Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = (٥٩) سورة الحَشْرِ اُلْجَلَاَءَ﴾: الإِخْرَاجُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ. ١- باب ٤٨٨٢- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبِقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّ ذُكِرَ فِيهَا. قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الأَنَّفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ. قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الَحَشْرِ. قَالَ نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّصِيرِ. [انظر: ٤٠٢٩- مسلم: ٣٠٣١ - فتح: ٦٢٨/٨] ٤٨٨٣- حَدَّثَنَا الَحَسَنُ بْنُ مُذْرِكِ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ حَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قُلْتُ لايْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: سُورَةُ الحَشْرِ؟ قَالَ: قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ. [انظر: ٤٠٢٩- مسلم: ٣٠٣١ - فتح: ٦٢٩/٨] هي مدنية . (ص) (﴿اٌلْجَلَّءَ﴾: الإِخْرَاجُ مِنْ أَرْضِ إِلَى أَرْضِ) أي: كما فعل ببني قريظة . ثم ساق عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّ ذُكِرَ فِيهَا . قُلْتُ: سُورَةُ الأَنْفَالِ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَدْرٍ . قُلْتُ: سُورَةُ الحَشْرِ؟ قَالَ نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. ٣٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وأخرجه مسلم وسلف في الأنفال (١)، ثم ساق عن سعيد قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير، وقد سلف في الغزوات. (١) سلف برقم (٤٦٤٥) كتاب التفسير، باب: سورة الأنفال. وأخرجه مسلم (٣٠٣١). ٣٦٣ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = ٢- باب وَمَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾ [الحشر: ٥]. نَخْلَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً أَوْ بَرْنِيَّةً. ٤٨٨٤- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ البُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن ◌ِِّنَةٍ أَوْ تَكْتُهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ [انظر: ٢٣٢٦ - مسلم: ١٧٤٦ - فتح: ٦٢٩/٨]. ٥ ساق فيه حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنه بِّ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ البُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّنَةٍ﴾ الآية، وقد سلف في الجهاد مختصرًا خماسيًّا(١)، وهنا ساقه رباعيًّا، وأخرجه معه مسلم في المغازي والأربعة(٢). وما ذكره في تفسير اللينة هو قول أبي عبيدة وجماعة غيره. وقال ابن عباس وغيره: النخلة. وقال سعيد بن جبير وقتادة: هي ما كان من التمر سوى العجوة (٣). وذكرت في المزارعة فيها ثمانية أقوال. (١) سلف برقم (٣٠٢١) كتاب الجهاد والسير باب حرق الدور والنخيل. وهو عن محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) أبو داود (٢٦١٥)، الترمذي (١٥٥٢)، ابن ماجه (٢٨٤٤)، ((سنن النسائي الكبرى)) ١٨١/٥ (٨٦٠٨). (٣) ((مجاز القرآن)) ٢٥٦/٢، وانظر: ((زاد المسير)) ٢٠٧/٨-٢٠٨. ٣٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قيل: وإنما أفردت العجوة؛ لأنها قوتهم. وأصل لينة: لونة، قلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها. قال النحاس: لينة ولون بمعنی. وقال الهروي: اللون: الرمل وسبب الحديث ما رواه المغيرة أنه الَّيّ لما حاصرهم تحصنوا وأبوا أن يخرجوا، ففعل ذلك، فقالوا: يا محمد، أنت تنهى عن الفساد. فأنزل تعالى الآية(١). (١) أنظر: ((أسباب نزول القرآن)) للواحدي ص٤٣٦-٤٣٧. = كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ ٣٦٥ ٣- باب: لِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٦] ٤٨٨٥- حَدَّثَنَا عَلىَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - غَيْرَ مَرَّةٍ - عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الَحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ ◌َُّ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وََّ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَارِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ وََّ خَاصَّةَ، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السَّلاَحِ وَالْكُرَاعِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ. [انظر: ٢٩٠٤ - مسلم: ١٧٥٧ - فتح: ٦٢٩/٨] ذكر فيه حديث عَمْرِو - وهو ابن دينار - عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ عُه: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَ﴿ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَجَ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَّةَ سنةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلاَحِ وَالْكُرَاعِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ. هذا الحديث أخرجه أيضًا في الجهاد والمغازي والنفقات والاعتصام والخمس مطولًا ومختصرًا(١). وأخرجه مسلم وأبو داود(٢) والترمذي(٣) والنسائي(٤). (١) سلف برقم (٣٠٩٤) كتاب فرض الخمس، باب: فرض الخمس، سلف برقم (٤٠٣٣) كتاب المغازي، باب: حديث بني النضير، وسيأتي برقم (٥٣٥٧) كتاب النفقات، باب: حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله. وسيأتي (٧٣٠٥) كتاب الاعتصام، باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع. (٣) ((السنن)) (١٧١٩). (٢) ((السنن)) (٢٩٦٥). (٤) ((المجتبي)) ٧/ ١٣٣. ٣٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ووقع في بعض نسخ مسلم بإسقاط الزهري، وهو من الرواة عنه، وإلا فقد قال هو: بعده (عن الزهري) بهذا الإسناد. وصرح الدارقطني بقول عمرو، إنما سمعه الزهري. وقال الجياني: سقط من نسخة ابن ماهان، والحديث محفوظ لعمرو عن الزهري(١). والحديث قد يحتج به مالك على أن الفيء لا يقسم وإنما هو ملك موكول إلى اجتهاد الإمام، وكذلك الخمس عنده، وأبو حنيفة يقسمه أثلاثًا. والشافعي يخمسه، وادعى ابن المنذر أنفراده به(٢)، وكان له التَّيْل أربعة أخماس وخمس الخمس الباقي، فكان له أحد وعشرون سهمًا والباقي الأربعة المذكورة في الآية: ﴿مَّآ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية. ويتأول قوله هنا: كانت أموال بني النضير. أي: معظمها . وفيه من الأحكام أيضًا: جواز أدخار قوت سنة لعياله إذا كان من غلته، أما إذا اشتراه فأجازه قوم ومنعه آخرون إذا أضر بالناس كما حكاه القرطبي (٣)، وهو مذهب مالك في الاحتكار مطلقًا (٤). وفيه أن ذلك لا يقدح في التوكل، فإن سيد المتوكلين فعله، لكنه القليل لم يدخر لنفسه شيئًا، وإنما كان يفعل ذلك لأهله؛ لحقوقهم ورفع مطالبتهم، ومع ذلك كان أهله يتصدقن كفعله هو بما يفضل له. (١) (تقييد المهمل وتمييز المشكل)) ٨٧٦/٣. (٢) أنظر: ((المغني)) ٢٨٤/٩-٢٨٥، ((بدائع الصنائع)) ١١٦/٧. (٣) ((المفهم)) ٥٥٨/٣. (٤) انظر: ((المنتقى)) ١٦/٥. ٣٦٧ = كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ و(الكراع): بضم الكاف هو من ذوات الظلف خاصة، ثم كثر ذلك حتى سميت به الخيل، كما نبه عليه ابن دريد في ((المجرد)) أنه آسم لجميع الخيل إذا قلت: السلاح والكراع (١)، وأطلقه ابن التين. و(السلاح): يذكر ويجوز تأنيثه كما قال في ((الصحاح))، وهو ما أعد للحرب من آلة الحرب مما يقاتل به(٢) . وقوله: (مما لم يوجف) أي: يسرع، يقال: أوجف الفرس إذا أسرع، وأوجفته: حركته وأتعبته. ٠٠ (١) ذكره بنحوه في ((الجمهرة)) ٢/ ٧٧١ (کرع). (٢) ((الصحاح)) باب الحاء، فصل السين، مادة [سلح] (١/ ٣٧٥). ٣٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٤- باب ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٧] ٤٨٨٦- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالموتَشِمَاتِ، وَالْتَنَمِّصَاتِ وَالْتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيَِّاتِ خَلْقَ اللهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَمْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدِ يُقَالُ لَهَا: أُّ يَغْقُوبَ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُّ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللهِ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ. قَالَتْ: فَإِّ أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ. قَالَ: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي. فَذَهَبَتْ فَتَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعَتْنَا. [٤٨٨٧، ٥٩٣١، ٥٩٣٩، ٥٩٤٣، ٥٩٤٤، ٥٩٤٨- مسلم: ٢١٢٥ - فتح: ٨ /٦٣٠]. ٤٨٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ ذَكَرْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ حَدِيثَ مَنْصُورٍ، عَنْ اِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ تَّ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَّ الوَاصِلَةَ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنِ أَمْرَأَةٍ يُقَالُ: لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ .. عَنْ عَبْدِ اللهِ مِثْلَ حَدِيثِ مَنْصُورٍ. [انظر: ٤٨٨٦ - مسلم: ٢١٢٥ - فتح: ٦٣٠/٨] ذكر فيه حديث مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُتَوَشِّمات، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ .. )) الحديث. وفي رواية: لعن رسول ◌َالله الواصلة، قال: سمعته أمرأة يقال لها: أم يعقوب .. عن عبد الله مثله. ٣٦٩ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ الشرح : الكلام عليه من وجوه، ويأتي في اللباس، وأخرجه مسلم والأربعة(١): أحدها : زعم الدارقطني أن الأعمش رواه كرواية منصور، وروى عنه عن إبراهيم، عن عبد الله لم يذكر علقمة. ورواه إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم، عن أم يعقوب، عن عبد الله. قال: والصحيح قول منصور. يعني ما في الكتاب(٢). ثانيها : الوشم: غرز إبرة ونحوها في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة وغير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم منه، ثم يحشى ذلك الموضع بكحل أو نورة أو نيل ففاعله واشم، والمفعول بها موشومة، فإن طلبت فعل ذلك بها فهي مستوشمة(٣)، وهو حرام على الفاعل والمفعول بها باختيارها والطالبة له، فإن فعل بطفلة فالإثم على الفاعل؛ لانتفاء التكليف في حقها وكان ذلك في الجاهلية قال أصحابنا: وموضعه يصير نجسًا، فإن أمكن إزالته بعلاج وجب، وإن لم يمكن إلا بجرح، فإن خاف منه ما أباح التيمم في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وإذا تاب أنتفى الإثم، وإن لم يخف محذورًا لزمه إزالته، ويعصي بتأخيره، وسواء فيه الرجل والمرأة(٤). (١) أبو داود (٤١٦٩)، الترمذي (٢٧٨٢)، النسائي (٥٢٥٢)، ابن ماجه (١٩٨٩). (٢) ((العلل)) ١٣٤/٥. (٣) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٨٩٨/٤، ((الصحاح)) ٢٠٥٢/٥ مادة: (وشم). (٤) انظر: ((المجموع)) ١٤٦/٣. ٣٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثالثها : التنمص - بمثناة فوق، ثم نون، وصاد مهملة- إزالة الشعر من الوجه مأخوذ من المنماص بكسر الميم الأولى وهو المنقاش، والمتنمِّصة: طالبة ذلك، والنامصة: المزيلة له. وبعضهم يقول: المنتمصة بتقديم النون حكاه ابن الجوزي، قال: والذي ضبطناه عن أشياخنا في كتاب أبي عبيد المتنمِّصَة بتقديم التاء مع التشديد (١) . وهو حرام إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب فلا يحرم بل يستحب عندنا، والنهي إنما هو في الحواجب وما في أطراف الوجه. وانفرد ابن جرير فقال: لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها، ولا تغيير شيء من خلقها بزيادة ولا نقص. وأبعد من قال: النامصة: التي تصبغ الحواجب، والمتنمصة: التي يفعل ذلك بها، حكاه ابن التين. رابعا : المتفلجات بالفاء والجيم، وهو برد الأسنان الثنايا والرباعيات، وعبارة ابن فارس: الفلج في الأسنان: تباعد ما بين الثنايا والرباعيات. قال (أبو عبيد)(٢) يقال: رجل أفلج وامرأة فلجاء الأسنان، لابد من ذكر الأسنان (٣). (١) ((غريب الحديث)) ٤٣٨/٢. (٢) في المطبوع من ((المجمل)): (أبو بكر)، وهو خطأ، وانظر قول أبي عبيد في ((غريب الحديث)) ٢١/٢. (٣) ((مجمل اللغة)) ٧٠٤/٢-٧٠٥. ٣٧١ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = وقوله: (للِحُسْن) إشارة إلى أن الحرام منه هو المفعول لطلب الحسن، أما إذا احتيج إليه لعلاج أو عيب في السن وتحدبه فلا بأس به. وجاء: لعن الواشرة والمتوشرة، كما حكاه أبو عبيد، وهي التي تشر أسنانها، أي: تفلجها وتجردها حتى تكون لها أشر وهي رقة وتحدد في أطراف أسنان الأحداث فهو شبيه بأولئك، يقال فيه: ثغر موشر، وتفعل ذلك العجوز إظهارًا للصغر وحسن الأسنان، وهذا الفعل حرام على الفاعلة والمفعول بها، واختلف في المعنى الذي نهى عن الوشم وشبهه، فقيل: لأنه من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير خلق الله الذي يأمر به الشيطان، قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿وَلَّمُرَنَّهُمْ فَيُغَيُِّنَ خَلْقَ اُللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] وهذا إنما فيما يكون باقيا، فأما ما لا يكون باقيًا كالكحل والتزين؛ فقد أجازه مالك وغيره، حكاه القرطبي (١)، وكرهه للرجال، وأجاز مالك أيضًا نشر المرأة يديها بالحناء. وروي عن عمر إنكار ذلك، فإما أن تخضب بدنها كله أو تدعه، وأنكر مالك هذا عن عمر (٢)، وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء(٣). كما قال عياض(٤)، وتحمير الوجه، والخضاب بالسواد إن فعل بإذن الزوج أو السيد جاز، وإلا فحرام. خامسها : قول ابن مسعود: (ومالي لا ألعن من لعن رسول الله). فيه: دلالة على جواز الاقتداء به في إطلاق اللعن معينًا كان أو غير (١) ((المفهم)) ٤٤٤/٥ -٤٤٥. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ٢٦٧/٧. (٣) ((المفهم)) ٤٤٥/٥. (٤) نقله عن بعض علمائهم صاحبُ ((النصائح)) كما في ((إكمال المعلم)) ٦/ ٦٥٥. ٣٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - معين، لأن الأصل أن الشارع ما كان يلعن إلا من يستحقه عنده، ولا يعارضه قوله: ((أيما مسلم سببته أو لعنته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له كفارة وطهورً))(١) لأنه عنده مستحق لذلك، وأما عند الله فالأمر موكول إليه عملا بقوله: ((وليس لذلك بأهل)) في علمك لا في علمي بأن يتوب مما صدر عنه، وإن علم الله منه خلاف ذلك كان دعاؤه عليه زيادة في شقوته. وكأن المرأة -وهي أم يعقوب المذكورة وهي أسدية. قال إسماعيل القاضي: قارئة للقرآن- رأت على زوج ابن مسعود عن قرب شيئًا مما سمعته ينهى عنه وكأنه التنمص، فقال لها: أذهبي فانظري، كأنه لما رأى امرأته فعلته نهاها فانتهت وسعت في إزالته حتى زال، فلما دخلت المرأة على أمرأته لم تر شيئًا، وهكذا ينبغي للرجل أن ينكر على امرأته إذا رآها على محرم، ويمتنع من وطئها كما قال عبد الله: (لو كان كذلك ما جامعتنا)، وفي لفظ: لم نجامعها، وإن كان يحتمل: لم نجتمع معها في دار إما بهجران أو بطلاق، يدل على رواية: لم نجامعها. والرواية السالفة: جامعتنا. سادسها : الواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر آخر تكثر به، وهي الفاعلة والمستوصلة الطالبة له. ويقال لها: موصولة، وهو نص في تحريم ذلك، وهو قول جماعة العلماء، ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغيرهما؛ لأن ذلك كله في معنى وصله بالشعر؛ ولعموم النهي وسد الذريعة. وشذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف (١) سيأتي برقم (٦٣٦١) كتاب: الدعوات، باب: قول النبي وَّيليه: ((من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة)). ٣٧٣ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = وما ليس بشعر، وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس وقالوا: إنما نهي عن الوصل خاصة، وهي ظاهرية محضة، وإعراض عن المعنى، وشذ قوم فأجازوا الوصل مطلقًا، وتأولوا الحديث على غير وصل الشعر، ولا يعرج عليه، وقد روي عن عائشة ولم يصح عنها (١). ولا يدخل في هذا النهي ما ربط الشعر بخيوط الشعر الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر؛ لأنه ليس منهيًّا عنه، إذ ليس هو بوصل إنما هو للتجمل(٢). وفضَّل أصحابنا فقالوا: إن وصلته بشعر آدمي فهو حرام قطعًا سواء كان من رجل محرم، أو غيره، أو أمرأة لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته؛ بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه، وإن وصلته بشعر غير آدمي فإن كان نجسًا من ميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا أنفصل في حياته فهو حرام أيضًا؛ ولأنه حامل نجاسة في صلاته وغيرها عمدًا، وسواء في هذين النوعين المزوجة وغيرها من النساء والرجال. وأما الشعر الطاهر فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فهو حرام أيضًا، وإن كان فأوجه التحريم لظاهر الأحاديث والجواز، وأصحها: إن فعلته بإذن السيد أو الزوج جاز وإلا فهو حرام (٣). سابعها : فيه: أن المعين على المعاصي يشارك فاعلها في الإثم كما في الطاعة بالنسبة إلى الثواب. (١) انظر: ((المجموع)) ١٤٩/٣. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٩/ ١٧٢-٠١٧٣ بتصرف. (٣) أنظر: ((المجموع)) ١٤٧/٣. ٣٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٥- باب ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩] ٤٨٨٨- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ رضى الله عنه: أُوْصِي الَخَلِفَةَ بِالْهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَنْ يَغْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأُوْصِي الَخَلِيفَةَ بِالأَنَّصَارِ الذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ وَثِّ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ نُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ. [انظر: ١٣٩٢ - فتح: ٨ / ٦٣١] أي: استوطنوا أو نزلوا واختاروا. والدار هنا: المدينة. ذكر فيه حديث أبي بَكْرٍ - وهو ابن عياش مولى واصل بن حبان الأحدب الأسدي الكوفي - عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضى الله عنه: أُوصِي الخَلِيفَةَ بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأُوصِي الخَلِيفَةَ بِالأَنْصَارِ الذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُهَاجِرَ النَّبِيُّ وَّهِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ ويتجاوز عَنْ مُسِيئِهِمْ. وقد سلف آخر الجنائز مطولًا، وأخرجه في وصيته أيضًا (١). واختلف في المهاجرين الأولين فقيل: هم الذين صلَّوا القبلتين، قاله أبو موسى الأشعري وابن المسيب. وقيل: إنهم الذين أدركوا بيعة الرضوان، قاله الشعبي وابن سيرين(٢)، فعلى القول الأول الذين هاجروا قبل تحويل القبلة سنة اثنتين من الهجرة. وعلى الثاني: هم الذين هاجروا قبل الحديبية. (١) سلف برقم (٣٧٠٠) كتاب فضائل الصحابة، باب: قصة البيعة. وقد وردت في الباب وصية أمير المؤمنين. (٢) أنظر: ((تفسير الطبري ٤٥٣/٦-٤٥٤، ((معالم التنزيل)) ٨٧/٤-٨٨. ٣٧٥ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ ٦- باب ج ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومـ [الحشر: ٩] فاقة. ﴿اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]: الفَائِزُونَ بِالْخُلُودِ، والْفَلاَحُ: البَقَاءُ، حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ: عَجِّلْ. وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿حَاجَةً﴾ [الحشر: ٩]: حَسَدًا . ٤٨٨٩ - حَذَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ: أَتَّى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﴾ صَلى الله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَتِي الْجَهْدُ. فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((أَا رَجُلٌ يُضَيِّفُ هذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمُهُ اللهُ؟)). فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ وَلِّز لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا. قَالَتْ: والله مَا عِنْدِي إِلَّ قُوتُ الصَّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ العَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ، وَتَعَالَى فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَطْوِي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. فَفَعَلَتْ ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ فَقَالَ: ((لَقَدْ عَجِبَ اللهُ رَنِ- أَوْ ضَحِكَ- مِنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنَةَ)). فَأَنْزَلَ اللهُ رَىْ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. [انظر: ٣٧٩٨- ج مسلم: ٢٠٥٤ - فتح ٨ / ٦٣١]. (المفحلون): الفائزون بالخلود. والفلاح: البقاء، حي على الفلاح: عجِّل) إلى سبب البقاء في الجنة وهو الصلاة في جماعة، كذا ذكره ابن التين (١)، وليس معناها كذلك في اللغة وإنما معناها: هلموا وأقبلوا . (١) في هامش الأصل: لعله سقط قال. ٣٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = (ص) (وَقَالَ الحَسَنُ: ﴿حَاجَةً﴾: حَسَدًا) هذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن سعيد، عن قتادة، عنه(١) . ثم ذكر حديث أبي حازم -واسمه سلمان- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي الجَهْدُ .. الحديث. إلى أن قال: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. وأخرجه في فضائل الأنصار أيضًا(٢)، ومسلم والترمذي والنسائي(٣) . وذكر الواحدي من هذا الوجه أن هذا الرجل الأول من أهل الصفة(٤). وفي ((الأوسط)) للطبراني أنه أبو هريرة(٥). وفي ((أحكام القاضي إسماعيل)) أن رجلًا من المسلمين مكث ثلاثة أيام لا يجد ما يفطر عليه حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له: ثابت بن قیس. الحديث. وبه جزم ابن التين. المضيف هو أبو طلحة كما ذكره الخطيب(٦) وجاء مبينًا في رواية الحميدي، واسمه زيد بن سهل، كما قاله ابن بشكوال، وأنكره النّووي. وقيل: عبد الله بن رواحة. وعند المهدوي النحاس: نزلت في أبي المتوكل، فإن الضيف ثابت بن قيس عكس ما سلف. ووهم (١) لم أقف عليه في المطبوع من ((تفسير عبد الرزاق)) لكن رواه بنحوه الطبري في ((التفسير)) ٤١/١٢. (٢) سلف (٣٧٩٨) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. (٣) مسلم (٢٠٥٤)، والترمذي (٣٣٠٤)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤٨٦/٦ (١١٥٨٢). (٤) ((أسباب النزول)) ص ٤٣٩ (٨٠٩). (٥) ((الأوسط)) ٣١٦/٣- ٣١٧ (٣٢٧١، ٣٢٧٢). (٦) ((المبهمات)) ص٣٩٩، ونقول: بل جزم أنه ثابت بن قيس بن شماس، ومرَّض الخطيب ما أورده المصنف، فقال: وقيل: إنه أبو طلحة. ٣٧٧ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ ابن عسكر فقال: أبو المتوكل هذا هو الناجي؛ لأنه تابعي إجماعًا (١). وفي ((أسباب النزول)) عن ابن عمر: أهدي رجل من الصحابة رأس شاة فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج منا إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة من أهل أبيات حتى رجعت الأول، فنزلت(٢). وقوله: (لا تدخريه شيئًا) أي: لا تمسكي عنه شيئًا. وقول المرأة: (والله ما عندنا إلا قوت الصبية) يحتمل أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل، وإنما تطلبه أنفسهم على عادة الصبيان من غير جوع يضر، فإنهم لو كانوا على حاجة بحيث يضرهم ترك الأكل لكان إطعامهم واجبًا يقدم على الضيافة، وقد أثنى الله عليهما، فدل أنهما لم يتركا واجبًا. أو يقال: أنها علمت صبرهم عن العشاء تلك الليلة؛ لأن الإنسان قد يصبر ساعة عن الأكل ولا يتضرر به ولا يجهده. وقوله: (ونطوي بطوننا الليلة) أي نجمعها، فإذا جاع الرجل، أنطوى جلد بطنه . وقوله: ((لقد عجب الله- أو ضحك الله)) معنى العجب هنا الرضا، وحقيقته عندكم في الشيء التافه إذا دفع فيه فوق قدره وأعطى الأضعاف من قيمته. وقول أبي عبد الله: معنى الضحك الرحمة. غريب، كما نبه عليه ابن التين، وتأويله بالرضا أشبه على ما سلف في العجب؛ لأن من أعجبه الشيء فقد رضيه من قبله(٣). وقيل: معنى ((ضحك)): أبان عن (١) ((التكملة والإتمام)) ص١٩٨. (٢) ((أسباب النزول)) ص ٤٤٠. (٣) مثل هذا تأويل كما هو منهج المؤولة؛ لأنه لا يجوز صرف النص عن ظاهره بلا علم ولا يجوز إثبات معنى خلاف الظاهر بلا علم، فهو عجب وضحك حقيقي لا يماثل فعل المخلوقين ((شرح الواسطية)) لابن العثيمين رحمه الله ص٤٦. ٣٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = آلائه وفضله بإظهارها واتخاذها؛ لأن الضاحك يكشف ما استتر ويبين ما أكتتم(١). وفيه من الحكم: جواز نفوذ فعل الأب على الابن وإن كان منطويًا على ضرر إذا كان ذلك من طريق النظر، وأن القول فيه قول الأب والفعل فعله، وكان ذلك الإيثار لقضاء حق الرسول في إجابة دعوته والقيام بحق ضيفه . قالت: أما ترحل تبغي الغنى قلت: فمن للطارق المعتم قلت: نعم جهد الفتى المعدم قالت: فهل عندك شيء له قد طعم الضيف ولم أطعم فكم وحق الله من ليلة ليس الغنى بالثوب والدرهم إن الغنى بالنفس يا هذه (١) مذهب السلف في الصفات إمرارها كما جاءت من غير تأويل أو تشبيه .. وسيأتي الكلام عليه في كتاب التوحيد باستفاضة إن شاء الله. ٣٧٩ كِتَابُ تَفْسِيْرِ القُرْآنِ = (٦٠) سورة المُمْتَحِنَةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ﴾: لَا تُعَذِّبْنَا بِأَيْدِيهِمْ فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هُؤلاء عَلَى الحَقِّ مَا أَصَابَهُمْ هُذا ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ أُمِرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ وَ لَّ بِفِرَاقِ نِسَائِهِمْ، كُنَّ کَوَافِرَ بِمَكَّةَ. [١- باب ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ [الممتحنة: ١] ٤٨٩٠- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ كَاتِبَ عَلِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا نَُّ يَقُولُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّةِ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْقْدَادَ فَقَالَ: ((انْطَّلِقُوا حَتَّى تَأْنُوا رَوْضَةَ خَاخِ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا)). فَذَهَبْنَا تَعَادِىُ بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا أَلرَّوْضَةَ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا أَخْرِجِي الكِتَابَ فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الِكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَّيْنَا بِهِ النَّبِيَّ ◌ََّ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبٍ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ نَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((مَا هذا يَا حَاطِبُ؟)). قَالَ: لَاتَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ كُنْتُ أَمْرَأَ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتُ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدَا يَحْمُونَ قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا وَلَ أَزْتِدَادَا عَنْ دِينِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ)). فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. ٣٨٠ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح فَقَالَ: ((إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ وَتَ أَطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَزْتُ لَكُمْ)). قَالَ عَمْرٌو وَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] قَالَ: لَا أَدْرِي الآيَةَ فِي الحَدِيثِ أَوْ قَوْلُ عَمْرٍو. [انظر: ٣٠٠٧- مسلم: ٢٤٩٤ - فتح: ٦٣٣/٨] حدثنا عَلِيٍّ: قِيلَ لِسُفْيَانَ: فِي هُذا فَنَزَلَتْ ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى﴾؟ قَالَ سُفْيَانُ: هُذا فِي حَدِيثِ النَّاسِ حَفِظْتُهُ مِنْ عَمْرٍو وَمَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفًا وَمَا أُرِىْ أَحَدًا حَفِظَهُ غَيْرِي. هي مدنية، نزلت بعد الأحزاب وقبل النساء كما قاله السخاوي(١). بكسر الحاء، كما قال السهيلي. أي: المختبرة، أضيف الفعل إليها مجازًا، كما سميت سورة براءة: (المعتبرة)(٢) والفاضحة (لما)(٣) كشفت من عيوب المنافقين، ومن قاله بالفتح أضافها للمرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أمرأة عبد الرحمن بن عوف وأم ولده إبراهيم(٤). وقال مقاتل: الممتحنة اسمها سبيعة، ويقال: سعيدة- بنت الحارث الأسلمية، وكانت تحت صيفي بن الراهب وكذا ذكره ابن عباس في ((تفسيره)) (٥). قال ابن عسكر: كانت أم كلثوم تحت عمرو بن العاصي. قال: وروي أن الآية نزلت في أميمة بنت بشير من بني عمرو بن عوف أم عبد الله بن (١) ((جمال القراء)) ص٨. (٢) هكذا في الأصل، وفي ((مبهمات القرآن)): (المبعثرة)، وكذلك في ((جمال القراء)) ص٣٦ وقال: لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين. وانظر ((الإتقان)) للسيوطي ١٩٣/١. (٣) في الأصل: (ما). (٤) انظر: ((تفسير مبهمات القرآن)) للبلنسي ٥٩٣/٢. (٥) أنظر ((زاد المسير)) ٢٣٩/٨.