Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
علي وابن أبي ليلى(١)، واختاره سحنون، وروي عن ابن عباس رضي الله
عنهما رجوعه وانقضاؤها بالوضع، عليه فقهاء الأمصار، منهم: أبو هريرة
وأبو سلمة وعمر وابنه وابن مسعود.
وسبب الخلاف تعارض عموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَوْنَ مِنكُمْ﴾ مع آية
الحمل، فإن كلا منهما عام من وجه، خاصٌّ من وجه، والأولى عامة
في المتوفى عنهن أزواجهن، سواء كن حوامل أم لا. الثانية عامة في
أولات الأحمال، سواء كن متوفى عنهن أم لا. ولعل هذا التعارض
هو السبب لاختيار من أختار أقصى الأجلين، لعدم ترجيح أحدهما
على الآخر، وذلك يوجب ألا يرفع تحريم العدة الثاني إلا بيقين
الحل، وذلك بأقصى الأجلين، غير أن فقهاء الأمصار اعتمدوا على
هذا الحديث، فإنه مخصص لعموم آية الوفاة مع ظهور المعنى في
حصول البراءة بالوضع، نعم الجمع أولى من الترجيح، فإنها إن
أعتدت بأقصاهما فقد عمل بها، وإن أعتدت بالوضع فقد ترك العمل
بآية الوفاة، لكن حديث الباب نص في الحل بالوضع ويبين أن آية
الوضع عامة في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة
مختصة بالحامل من الصنفين، ويعتضد بقول ابن مسعود: إن آية
النساء القصرى -يريد سورة الطلاق- نزلت بعد عدة الوفاة، وظاهر
كلامه أنها ناسخة، وليس مراده، وإنما أراد بها أنها مخصصة، فإنها
أخرجت منها بعض متناولاتها، وكذا حديث سبيعة متأخر عن آية
الوفاة؛ لأنه كان بعد حجة الوادع. وقام الإجماع على أنها إذا
أنقضت أربعة أشهر وعشر وهي حامل أنها لا تحل، فتبين أن حكم
(١) (مصنف عبد الرزاق)) ٤٧١/٦ (١١٧١٤)، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥٤٩/٣
(١٧٠٩٢، ١٧٠٩٩)، ((تفسير الطبري)) ١٣٥/١١ (٣٤٣١٦).

٤٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الحامل خارج من ذلك الحكم. وروي عن الشعبي وإبراهيم والحسن
وحماد أنه لا يصح زواجها حتى تطهر من نفاسها احتجاجًا بما في
حديث سبيعة؛ فلما تعلت من نفاسها(١). أي: طهرت منه. وجوابه
أن هذا إخبار عن وقت سؤالها، ولا حجة فيه، وإنما الحجة في
قوله: إنها حلت حين وضعت. ولم يعلل بالطهر من النفاس.
وسواء كان حملها ولدًا أو أكثر، كامل الخلقة أو ناقصها، علقة
أو مضغة، فتنقضي العدة بوضعه إذا كان فيه صورة خلق آدمي، سواء
كان صورة خفية. تختص النساء بمعرفتها أم جلية يعرفها كل أحد،
بدليل إطلاق حديث سبيعة من غير سؤال عن حقيقة حملها. وادعى
النحاس نفي الخلاف في المطلقة إذا ولدت أن عدتها منقضية (٢).
وفي ((تفسير عبد بن حميد)) عن الحسن: إذا ألقت المرأة شيئًا تعلم
أنه حمل فقد أنقضت به العدة، وأعتقت أم الولد. وكذا قاله ابن سيرين.
وعن إبراهيم: إذا ألقت علقة أو مضغة فقد أنقضت العدة. وقال قتادة:
إذا أسقطت فقد استبان حملها وانقضت عدتها. وقال الشعبي: إذا نكث
في الخلق الرابع وكان مخلقًا أنقضت به العدة، وأعتقت الأمة(٣).
الخامس :
اختلف في المدة التي وضعت لها سبيعة، ففي رواية: بعد أربعين
ليلة من وفاته. وأخرى: بخمس وثلاثين يومًا. وبشهر، وبخمس
وعشرين ليلة وثلاث وعشرين ليلة وبنصف شهر، وخمس عشرة
ليلة(٤)، وعشرين ليلة.
(١) ((الاستذكار)) ١٧٨/١٨.
(٢) ((الناسخ والمنسوخ)) ١٢٤/٣.
(٣) انظر: ((الدر المنثور)) ٣٦١/٦، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٠٣/٤-٢٠٤.
(٤) ورد في هامش الأصل: هو الذي قبله، والله أعلم.

٤٢٣
= كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
وأخرجها أجمع عبد بن حميد، وابن مردويه. وابن جرير في
تفاسيرهم(١).
فائدة :
قوله: (كنت في حلقة) هو بفتح اللام على لغة، والمشهور إسكانها،
واقتصر ابن التين على الأول. وقوله: (القصرى) قال الداودي: لا أراه
محفوظًا عنه، ولا يقال: في سور القرآن: قصرى ولا صغرى، وإنما
يقال: قصيرة.
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) ١٣٥/١٢، و((الدر المنثور)) ٣٦٠/٦.

٤٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
(٦٦) سُورةُ التَّحريم
هي مدنية. قال السخاوي: نزلت بعد الحجرات(١) وقبل الجمعة.
قيل: نزلت في تحريم مارية. أخرجه النسائي، وصححه الحاكم على
شرط مسلم (٢). وقال الداودي: في إسناده نظر.
ونقل الخطابي عن أكثر المفسرين(٣)، والصحيح أنها في العسل كما
ستعلمه، والآية لا طلاق فيها فتطلق بالتحريم، ويجوز أن يكون فيها،
ويؤيد الأول قوله: ﴿يَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ﴾.
[التحريم: ٣] الآية، والعسل لا يؤكل سرًّا بخلاف الغشيان، ولأنه
لا مرضاة في الأول بخلاف الثاني.
قال النسائي: حديث عائشة في العسل جيد غاية (٤)، وحديث مارية
وتحريمها لم يأت من طريق جيدة.
(ص) ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللّهُ لَكِّ نَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجَِكَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ
[التحريم: ١]
٤٩١١- حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَخْيَى، عَنِ ابن حَكِيمٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ فِي الحَرَامِ: يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [٥٢٦٦- مسلم: ١٤٧٣-
فتح: ٦٥٦/٨]
(١) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص٩.
(٢) النسائي ٧١/٧ والحاكم في ((المستدرك)) ٤٩٣/٢.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١٩٢٦/٣-١٩٢٧.
(٤) النسائي في ((الكبرى)) ٣٥٦/٣ (٥٦١٤).

٤٢٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
٤٩١٢- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ و ◌َّ
يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابنةِ جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَنْ أَيَّتُنَا
دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيَ، إِّ أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ: ((لاَ، وَلَكِنِّي
كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابنةِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي
بِذَلِك أَحَدًا)). [٥٢١٦، ٥٢٦٧، ٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦١٤، ٥٦٨٢، ٦٦٩١، ٦٩٧٢ - مسلم:
١٤٧٤ - فتح: ٨ / ٦٥٦]
ثم ساق حديث مُعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ، ثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى، عَنِ يعلى بن
حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابنَ عَبَّاسِ قَالَ فِي الحَرَامِ: يُكَفِّرُ.
وَقَالَ ابن عَبَّاسِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾
[الأحزاب: ٢١]. كذا ذكره البخاري هنا.
وأخرجه مسلم من حديث إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام قال:
كتب إليَّ يحيى بن أبي كثير أنه يحدث عن يعلى بن حكيم، عن
سعيد، فذكره.
وأخرجه ابن ماجه من حديث وهب بن جرير عن هشام أيضًا(١)
كذلك، فلعله عبر بـ(عن) عن الكتابة المذكورة.
وقد سلف الكلام على ذلك في تفسير سورة المنافقين، وقد أظهرها
هناك وأخفاها هنا، ويجوز أن يكون لقي يحيى بعد ذلك فحدثه. وسيأتي
في الطلاق من حديث معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن يعلى
ابن حكيم، عن سعيد بن جبير سمع ابن عباس يقول: إذا حرم امرأته
فليس بشيء ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١](٢)
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٧٣).
(٢) يأتي برقم (٥٢٦٦) باب: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اللَّهُ لَكِّ﴾.

٤٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
يحتمل قوله: (فليس بشيء) يثبت التحريم كما نبه عليه ابن الجوزي،
يؤيده رواية النسائي: وسئل فقال: ليست عليك بحرام، أغلظ الكفارة
عتق رقبة(١). ووقع في نسخة أبي ذر: (عن يحيى بن حكيم، عن
سعيد. وهو خطأ، وصوابه ما سلف كما نبه عليه الجياني(٢).
وعن ابن عباس: يلزمه كفارة الظهار وهو قول أبي قلابة وابن جبير
وأحمد وإسحاق (٣). وهذا الحكم من ابن عباس هو مرفوع لتلاوة الآية
الكريمة عقبه، ولفعل الشارع له.
وقد اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام:
فمذهبنا أنه إن نوى الطلاق فهو طلاق، أو الظهار فظهار، أو تحريم
عينها لم تحرم، وعليه كفارة يمين، ولا يكون ذلك يمينًا، وإن لم ينو شيئًا
فالأظهر أن عليه كفارة يمين. وقيل: لغو لا شيء فيه أصلًا
وذكر القاضي عياض في هذِه المسألة أربعة عشر مذهبًا :
أحدها، وهو مشهور مذهب مالك: أنه يقع به الثلاث، سواء كانت
مدخولاً بها أم لا، لكن لو نوى أقل من ثلاث قيل: في المدخول بها
خاصة. وهو قول علي وزيد والحسن والحكم.
ثانيها: أنه يقع الثلاث، ولا تقبل نيته في المدخول بها ولا غيرها،
قاله ابن أبي ليلى وعبد الملك بن الماجشون.
ثالثها: يقع في المدخول بها ثلاث وغيرها واحدة، قاله أبو مصعب
ومحمد بن عبد الحكم.
رابعها: يقع واحدة بائنة، المدخول بها وغيرها، وهي رواية عن مالك.
(١) ((سنن النسائي)) ١٥١/٦.
(٣) أنظر: ((الشرح الكبير)) ٢٧٢/٢٢.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٢/ ٧٠٠.

٤٢٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
خامسها: يقع واحدة رجعية، قاله عبد العزيز بن أبي سلمة.
سادسها: يقع ما نوى، ولا يكون أقل من واحدة، قاله الزهري.
سابعها: وإن نوى واحدة أو عددًا أو يمينًا فله ما نوى وإلا فلغو،
قاله النووي(١).
ثامنها: مثله، إلا أنه إذا لم ينو شيئًا لزمه كفارة يمين، قاله الأوزاعي
وأبو ثور.
تاسعها: مذهب الشافعي السالف، وهو قول أبي بكر وعمر وغيرهما
من الصحابة والتابعين.
عاشرها: إن نوى الطلاق وقعت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا وقعت
ثلاث، وإن نوى اثنتين وقعت واحدة، وإن لم ينو شيئًا فيمين، وإن نوى
الكذب فلغو، قاله أبو حنيفة وأصحابه.
الحادي عشر مثل العاشر: إلا أنه إذا نوى الأثنتين وقعتا، قاله زفر.
الثاني عشر: أنه تجب فيه كفارة ظهار وقد سلف.
الثالث عشر: أنها یمین یلزم فيها كفارة یمین، قاله ابن عباس وبعض
التابعين (٢). وعنه ليس بشيء.
الرابع عشر: أنه كتحريم الماء والطعام فلا يجب فيه شيء أصلًا،
ولا يقع به شيء؛ بل هو لغو، قاله مسروق وأبو سلمة والشعبي(٣)
وأصبغ(٤).
(١) (شرح مسلم)) للنووي ١٠/ ٧٣.
(٢) أنظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩٩/٤، و((معرفة السنن والآثار)) ٦٠/١١.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٩٩/٤-١٠٠.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٢٣/٥-٢٧، وانظر: ((الإشراف)) ١٥١/١-١٥٣، ((شرح مسلم))
للنووي ٧٣/١٠ - ٧٤، (الشرح الكبير)) ٢٤٠/٢٣-٢٤٢.

٤٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ونقل ابن بطال في الحرام أنها يمين تكفر عن أبي بكر وعمر وابن
مسعود وعائشة وابن عباس وابن المسيب وعطاء وطاوس في آخرين؛
لأن الحرام ليس من ألفاظ الطلاق(١).
قال ابن المنذر: إنما لزمته ( الكفارة بيمينه لا لتحريمه ما أحل الله
له، فلا حجة لمن أوجب فيه کفارة یمین .
وقال ابن التين: أخذ الشافعي وأبو حنيفة بما ذكره ابن عباس أنه
يكفر كفارة يمين فيما عدا الزوجة واستدلا بقوله: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ
لَكٌ﴾ ثم جعله يمينًا بقوله: ﴿تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ واحتج القاضي أبو محمد
بقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وبقوله:
﴿قُلْ أَرَّيْتُم ◌َّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩] الآية. فتوعده
على فعل ذلك ومنعه منه يدل على أنه لا يتعلق به حكم، وهذا كله
إذا قاله لزوجته .
أما إذا قاله لأمته؛ فمذهبنا أنه إن نوى عتقها عتقت، أو تحريم عينها
فكفارة يمين ولا يكون يمينًا، وإن لم ينو شيئًا وجبت كفارة يمين على
الأصح. وقال مالك: إنه لغو في الأمة لا يترتب عليه شيء. وعامة
العلماء -كما قال القاضي عياض -: عليه كفارة يمين بنفس التحريم.
وقال أبو حنيفة: يحرم عليه ما حرمه في أمته وطعام وغيره، ولا شيء
عليه حتى يتناوله، فيلزمه حينئذ كفارة يمين(٢).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٠٢/٨.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٧/٥، وانظر: ((الهداية)) ٢٩٨/٢، ((المبسوط)) ٦٣/٧، ((أحكام
القرآن)) لابن العربي ١٥٩/٤.

٤٢٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
قال المهلب: وهُذِه نعمة أنعم الله بها على هذه الأمة بخلاف سائر
الأمم، ألا ترى أن إسرائيل لما حرم على نفسه ما حرم لزمه ذلك
التحريم، ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام لم يجعل له أن يحرم
إلا ما حرم الله عليه.
فائدة :
قال الزمخشري في هذه السورة: إن قلت: هل كفر رسول الله وَلجعله
بذلك؟ قلت: عن الحسن أنه لم يكفر؛ لأنه كان مغفورًا له ما تقدم من
ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل أنه الكَّ أعتق رقبة
في تحريم مارية(١) .
ثم ساق البخاري حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ
وَلَّه يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بنت جَحْشٍ وَيَمْكُثُ عِنْدَهَا، فَتَوَاطَأْتُ أَنَا
وَصفية عَلى أَيَّتْنَا يدخل عَلَيْهَا رسول الله ◌َِّ فَلْتَقُلْ لَهُ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ،
إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ: ((لاَ، لَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ
زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ، وَقَدْ حَلَفْتُ لَاتُخْبِرِي بِذَلِك أَحَدًّا)). يبتغي
بذلك مرضاة أزواجه.
وأخرجه في الطلاق والنذور والأيمان، وأخرجه أيضًا مسلم وأبو
داود والنسائي(٢) .
واختلف في التي شرب في بيتها العسل، فعند البخاري زينب كما
ترى، وأن القائلة له: (أكلت مغافير). عائشة وحفصة. وقال النسائي:
إسناده صحيح غاية (٣).
(١) ((الكشاف)) ٤/ ٤٢٢.
(٢) أبو داود (٣٧١٤)، النسائي ١٥١/٦.
(٣) النسائي في ((الكبرى)) ٣٥٦/٣ (٥٦١٤).

٤٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال الأصيلى: إنه الصحيح. وهو أولى لظاهر الكتاب في قوله:
﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ فهما ثنتان لا ثلاث. وفي رواية: أنها حفصة، وأن
القائلة: (أكلت مغافير) عائشة وسودة وصفية. وأيضًا ذكرها في
النكاح(١).
وفي ((تفسير عبد بن حميد)) أنها سودة، كان لها أقارب أهدوا لها من
اليمن عسلًا، والقائل له عائشة وحفصة. ويؤيد الأول أن أزواجه كن
حزبين، قالت عائشة: أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب
وأم سلمة والباقيات في حزب(٢).
ومعنى (تواطأت). اتفقت، وهو بالهمز.
والمغافير -بفتح الميم ثم غين معجمة ثم بعد الألف فاء- جمع
مغفور، وحکی فیه أبو حنيفة مغثورًا بثاء مثلثة. قال الداودي: ویروی
به أيضًا، وميم مغفور أصلية. وقال الفراء: زائدة، وواحده: مَغفر،
وحكى غيره: مُغفر وقيل: مغفار. وقال الكسائي: مِغفر. وقال
ابن قتيبة: ليس في الكلام مفعول إلا مغفور ومغرود، وهو ضرب من
الكمأة، ومنخور وهو المنخر، ومعلوق واحد المعاليق(٣).
والمغفور: صمغ أو شبيهه حلو كالناطف، وله رائحة كريهة ينضحه
شجر يسمى العرفط -بعين مهملة مضمومة وراء مضمومة أيضًا - نبات
مميز، له ورقة عريضة تنفرش على الأرض وله شوكة وثمرة بيضاء
كالقطن، مثل زر قميص، خبيث الرائحة. ووقع للمهلب أن رائحة
(١) يأتي برقم (٥٢١٦) باب: دخول الرجل على نسائه في اليوم.
(٢) سلف برقم (٢٥٨١) كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب: من أهدى إلى
صاحبه وتحری بعض نسائه دون بعض.
(٣) ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ٣١٥/١.

٤٣١
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
العرفط والمغافير حسنة.
وذكره ابن بطال في النكاح أيضًا، وهو خلاف ما يتضمنه الحديث
واللغة، فإنهم قالوا: إنه من شجر العضاه، وهو كل شجر له شوك(١).
وقد أسلفنا أن رائحته كريهة .
قال أبو حنيفة: وهو خبيث الرائحة، وتخبث رائحة راعيته ورائحة
ألبانها حتى يتأذى بروائحها وأنفاسها الناس فيتجنبونها، وهو معنى
قول أبي زياد: والعرفط زخمة ريح. وجاء في كتاب النكاح: جرست
نحلُه العرفط، وهو بجيم وراء والسين المهملة - أي: أكلتْ. وأصل
الجرس: الصوت الخفي، يقال: سمعت جرس الطير. أي صوت
مناقيرها على ما تأوله. قال الأصمعي: كنت في مجلس شعبة بن
الحجاج فروى حديثًا أنه يسمعون جرش طير الجنة. قالها بالشين
المعجمة، فقلت: جرس -بالسين المهملة- فنظر إليَّ وقال: خذوها
عنه، هو أعلم بها(٢). وفي كتاب الخليل: الجرش -بالشين
المعجمة - الأكل(٣).
وقيل: المغافير: هي البُظر. وذكره ابن غلبون في ((تذكرته)) وكان
الكلية: يكره أن توجد منه رائحة، ويتوقى كل طعام ذي رائحة.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٧ /٤٠٦.
(٢) انظر: ((جمهرة اللغة)) لابن دريد ٤٥٦/١ (ج. ر. س]، «النهاية في غريب الحديث
والأثر)) ١/ ٢٦٠ [جرس].
(٣) كتاب ((العين)) ٣٥/٦.

٤٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢- باب
﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾
[التحريم: ٢]
٤٩١٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ يَخْيَى، عَنْ
عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ
أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الَخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ، هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًا
فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَغْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ -قَالَ-
فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى
النَّبِيِّ ◌َ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَقْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ: والله إِنْ كُنْتُ لِأُرِيدُ
أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هذا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ؛ حَيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَاتَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ
عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي، فَإِنْ كَانَ لِيِ عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: والله إِنْ كُنَّا
فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ قَالَ:
فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَالَكِ وَا
هَا هُنَا فِيمَا تَكَلَّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابن الَخْطَّابِ، مَا تُرِيدُ أَنْ
تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابنتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ وَّ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَامَ عُمَرُ
فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ
اللهِ وَ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَقْصَةُ: والله إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ
أَنِّ أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسُولِهِ مَّةِ، يَا بُنَيَّةُ لَا يَغُرَّنَّكِ هذِهِ التِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا
حُبُّ رَسُولِ اللهِ يَّهَ إِيَّاهَا- يُرِيدُ عَائِشَةَ- قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ
سَلَمَّةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا فَكَلَّمْتُهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابن الَخَطَّابِ دَخَلْتَ في
كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ مَّهَ وَأَزْوَاجِهِ. فَأَخَذَتْنِي والله أَخْذًا
كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِ صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ

٤٣٣
= كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيِهِ بِالْخَرِ، وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ
غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ آَمْتَلْأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَإِذَا صَاحِبِي
الأَنَّصَارِيُّ يَدُقُّ البَابَ فَقَالَ: أَفْتَحِ آَفْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الغَسَّانِّ؟ فَقَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ
ذَلِكَ، أَعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغَمَ أَنْفُ حَقْصَةَ وَعَائِشَةَ، فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ
فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يَرْقَى عَلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلاَمٌ
لِرَسُولِ اللهِ نَّه أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ: هذا عُمَرُ بْنُ الَخَطَّابِ. فَأَذِنَ
لِي - قَالَ عُمَرُ :- ، فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ هذا الحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمّ
سَلَمَةَ تَبَشَمَ رَسُولُ اللهِ وَِّّ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ
مِنْ أَدَمِ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ فَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌّ مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ
أَثَرَ الَحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ كِسْری
وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ: ((أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا
وَلَنَا الْآخِرَةُ؟)). [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح: ٨/ ٦٥٧]
ذكر فيه حديث ابن عباس بطوله، وقد سلف في باب الغرفة والعلية
أطول منه فراجعه (١).
وسلف في العلم أيضًا .
وأخرجه في النكاح(٢) واللباس(٣) وخبر الواحد (٤)، وأخرجه مسلم
والترمذي والنسائي وابن ماجه(٥).
(١) سلف برقم (٢٤٦٨) كتاب المظالم.
(٢) سيأتي برقم (٥١٩١) كتاب النكاح، باب: موعظة الرجل ابنته لحال زوجها.
(٣) سيأتي برقم (٥٨٤٣) كتاب اللباس، باب: ما كان النبي ◌ّ يتجوز من اللباس
والبسط.
(٤) سيأتي برقم (٧٢٥٦) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد
الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام.
(٥) الترمذي (٣٣١٨) النسائي ٣٧/٤، وابن ماجه (٤١٥٣).

٤٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وقوله: (لا تغرنك هذِه التي أعجبها حسنها حبُّ رسول الله وَله
إياها - يريد عائشة) كذا هو بالرفع فيهما أعني: (حُسْنُها) و(حُبُّ)
بخط الدمياطي، وقال في (حب): كذا. وقال ابن التين: يقرأ:
حسنها بالضم؛ لأنه فاعل و(حب) بالنصب؛ لأنه مفعول من أجله.
أي: أعجبها حسنها لأجل حب رسول الله وَله إياها .
والمشربة: شبه الغرفة بفتح الراء وضمها .
وقوله: (يرقى إليها بعجلة) يريد: الخشب. وقال ابن فارس:
العجلة: خشبة معترضة على نعامة البئر(١).
والقرظ - بالظاء- ورق السلم يدبغ به الأديم(٢). يقال: أدم مقروظ.
والمصبور -بالصاد المهملة- المجموع، ووقع بالمعجمة أيضًا. قال
النووي: وكلاهما صحيح(٣).
والأهب بفتح الهمزة والهاء وضمهما لغتان مشهورتان، وهو جمع
إهاب: وهو الجلد، وقيل: قبل أن يدبغ.
(١) ((مجمل اللغة)) ٦٤٩/٢.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٧٤٨/٢.
(٣) ((شرح مسلم)) ١٠/ ٨٧.

٤٣٥
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
٣- باب
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ، حَدِيثًا فَلَمَّا نَبََّتْ بِهِ، وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ
عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغْرَضَ عَنْ بَعْضِّ فَمَّا نََّهَا بِهِ، قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذًا
قَالَ نَتَّأَنِىَ اٌلْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾﴾ [التحريم: ٣]
فِيهِ: عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. [انظر: ٤٩١٢]
٤٩١٤- حَدَّثَنَا عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ
بْنَ حُنَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ
فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ المزْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ مَّـهِ؟ فَمَا أَتْمَمْتُ
كَلاَمِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح: ٨/ ٦٥٩]
ثم ساق حديث ابن عباس: أردت أن أسأل عمر فقلت: يا أمير
المؤمنين، من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله وَله؟ فما
أتممت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة. وهو من الحديث السالف.

٤٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٤- باب
﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }
[التحريم: ٤]
صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ: مِلْتُ، ﴿وَلِنَصْغَى﴾ [الأنعام: ١١٣]:
لِتَمِيلَ. ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
اُلْمُؤْمِنِينَّ وَالْمَلَتِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيُ﴾ [التحريم: ٤]: عَوْنٌ.
◌ْتَظَهَرُونَ﴾: تَعَاوَنُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قُوّْ أَنفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: ٦]: أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوىُ اللهِ
وَأَدِّبُوهُمْ.
٤٩١٥- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسِ يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ المزْأَتَيْنِ
اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ إِ لّه فَمَكُثْتُ سَنَةً فَلَمْ أَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا، حَتَّى خَرَجْتُ
مَعَهُ حَاجًّا، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرَانَ ذَهَبَ عُمَرُ لَحَاجَتِهِ فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِالْوَضُوءِ فَأَذْرَكْتُهُ
بِالإِدَاوَةِ، فَجَعَلْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ مَوْضِعًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَزْأَتَانِ
اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا؟ قَالَ ابْن عَبَّاسِ: فَمَا أَنْتَمْتُ كَلاَمِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ.
[انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح: ٦٥٩/٨]
صغوت وأصغيت: ملت، لتصغى: لتميل. قلت: فالمعنى: زاغت
ومالت فاستوجبتما التوبة ﴿ظَهِيرٌ﴾: عون. ﴿تَظَهَرُونَ﴾: تعاونون. وفي
بعض النسخ: تظاهرا: تعاونا .
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]: أَوْصُوا
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَأَدِّبُوهُمْ)(١) وفي بعض النسخ: (أوقفوا)
بدل (أوصوا بأهليكم) قيل: صوابه: (وقوا أهليكم) قال أبو الحسن:
(١) رواه عبد الرحمن الهمداني في ((تفسير مجاهد)) ٦٨٣/٢.

٤٣٧
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
=
ولا أعرف الألف من (أو) ولا الفاء من (قفوا)، ويجوز أن يكون المراد:
أوقفوا أهليكم. أي: عن المعصية، والنار عن عمل يؤدي إليها. وقيل:
المعنى: لا تعصوا فيعصي (أهليكم)(١)، مثل: لا تَزَنِ فيزنى بأهلك.
وصواب (أوقفوا) على ما تقدم: (قفوا)، إلا أن وقف ثلاثي، يقال:
وقفتُ الدابة أقفها وقفًا .
ثم ساق قطعة من حديث ابن عباس السالف مطولًا .
(١) كذا في الأصل والجادة (أهلوكم) والله أعلم.

٤٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥- باب
وَعَسَى رَبُّهُ: إِن طَلّقَكَنَّ﴾ [التحريم: ٥]
٤٩١٦- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ
ه: أَجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ وََّ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ
يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ. [انظر: ٤٠٢ - مسلم: ٢٣٩٩ - فتح: ٨ / ٦٦٠]
ساق فيه حديث أنس ﴾ قَالَ: قَالَ عُمَرُ : أَجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ وَُّ
فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا
مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هُذِه الْآيَةُ. وهذا أحد ما وافق فيه ربه تعالى كما سلف
في موضعه، وقد سلف في الصلاة في باب: ما جاء في القبلة وسورة
البقرة والأعراف(١).
(١) سلف برقم (٤٤٨٣) كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: قوله تعالى: ﴿وَأَّخِذُواْ مِنْ
مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلَّى﴾. ورقم (٤٧٩٠) سورة الأحزاب باب قوله: ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ
النَِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
وليس في سورة الأعراف.

٤٣٩
كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ
(٦٧) سورة ﴿ تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾
التَّفَاؤُتُ: الاخْتِلاَفُ، وَالتَّفَاؤُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ.
﴿تَمَّرُ﴾: تَقَطَّعُ، ﴿مَنَاكِهَا﴾: جَوَانِبِهَا. ﴿تَدْعُونَ﴾:
وَتَدْعُونَ مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكُرُونَ. ﴿وَيَقْبِضْنَّ﴾: يَضْرِبْنَ
بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَفَّتٍ﴾ بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ،
﴿وَنُفُورٍ ﴾ الكُفُورُ.
هي مكية، وهي المانعة المنجية من عذاب القبر، كما أخرجه
الترمذي من حديث ابن عباس. وقال: غريب(١)، وحسن من حديث
أبي هريرة مرفوعًا: ((إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل
حتى غفر له، وهي سورة تبارك))(٢).
ونزلت قبل الحاقة وبعد الطور كما قاله السخاوي (٣).
(ص) (التَّفَاؤُتُ: الاخْتِلاَفُ، وَالتَّفَاؤُتُ وَالتَّفَوَّتُ وَاحِدٌ) قلت: هما
لغتان كالتعهد والتعاهد، والتحمل والتحامل، والتظهر والتظاهر. قراءة
الكسائي وحمزة: (من تَفَوُّتٍ) بغير ألف. وقراءة الباقين بإثباتها(٤).
وقيل: تفاوت، أي: ليس هو متباينًا وتفوت أن بعضه لم يفت بعضًا.
و﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾. قيل: إنه جميعه. وقيل: إنه السماء.
(ص) (﴿تَمَّزُ﴾: تَقَطَّعُ) أي: من الغيظ على أهلها انتقامًا .
(١) الترمذي (٢٨٩٠)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٢) الترمذي (٢٨٩١) وقال: هذا حديث حسن.
(٣) ((جمال القراء وكمال الإقراء)) ص٨.
(٤) أنظر ((الحجة للقراء السبعة)) ٣٠٥/٦.

٤٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
(ص) (﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جَوَانِبِهَا) هو قول الفراء(١). وقال ابن عباس
وقتادة: جبالها(٢).
(ص) (﴿يَدْعُونَ﴾ وتَدَعُونَ مِثْلُ تَذْكُرُونَ وَتَذَّكَّرُونَ) قلت: إلا أن في
افتعل معنى شيء بعد شيء، يقع القليل والكثير.
(ص) (﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ) أي: بعد أنبساطها .
(ص) (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَفَّةٍ﴾: بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ، ﴿وَتُغُورٍ﴾
الكُفُورُ) أخرجه ابن أبي حاتم عن حجاج، عن شبابة، عن ورقاء،
عن ابن أبي نجيح، عنه(٣). وعبارة الثعلبي في تباعد عن الحق، وهو
بمعناه وفي بعض النسخ: وتفورُ تفوُّرَ القِدر. أي: تغلي كغليان
القدر. وهذا تفسير قوله: ﴿وَهِىَ تَفُورُ﴾ [تبارك: ٧].
(١) ((معاني القرآن)) ١٧١/٣.
(٢) أنظر: ((تفسير الطبري)) ١٦٨/١٢ -١٦٩.
(٣) أخرجه أيضًا الطبري ١٢/ ١٧٠، ١٧١.