Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
١٦ - [باب
﴿ وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ اْلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾
[النساء: ٨٣]
أَفْشَوْهُ.
﴿يَسْتَنَبِطُوْنَهُ﴾ [النساء: ٨٣]: يَسْتَخْرِجُونَهُ. ﴿حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]:
كَافِيًا ﴿إِلَّ إِنَثًا﴾ [النساء: ١١٧] المَوَاتَ حَجَرًا أَوْ مَدَرًا وَمَا أَشْبَهَهُ.
﴿قَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]: مُتَمَرِّدًا. ﴿فَيُبَتِكُنَّ﴾ [النساء: ١١٩] بَتَّكَهُ
قَطَّعَهُ. ﴿قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] وَقَوْلًا وَاحِدٌ طُبعَ خُتِمَ. [انظر: ١٨٨٤]].
(ص): (﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أفشوه). أسنده ابن أبي حاتم عن ابن عباس
﴿َذَاعُواْ بِهِّ﴾ أفشوه. أي: أعلنوه. وقال ابن أبي حاتم: روي عن عكرمة
وعطاء وقتادة والضحاك (١)، وقيل: هم ضعفة المسلمين. وقيل: هم
المنافقون.
(ص): (﴿يَسْتَنِطُونَهُ﴾: يستخرجونه. ﴿حَسِيبًا﴾: كافيًا ﴿إِلَّاَ
إِنَثًّا﴾ يعني الموات حجرًا، أو مدرًا وما أشبهه). ذكره كله ابن المنذر
عن (أبي عبيد)(٢). قلت: وقال مجاهد: يعني الأوثان(٣).
قال أهل اللغة: إنما سميت إناثا؛ لأنهم سموها: اللات والعزى
ومناة. وهُذِه عندهم إناث.
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠١٤/٣.
(٢) كذا في الأصل، ولعله يقصد أبا عبيد القاسم بن سلام صاحب ((غريب القرآن))
والكلام بنصه في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة معمر بن المثنى ١٤٠/١.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٧٩/٤.

٢٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
(ص): (﴿قَرِيدًا﴾: متمردًا). أي: عاتيا خبيئًا خارجا عن الطاعة
ظاهر الشر.
(ص): (﴿فَلَيُبَتْكُنَّ﴾: بَتَّكَه: قَطَّعه). قلت: وهي البَحِيرة الآتية في
المائدة. (﴿قِيلًا﴾ وقولًا واحدٌ. (طَبَعَ﴾: ختم).

٢٤٣
= كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
١٧- [باب] قوله:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾
الآية [النساء: ٩٣]
٤٥٩٠- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، قَالَ:
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: آيَةٌ أَخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى
ابن عَبَّاسِ فَسَأَلَّتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ، وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ.
ذكر فيه عن سعيد بن جبير: آيَةٌ أُخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ
فِيهَا إِلَى ابن عَبَّاسِ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نَزَلَتْ هُذِه الآيَةُ ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ،
وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ .
أي: من آخر ما نزل، وروي عن زيد بن ثابت: نزلت الشديدة
(قبلُ)(١) -أي: الهيئة- بستة أشهر ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾
بعد التي في الفرقان ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إلى قوله:
﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠](٢) ومعنى الآية إن جازاه بذلك.
وحكي عن ابن عباس: وليس من صدوره الوعيد رجوعه، أو إن فعله
مستحلا، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] فشرط
المشيئة في الذنوب كلها قائم، ما عدا الشرك.
وقال بعض العلماء عند قراءة الآية: هذا وعيد شديد في القتل،
حظر الله به الدماء، وقيل: إن آية المشيئة خبر لا يدخله النسخ، لأن
(١) هكذا في الأصل وفي الطبري: بعد وهو المناسب للسياق.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٢٢/٤.

٢٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
إخباره صدق لا يدخله نسخ، وآية النساء والفرقان محكمتان، وقد قال
تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِ﴾ وقال الطبري: جزاؤه
جهنم حقًّا، ولكن الله يعفو ويتفضل على من آمن، فلا يجازيه
بالخلود(١)، وكانت الصحابة إذا سئلوا عنه قبل نزوله غلقوا، وإذا نزل
لم يفسروه، وتلا عمر # أول حم غافر.
وذكر الواحدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن مقيس بن
صبابة الليثي وجد أخاه هشامًا قتيلا في بني النجار، وكان مسلمًا، فأتى
مقيس رسول الله 18 فأخبره، فأرسل معه رسولا من بني فهر إلى بني
النجار، فأمرهم إن علموا قاتله فدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم
يعلموا قاتلا أن يدفعوا إليه الدية. قالوا: سمعًا وطاعة، والله ما نعلم
له قاتلا، ولكنا نؤدي إليه ديته. فأعطوه مائة من الإبل، فوسوس إليه
الشيطان قتل الفهري، فرجع إلى مكة كافرًا وأنشد شعرًا، فأنزل الله
هُذِهِ الآية ثم أهدر الشارع دمه يوم الفتح فقتل بأسياف المسلمين
بالسوق(٢). وذكر مقاتل أن الفهري أسمه عمرو.
فصل :
أثر ابن عباس جاء في رواية أخرى في سورة تبارك هذِه -يعني:
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾- آية مكية نسختها آية مدنية ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾(٣) .
وفي أخرى: فأما من دخل في الإسلام وعقل فلا توبة له (٤).
(١) ((تفسير الطبري)) ٢٢٣/٤.
(٢) ((أسباب النزول)) ص١٧٤.
(٣) في الأصل علم على (متعمدًا): (لا. إلى).
(٤) رواهما الطبري في ((تفسيره)) ٤١٥/٩-٤١٧.

٢٤٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
وفي أخرى: فأمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل عبد الله.
كذا وقع في مسلم(١)، ولعله - كما قال القاضي -: أمرني
ابن عبد الرحمن. ولعبد الرحمن ولدان سعيد وعبد الله. قال:
ولا يمتنع أن يكون عبد الرحمن أمر سعيد بن جبير يسأل ابن عباس
عما يعلمه عبد الرحمن، فقد سأل ابن عباس أكبر من عبد الرحمن
وأقدم صحبة، وكان عبد الرحمن بالكوفة، فرحل سعيد إلى ابن عباس
كما قال له ابن أبزى(٢).
وروى النسائي عن سالم بن أبي الجعد أن ابن عباس سئل عمن قتل
مؤمنًا متعمدًا، ثم تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى، فقال: وأنى له
التوبة وقد سمعت نبيكم ◌َل# يقول: ((يجيء متعلقا بالقاتل تشخب
أوداجه دمًا يقول: أي رب سل هذا فيم قتلني؟)) ثم قال عبد الله: والله
لقد أنزلها الله ثم ما نسخها(٣).
وقوله: (فرحلت) هو بالحاء المهملة، وهو الصحيح كما نبه عليه
النووي في نسخة ابن ماهان، فدخلت بدال ثم خاء معجمة. وله وجه
بأن يكون بمعناه كدخلت بعد رحلتي (٤).
فصل :
حكى أبو جعفر النحاس في الآية أقوالًا: أحدها: لا توبة. روي
عن ابن عباس وزيد بن ثابت، قال زيد: لما نزلت آية الفرقان عجبنا
للينها، فلبثنا سبعة أشهر، وقيل: ستة -حكاه الثعلبي- فنزلت آية
(١) مسلم (٣٠٢٣) كتاب: التفسير.
(٢) أنظر ((إكمال المعلم)) ٥٨٥/٨.
(٣) ((السنن الكبرى)) للنسائي ٢٨٦/٢ -٢٨٧ (٣٤٦٢).
(٤) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٥٩/١٨.

٢٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
النساء. وحكي عن ابن مسعود أيضا، وحكاه ابن أبي حاتم عن عمر
وأبي هريرة وغيرهما، والآية محكمة (١).
وفي مسلم أن رجلا قال لابن عمر: ألا تسمع ما يقول الله: ﴿وَإِن
◌َاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما أمر الله؟
فقال: يا ابن أخي، أغتُّ بهُذِه الآية ولا أقاتل أحب إليَّ من أن أغترَّ
بالآية التي يقول الله فيها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَجِّدًا﴾(٢) .
ثانيها: له توبة. وبه قال جماعة منهم ابن عمر، وهو أيضا مروي عن
ابن عباس وزيد بن ثابت. قال ابن عباس في السائل بالنفي، فقيل له:
كنت تفتينا بالقبول. فقال: إني لأحسبه رجلا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنا .
فوُجِدَ كما قال. وكذا وقع لسفيان(٣). أراد بالنفي تعظيم الأمر، وبالثاني
ترك الناس - كما جرى لمن قتل تسعة وتسعين رجلا(٤)، وآية النساء
دخلها التخصيص، فإنه لو قتله في حال كفره ثم أسلم فلا عقوبة في
الدنيا والأخرى، وقد قال تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]
﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وقد اختلف عن ابن عباس أيضًا، فروي عنه: آية الفرقان نزلت في
أهل الشرك. وعنه: نسختها الآية التي في النساء - كما سلف.
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم) ١٠٣٧/٣.
(٢) سيأتي برقم (٤٦٥٠) كتاب: التفسير، سورة الأنفال، ولم أجده في مسلم.
(٣) ذكره البغوي في ((تفسيره)) ٢/ ٢٦٧.
(٤) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث التائب الذي قتل تسعا وتسعين نفسًا وقتل
الراهب فكمل به المائة. وقد سلف برقم (٣٤٧٠) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب:
لم يسمَّ.

٢٤٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
قال ابن الحصار(١): الآيتان لم يتواردا على حكم واحد؛ لأن آية
الفرقان نزلت في الكفار وآية النساء في المؤمن، فلا تعارض، وقد قال
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وقال
فيمن قتل عمدًا: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ
بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] فأثبت له أخوة الإسلام. وقال: ﴿وَإِن طَِّفَنَانِ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ﴾ الآية [الحجرات: ٩]، وإنما لا يغفر الله لمن
لا يستغفر، ولا يتوب على من لا يتوب، ولكن تكرر منه قتل
المؤمنين، وقتالهم وإن كان متأولًا فهو على ذنب عظيم؛ لأنه لا ينفك
عن سوء عقيدته، وقد يحمله ذلك على الاستباحة كما سلف عن ابن عمر
رضي الله عنهما .
قلت: وذهب كثير إلى أن آية النساء منسوخة. فقيل: نسختها آية
الفرقان. وقال أكثرهم: بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.
وقال كثير: إنها محكمة، ثم اختلفوا في وجه إحكامها، فذهب
عكرمة على حملها على الاستحلال، وخصت الآية بذلك لنزولها في
رجل قتل مؤمنًا وارتد كما سلف، وغلط النحاس هذا الحمل؛ لعموم
﴿مِن﴾ وقد سلف التخصيص، وذكر الخلود لا يقتضي التأبيد؛ لأنه
قد يأتي بمعنى امتداد الحين، تقول العرب: لأخلدن فلانًا في
السجن. وقال القاضي إسماعيل في كتابه: هذا حكم من أحكام
الآخرة ليس بالناس حاجة إلى أن يبرموا قولا غير أنا نرجو القبول من
المسلم .
(١) ابن الحصار هو أبو المطرِّف عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد القرطبي، المالكي،
مات سنة ٤٢٢ هـ، أنظر ((سير أعلام النبلاء)) ٤٧٣/١٧ (٣١٢).

٢٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
القول الثالث: أن أمره إلى الله تاب أو لم يتب، وعليه الفقهاء
أبو حنيفة وأصحابه والشافعي يقول في كثير من هذا: إلا أن يعفو الله
عنه أو معناه.
رابعها: قال أبو مجلز: المعنى: جزاؤه إن جازاه(١)، وهو غلط؛
لأن الله قال: ﴿جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ [الكهف: ١٠٦] ولم يقل أحد
معناه: إن جازاهم. وهو أيضا خطأ في العربية؛ لأن بعده ﴿ وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، وهو قول على معنى جزاه(٢).
وعن ابن عباس -فيما ذكره الثعلبي -: لا أعلم له توبة، إلا أن
(يستغفر)(٣) الله، قال السخاوي: وهو الصحيح عنه إن شاء الله، إذ
أجمع المسلمون على صحة توبة قاتل العمد، وكيف لا تصح توبته،
وتصح توبة الكافر والمرتد، يقتلان مؤمنًا ثم أسلما، قال عبد الله كنا
معشرَ أصحاب رسول الله وَّ لا نشك في قاتل المؤمن، وآكل مال
اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم - يعني لا نشك في الشهادة لهم
بالنار- حتى نزلت ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾. فأمسكنا عن
الشهادة لهم. فقول أبي هريرة وابن عمر وابن عباس في جواب
السائل عن قتل العمد: هل تستطيع أن تحييه؟! على وجه التعظيم(٤).
وعند الخوارج والمعتزلة أن المؤمن إذا قتل مؤمنًا أن هذا الوعيد
لاحق به، وقالت المرجئة: نزلت في كافر قتل مؤمنًا، فأما مؤمن قتل
مؤمنًا لا يدخل النار؛ وقالت طائفة من أهل الحديث: نزلت في مؤمن
(١) ((تفسير الطبري)) ٢١٩/٤.
(٢) ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس ٢١٧/٢-٢٢٦.
(٣) كذا في الأصل، ولعل الصحيح: (يغفر).
(٤) ((جمال القراء، وكمال الإقراء)) ص٢٩٣.

٢٤٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
قتل مؤمنا، والوعيد عليه ثابت إلا أن يتوب أو يستغفر، وقالت طائفة:
كل مؤمن قتل مؤمنًا، فهو مخلد في النار غير مرية ويخرج منها بشفاعة
الشافعين، وعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمناً لا يكفر به، إلا أن يستحل.
فإن افتدى ممن قتله فذلك كفارة له كما جاء في الحديث، وإن كان تائبًا
من ذلك ولم يكن مقادًا من قبل كانت التوبة أيضا كفارة له، فإن خرج من
الدنيا بلا توبة ولا قود، فأمره إلى الله، والعذاب قد يكون نارًا وقد يكون
غيرها في الدنيا؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة:
١٤] يعني بالقتل والأسر؟!
يدل قوله: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]
فخاطب القاتلين بما خاطب المصلين وقال: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ
أَقْنَتَلُواْ﴾ واقتتالهم كان على العمد لا على الخطأ، وروي أن مؤمنا
قتل مؤمنا متعمدا على عهد رسول الله وَل﴿ فلم يأمر القاتل بالإيمان
من فعله ولو كفر لأمر به، ولا أنه حرم عليه أهله، وتعلق الخوارج
والمعتزلة بالآية، وقد سلف جواب ذلك، وأنها نزلت في كافر قتل
مؤمنًا متعمدًا؛ ثم لو سلم نزولها في مؤمن قتل مؤمنًا فلا يسلم أن
الخلود التأبيد، بدليل قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:
٣٤] .
وقوله: ﴿أَفَإِيْنِ مِّتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَهُ
٣
[الهمزة: ٣] وإنما يعني في الدنيا. ثم الخلود معناه غير معنى
التأبيد وأما الغضب فهو جزاء أيضًا، وقد يرد الماضى والمراد
المستقبل .

٢٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٨ - [باب]
﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾
[النساء: ٩٤]
السِّلْمُ، وَالسَّلَمُ، وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ.
٤٥٩١- حَدَّثَنِي عَلِيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ عَطَاءِ، عَنِ
ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ
مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]. قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ
المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ:
﴿عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ اُلُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٣] تِلْكَ الغُنَيْمَةُ. قَالَ: قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ:
﴿وَالسَّلَمَ﴾. [مسلم: ٣٠٢٥ - فتح: ٢٥٨/٨]
(السَّلَمُ والسَّلْمُ والسِّلْم والسَّلَام واحِد). الأولى: فتح السين
واللام، والثانية: بفتح السين وإسكان اللام، والثالثة: بكسر السين
وإسكان اللام، وحكي عن قراءة أبان بن يزيد عن عاصم والرابعة
بلام ألف، واختارها أبو عبيد، وخالفه أهل النظر، وقالوا: السَّلَم
هنا أشبه؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، كقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَواْ السَّلَمَ مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْءٌ﴾ [النحل: ٢٨].
ولا شك أن السلم بفتح اللام: الاستسلام والانقياد، والسِّلْم
بإسكان اللام وفتح السين وكسرها: الإسلام والصلاة.
وقراءة ابن عباس ﴿السَّلَمَ﴾ باللام -كما سيأتي- وقد أسندها
عبد بن حميد في ((تفسيره)) عنه، يحتمل أن يكون بمعنى السِّلم، وأن
يكون بمعنى التسليم، والبخاري ذكر أن السلم والسلام واحد وكذا
ما قبله .

٢٥١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة (السلم) بغير ألف، والباقون بثبوتها(١)،
وقوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ قرأ علي وابن عباس وغيرهما بفتح الميم الثانية مشددة
اسم مفعول من أمنه(٢).
ثم ساق البخاري حديث ابن عباس ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ
السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: كَانَ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ
المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ
فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ اُلْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٣]: تِلْكَ
الغُنَيْمَةُ. قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿السَّلَمَ﴾ .
وفي لفظ: رجل من بني سليم.
وذكر الواحدي عن سعيد بن جبير أن المقداد بن الأسود خرج في
سرية، فمروا برجل في غنيمة له، فأرادوا قتله فقال: لا إله إلا الله. فقتله
المقداد. وعن ابن أبي حدرد: بعثنا رسول الله وَّل إلى إضم قبل مخرجه
إلى مكة، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فحيا بتحية الإسلام فنزعنا
عنه، فحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه في الجاهلية فقتله،
واستلبه أي بعيره ومتاعه ووطب لبن معه، فانتهينا إلى رسول الله وليه
فأخبرناه بخبره، فنزلت(٣).
قال السهيلي ثم مات محلم بإثر ذلك فلم تقبله الأرض مرارًا، فألقي
بين جبلين. ويروى: عمدوا إلى صدفتين فسطحوه عليها ثم رضموا عليه
الحجارة(٤) حتى واروه، فبلغ رسول الله وَلقر شأنه فقال: ((والله إن الأرض
(١) أنظر ((الحجة للقراء السبعة)) ١٧٥/٣-١٧٦.
(٢) انظر: ((زاد المسير)) ٩٤/٢.
(٣) ((أسباب النزول)) ص١٧٦ -١٧٧.
(٤) ذكره السهيلي في ((التعريف والإعلام)) كما في ((تفسير مهمات القرآن)) ٣٤٨/١.

٢٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
لتطابق على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في جرم ما بينكم
بما أراكم منه)) (١) قال: وكان أميرَ السرية أبو الدرداء. وقيل: رجل اسمه
فديك(٢) .
قال الواحدي: وذكر السدي أنه القليه بعث أسامة بن زيد على سرية،
فلقي مرداس بن نهيك الضمري فقتله، وكان من أهل فدك ولم يسلم من
قومه غيره، فقال له وَلّ: ((هلا شققت عن قلبه)) فنزلت(٣).
واعلم أن رسول الله وَّل بعث أبا قتادة في ثمانية نفر في أول رمضان
سنة ثمان إلى بطن إضم، وهي فيما بين ذي خُشب وذي المروة، وبينها
وبين المدينة ثلاثة برد؛ ليظن ظان أن رسول الله وَ ﴿ توجه تلك الناحية،
ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية محلم بن جثامة- كما
سلف- بن قيس الليثي، ثم نزلت الآية، فمضوا ولم يلقوا جمعًا،
فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب فبلغهم توجهه وَّ إلى مكة
فتوجهوا حتى لقوه بالسُّقيا، فلما كان يوم حنين قام إلى رسول الله
وَلّ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس يختصمان في عامر بن
الأضبط؛ عيينة يطلب بدم عامر وهو سيد غطفان يومئذ، والأقرع يدفع
عن محلم؛ لمكانه من خندف، فتداولا الخصومة عند رسول الله وَلقه ،
فقال عيينة: والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحرقة
ما أذاق نسائي. ورسول الله وسلم يقول: ((بل تأخذون الدية خمسين في
سفرنا هذا وخمسين إذا رجعنا)) وهو يأبى عليه، فلم يزل بهم حتى
قبلوا الدية، ثم قال: ((أين صاحبكم؟)) فقام رجل آدم ضرب طويل
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٤/ ٣٠٤.
(٢) أنظر: ((تفسير مبهمات القرآن)) ٣٤٩/١.
(٣) ((أسباب النزول)) ص ١٧٧.

٢٥٣
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
عليه حلة قد كان تهيأ للقتل فيها، حتى جلس بين يدي رسول الله ﴾
فقال له: ((ما أسمك)) قال: أنا محلم بن جثامة. فقال: ((أمنته بالله ثم
قتلته! اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة)) فما مكث (إلا سبعًا)(١) حتى
مات - كما سلف.
فائدة :
في هذه الآية صحة إسلام من أظهر، وإجراؤه على أحكامهم،
ومقتضاه أن من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو: أنا مسلم،
أنه يحكم له بالإسلام. وقال محمد بن الحسن في ((السير الكبير)): لو
أن يهوديًّا أو نصرانيًّا قال: أنا مسلم لم يكن مسلمًا؛ لأنهم كلهم
يقولون: نحن مسلمون ومؤمنون. ويقولون: إن ديننا هو الإيمان(٢).
قال: ولو أن رجلا من المسلمين حمل على رجل من المشركين
ليقتله فقال: لا إله إلا الله. كان مسلما، ولو رجع عن هذا ضربت
عنقه لأن هذا هو الدليل على الإسلام(٣). وقال اللؤلؤي -عن أبي
حنيفة -: إن اليهودي والنصراني إذا تلفظ بالشهادتين، ولم يتبرأ من
اليهودية والنصرانية لم يكن بذلك مسلمًا. ووجهه أن هؤلاء منهم من
يقول: محمد رسول الله ولكن إليكم، ومنهم من يقول: لم يبعث بعد
وسيبعث. وقال ابن عباس -فيما ذكره الثعلبي -: إن الله حرم على
المؤمنين أن يقولوا لمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله: لست مؤمنًا.
كما حرم عليهم الميتة، فهو آمن على ماله ودمه فلا تردوا عليه.
(١) في الأصل: (لا سبعًا). وانظر ((سيرة ابن هشام)) ٣٠٣/٤-٣٠٤.
(٢) ((شرح السير الكبير)) ٢٢٦٥/٥.
(٣) السابق ٢٢٦١/٥-٢٢٦٢.

٢٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فائدة :
تعلق من قال: إن الإيمان هو القول بهذه الآية، وقالوا لما قال:
﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فمنع قتلهم بمجرد
القول، فلولا أن هذا القول لم (يبح)(١) قتلهم قيل لهم: القوم إنما
شكوا في حاله هل قاله تعوذًا؟ والله لم يجعل إلى عباده غير الحكم
بالظاهر، ألا ترى أن المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا
بمؤمنين، فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأن حقيقة الصدق
بالقلب كما قال: ((فهلا شققت عن قلبه)) وفيها رد على أصحاب
القدر؛ لأنه تعالى أخبر أنه منَّ على المؤمنين من بين جميع الخلق
بأن خصهم بالتوفيق؛ لأنه لو خلق الخلق كلهم للإيمان- كما زعمت
القدرية- فما معنى اختصاصه بالمنة.
(١) في الأصل (لُقى) غير منقوطة، وعليها: كذا. ولعل المثبت يقرب المعنى المراد.

٢٥٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
١٩- [باب] قوله:
لَا يَسْتَوِى الْفَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ](١)
وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾
٤٥٩٢- حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَغدِ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُ رَأى
مَزْوَانَ بْنَ الَحَكَمِ فِي المَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا، أَنَّ زَيْدَ بْنَ
ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِّ أَمْلَى عَلَيْهِ ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ
وَالْجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ فَجَاءَهُ ابن أُمّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلَّهَا عَلَّيّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، والله لَوْ
أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ - وَكَانَ أَعْمَى - فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مَّهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي،
فَتَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تُرَضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ (غَيْرَ أُولِيِ الضَّرَرِ).
[انظر: ٢٨٣١ - فتح: ٢٥٩/٨]
٤٥٩٣- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ
عنه
قَالَ: لَا نَزَلَتْ ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] دَعَا رَسُولُ اللهِ
وَسـ
زَيْدًا فَكَتَبَهَا، فَجَاءَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَشَكَا ضَرَارَتَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ)
[النساء: ٩٥]. [انظر: ٢٨٣١ - مسلم: ١٨٩٨ - فتح: ٢٥٩/٨]
٤٥٩٤- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَا
نَزَلَتْ ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((ادْعُوا فُلَانًا)).
فَجَاءَهُ وَمَعَهُ الدَّوَاةُ وَاللَّوْحُ أَوِ الكَتِفُ فَقَالَ: ((اكْتُبْ: لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ
المُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). وَخَلْفَ النَّبِيِّ ◌ََّ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا ضَرِيرٌ. فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ
وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥]. [انظر: ٢٨٣١ - مسلم: ١٨٩٨ - فتح: ٨/ ٢٥٩]
(١) في الأصل بيض مكانها، وكتبت في ((اليونينية)) بدونها.

٢٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٤٥٩٥- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابن جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ ح.
وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ، أَنَّ
مِقْسَمًا مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الَحَارِثِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ:
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ. [انظر:
٣٩٥٤ - فتح: ٢٦٠/٨]
ثم ساق حديث زيد بن ثابت السالف في الجهاد. وزاد فقال: والله
يا رسول الله. بزيادة القسم.
وحديث البراء: وقد سلف فيه أيضًا. وحديث مقسم أن ابن عباس
أخبره: لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر،
وقد سلف في غزوة بدر أيضًا .
وقوله: (أملى عليه) وقوله: (يملُّها عليَّ) بمعنَّى، قيل: يُملَّ ويملِي
واحد، قال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ومعنى:
(سُرِّي عنه) أرتفع عنه ما كان يجده، هو مشدد الراء (١).
وقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّررِ﴾ قرئ برفع (غير)، ونصبه ويجوز بالخفض
بمعنى النَّصْب وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. الاستثناء وموضع
الحال أي: لا يستوي القاعدون أصحاء، والحديث دال على هذِه
القراءة، ومن رفع -وهي قراءة الباقين- فعلى صفة القاعدين، أي:
لا يستوي القاعدون الأصحاء والقاعدون(٢)، ومن خفض فعلى الصفة
للمؤمنين، أي: من المؤمنين الأصحاء، وهي قراءة شاذة(٣).
(١) في هامش الأصل: رواه الشيوخ بالتشديد والتخفيف وهو صحيح.
(٢) انظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ١٧٨/٣ - ١٧٩.
(٣) قرأ بها أبو حيوة والأعمش، انظر ((إعراب القرآن)) للنحاس ٤٤٧/١.

٢٥٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
فائدة :
حديث مقسم أخرجه البخاري عن إسحاق، وهو ابن منصور كما
ذكره صاحبا ((الأطراف)) أبو مسعود وخلف، وقال أبو نعيم: ذكر أن
البخاري رواه عنه أيضًا، وعند الحميدي ليس لمقسم في ((الصحيح))
غير هذا الحديث الواحد(١).
أخرى :
روىُ نحو حديث زيد والبراء الفلتانُ بن عاصم: كنا مع رسول الله
وَج﴿ وأنزل عليه الوحي فقال للكاتب: ((اكتب ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾)) فقام
الأعمى فقال .. الحديث(٢).
ذكره إسماعيل، وقال مقاتل: ﴿غَيِّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ الآية تعني عبد الله بن
جحش وابن أم مكتوم أهل العذر (٣). وفي ذكره الأول نظر، والمعذور
أخوه أبو أحمد (٤).
وذكر الثعلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه ابن جحش وليس
بالأسدي. كان أعمى، وأنه جاء هو وابن أم مكتوم، فجعل لهما من
الأجر ما للمجاهدين لزمانتهما .
وعن ابن أبي ليلى: لما نزلت ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾ قال ابن أم مكوم:
اللهم أنزل عذري، فنزلت ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ فوضعت بينهما .
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) ١١٥/٢.
(٢) رواه أبو يعلى في ((المسند)) ١٥٦/٣ (١٥٨٣)، وابن حبان في (صحيحه)) ١٠/١١ -
١١ (٤٧١٢).
(٣) ((تفسير مقاتل)) [النساء: آية ٩٥].
(٤) في هامش الأصل: واسم أبي أحمد: عبد. بغير إضافة. وذكر بعضهم قولًا في أبي
أحمد أنه عبد الله، وليس بشيء، فعلیه یکون كلامه صحيحًا.

٢٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فكان بعد ذلك يغزو ويقول: أدفعوا إليَّ اللواء وأقيموني بين الصفين
فإني لا أستطيع أن أفر(١).
فائدة :
اقتضت الآية فضل المجاهدين على أولي الضرر بدرجة، وعلى
القاعدين غير أولى الضرر بدرجات.
قال أبو إسحاق: وكان يقال: الإيمان درجة، والهجرة في سبيل الله
درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال
ابن محيريز في هذِه الآية: هو سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو
الفرس الجواد المضمَّر سبعين خريفا(٢).
فائدة :
قوله: ﴿اَلْقَعِدُونَ﴾ إلى آخره ليس بمانع أن يكون في غيره؛ لأن
القرآن ينزل في الشيء ويحتمل على ما في معناه، وقد أسلفنا أن
ابن أم مكتوم كان يخرج في الجهاد؛ لقوله تعالى: ﴿آنِفِرُواْ خِفَافًا
وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١].
فائدة :
اختلف أهل العلم: أي الجهاد أفضل، المتطوعة أم أهل الديوان؟
فذهب الجمهور -كما قال ابن النقيب- إلى الأول، ووجه الثاني أنهم
مملكون بالعطاء ينصرفون إلى الثغور بالأوامر.
فائدة :
تعلق بهذه الآية من قال: الغنى أفضل من الفقر؛ لقوله: ﴿بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ﴾ .
(١) رواه ابن المنذر كما في ((الدر المنثور)) ٣٦٣/٢.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٣٣/٤.

٢٥٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=-
٢٠- [باب] قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾
الآية [النساء: ٩٧]
٤٥٩٦- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَغْثٌ فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ،
فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابن عَبَّاسِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانٍِ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْي، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي
ابن عَبَّاسِ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى
رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ِ، يَأْتِي السَّهْمُ فَيُزْمَى بِهِ، فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ،
فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَئِكَةُ ظَالِىّ أَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ. رَوَاهُ اللَّيْثُ،
عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ. [٧٠٨٥ - فتح: ٨/ ٢٦٢]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، ثَنَا حَيْوَةُ وَغَيْرُهُ، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ عَلَىْ أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ فَاكْتِبْتُ فِيهِ،
فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابن عَبَّاسِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَهَانِي عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْي،
ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن عَبَّاسِ أَنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ
يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهَ، يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمَى بِهِ،
فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوَّفَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧].
رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ.
الشرح :
عنى بقوله: (وغيره) ابن لهيعة، يوضحه أن ابن أبي حاتم رواه عن
يونس بن عبد الأعلى، أنا عبد الله بن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي

٢٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأسود فذكره(١)، ورواية الليث ذكرها الإسماعيلي من حديث أبي
صالح، قال: حدثني الليث عن أبي الأسود.
قال الواحدي: نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم
يهاجروا، وأظهروا الإيمان وأسروا النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا
مع المشركين إلى حرب المسلمين فقتلوا، وضربت الملائكة وجوههم
وأدبارهم. وروى [أشعث](٢) بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس
في هذِه الآية قال: كان قوم من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من
المشركين إلى قتال فقتلوا معهم، فنزلت هذه الآية(٣).
وقال مقاتل: كانوا نفرا أسلموا بمكة منهم الوليد بن الوليد بن
المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن
المغيرة، والوليد بن عتبة بن زمعة، وعمرو بن أمية بن عبد شمس،
والعلاء بن أمية بن خلف، ثم إنهم أقاموا عن الهجرة وخرجوا مع
المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين شكوا في رسول الله له ،
(فقال) (٤): غر هؤلاء دينهم وكان بعضهم نافق بمكة، فلما قتلوا ببدر
قالت لهم الملائكة. وهو ملك الموت وحده: فيم كنتم؟ يقول: في
أي شيء كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض يعني: كنا
مقهورين، لا نطيق أن نظهر الإيمان، فقال ملك الموت: ألم تكن
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠٤٥/٣.
(٢) في الأصل: أسعد، والمثبت من ((أسباب النزول))، وانظر ترجمته في ((تهذيب
الكمال)» ٣/ ٢٦٤ (٥٢٤).
(٣) ((أسباب النزول)) ص ١٨٠.
(٤) كذا في الأصل، وفي ((تفسير مقاتل)): (قالوا).