Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ ـ كِتَابُ المَغَازِي سلف في بابه، ومالك يرى على من لبّد أن يحلق للاتباع(١). وفي لفظ: وأناس من أصحابه وقصّر بعضهم. الحديث السادس عشر: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، وَرَسُولُ اللهِ وََّ قَائِمٌ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَسَارَ الحِمَارُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ، سلف في الصلاة (٢). الحديث السابع عشر: حديث هِشَام قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ- وَأَنَا شَاهِدٌ - عَنْ سَيْرِ رسول الله وَّه فِي حَجَّتِهِ، فَقَالَ: العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ، سلف في الحج. الحديث الثامن عشر: حديث أبي أيوب : أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، سلف فيه أيضًا وذلك بالمزدلفة كما ذكره هناك (١) أنظر: ((المنتقى)) ٣٤/٣. (٢) سلف برقم (٤٩٣). ٥٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧٨- باب غَزْوَةُ تَبُوكَ(١)، وَهْيَ غَزْوَةُ العُسْرَةِ ٤٤١٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى عُ قَالَ أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَسْأَلَّهُ الحُمْلَانَ لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ فِي جَيْشِ العُشْرَةِ - وَهْيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ - فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابِي أَزْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ. فَقَالَ: ((والله لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ)). وَوَافَقْتُهُ وَهْوَ غَضْبَانُ وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنْعِ الشَّبِيِّ نَّهِ، وَمِنْ ◌َخَافَةٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ـِّ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرْتُهُمُ الذِي قَالَ النَّبِيُّ ◌َ، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّ سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالاَ يُنَادِي: أى عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ. فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَدْعُوكَ. فَلَمَّا أَتَيْتُهُ قَالَ: ((خُذْ هَذَيْنِ القَرِينَيْنِ وَهَذَيْنِ القَرِينَيْنِ - لِتَّةِ أَبْعِرَةٍ أَنْتَاعَهُنَّ حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ - فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ فَقُلْ: إِنَّ اللهَ - أَوْ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هؤلاء فَارْكَبُوهُنَّ)). فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ يَجْمِلُكُمْ عَلَى هؤلاء، وَلَكِنِّي والله لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالَةَ رَسُولِ اللهِ وََّ، لَا تَظُنُّوا أَّ حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللهِ وَِّهِ. فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمَصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ. فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوْا الذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مَنْعَهُ إِيَّهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى. [انظر: ٣١٣٣ - مسلم: ١٦٤٩ - فتح: ٨ /١١٠] ٤٤١٦- حَدَّثَنَا مُسَدَّدْ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الَحَكَم، عَنْ مُضْعَبِ بْنِ سَغدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَخَلِّقُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ قَالَ: ((أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلّ أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيِّ بَعْدِي؟)). وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الَحَكَم: سَمِعْتُ مُضْعَبًا. [انظر: ٣٧٠٦ - مسلم: ٢٤٠٤ - فتح: ١١٢/٨] (١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٨/ ١١١: هكذا أورد المصنف هذا الترجمة بعد حجة الوداع، وهو خطأ وما أظن ذلك إلا من النساخ؛ فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من ستة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف. اهـ ٥٨٣ كِتَابُ المَغَازِي = ٤٤١٧- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ يُخْبِرُ قَالَ: أَخْبَرَبِ صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ العُشْرَةَ. قَالَ: كَانَ يَغْلَى يَقُولُ: تِلْكَ الغَزْوَةُ أَوْثَقُ أَعْمَالِي عِنْدِي. قَالَ عَطَاءٌ: فَقَالَ صَفْوَانُ: قَالَ يَعْلَى: فَكَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخَرِ - قَالَ عَطَاءٌ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ أَيُّهُمَا عَضَّ الآخَرَ فَنَسِيتُهُ- قَالَ: فَانْتَزَعَ الَمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي العَاضِّ، فَانْتَزَعَ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ ◌َثِّ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ. قَالَ عَطَاءٌ وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيَكَ تَقْضَمُهَا كَأَنَّهَا فِي فِي فَحْلِ يَقْضَمُهَا؟!)). [انظر: ١٨٤٨ - مسلم: ١٦٧٤ - فتح: ٨/ ١١٢] ذكر فيه ثلاثة أحاديث : أحدها : حديث أَبِي مُوسَىْ هِ أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ أَسْأَلُهُ الحُمْلَانَ، إِذْ [هم](١) مَعَهُ فِي جَيْشِ العُسْرَةِ - وَهْيَ غَزْوَةُ تَبُوكَ - فَقَالَ: ((والله لَا أَحْمِلُكُمْ)). ثم بعث إليه فحملهم .. الحديث. ثانیھا : حديث يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ◌ّهِ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا ﴾ قَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: ((أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّ بِمَنْزِلَةٍ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ ليس(٢) نَبِيِّ بَعْدِي؟)). وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حدثنا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ: سَمِعْتُ مُصْعَبًا . (١) ساقطة في الأصل. (٢) كذا بالأصل، وعلَّم فوقها (خـ)، وكتب في الهامش: خـ: (لا). [قلت: إشارة إلى نسخة]. ٥٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ثالثها : حديث يَعْلَى ﴾ه: غَزَوْتُ مَعَ رَسِولِ اللهِ وَّهِ الْعُسْرَةَ. فذكر حديث العض، وقد سلف في الإجارة(١). الشرح: تبوك: المشهور فيها ترك الصرف؛ للتأنيث والعلمية، وجاء في موضع من البخاري: (حتى بلغ تبوكًا)(٢) تغليبًا للموضع. وسميت تبوك؛ بالعين التي أمر رسول الله صل الناس ألا يمسوا من مائها شيئًا، فسبق إليها رجلان، وهي تبض بشيء من ماء، فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها، فسبهما رسول الله صل﴾ وقال لهما -فيما ذكر القتبي -: ((مازلتما تبوكانها منذ اليوم)). قاله القتبي. فبذلك سميت العين تبوك. والبوك كالنقش والحفر في الشيء. يقال منه: باك الحمار الأتان يبوكها إذا (نزا)(٣) عليها. قلت: قد سماها رسول الله وَيّ بذلك، ففي ((صحيح مسلم)): ((إنكم ستأتون عين تبوك غدًا إن شاء الله، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي)) (٤). ولابن إسحاق: فقال: ((من سبق إليها)) قالوا: يا رسول الله فلان وفلان وفلان(٥). (١) سلف برقم (٢٢٦٥). (٢) قال النووي في ((شرح مسلم)) ٨٩/١٧: هكذا هو في أكثر النسخ تبوكا بالنصب- [قلت: يعني عند مسلم في حديث (٢٧٦٩)]- وكذا هو في نسخ البخاري وكأنه صرفها لإرادة الموضع دون البقعة اهـ وكذا أشار الحافظ في ((الفتح)) ١١٨/٨ أنها في رواية: (تبوگًا)، دون تعیین أو عزو. (٣) في الأصل: (نزل)، ولعله تصحيف، والمثبت من ((الصحاح)) ١٥٧٦/٤. (٤) مسلم (٧٠٦/ ١٠) بعد حديث (٢٢٨١). (٥) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ١٨٢/٤. ٥٨٥ = كِتَابُ المَغَازِي وعند الواقدي: سبق إليها (أربعة) (١) من المنافقين معتب بن قشير والحارث بن يزيد الطائي ووديعة بن ثابت وزيد بن لصيت. وذكر ابن عائذ أنه العَّه أغترف غرفة منها فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها، ففارت عينها حتى امتلأت حتى الساعة، وبينها وبين المدينة أربعة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة، وهي آخر غزاة غزاها بنفسه، وخرج إليها -كما قال ابن سعد- في رجب سنة تسع يوم الخميس، وسميت العسرة -كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] وخرجوا في حر شديد، وكان الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فعطشوا يومًا عطشًا شديدًا، فأقبلوا ينحرون الإبل و(يشربون)(٢) أكراشها ويشربون ما فيها، فكان ذلك عسرة من الماء، وعسرة من الطهر، وعسرة من النفقة، وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها [إلا هذه الغزوة](٣) فإنه أعلمهم بها؛ ليأخذوا عدة سفرهم، وليتأهبوا له لبعده ومشقته؛ ولما بلغه أن الروم جمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله 8# الناس إلى الخروج وأعلمهم بالمكان الذي يريد، ليتأهبوا لذلك، وذلك في حر شديد، واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وهو أثبت عندنا(٤) -وخالفه ابن عبد البر، فقال: الأثبت: علي بن أبي طالب- فلما سار تخلف ابن أبي ومن كان معه، فقدم (١) وقع في الأصل: (أربعون) والمثبت وهو الصواب من هامشها، وكتب بجوارها : لعله الصواب. (٢) جاء في هامش الأصل: لعله: (ويشقون)، وفي ((الطبقات)) ٢/ ١٦٧ ويعصرون. (٤) ((الطبقات) ١٦٥/٢-١٦٦. (٣) ليس في الأصل، والسياق يقتضيها. ٥٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الَّ تبوك في ثلاثين ألفًا من الناس، وكانت الخيل عشرة آلاف، وأقام بها عشرين يومًا، يقصر الصلاة وعند (ابن عبد البر)(١): بضعة عشر يومًا، ولحقه أبو ذر وأبو خيثمة السالمي، ثم انصرف القفيها ولم يلق كيدًا وقدم المدينة في رمضان سنة تسع. وعند البيهقي: كان معه [زيادة](٢) على ثلاثين ألفًا من الناس، وحمل فيها عثمان على ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها(٣). وعند الواقدي: بسبع مائة بعير ومائة فرس. وفي ((الصحابة)) لابن الأثير عن أبي زرعة: شهد معه تبوك أربعون ألفًا . وفي كتاب الحاكم(٤)، عن أبي زرعة: سبعون ألفًا (٥). ويجوز أن يكون عد مرة المتبوع، ومرة المتبوع والتابع. قال البيهقي: وقد روي في سبب خروجه القَّه إلى تبوك وسبب رجوعه خبر إن صح ثم ذكر من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن عثمان أن اليهود أتوا رسول الله وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت (١) في الأصل: ابن سعد، وهو خطأ، ولعله سبق القلم؛ فإنه يحكي قول ابن سعد ثم اعترض بقول ابن عبد البر في مدة الإقامة وهذا القول أورده ابن عبد البر في ((الدرر)» ص٢٤٢. (٢) زيادة ليست في الأصل، مثبتة من قول البيهقي. (٣) ((دلائل النبوة)) ٢١٤/٥، ٢١٩. (٤) ورد بهامش الأصل: وهذا أيضًا في ((علوم أبي عمرو بن الصلاح)). [قلت: انظر ((علوم الحديث)) ص٢٩٧. (٥) ساق الخطيب البغدادي كلام أبي زرعة في ((الجامع)) ٢/ ٢٩٣، بإسناده إليه؛ وفيه شهد مع النبي وَالر حجة الوداع أربعون ألفًا، وشهد معه تبوك سبعون ألفًا. اهـ فاتضح -أو لعله- أن ما نقله المصنف عن ابن الأثير فيه أنتقال نظر أو تحريف، والعزو إلى هنا أولى. ٥٨٧ كِتَابُ المَغَازِي = صادقًا أنك نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشر وأرض الأنبياء. فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ اُلْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦ - ٧٧] وأمره تعالى بالرجوع إلى المدينة. وقال: ((فيها محياك، وفيها مماتك، ومنها تبعث)) الحديث(١). فصل : ولما رجع أمر بهدم مسجد الضرار، وسمى لحذيفة المنافقين الذين أرادوا المكر به، وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأبو حاضر الأعرابي، وعامر، وأبو عامر الراهب -وهو رأسهم، ولأجله بني المسجد- والجلاس بن سويد بن الصامت، ومجمع بن جارية وفليح التيمي، وحصين بن نمير، وطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة ومرة بن الربيع، قال: ومات هؤلاء الاثنا عشر منافقين محاربين لله ولرسول الله وَ ليه(٢). وادعى ابن الجوزي أن الجلاس تاب وحسنت حاله. وقال ابن حبيب في مجمع: له استقامة وصحبة. فصل : ومن المنافقين على زمنه أوس بن قيظي وبجاد بن عثمان الضبيعي، وكان ممن بنى مسجد النفاق وكذلك بحزج وبشر بن أبيرق أبو طعمة، وبشر بن زياد أخو رافع، وثعلبة بن حاطب، وجارية بن عامر بن مجمع، والجد بن عبد الله من أصحاب عقبة تبوك، والجد بن قيس، (١) ((دلائل النبوة)) ٢٥٤/٥-٢٥٥. (٢) المصدر السابق ٢٥٧/٥-٢٥٩. ٥٨٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح والحارث بن زيد أحد من سبق إلى عين تبوك، والحارث بن سويد الذي قتل المجذر وحاطب بن أمية بن نافع، وحدیر بن أبي حدیر، وخذام بن خالد، وخذام بن وداعة، وداعس اليهودي، ودري بن الحارث الأوسي، ورافع بن حريملة، ورافع بن زياد، ورافع بن زيد، ورفاعة بن رافع، وقيل : رفاعة بن زيد بن التابوت -عم قتادة بن النعمان- وقيل: ( ... )(١) وزيد بن جارية. وقيل: يزيد. وقيل: ثابت، وزيد بن عمرو، وزيد بن اللصيت، وقيل: النصيت، وسعد بن حنيف، وسعد بن زرارة، وسلسلة بن برهام، وسلالة بن الحمام، وسوقة بن عدي الساعدي، وسويد اليهودي والضحاك بن خليفة وعبد الله بن أبي، وعبد الله بن ( ... )(٢)، وعباد بن حنيف، وعدي بن ربيعة، وعقبة بن كديم، وقزمان، وقيس بن رفاعة، وقيس بن زيد. وقيل: ابن يزيد، وقيس بن عمرو، وكنانة بن صوريا ومالك بن أبي (توفل)(٣)، ومبشر بن أبيرق، وقال ابن ماكولا: له صحبة واستقامة، ومخشي بن حمير الأشجعي، وقيل: تاب، ومربع بن قيظي الأعمى، ومسعود بن أوس بن زيد بن أصرم، ومعتب -وقيل: مغيث- بن قشير، ومعمر بن عمرو بن أوفى، ونبتل بن الحارث، ووديعة بن جذام، ووديعة بن ثابت، ووديعة بن عامر، ويزيد بن جارية بن مجمع -وقيل: تاب- وقد سلف، (وأبو خيثمة)(٤) بن الأزعر. (١) كلمة غير واضحة بالأصل. (٢) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعلها: ربيل، وقد جاء بهامش الأصل تعليق عليها؛ لكنه غير واضح أيضًا. (٣) ورد في هامش الأصل: لعل صوابه: نوفل. اهـ [قلت: وفي عدد من المصادر: قوقل]. (٤) كذا في الأصل، وفي غير ما مصدر: أبو حبيبة. أنظر: ((تاريخ الطبري)) ١٨٦/٢، (تاريخ الإسلام)» للذهبي ٣٨/٢-٤٠. ٥٨٩ كِتَابُ المَغَازِي = فصل : قوله في الحديث الأول: ((خذ هذين القرينين (وهذين)(١) القرينين)) أراد: النظيرين المتساويين في السن. وقوله: ( ((هذين))). قال ابن التين: صوابه: هاتين؛ لأن القرينين مؤنثان . وقوله: (ابتاعهم) وفي بعض النسخ: (ابتاعهن). وهو صوابه أو أبتاعها؛ لأنه جمع ما لا يعقل. فصل : والحديث الثاني من أعظم مناقب عليّ وقوله: (قال أبو داود، ثنا شعبة .. ) إلى آخره. أسنده البيهقي في (دلائله)) من حديث يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا شعبة فذكره(٢). فصل : والعض بالأسنان، وأصله عضض على وزن: علم، وقيل: على وزن: ضرب، والأول أوضح؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] والثنية: مقدم الأسنان، وهي أربعة: ثنتان من الأعلى وثنتان من الأسفل. ويقضمها: يخلعها، وهو بفتح الضاد. يقال: قضمت الدابة شعيرها تقضمه، أي: أكلته. (١) في الأصل (هذه)، والمثبت هو الصحيح الموافق للنص. (٢) ((دلائل النبوة)) ٢٢٠/٥، وهو في ((مسند الطيالسي)) ١٧٠/١ (٢٠٦). ٥٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٧٩- [باب] حَدِيث كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ وَقَوْل اللهِ تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨]. ٤٤١٨- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ - وَكَانَ قَائِدَ كَغْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ - قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكِ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ، قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَّخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِوََّ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَجّ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَذْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنْ لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوِىْ وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، والله مَا أَجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطَّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّه يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّ وَرِى بِغَتِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ فِي حَرِّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذِي يُرِيدُ، وَالْسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ - قَالَ كَغْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيِّبَ إِلَّ ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللهِ بَلَهَ تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثَّمَارُ وَالظُّلَالُ، وَتَجَّزَ رَسُولُ اللهَِّ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَزْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَّا قَادِرٌ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادىُ بِي حَتَّى أَشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَالْسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَخْتُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَزْتَجِلَ فَأُدْرِكَهُمْ - وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ - فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجٍ ٥٩١ - كِتَابُ المَغَازِي رَسُولِ اللهِ وََّ فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنَّ لَا أَرِى إِلَّ رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلاً يَمَّنْ عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ يَّهِ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهْوَ جَالِسٌ فِي القَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟)). فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَبَسَهُ بُزْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِثْسَ مَا قُلْتَ، والله يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّ خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَ لِهِ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكِ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلاَ حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَّ لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ نََّ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّقُونَ، فَطَفِقُوا يَغْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَخْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَانِينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ إِلَ ◌ّ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَشُمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: ((تَعَالَ)). فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: ((مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ أَبْتَعْتَ ظَهْرََ؟!)). فَقُلْتُ: بَلَى، إِّ والله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّي والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِّ لأَزَجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لَا وَالله مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، والله مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوِى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّقْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((أَمَّا هذا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيَكَ)). فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونٍِ، فَقَالُوا لِي: والله مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هذا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ أَغْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِ يَّهَ بِمَا أَعْتَذَرَ إِلَيْهِ المُتَخَلِّقُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ وَ لَكَ. فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هذا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ ٥٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالحِيْنِ قَدْ شَهِدَا بَذْرًا فِيهِمَا إِسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَنَّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيُّوا لَنَا حَتَّى تَتَكَّرَتْ في نَفْسِي الأَرَضُ، فَمَا هِيَ التِي أَغْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خْسِينَ لَيْلَةً. فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللهِ وََّ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِي ◌َجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَخْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتٍ أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا التَّفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابن عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ. فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنٍ دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَ مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. فَقُلْتُ لَما قَرَأْتُهَا: وهذا أَيْضًا مِنَ البَلَاءِ. فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَزْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الَخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ وَلَ يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَغْتَزِلَ آمْرَأَتَكَ. فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ أَغْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا. وَأَزْسَلَ إِلَى ٠٩ صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لإِرَأَتِي: الحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونٍ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ الله في هذا الأَمْرِ. قَالَ كَعْبُ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخْ ضَائِعْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ، قَالَ: (لَا، ٥٩٣ كِتَابُ المَغَازِي = ولكن لَا يَقْرَبْك)). قَالَتْ: إِنَّهُ والله مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، والله مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هذا. فَقَالَ لِي بَغْضُ أَهْلِي: لَوِ أَسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ وَه فِي أَمْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لإِمْرَأَةِ هِلَالٍ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْتُ: والله لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ وَّةَ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ لَّهِ إِذَا أَسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمَّلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينٍ نَهَى رَسُولُ اللهِ وٍَّ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةَ، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الَحَالِ التِي ذَكَرَ اللهُ - قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَّ الأَرَضُ بِمَا رَحُبَتْ - سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخِ أَوْفَى عَلَىْ جَبَلِ سَلْعِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَغْبُ بْنَ مَالِكِ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدَا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَأَذَنَ رَسُولُ اللهِ بَهَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الَجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَتِيِ الذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، والله مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ تَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ مَلِ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَِّ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَزْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَالله مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَغْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ الشُرُورِ: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)). قَالَ: قُلْتُ أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَخْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: (لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ). وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالٍِ صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِ اللهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَإِّ ١ ٥٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّ صِدْقًا مَا بَقِيتُ. فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الَحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وََّ إِلَى يَوْمِي هذا كَذِبًا، وَإِّي لأَزَجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ بِهِ: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِّ وَالْمُهَجِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩] فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ وََّ، أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الوَحْىِ شَرَّ مَا قَالَ: لِأَحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥-٩٦]. قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاثَةُ عَنْ أَمْرٍ أُولَئِكَ الذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَلِّ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَزْجَأَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] وَلَيْسَ الذِي ذَكَرَ اللهُ مِمَّا خُلِّقْنَا عَنِ الغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِزْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح: ١١٣/٨] ذكر فيه قصته بطولها، وقد سلف بعضه في الجهاد، وأشرنا إلى أن البخاري خرجه في عشرة مواضع في ((صحيحه)) مطولاً ومختصرًا(١). وقوله: (ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها) -يعني: بدرًا- وقد سلف هناك: ولم يعاتب الله أحدًا تخلف عنها - بزيادة الجلالة -. وقوله: (إلا ورئ بغيرها) أي: ستر، كما سلف في موضعه. وقوله: (فجلا للمسلمين) أي: كشف وبيّن وأظهر، مثل قوله (١) سلف برقم (٢٧٥٧، ٢٩٤٧، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١) وسيأتي برقم (٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥). ٥٩٥ كِتَابُ المَغَازِي = تعالى: ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وهو مخفف(١). وقوله: (ليتأهبوا أهبة غزوهم) وفي بعض النسخ (عدوهم) والأهبة- بضم الهمزة- ما يحتاجون إليه ويستعدونه. وقوله: (حتى اشتد بالناس الجد) الجد - بكسر الدال(٢) - جهاد في الشيء والمبالغة فيه. قال ابن التين: وضبط في بعض الكتب برفع (الناس) على أنه فاعل، ويكون الجد منصوبًا بإسقاط حرف الخفض، وقيل: نعت لمصدر محذوف، فكأنه قال: أشتد الناسُ الاشتداد الجد، ويجوز نصب (الناس) ورفع (الجد) على إسقاط الخافض من (الناس). وقوله: (حتى أسرعوا وتفارط الغزو) أي: تباعد، ويئست من اللحاق وكل شيء سبق فقد فرط. وقوله: (وليتني فعلت) فيه: تمني ما فات فعله. وقوله: (مغموصًا عليه النفاق) وفي مسلم: (في النفاق)(٣) أي: متهمًا مستحقرًا. يقال: غمصت فلانًا واغتمصته إذا استحقرته واستصغرته. وقوله: (فقال رجل من بني سلمة -هو بكسر اللام- يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفه) البرد: واحد البرود، وعطفه: جانبه. يقال: ثنى فلان عليَّ عطفه، أي: أعرض عليَّ. (١) ورد بهامش الأصل: وكذا ضبطه النووي، والذي يظهر لي أن التشديد أفصح كقوله ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَا إِلَّا هُوْ﴾ أو أنه يقال بالتشديد والتخفيف، والتشديد أفصح. والله أعلم. (٢) كذا بالأصل، ولعلها: الجيم. (٣) مسلم (٢٧٦٩). ٥٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله: (فقال معاذ: بئس ما قلت) فيه: كراهة السب لمن يشار إليه بالشرف . وقوله: (فأجمعت صدقه) أي: عزمت عليه. وقوله: (ليوشكن الله أن يسخطك عليّ)، أي: يعجلني. يقال: أوشك فلان خروجًا، من العجلة. وقوله: (وثار رجال من بني سلمة) أي: هبوا- (وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله وَّل)، أي: كافيك من ذنبك، فأسقط حرف الجر، ونصب (كافيك)؛ لأنه خبر كان واسمها استغفار. وقوله: (يؤنبوني) أي: يلوموني، وفيه: التأسي بالغير، فإن المصيبة إذا عمَّت هانت بخلاف ما إذا خصت، وهُذا في الدنيا موجود، وفي الآخرة مفقود، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ﴾ [الزخرف: ٣٩]، وفي نهي الناس عن كلامهم أن اُلْعَذَابِ مُشْتَرِكُنَ للإمام أن يؤدب بعض أصحابه بالهجران، وإن جاوز ذلك ثلاثة أيام. وقوله في مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي أنهما ممن شهد بدرًا غريب ذلك كما نبهت عليه فيما مضى، ولم يذكر أحد من أهل السير أنهما شهداها(١). وقوله: (ونهى المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة) هو بالرفع، وموضعه بالنصب على الاختصاص. (١) ممن قال بشهودهما إياها ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر، أنظر: ((الاستيعاب)) ٤٣٩/٣ (٢٣٩٠)، ١٠٣/٤ (٢٧١٨) و((أسد الغابة)) ١٣٤/٥، ٤٠٦ (٤٨١٤، ٥٣٨١) و((الإصابة)) ٣٩٦/٣، ٦٠٦ (٧٨٦٥، ٧٩٧٨). ٥٩٧ كِتَابُ المَغَازِي = قال سيبويه: عن العرب: اللهم [اغفر] (١) لنا أيتها العصابة(٢). وقوله: (من جفوة الناس) هو بفتح الجيم، أي: من جفائهم. (وتسورت الجدار): علوت سوره، وأبو قتادة هو: الحارث بن ربعي. ومعنى (أنشدك): أسألك، وأصله رفع الصوت بذلك. وقوله: (ولا مضيعة) هو بإسكان الضاد وكسرها، أي: حيث يضاع حقك. وقوله: (فتيممت بها التنور) أي: قصدته وأحرقتها. وأنثه على معنى الصحيفة. وقوله: (فسجرته بها) أي: حميته، وحميت البئر: ملأته ماء، وسجرت السماء بالمطر. وقوله: (فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله) عبر عن الإشارة بالقول، وإلا فقد نهى عن مكالمته. وفيه: إحراق الكتاب الذي فيه المكروه. وفيه: أعتزال النساء عند الذنب الذي لا يعلم المخرج منه. وقوله: (أوفى على جبل سلع) أي: أشرف وصعد وعلا، وسلع: جبل معروف بالمدينة. وقوله: (فخررت ساجدًا) فيه: سجود الشكر، وكرهه مالك. وذكر ابن القصار جوازه. وقوله: (نزعت له ثوبيَّ، فكسوته إياهما ببشراه ووالله ما أملك غيرهما يومئذ) أي: من اللباس، وإلا فكان له مال، ولذلك قال: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة) (١) زيادة ليست في الأصل مثبتة من ((الكتاب)) لسيبويه. (٢) ((الكتاب)) ٢٣٢/٢. ٥٩٨ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقوله: (فتلقاني الناس فوجًا فوجًا) أي: جماعة جماعة. وقوله: (لتهنك توبة الله عليك) هو بكسر النون، وصوب ابن التين الفتح؛ لأن أصله يهنأ بفتح النون. وقوله: (فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله) كانا أخوين آخى بينهما اَلـ وقوله: ((أمسك عليك بعض مالك)) فيه: التصدق بكل ماله. ولعله علم منه أنه لا يقدر على الصبر على الضرر والإطاقة. وقوله: (ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث)، يقال: أبلاه الله بلاءً حسنًا، وبلوت. يكون للخير والشر. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَّرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] والمراد هنا النعمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَّهُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] أي: نقمة، وأصله الاختبار، وأكثر ما يأتي مطلقًا في الشر، فإذا جاء في الخير جاء مقيدًا، كما قال: بلاءً حسنًا، وقال ابن قتيبة: يقال: أبلاه الله يبليه أو بلاءً حسنًا، وبلاه يبلوه بلاءً في الشر(١). وقال صاحب ((الأفعال)): بلاه الله بالخير والشر بلاءً اختبره به ومنعه له. وأبلاه بلاء حسنًا : فعله به(٢) . وقوله: (أن لا أكون كذبته) قال القاضي: كذا في نسخ البخاري ومسلم(٣) . والمعنى: أن أكون كذبته، و(لا) زائدة، كما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أي: أن تسجد. (١) ((أدب الكاتب)) ص (٢٥٩). (٢) ((الأفعال)) لابن القطاع ١٠٣/١. (٣) ((إكمال المعلم)) ٢٨٤/٨. ٥٩٩ كِتَابُ المَغَازِي = وقوله: (قال كعب: كنا تخلفنا) كذا في البخاري، وفي مسلم: خُلفنا . وقوله: (وأرجأ رسول الله) أي: أخر. وقول كعب في تفسير ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] ليس هو تخليفه عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه، ولما يأمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. حكي عن محمد بن يزيد أنه قال: معنى ﴿خُلِفُواْ﴾: ولَّوا؛ لأن معنى خلفت فلانًا: فارقته قاعدًا عما نهضت فيه (١) وفسرها عكرمة: خلفوا: أقاموا بعقب النبي وَليم (٢). وقرأ جعفر بن محمد: (خالفوا)(٣). وقال أبو مالك: معناه: عن التوبة (٤). وفي حديث كعب غير ما سلف: ذكر الرجل في مكانه ليوفي بالحديث على وجهه، وفيه: تفضيل كعب ببيعة العقبة؛ لأنها أول بيعة في الإسلام، وذلك أنهم واعدوا رسول الله بَ له أن يأتيهم إلى المدينة مهاجرًا إذا أُذن له . وفيه: أنه كان من السابقين الأولين الذين صلوا القبلتين، وغير ذلك. (١) ((تفسير الطبري)) ٥٠٨/٦. (٢) ((معاني القرآن)) للنحاس ٢٦٤/٣. (٣) هي من القراءات الشاذة كما ذكرها ابن جني في ((المحتسب)) ٣٠٥/١ - ٣٠٦. (٤) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٦/ ١٩٠٥ و((معاني القرآن)) ٢٦٤/٣. ٦٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وَاله الحِجْرَ ٨٠- [باب] نُزُول النّبِيّ ٤٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الْجُغْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَا مَرَّ النَّبِيُّ ◌َ بِالْجْرٍ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ)). ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ. [انظر: ٤٣٣- مسلم: ٢٩٨٠ - فتح: ٨ / ١٢٥] ٤٤٢٠ - حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لِأَصْحَابِ الِحِجْرِ: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤلاء المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ)). [انظر: ٤٣٣- مسلم: ٢٩٨٠- فتح: ١٢٥/٨] ذكر فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ وَّهِ بِالْحِجْرِ قَالَ: ((لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ)). ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ. ثم ذكره بلفظ آخر أنه بَّرِ قَالَ لأَصْحَابِ الحِجْرِ: ((لَا تَدْخُلُوا عَلَى هؤلاء المُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ)). هذا الحديث سلف في الصلاة في باب: الصلاة في مواضع الخسف(١) وأن معنى قوله: ((أن يصيبكم)) أي: خشية أن يصيبكم، وقيل: لئلا يصيبكم، وإن أخذ على البخاري في قوله: نزوله وإنما مر به مسرعا، ومعنى (يقنع رأسه): ستره، وأرض ثمود بين الحجاز والشام، وقد أسلفنا هناك أن ذلك كان في طريقه إلى تبوك، وكذلك ذكره البخاري هنا، وكره مالك في ((المدونة)) الطلب في قبور الجاهلية (١) سبق برقم (٤٣٣).