Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وأخرجه في المغازي والاعتصام أيضًا(١).
وإسحاق هذا صدوق ثقة، قال ابن خزيمة: لا يحتج به. قلت:
وتكلم في سماعه من الزهري(٢).
ثم ذكر حديث سَعِيدِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ أَنَّهِ﴿ كَانَ إِذَا
أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَىْ أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ؛ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ .. الحديث.
زاد ابن حبان: وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم، فذكرت ذلك له،
فقال ◌َ: ((أما تراهم قد قدموا؟!)) ثم قال: فيه بيان واضح أن
القنوت إنما يكون في الصلاة عقب حادثة(٣)، وأنه ليس منسوخًا،
ولا يسلم له أختصاصه بالحادثة، وعند البخاري في غزوة أحد من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما: لعن في صلاة الصبح فلانًا وفلانًا
-بأسامي المنافقين- فنزلت.
وقال البخاري -وسلف قبله -: قال حميد وثابت عن أنس: شُجَّ
رسول الله و18َّ فقال: ((كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم؟!)) فنزلت: ﴿لَيْسَ
لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ وقد سلف هناك إسنادها (٤).
وروى الطبري من حديث عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه أنه
الَّ قال: ((اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام،
اللهم العن صفوان بن أمية)) فنزلت.
(١) سلف في المغازي برقم (٤٠٦٩)، باب: ليس لك من الأمر شيء وسيأتي في
الاعتصام برقم (٧٣٤٦) باب: ليس لك من الأمر شيء.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي وغيره عن الدار قطني أنه قال: تكلموا
في سماعه من الزهري.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٣٢٣/٥-٣٢٤.
(٤) سلف برقم (٤٠٦٩) كتاب المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾.
١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه الطبري معلقًا عن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالمًا
يقول: كان رسول الله وَله .. الحديث(١). وسلف هناك.
وعند الطبري أيضا من حديث نافع عنه: كان يدعو على أربعة نفر
فنزلت(٢) .
ولمقاتل: دعا رسول الله ◌َّه على عُصَيَّة وذكوان أربعين يومًا فنزلت،
وقد سلف الكلام على ذلك واضحًا في غزوة أحد.
قال الداودي: وفي الحديث تقديم وتأخير أتى فيه ببعض حديثين؛
لأن بئر معونة كان بعد بدر، وقيل: أصل النزول أنه أستأذن في أن يدعوَ
باستئصالهم، فنزلت؛ لأنه تعالى علم أن منهم من سيسلم.
فائدة :
الوطأة في الحديث: الأخذة والبأس. وقيل: معناه. خذهم أخذًا
شديدًا. وقال الداودي: الوطأة: الأرض، فإنه أراد جدوبة الأرض،
فلم تنبت لهم شيئًا .
وقوله: ( ((كَسِنِيٌّ يوسف))) هُذا هو الأفصح، وروي ((كسنين))
بنونين(٣) وهي قليلة، يريد سبعًا شدادًا ذات خمط وغلاء.
(١) ورد في هامش الأصل: ذكر الترمذي في ((جامعه)) حديث ((الصحيح)) وسمى
المبهم فيه فقال: أبا سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية. وزاد: فتاب
علیهم فأسلموا. وقال: حسن غريب صحيح.
وفي رواية: أربعة نفر. ولم يسمهم، وقال: فهداهم الله للإسلام. [((الترمذي))
(٣٠٠٤، ٣٠٠٥) وقال في الرواية الأولى: حسن غريب. ولم يقل: صحيح،
وقال في الرواية الثانية: حسن غريب صحيح].
(٢) روى الطبري هذا الأحاديث في ((تفسيره)) ٤٣٣/٣.
(٣) ((مسند أحمد)) ٥٢١/٢.
١٦٣
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
أخرى :
قوله: (بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد)) ) فيه :
أن الإمام يجمع بينهما، ومشهور مذهب مالك: لا يقول: ربنا لك
الحمد. ووافق مرة أخرى.
وفيه: القنوت في الفجر وفاقًا لمالك، وإن اختلفوا في موضعه هل
هو قبل الركوع أو بعده. ومشهور مذهب مالك أنه قبله(١). وقال
ابن حبيب بعد الركوع أحسن. وقال أبو حنيفة: لا قنوت فيه (٢). وبه
قال يحيى بن يحيى، وليس هذا موضع ذلك.
فائدة :
(ابن)(٣) الوليد في قوله: ((اللهم أنج الوليد)) هو أخو خالد بن الوليد
أسر يوم بدر كافرًا ففاداه أخواه هشام وخالد، فلما بلغاه ذا الحليفة
أفلت، وتبع رسول الله ◌َّ، وشهد معه عمرة القضاء بعدُ. وقيل: إنه
لما أفلت منهما مشى على رجليه فطلباه فلم يدركاه، ونكبت إصبعه
فمات عند بئر أبي عنبة على ميل من المدينة.
وسلمة بن هشام هو أخو أبي جهل كان من مهاجرة الحبشة، فلما
هاجر إلى مكة حبسه أخوه، ثم هاجر بعد الخندق، وقتل بمرج الصفر
سنة أربع عشرة. وقيل: بأجنادين في جمادى قبل وفاة الصديق بنيف
وعشرين ليلة.
(١) ((المدونة)) ٧٣/١، ١٠٠.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢١٥/١.
(٣) ورد في هامش الأصل: ينبغي أن تحذف (ابن) من الكلام؛ لأنه أحسن، وإن كان
ثبوتھا صحيحًا.
١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وعياش بن أبي ربيعة بالشين المعجمة -أبو عبد الله- أو أبو
عبد الرحمن - ابن عم أبي جهل، وأخوه لأمه أسماء بنت مخرمة،
أسلم قبل دخوله قليم دار الأرقم. واختلف في هجرته إلى الحبشة.
١٦٥
=
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
١٠- [باب] قَوْله:
﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىَ أَخْرَنَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]
وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسِ: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾.
[التوبة: ٥٢] فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً.
٤٥٦١- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ
البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ جَعَلَ النَّبِيُّ نَّه عَلَى الرَّجَالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ
اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيّ
وَّ غَيْرُ أَثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. [انظر: ٣٠٣٩ - فتح: ٢٢٧/٨]
ثم ساق حديث البراء : جَعَلَ النَّبِيُّنََّ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ
اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أَخْرَاهُمْ،
وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ وَ غَيْرُ أَثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
وقد سلف هناك بالإسناد المذكور هنا سواء، وكذا في فضل من شهد
بدرًا (١). وزاد هنا من قوله: (ولم يبق) إلى آخره. وروي أنه بقي
(معهم)(٢) طلحة واثنا عشر رجلا من الأنصار فلحقه المشركون
واستأذنه طلحة فقال: ((كما أنت)). واستأذنه رجل من الأنصار فأذن
له (فأشغلهم)(٣) هنية ورسول الله وسلّ ومن معه قارُّون على الجبل،
فقتلوا الأنصاري ولحقوا برسول الله وَلقه، فاستأذنه طلحة فأبى،
واستأذنه أنصاري فأذن له، فلم يزل كذلك حتى قتل الأثنا عشر
(١) سلف برقم (٣٠٣٩) كتاب الجهاد، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في
الحرب، وسلف في المغازي برقم (٣٩٨٦) باب: فضل من شهد بدرًا.
(٢) ورد في هامش الأصل: لعله: معه.
(٣) وردت هُذِه الكلمة تبيينًا في الحاشية وعليها كلمة: كذا.
١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
رجلا، ولحق رسول الله ◌َله بالجبل، وأراد رجل أن يعلوه بسيف فاتقاها
طلحة فقطعت إصبعه فقال: حس، فقال ◌َّ: ((لو ذكرت الله لرفعتك
الملائكة والناس ينظرون إليك))(١) فلحقه أبي بن خلف، فأراد طلحة
أن يقاتله فنهاه وَّي ورماه بالحربة فقتله، ورماه ابن قمئة فقال: خذها
وأنا ابن قمئة، فقال ◌َله: ((أقمأك الله في النار)). فنطحه تيس فأرداه،
فلم يجد له موضعا وذهب إلى النار، ولحق برسول الله وَّ أبو طلحة.
فانكسرت يومئذ ثلاثة أقواس، ثم تلاحق فكان الصديق والزبير ممن
استجاب لله وللرسول وذلك أن المشركين لما انصرفوا يوم أحد فبلغوا
الروحاء حرض بعضهم بعضا على الرجوع لقتال المسلمين فبلغ ذلك
رسول الله ◌َ ، فندب أصحابه فانتدبوا حتى وافوا حمراء الأسد على
ثمانية أميال من المدينة، فأنزل الله هذه الآية (٢).
(١) رواه النسائي في ((السنن)) ٢٩/٦- ٣٠، وفي ((عمل اليوم والليلة)) ص ١٩٢.
والطبراني في ((الأوسط)) ٣٤٠/٨ (٨٧٠٤) وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي
الزبير إلا عمارةُ بن غزیةً تفرد به یحیی.
وصححه الألباني في («الصحيحة» (٢١٧١)، (٢١٧١)، (٢٧٩٦).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ٣٦٣/٥-٣٦٦ في حديث طويل عن عروة.
و((سنن النسائي الكبرى)) ٣١٧/٦.
و((المعجم الكبير)) ١١/ ٢٤٧ (١١٦٣٢).
و((تفسير الطبري)) ٥١٩/٣ (٨٢٣٨) ثلاثتهم عن عبد الله بن عباس.
١٦٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
١١- [باب] قَوْلِهِ: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]
٤٥٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ
وَنَحْنُ فِي مَصَافَّا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَشْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ
وَآخُذُهُ. [انظر: ٤٠٦٨- فتح: ٢٢٨/٨]
ذكر فيه حديث أنس: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي
مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ
وَآخُذُهُ.
وقد سلف هناك معلقًا(١)، وأسنده عن إسحاق بن إبراهيم بن
عبد الرحمن أبي يعقوب، وهو بغوي يقال له: لؤلؤ ابن عم أحمد بن
منيع بن عبد الرحمن البغوي الأصم أبو جعفر. مات إسحاق سنة تسع
وخمسين بعد البخاري بثلاث سنين، ومات ابن عمه أحمد سنة أربع
وأربعين ومائتين، ويقال: في شوال سنة ثلاث، روى عنه الستة،
وروى البخاري عن حسين عنه. يقال: وقعت الأمنة في الأرض.
والأمنة والأماني واحد، وقد بسطناه هناك. قال مقاتل: نزلت الآية
في سبعة: أبي بكر وعمر وعلي والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف
ورجلين من الأنصار.
(١) سلف في المغازي برقم (٤٠٦٨) باب: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾.
١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٢- [باب] قَوْله:
صِے
الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ
الآية [آل عمران: ١٧٢]
مى
﴿اَلْقَرْعُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الجِرَاحُ. ﴿أُسْتَجَابُواْ﴾ [آل عمران:
١٧٢] أَجَابُوا. يَسْتَجِيبُ يُجِيبُ.
وقد سلف هناك باب ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .
وساق هناك حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: يا ابن
أخي كان أبواك منهم، الزبير وأبو بكر. (وخرجه) الإسماعيلي. في هذا
الموضع أيضا. ولابن أبي حاتم عن عبيد الله بن عدي بن الخيار زيادة:
وعثمان. وعن النخعي: قال ابن مسعود: نزلت هذه الآية فينا، وكنا
ثمانية عشر رجلًا(١).
وعند الواقدي عن عمرو بن دينار: كانوا سبعين رجلا. وقراءة
الأكثرين (القرح) بفتح القاف، وصوبه الطبري، لإجماع أهل التأويل
على أن معناه القتل والجراح (٢). وقرأ حمزة وغيره بضمها (٣)، فقيل:
بمعنَّى. قاله الزجاج: أي الجرح والألم.
وقال الفراء: الجراح بالفتح، ألمها بالضم كوُجدكم ووَجدكم،
ولا يجدون إلا جُهدهم وجَهدَهم(٤). وفيه قراءة ثالثة بفتح
القاف والراء، وهو مصدر قرح يقرح. وبضمهما على الإتباع، قال
أبو البقاء: كاليُسر والعُسر(٥).
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨١٦/٣.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٥١٨/٣.
(٣) أنظر: ((المحتسب)) لابن جني ١٦٦/١، ((زاد المسير)) لابن الجوزي ٤٦٦/١.
(٥) ((التبيان)) ص ٢١٠.
(٤) ((معاني القرآن)) ١/ ٢٤٧.
=
١٦٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
١٣- [باب] قوله:
﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
٤٥٦٣- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ - أُرَاهُ قَالَ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ
أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﴿ حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قَالَهَا
إِبْرَاهِيمُ الَِّّْ حِينَ أَلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ بَلِِّ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
[٤٥٦٤- فتح: ٢٢٩/٨]
٤٥٦٤- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
الضُّحَى، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ آَخِرَ قَوْلٍ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَلَّقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهَ
و
وَنِعْمَ الوَكِيلُ. [انظر: ٤٥٦٣ - فتح: ٢٢٩/٨]
ذكر فيه عن أبي حَصِين بالفتح فرد، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابن عَبَّاسٍ
قال: ﴿حَسْبُنَا اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ الشَّ:
حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ وَلّهِ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ .. الآية.
وعنه قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله
ونعم الوكيل.
المراد (بالناس) نعيم بن مسعود، أرسله أبو سفيان ليثبط المؤمنين،
قاله الفراء (١).
(١) أنظر: ((معاني القرآن)) ٢٤٧/١.
١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقال مجاهد: في ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ قال: أبو سفيان بن حرب،
فإنه قال: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فانطلق النبي ◌َّ لموعده
حتى نزل بدرًا(١). ذكره إسحاق البُستي القاضي في ((تفسيره)) عن قتيبة
ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وزعم بعضهم أنه قال ذلك
في غزوة حمراء الأسد. وفي ((تفسير الطبري)): مر بأبي سفيان ركب
من عبد القيس، فقال: إذا جئتم محمدًا فأخبروه أنا قد أجمعنا السير
إليه. فلما أخبر قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل))(٢) ذكره عن
ابن إسحاق، وعن ابن عباس وقتادة: بنعيم ونحوه. ويجوز أن يكون
( ... )(٣) في تثبيط المؤمنين ما أمكنه، فتارة بنعيم، وتارة بالركب،
وتارة بالعير وشبهه. وإطلاق الناس وأراد به ما ذكره تجوزًا من باب
إطلاق اسم الجمع على الواحد من جنسه، وهو مثل ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ﴾ وهو نبينا وَّ، ومن عادة العرب إطلاق اسم الواحد على
الجمع إذا كان عظيمًا، أو أتى بفعل عظيم؛ أو لأن نعيم بن مسعود
من جنس الناس، كقولك: فلان يركب الخيل، ويلبس البُرودَ، وليس
له إلا فرس واحد وبُرد واحد، كما ذكره في ((الکشاف)) ومعنى:
حسبي كافيني، والوكيل: الحافظ والموكول إليه (٤).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٢٢/٣ (٨٢٤٨).
(٢) المصدر السابق ٥٢٢/٣ (٨٢٤٤)، (٨٢٤٦)، (٨٢٤٧).
(٣) كلمة مطموسة بالأصل.
(٤) انظر: ((الكشاف)) ٣٨٧/١-٣٨٨.
١٧١
=
كِتَابٌ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
١٤- [باب] قوله:
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرًا لَهُمْ
بَلَّ هُوَ شَرٌّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ اُلْفِيَامَةِ﴾
الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠]
﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] كَقَوْلِكَ طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ.
٤٥٦٥- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيٍ، سَمِعَ أَبَا النَّصْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - هُوَ
ابن عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِ صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَالثّ : ((مَنْ آتَاهُ اللهُ مَلَّا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَفْرَعَ، لَهُ زَبِبَتَانِ
يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَغْنِي بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا
كَنْزُلَ)). ثُمَّ تَلَا هَذِه الآيَةَ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾
[آل عمران: ١٨٠] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٢٣٠/٨]
ثم ساق حديث أبي هريرة : ((مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثّلَ
لَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ .. )) الحديث بطوله، وسلف في الزكاة(١).
قال الواحدي: أجمع جمهور المفسرين على أنها نزلت في مانعي
الزكاة (٢)، وروى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها
نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ونبوته عليه أفضل
الصلاة والسلام(٣)، والتفاسير على هذا: سيطوقون الإثم، وأراد
بالعمل كتمان العلم الذي آتاهم الله تعالى، وذكره الزجاج عن
ابن جريج أيضا واختاره.
(١) سلف برقم (١٤٠٢) باب: إثم مانع الزكاة.
(٢) ((البسيط)) للواحدي آية ١٨٠.
(٣) ((أسباب نزول القرآن)) ص١٣٦ -١٣٧.
١٧٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وحكى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: هم أهل الكتاب بخلوا
بالكتاب أن يبينوه للناس. وقال الحسن: هم كافر ومنافق بخل أن
ينفق في سبيل الله أي: حين كانت النفقة فيه واجبة(١)، وقيل: نزلت
في النفقة في العيال (وذي)(٢) الأرحام إذا كانوا محتاجين، وقرئ
(لا تحسبن) بالتاء والياء(٣)، ورجح الطبري التاء أي: لا تحسبن أنت
يا محمد (٤). وخالفه الزجاج، فرجح الياء، واختلف في معنى
وسَيُطَوَّقُونَ﴾، فقال النخعي -فيما حكاه ابن أبي حاتم -: بطوق من
النار(٥).
وعن ابن عباس: سيحملون يوم القيامة ما بخلوا به من كتمان
نبوة رسول الله(٦)، وعن مجاهد: يكلفون أن يأتوا بما بخلوا به (٧).
وعن أبي مالك العبدي - فيما حكاه الطبري ما من عبد يأتيه ذو رحم
له يسأله من فضل عنده، فيبخل به عليه إلا أخرج له الذي بخل عليه
شجاعًا أقرع من النار، فيطوقه. ورواه أبو قزعة حجر بن بيان عن
رجل، عن رسول الله وَله. ورواه أيضا بهز بن حكيم بن معاوية بن
حيدة، عن أبيه، عن جده مرفوعًا(٨).
(١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨٢٦/٣.
(٢) كذا في الأصل وفي هامشها: لعله (وذوي).
(٣) بالتاء قراءة حمزة وبالياء قراءة نافعٍ وابن عامرٍ وابن كثير وأبي عمرٍو. أنظر ((الحجة
للقراء السبعة)) ١٠٦/٣-١٠٧.
(٤) ((تفسير الطبري)) ٥٣١/٣.
(٥) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨٢٨/٣.
(٦) ((تفسير الطبري)) ٣/ ٥٣٤.
(٧) ((تفسير الطبري)) ٥٣٤/٣ (٨٢٩٨، ٨٢٩٩)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٨٢٧/٣.
(٨) ((تفسير الطبري)) ٥٣٢/٣ -٥٣٥.
١٧٣
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وعن ابن مسعود: ثعبان ينقر رأس أحدهم يقول: أنا مالك الذي
بخلت به وينطوي على عنقه. وفي لفظ: يلتوي برأس أحدهم(١).
وقال مقاتل: يطوق بحيةٍ ذَكَرٍ، لفِيهِ ذبيبتان كأنهما جبلان ينهشُهُ،
فنفقته تدرأ عنه، فيلقمهما حتى يُقضَى بين الناس، وفي ((الكشاف))
يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق، وفي أمثالهم: (تقلد طوق
الحمامة) إذا جاء بهنةٍ يُسبُّ بها(٢).
(١) ((تفسير الطبري)) ٥٣٣/٣.
(٢) ((الكشاف)) ٣٩٢/١.
١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٥- [باب] قوله:
﴿ وَلَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ
الآية [آل عمران: ١٨٦]
٤٥٦٦- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَبِ عُزْوَةُ بْنُ
الزُّبَيْرِ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِّهِ رَكِبَ عَلَىْ حِمَارٍ
عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَزْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي
الَحَارِثِ بْنِ الَخَزْرَجِ قَبْلَ وَفْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبيِّ.
ابن سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْسْلِمِينَ، وَفِي المَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ
رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، ◌ََّ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ
قَالَ: لَا تُغَبُِّوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ،
وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابن سَلُولَ: أَيُّهَا الَزْءُ، إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ،
إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي نَجْلِسِنَا، أَرْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ.
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ الهِ، فَاغْشَنَا بِهِ فِي نَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ.
فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَّلِ النَّبِيُّ وَه
يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكِبَ النَّبِيُّ وَلِّ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ
عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَا سَعْدُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ -يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ
ابْنَ أُبَيِّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا)). قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغْفُ عَنْهُ وَاضْفَخْ
عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْحَقِّ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ، لَقَدِ أَصْطَلَحَ
أَهْلُ هذِهِ البُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوَّجُوهُ فَيُعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالحَقِّ
الذِي أَعْطَاكَ اللهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَقَا عَنْهُ رَسُولُ اللهَِ،
وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَأَصْحَابُهُ يَعْقُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الكِتَابِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ،
١٧٥
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللهُ رَّ: ﴿وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ، وَقَالَ اللهُ:
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوَ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ
عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] إِلَى آَخِرِ الآيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َ يَتَأَوَّلُ العَفْوَ مَا أَمَرَهُ
اللهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ ◌ِ﴿ بَدْرَا، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُقَّارِ
قُرَيْشٍ، قَالَ ابن أُبَيِّ ابن سَلُولَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هذا أَمْرٌ قَدْ
تَوَجَّهَ. فَبَايَعُوا الرَّسُولَ بَلَّهِ عَلَى الإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا. [انظر: ٢٩٨٧ - مسلم: ١٧٩٨ - فتح:
٢٣٠/٨]
ذكر فيه حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَله
رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه،
يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج .. الحديث بطوله.
وهو أتم الطرق كلها، كما قاله الحميدي(١).
وأخرجه البخاري أيضا في الجهاد، والأدب، واللباس، والطب،
والاستئذان(٢)، وأخرجه مسلم والترمذي(٣).
ذكر الواحدي عن (سعد) (٤) بن مالك أن سبب نزولها أن كعب بن
(١) ((الجمع بين الصحيحين)) ٣/ ٣٤٠ (٢٨٠٠).
(٢) سلف في الجهاد برقم (٢٩٨٧) باب: الردف على الحمار، وسيأتي في اللباس
برقم (٥٩٦٤) باب الأرتداف على الدابة، وفي الأدب برقم (٦٢٠٧) باب كنية
المشرك، وفي الاستئذان برقم (٦٢٥٤) باب: التسليم في مجلس فيه أخلاط من
المسلمين والمشركين.
(٣) رواه مسلم (١٧٩٨) كتاب الجهاد والسير، باب في دعاء النبي بَّ وصبره على
أذى المنافقين. والترمذي (٢٧٠٢).
(٤) كذا في الأصل وفي ((أسباب النزول)) كعب بن مالك وكان من أحد الثلاثة الذين
تيب عليهم.
١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الأشرف كان يهجو رسول الله {وَل# ويحرض عليه كفار قريش، فلما قدم
رسول الله ◌َلقر المدينة، وبها أخلاط منهم المسلمون، ومنهم المشركون،
ومنهم اليهود. أراد أن يستميلهم، فكان المشركون واليهود يؤذونه
ويؤذون أصحابه أشد الأذى فأمر الله نبيه بالصبر على ذلك(١).
وعند الطبري ﴿وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ يعني: مِن
اليهود، وقولهم ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَتَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾
وما أشبه ذلك من أفترائهم على الله. ومعنى ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾
يعني: النصارى من قولهم: ﴿اَلْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ﴾ وما أشبهه. وقال
عكرمة: نزلت في رسول الله إذ بعث أبا بكر إلى فنحاص بنٍ عازورا
يستمده، فقال فنحاص: قد احتاج ربكم أن نمده(٢).
والأذى مقصور يكتب بالياء، يقال: قد أذِيَ فلان يأذى إذا سمع
ما يسوؤه. وقال أبو نصر: آذاه يؤذيه أذاة وأذية (٣) .
ثم الكلام على حديث أسامة من وجوه :
أحدها :
قوله: (قطيفة فدكية) أي: كساء غليظ منسوب إلى فَدَك - بفتح الفاء
والدال- على مرحلتين أو ثلاثة من المدينة.
ثانیھا :
فيه الإرداف.
ولابن منده فيه جزء زاد فيه على ثلاثين نفسًا .
(١) ((أسباب النزول)) ص١٣٨-١٣٩ (٢٨٧).
(٢) ((تفسير الطبري)) ٥٤١/٣-٥٤٢.
(٣) ((الصحاح)) ٢٢٦٦/٦ [أذا].
١٧٧
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
وفيه :
جواز العيادة راكبًا، وأنَّ فِعْلَ ذلك لا ينقص في حق العظماء خلافًا
لمن تكبر عن فعل هذه السنة. قال المهلب وفيه أنواع من التواضع.
ثالثها :
قوله: (وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي) يعني: قبل أن يظهر
الإسلام وإلا فهو لم يسلم قط.
رابعها :
قوله: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة) أي: وهو ما أرتفع من
غبار حافرها، وهي واحدة العجاج. ومعنى (خمر عبد الله بن أبي أنفه
بردائه) ستر وجهه وغطاه.
وقوله: (فسلم رسول الله وَّر عليهم) لعله نوى به المؤمنين ولا بأس
به إذًا .
وقوله: (ثم وقف فنزل) فيه جواز استمرار الوقوف اليسير على
الدابة، فإن طال نزل؛ لفعله وَله .
وعن بعض التابعين. لما قيل له: نُهي عن الوقوف على متن الدابة.
قال: أرأيت لو صيرتها (سائبة)(١)، أما كان يجوز لي ذلك؟ قيل له:
نعم. قال: فأي فرق بينهما؟!
خامسها :
قوله: (فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن
كان حقًّا، فلا تؤذنا به في مجالسنا) قال ابن الجوزي: كثير من النحويين
يضمون ألف (أُحسِنُ) ويكسرون السين، أي: لا أعلم منه شيئًا .
(١) كذا في الأصل وفي هامشها: لعله: سائرة.
١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وسمعت أبا محمد بن الحباب يفتح الألف والسين، أي: ليس شيء
أحسن من هذا. ووقع للقاضي أبي علي: (لأُحسِن) من هذا. بالكسر من
غير ألف. كما قال عياض. قال: وهو عندي أظهر(١). وتقديره: أحسن
من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا .
سادسها :
قوله: (فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتشاورون)
أي: قاربوا أن يثور بعضهم إلى بعض بقتال. يقال: ثار يثور إذا قام
بسرعة وانزعاج. وعبارة ابن التين: يتشاورون: يتواثبون. وقولهم:
(فلم يزل رسول الله والر يخفضهم) أي: يسكنهم حتى سكنوا.
سابعها :
قوله ◌َّيلر: (((يا سعدُ، ألم تسمع ما قال أبو حُباب؟!)) يريد: عبد الله
بنَ أُبي) هو بحاء مهملة مضمومة ثم بباء موحدة- وفيه: بث الشكوى
للصاحب. وقول سعد: (اعفُ عنه واصفح عنه). إنما قاله على سبيل
الاستمالة؛ ليستخرج منه ما جبل عليه من كرم والأخلاق والعفو عن
الجهال، ولا جرم أنه عفا عنه وتم لسعد مرادُه.
ثامنها :
قوله: (ولقد أَصطلح أهل هذِه البحرة -وفي رواية: البحيرة- على
أن يتوجوه، فيعصبونه بالعصابة) البحيرة -بضم الباء ثم حاء مهملة-
تصغير البحرة. قال عياض: وفي غير ((صحيح مسلم)) البَحِيرة -بفتح
الباء وكسر الحاء- قال: وكلاهما بمعنَى. يريد أهل المدينة(٢).
(١) ((إكمال المعلم)) ٦/ ١٧٢ -١٧٣.
(٢) ((إكمال المعلم بفوائد سلم)) ٦/ ١٧٣.
١٧٩
كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ
=
والبحرة: الأرض والبلد والبحار والقرى. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ
اَلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١]. قال بعض المفسرين: أراد القرى
والأمصار(١). وقال الطبري: كل قرية لها نهر جار فالعرب تسميها
البحرة(٢).
وقال ياقوت: بَحْرة -بفتح أوله وسكون الحاء المهملة- على لفظ
تأنيث البحر من أسماء المدينة. والبحرين قرية لعبد القيس يقال لها :
بحرة، وبحرة: موضع لية بالطائف، يقال لها: بحيرة الرغاء، سلكه
رسول الله وَ﴾ منصرفه من حنين، وبنى به مسجدًا، وأما بتصغير بحرة
فيراد به: كل مجتمع ماء مستنقع لا أتصال له بالبحر الأعظم غالبًا،
ويكون ملحا وعذبا. [وذكر](٣) أربعة عشر موضعًا (٤)، وضبط الحازمي
التي بالطائف بضم الباء الموحدة. ومعنى (يتوجوه) يجعلوه ملكًا
ورئيسًا عليهم، وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانًا توجوه وعصبوه،
أي: يعمموه بعمامة الملوك.
وفي رواية ابن إسحاق: لقد جاءنا الله بك وإنا ننظم له الخرز
لنتوجه(٥) .
قال القرطبي: وهذا أولى من قول من قال: يعصبوه، أي: يملكوه
فتعصب به أمورهم. ويبعد هذا - أيضا- قوله: (بالعصابة)(٦).
(١) في ((تفسير الطبري)) ١٩١/١٠ (٢٧٩٩٩)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٣٠٩٢/٩
(١٧٥٠٢) عن عكرمة.
(٢) ((تفسير الطبري)) ١٠/ ١٩١.
(٣) زيادة ليست في الأصول يقتضيها السياق.
(٤) ((معجم البلدان)) ١/ ٣٥٠
(٥) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ٢٢٠/٢.
(٦) ((المفهم)) ٣/ ٦٥٧.
١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال ابن التين: معنى (يعصبوه بعصابة): يرئسونه عليهم ويسودونه،
وكان الرئيس يسمى معصبًا؛ لما يعصبه برأسه من الأمور، قال: وقيل:
كان الرؤساء منهم يعصبون رءوسهم بعصابة يعرفون بها .
تاسعها :
قوله: (فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك) معنى
(شَرِق) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء ثم قاف: غص، يعني: حسد
رسول الله ملف ؛ فكان سبب نفاقه.
يقال: غص الرجل بالطعام، وشرق بالطعام، و(لحى)(١) بالعظم،
والصناديد: الأشراف. وكان ما أمر به ◌َّله من العفو قبل أن يؤذن له في
القتال كما ذكر في الأصل.
(١) كذا في الأصل، وفي ((فتح الباري)) ٨/ ٢٣٢ و(تاج العروس)) ٣١٦/٩ [عصص].
(شجى).
وستأتي عند المصنف في حديث (٦٢٥٤) في كتاب: الاستئذان، باب: التسليم
في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين (شجى)، ولعل الناسخ أخطأ فيها
هنا أو تحرفت عنده.