدِ. وَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: ﴿الْوَِّينَ﴾ نِيَاطُ القَلْبِ.
قَالَ ابن عَبَّاسِ ﴿طَغَى﴾ كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿يِالطّاغِيَةِ﴾
بِطُغْيَانِهِمْ، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الخَزَّانِ. كَمَا طَغَى المَاءُ
عَلَى قَوْمِ نُوحٍ. ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾: أُصُولُهَا ﴿بَاقِيَةٍ﴾ بَقِيَّةِ.
مكية، سميت بذلك؛ لأن فيها حواق الأعمال من الثواب والعقاب،
ونزلت [قبل](١) المعارج وبعد الملك، كما قاله السخاوي(٢).
(ص) (وقال ابن جبير: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ فِيهَا الرِّضَا) أخرجه
سفيان في ((تفسيره)) عن عطاء، عنه، فراضية معناه: ذات رضى.
وقيل: مرضية كدافق (٣) .
(ص) (﴿اَلْقَاضِيَةَ﴾ المَوْتَةَ الأُولَى التِي مُتُّهَا ثُمَّ أُحْيَا بَعْدَهَا) أخرجه
سفيان أيضًا عن عطاء، عنه. قال قتادة فيما رواه عبد: تمنوا الموت ولم
یکن شيء في الدنيا أكره عندهم منه(٤).
(ص) (﴿مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِينَ﴾ أَحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْيعِ وَلِلْوَاحِدِ)(٥) قلت:
(١) في الأصل: بعد، والمثبت هو الصواب.
(٢) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص٨.
(٣) هو قول أبي عبيدة في ((المجاز)) ٢٦٨/٢.
(٤) عزاه السيوطي في ((الدر)) ٤١١/٦ لعبد بن حميد.
(٥) هُذا من قول الفراء في ((المعاني)) ١٨٣/٣.

٤٥١
ـ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
والمعنى ما يغني عن عقوبته وما يفعله به.
(ص) (وَقَالَ ابْن عَبَّاسِ: ﴿اٌلْوَِّينَ﴾ نِيَاطُ القَلْبِ) أخرجه ابن أبي
حاتم من حديث سفيان عن عطاء بن السائب، عن سعيد، عنه (١).
(ص) (قَالَ ابن عَبَّاسِ ﴿طَغَى﴾: كَثُرَ) أخرجه أيضا من حديث علي
عنه(٢).
(ص) ﴿بِطُغْيَانِهِمْ﴾ أي: وعصيانهم (وَيُقَالُ طَغَتْ عَلَى الخَزَّانِ. كَمَا
طَغَى المَاءُ عَلَى قَوْم نُوح) قال قتادة: طغى الماء فوق كل شيء خمسة
عشر ذراعًا .
(١) رواه الطبري ٢٢٣/١٢ والحاكم ٥٠١/٢، وانظر ((الدر المنثور)) ٤١٣/٦، وقال
الحاكم: صحيح الإسناد.
(٢) رواه الطبري ٢١٢/١٢ وانظر ((الدر المنثور)) ٤١٣/٦.

٤٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
(٧٠) سورة ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ
الْفَصِيلَةُ أَصْغَرُ آبَائِهِ، القُرْبَى إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ أَنْتَمَى.
﴿لِلشَّوى﴾ اليَدَانِ وَالرِّجْلاَنِ وَالأَظْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ
لَهَا: شَوَاةٌ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوىُ، وَالْعِزُونَ:
الجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ.
هي مكية، وتسمى سورة المعارج.
(ص) (يقال: الفَصِيلَةُ أَصْغَرُ آبَائِهِ، القُرْبَى إِلَيْهِ)(١) قلت: عبر عنه
أبو عبيدة بالفخذ(٢) ومجاهد بالقبيلة(٣)، وثعلب بآبائه الأدنين غير
أقاربه الأقربين. قال الداودي: وقيل: إن الفصيلة ولظى من أبواب
جهنم. وهذا غريب.
(ص) (﴿لِلشَّوى﴾ اليَدَانِ وَالرِّجْلاَنِ وَالأَطْرَافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ
لَهَا شَوَاةٌ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوئ) قلت: ما ذكره هو قول مجاهد.
وقال أبو صالح: الشوى: لحم الساقين(٤). والمعروف -كما قال
ابن التين- أن الشوى جمع شواة، وهي جلدة الرأس، ولا يبعد ذلك
من قول مجاهد(٥) .
(١) هو قول الفراء في ((المعاني)) ١٨٤/٣.
(٢) (مجاز القرآن)) ٢٦٩/٢.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٣١/١٢.
(٤) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٣٢/١٢.
(٥) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٣٢/١٢.

٤٥٣
= ڪِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
(ص) (الْعِزُونَ الجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُهَا عِزَةٌ) يريد به جماعات في
تفرقه. ومعنى الآية: فمال للذين كفروا يسرعون منك، فإذا سمعوا
تفرقوا ولم يقبلوه.

٤٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(٧١) سورة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحَالَ﴾
﴿أَطْوَارًا﴾، طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا، يُقَالُ: عَدَا طَوْرَهُ. أَيْ
قَدْرَهُ، وَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الكُبَارِ، وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ وَجَمِيلٌ،
لأَنَّهَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً، وَكُبَّارُ الكَبِيرُ، وَكُبَارًا أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ،
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ وَحُسَانٌ مُخَفَّفٌ
وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ. ﴿وَيَّارًا﴾ مِنْ دَوْرٍ وَلَكِنَّهُ فَيْعَالٌ مِنَ الدَّوَرَانِ
كَمَا قَرَأَ عُمَرُ: (الْحَىُّ القَيَّامُ). وَهْيَ مِنْ قُمْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ
دَيَّارًا أَحَدًا. ﴿فَبَارًا﴾ هَلاَكًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿مِّدْرَارًا﴾
يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. ﴿وَقَارًا﴾ٍ عَظَمَةً.
١- باب ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]
٤٩٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ وَقَالَ: عَطَاءٌ عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما صَارَتِ الأَوْثَانُ التِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحِ فِي العَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا
وُدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعْ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوتُ فَكَانَتْ لُرَادٍ ثُمَّ
لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَشْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ،
لآَلِ ذِي الكَلاَعِ. أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ
إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ أَنْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ التِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابَا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ
فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَخَ العِلْمُ عُبِدَتْ. [فتح: ٦٦٧/٨]
هي مكية، وتسمى سورة نوح العليها، ونزلت بعد النحل وقبل سورة
إبراهيم، كما قاله السخاوي(١).
(١) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص٨.

٤٥٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
(ص) (﴿أَطْوَارًا﴾ طَوْرًا كَذَا وَطَوْرًا كَذَا) أي نطفة ثم علقة، ثم مضغة
إلى تمام الخلق، كما حكاه عبد بن حميد، عن خالد بن عبد الله. وقال
مجاهد: طورًا من تراب ثم من نطفة إلى آخر الخلق(١).
(ص) ثم قال: (عَدَا طَوْرَهُ) أي: قدره.
(ص) (وَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الكَبِيرِ، وَكُبَار أَيْضًا بِالتَّخْفِيفِ) قلت: يقال:
كبير وكبار مثل طويل وطوال وطوَّال. ومعنى كُبَّارًا: عظيمًا.
قال البخاري: (وَكَذَلِكَ جُمَّالٌ -يعني: بالتشديد- وَجَمِيلٌ؛ لأَنَّهَا
أَشَدُّ مُبَالَغَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: رَجُلٌ حُسَانٌ وَجُمَالٌ مُخَفَّفٌ) قلت:
وتقول أيضا العرب: عجيب وعجاب وكمال، وقرأ القارئ، ووصى
الموصي. وقرأ ابن محيصن وعيسى (كبارًا) بالتخفيف(٢).
(ص) (﴿دَيَّارًا﴾ مِنْ دَوْرٍ، وَلَكِنَّهُ فَيْعَالْ مِنَ الدَّوْرَانِ(٣)، كَمَا قَرَأَ
عُمَرُ: (الْحَىُّ القَيَّامُ). وَهْيَ مِنْ قُمْتُ)(٤) قلت: وأصله: قيوام ودیران.
ثم قال البخاري: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿رَيَّارًا﴾ أَحَدًا) يدور في الأرض
فيذهب ويجيء، ولم يتقدم عزو ما قبله حتى يقول: (وقال غيره)
فابحث عنه(٥). وقال القتبي: أصله من الدار. أي: نازل دار(٦).
(١) ذكر السيوطي في ((الدر)) ٦/ ٤٢٥ قول مجاهد وعزاه لعبد بن حميد.
(٢) قرأها عيسى بضم الكاف وابن محيصن بكسرها، وانظر ((الشواذ)) لابن خالويه ص
١٦٢.
(٣) ورد في هامش الأصل: كذا في هامش أصله، ضبطه الدمياطي بالفتح.
(٤) أبو عبيد في ((الفضائل)) ص ٢٩٦ ورواها ابن أبي داود في المصاحف ص ٥١، ٥٢.
(٥) قال ابن حجر في ((الفتح)) ٦٦٦/٨: يحتمل أن يكون في الأصل منسوبًا لقائل
فحذف اختصارًا من بعض النقلة، وقد عرفت أنه الفراء. اهـ وانظر ((معاني القرآن))
للفراء ١٩٠/٣.
(٦) انظر: ((القرطين)) ١٨٢/٢.

٤٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
(ص) (﴿نَبَارًا﴾ هَلاَكًا) أي: ودمارًا.
(ص) (وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿مِّدْرَارًا﴾: يَتْبَعُ بعضه بَعْضًا) أخرجه
ابن أبي حاتم من حديث معاوية عنه.
(ص): (﴿وَقَارًا﴾: عَظَمَةً) أخرجه سفيان في ((تفسيره)) عن أبي روق،
عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس بلفظ: لا تخافون لله عظمة؟!
وأخرجه عبد بن حميد من رواية أبي الربيع عنه: ما لكم لا تعلمون
منه عظمة، وقال مجاهد: لا تبالون الله عظمة. وفي رواية: لا ترون.
وعن الحسن: لا تعرفون الله حقًّا، ولا تشكرون له نعمة. وعن قتادة:
لا ترجون لله عاقبة. وعن ابن جبير: لا ترجون الله ثوابًا ولا تخافون
عقابًا(١) .
ثم ساق البخاري عن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، أنا هِشَامٌ، عَنِ ابن جُرَيْج
وَقَالَ: عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ : صَارَتِ الأَوْثَانُ التِي كَانَتْ فِي قَوْم نُوحِ فِي
العَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وُدِّ فكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاَعٌ كَانَتْ
لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَا،
وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لآلِ ذِي
الكَلاَع. ونسر أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى
الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ التِي كَانُوا يَجْلِسُونَ
أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ
ونسخ العِلْمُ عُبِدَتْ.
(١) أنظر هذِه الآثار في ((تفسير عبد الرزاق)) ٥٥/٢، ((تفسير الطبري)) ٢٤٩/١٢ -
٢٥٠، ((الدر المنثور)) ٤٢٤/٦-٤٢٥.

٤٥٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
الكلام عليه من وجوه :
أحدها :
عطاء هذا اختلف فيه هل هو ابن أبي رباح أو الخراساني؟ فذكره
أبو مسعود من رواية عطاء بن أبي رباح عنه ثم قال: إن حجاج بن
محمد وعبد الرزاق روياه عن ابن جريح فقالا: عن عطاء الخراساني.
وقال خلف: هو الخراساني. ثم قال: قال أبو مسعود: ظن البخاري
أنه ابن أبي رباح، وابن جريج لم يسمع التفسير من الخراساني، إنما
أخذ الكتاب من أبيه ونظر فيه.
وقال الإسماعيلي: يشبه أن يكون هذا عن عطاء الخراساني على
ما أخبرني به ابن فرج، عن علي بن المديني فيما ذكر في ((تفسير
ابن جريج)) كلامًا معناه: كان يقول عن عطاء الخراساني، عن
ابن عباس، فطال على الوراق أن يكتب الجواب -أي في كل
حديث- فتركه، فرواه من روى على أنه عطاء بن أبي رباح.
قال الجياني: قال أبو مسعود: ثبت هذا الحديث في ((تفسير
ابن جريج)) عن عطاء الخراساني، وإنما أخذ ابن جريج الكتاب من
أبيه ونظر فيه. قال: وهذا تنبيه بديع من أبي مسعود، ورويناه عن
صالح بن أحمد، عن علي بن عبد الله، سمعت هشام بن يوسف
قال: قال لي ابن جريج: سألت عطاء عن التفسير من البقرة وآل
عمران ثم قال: أعفني من هذا. قال هشام: وكان بعد إذا قال: عطاء
عن ابن عباس قال: الخراساني. قال هشام: فكتبنا ما كتبنا ثم مللنا
يعني: كتبنا ما كتبنا أنه الخراساني - قال ابن المديني: إنما كتبت أنا
هذِهِ القصة؛ لأن محمد بن ثور كان يجعلها عن عطاء، عن

٤٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ابن عباس، فظن الذي حملوا هنا عنه أنه عطاء بن أبي رباح. وعن
صالح بن أحمد، عن ابن المديني قال: سألت يحيى بن سعيد عن
أحاديث ابن جريج عن عطاء الخراساني فقال: ضعيفة. فقيل
ليحيى: إنه يقول: أنا. فقال: لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب
دفعه إلیه(١) .
الثاني :
روينا عن عروة بن الزبير وغيره أن آدم أشتكى وعنده بنوه ود وسواع
ويغوث ويعوق ونسر، وكان ود أكبرهم. وأبرهم به. وقال محمد بن
كعب: كانوا عبادًا فمات منهم رجل فحزنوا عليه، فقال الشيطان: أنا
أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه. قالوا: أفعل. فصوره في
المسجد من صفر ورصاص. ثم مات أخوه فصوره، حتى ماتوا كلهم
وتنقضت الأشياء إلى أن تركوا عبادة الله بعد حين، فقال الشيطان
للناس: ما لكم لا تعبدون إلهكم وإله آبائكم، ألا ترونها في مصلاكم؟
فعبدوها من دون الله حتى بعث الله نوحًا .
وقال محمد بن قيس، ومحمد بن كعب أيضًا: إنما كانوا قومًا
صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع، فلما ماتوا زين لهم الشيطان
أن يصوروا صورهم ليذكرونهم بها، فلما ماتوا وجاء آخرون قالوا:
ليت شعرنا هُذِه الصور ما هي؟ فقال إبليس لهم: هي آلهتكم وكانوا
يعبدونها ، فعبدوها(٢) .
وعند السهيلي: يغوث هو ابن شيث(٣) وابتداء عبادتهم من زمن
(١) (تقييد المهمل)) ٧٠١/٢ -٧٠٢ وانظر ((تحفة الأشراف)) ٩٠/٥.
(٢) انظر: ((تفسير الطبري)) ٢٥٣/١٢-٢٥٤، و((الدر المنثور)) ٤٢٧/٦.
(٣) جاء في ((الروض الأنف)) ١/ ١٠٣ سواعًا كان ابن شيث وأن يغوث كان ابن سواع.

٤٥٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
مهلاييل بن قينن(١).
الثالث :
ود بفتح الواو، وقد سلف أنه لكلب بدومة الجندل. وقال صاحب
((العين)) هو بالفتح صنم كان لقوم نوح، وبضم الواو صنم لقريش، وبه
سمي عمرو بن وُد(٢) وقراءة نافع بالضم والباقون بالفتح(٣). وزعم
الواقدي أنه على صورة رجل .
قال الماوردي: وهو أول صنم معبود، وسمي ود لودهم له، وكان
بعد قوم نوح لكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن (أنماكي) (٤)
ابن قضاعة، وكان بدومة الجندل(٥).
وأما سواع فكان على صورة امرأة، وكان لهزيل بن مدركة بن
إلياس بن مضر برهاط موضع بقرب مكة بساحل البحر.
ويغوث قد ذكره في الأصل، وأنه بالجوف عند سبأ من أرض
اليمن، كذا هو كانت بالألف واللام.
وذكر أبو عبيد البكري أنه معرفة ولا تدخله الألف واللام(٦).
ورواه الحميدي بالراء كما حكاه ياقوت، قال: ورواه النسفي باللام
في آخر الحول(٧). قال أبو عثمان النهدي: رأيته وكان من رصاص على
(١) ((الروض الأنف)) ١٠٣/١.
(٢) ((العين)) ٨/ ١٠٠.
(٣) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ٣٢٧/٦.
(٤) كذا في الأصل، وفي ((جمهرة الأنساب)) لابن حزم ص٤٥٢، و((اللباب)) لابن
الأثير ١٠٥/٣: (الحاف).
(٥) ((تفسير الماوردي)) ١٠٤/٦.
(٦) ((معجم ما استعجم)) ٤٠٤/٢.
(٧) ((معجم البلدان)) ١٨٨/٢.

٤٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
صورة أسد وكانوا يحملونه على جمل أجرد ويسيرون معه، لا يهيجونه
حتى يكون هو الذي يبرك، فإذا برك نزلوا وقالوا: قد رضي لكم ربكم
هذا الموضع، فيضربون عليه بناء وينزلون حوله(١) .
ويعوق كانت لهمْدان كما ذكره في الأصل ببلخع وهو بإسكان الميم
وبالدال المهملة، وهي قبيلة. وقيل: لكهلان أولًا ثم توارثه بنوه حتى
صار في همدان. قال الواقدي: وكان على صورة فرس.
ونسر كان لآل بني ذي الكلاع من حمير، وكان على صورة نسر
ويخدشه ما سلف أنهم كانوا على صورة آدميين. وفي ((المختار)) قال
أبو عبيدة عن أبي الخطاب الأخفش: كانوا مجوسًا فغرقهم الله
بالطوفان فبثها إبليس في الناس. وفي ((المصاحف)) لابن أبي داود من
قراءة ابن مسعود (يَغُوثَا وَيَعُوقًا) بجرِّبهما(٢).
وقوله: (وأما نسر فكانت لحمير لآل بنى ذي الكلاع، ونسر أسماء
رجال صالحين) كذا هو في البخاري، وكأن قوله: (ونسر) تحريف،
وصوابه: وهي أسماء رجال صالحين. وعلى تقدير صحتها فهو نوع
تكرير ينقض، فإنه كان يلزم إعادة باقي الأسماء قبلها وهي: ود
وسواع، ويغوث، ويعوق.
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤٧١/٣٥ -٤٧٢.
(٢) ((المصاحف)) ص٨٢ وهي هكذا في ((المصاحف))، وقد علم فوقها في الأصل:
كذا، وربما كان الصواب بصرفهما؛ لأن ظاهر النص يؤيده.