Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
كِتَابُ المَغَازِي
ذات الرقاع واحدة، ومنهما خرج إلى عسفان، كما أشار إليه ابن إسحاق
واختلاف الروايات في كيفية صلاة الخوف، لاختلاف الأحوال به في
صلاته - والله أعلم كيف كان- والمقصود معرفة كيفية صلواته .
الحديث الثالث :
حديث سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ في صلاة الخوف.
وهو في مسلم أيضًا، ثم ساقه من حديث صالح بن خوات، عن
سهل أيضًا .
ثم ساقه من حدیث صالح، عن سهل حدثه قوله.
الحديث الرابع :
حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ قِبَلَ
نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا العَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ. وقد سلف في بابه.
ثم ساقه من حديث ابن عمر أيضًا.
الحديث الخامس: وقد سلف.
والعضاه: شجر من شجر البوادي كالطلح والعوسج، الواحدة
عِضَة، الهاء أصلية، وقيل: عِضَهَة، وقيل: عِضَاهَة، فحذفت الهاء
الأصلية كما حذفت في الشفة، ثم ردت في العضاه كما في الشفاه
وقد يقال: عضة مثل عزة، ثم تجمع على عزوات، وتقرأ العضاه
بالهاء وقفًا ووصلاً؛ لأن جمعه جمع تكسير وليست بجمع السلامة
مثل الشفاه والمياه.
ثم قال: وقال أبان -هو ابن يزيد العطار- ثنا يحيى بن أبي كثير،
عن أبي سلمة، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله وَّ بذات الرقاع.
فذكر القصة وسماه مشركًا، فتهدده أصحاب رسول الله وَله، وأقيمت

٢٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الصلاة، وصلى بطائفة ركعتين، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان
لرسول الله وَ﴾ أربع ركعات وللقوم ركعتان.
وقال مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر: أسم الرجل غورث بن
الحارث وقاتل فيها محارب خصفة. وقال أبو الزبير، عن جابر: كنا مع
رسول الله وَ له بنخل، وإنما جاء أبو هريرة إلى رسول الله وَّ أيام خيبر.
أنتهى ما أورده.
وقصة غورث أسلفناها، وما ذكره عن مسدد أخرجه سعيد بن
منصور، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس - يعني:
اليشكري الثقة، عن جابر كما سلف، وزاد بعد قوله: من عند خير
الناس: فلما حضرت الصلاة .. فذكر الحديث إلى أن قال: فكان
لرسول الله ◌َي أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين(١)، وأخرجه
البيهقي من حديث عارم محمد بن الفضل وعاصم بن علي عن أبي
عوانة (٢). وتعليق أبان(٣) أخرجه البيهقي من حديث عفان عنه به (٤)،
وتعليق أبي الزبير سلف من حديث هشام عنه، وأسنده الطيالسي عن
هشام(٥) .
تنبيهات على ألفاظ وقعت في أحاديث الباب:
وقد أوضحنا صلاة الخوف، وأحكامها في الصلاة.
(١) (سنن سعيد بن منصور)) (٢٥٠٤) (ط. الأعظمي).
(٢) ((دلائل النبوة)) ٣٧٥/٣ - ٣٧٦.
(٣) ورد في هامش الأصل: تعليق أبان أخرجه مسلم عن أبي محمد بن أبي شيبة، عن
عثمان، عن أبان به ( ... ) إلى عزوه إلى البيهقي والله أعلم.
(٤) (دلائل النبوة)) ٣٧٥/٣.
(٥) ((مسند الطيالسي)) ٣٠٠/٣ (١٨٤٤).

٢٦٣
كِتَابُ المَغَازِي
=
قوله في حديث أبي موسى: (ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه) وفيه
قول آخر أنهم كانوا ثمانية، وقيل: كانوا أكثر. مشوا حفاة لم يكن
لهم إبل، فألقوا الرقاع على أرجلهم.
وقوله في حديث صالح: (وجاه العدو) هو بضم الواو وكسرها،
أي: صلوا وجوههم تلقاء وجوههم.
وقوله: (ثم ثبت جالسًا، ثم أتموا لأنفسهم، لم يسلم بهم) هو
اختيار مالك - كما حكاه البخاري، كما سلف (١) - وبه قال الشافعي
وأصحابه، وقال بذلك مرة؛ لحديث القاسم بن محمد، وهو نحو
الأول، إلا أنه ذكر فيه: أن الإمام يسلم ولا ينتظر أن تقضي الطائفة
الثانية. وأخذ أشهب مرة بحديث ابن عمر أن الطائفة تمضي إلى
مواجهة العدو. وقيل: تقضي، فإذا صلى بالثانية وقضت قضت
الأولى بعدها. وحمل عليه ابن حبيب، أنهما يقضيان معًا. وليس في
البخاري كذلك، إنما قال: (ثم قام هؤلاء فقضوا ركعتهم. وقام
هؤلاء فقضوا ركعتهم).
وفيه -في بعض أحاديث ابن عمر - أن الثانية تقضي، ثم تصلي
بعدها الأولى. وذكر عن أشهب قول آخر أن الأولى تأتي بالركعة
الثانية والطائفة الثانية وجاه العدو، فإذا انصرفت الأولى وقفت وجاه
العدو، ثم قضت الطائفة الثانية ركعتها الثانية.
وذكر أبو عبد الملك قولاً آخر أنه بالخيار عما ورد من الأحاديث؛
فإن كانوا في الحضر، فالمشهور أنهم يصلون خلافًا لعبد الملك، واحتج
بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيُّمْ فِى الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، فإن كانت رباعية فاختلف
(١) يقصد تعليق مالك الذي ذكره عقب حديث (٤١٣٠).

٢٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
هل يثبت في الجلسة الأولى وينتظر الثانية جالسًا، وإن كانت مغربًا
يصلي بفرقة ركعتين وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه -في الأظهر
عندنا- واستشكل ابن التين رواية جابر السالفة: فكانت لرسول الله
وَ لّ أربع ركعات وللقوم ركعتان. وقال: إن فيه نظرًا؛ لأنهم كانوا في
سفر، وإن قلنا: إن المسافر بالخيار فيكف يصلي لكل طائفة ركعتين،
وهو يصلي أكثر من المأمومين.
وهذا إنما قاله جابر راوي الحديث أن الإمام يصلي ركعتين
والمأموم كل طائفة ركعة، ويأتي أن القصر في عدد الركعات. وبه
قال الحسن وطاوس، والذي روي هنا خلافه.
قلت: لا إشكال بل يحمل على أنهم صلوا ركعتين، ثم كملوا ولهذا
قال: ثم تأخروا، والأخرى كذلك.

٢٦٥
كِتَابُ المَغَازِي
=
٣٢ - باب غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ،
هُيَ غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ
قَالَ ابنِ إِسْحَاقَ: وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ:
سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، [عَنِ الزُّهْرِيِّ]: كَانَ
حَدِيثُ الإِفْكِ فِي غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ
٤١٣٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابن مُحَبْرِيزِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ
فَرَأَيْتُ أَبَّا سَعِيدِ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلَّتُهُ عَنِ العَزْلِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وََّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًّا مِنْ سَبِي العَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا
النِّسَاءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا العَزْلَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللهِ
وَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ؟! فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا،
مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كَائِنَةٌ)). [انظر: ٢٢٢٩ - مسلم: ١٤٣٨ -
فتح: ٤٢٨/٧]
٤١٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُوذُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ غَزْوَةَ نَجْدٍ، فَلَمَّا أَدْرَكَتْهُ
القَائِلَةُ وَهُوَ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَاسْتَظَلَّ بِهَا وَعَلَّقَ سَيْفَهُ، فَتَفَرَّقَ
النَّاسُ فِي الشَّجَرِ يَسْتَظِلُّونَ، وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَعَانَا رَسُولُ اللهِ ﴿ فَجِتْنَا، فَإِذَا
أَغْرَابِيٌّ قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هذا أَتَانٍ وَأَنَّا نَائِمٌ، فَاخْتَرَطَ سَيْفِي، فَاسْتَنْقَظْتُ
وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي ◌ُخْتَرِطْ صَلْتًا، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ اللهُ. فَشَامَهُ ثُمَّ قَعَدَ،
فَهْوَ هذا)). قَالَ: وَلَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ. [انظر: ٢٩١٠ - مسلم: ٨٤٣ - فتح: ٤٢٩/٧]
الشرح:
المصطلق أسمه: جذيمة بن سعد بن كعب بن عمرو بن لحي، وهو

٢٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء. ووقع في ((سيرة ابن حبان)) أن
المصطلق اسمه: سعد بن عمرو، والمعروف ما ذكرناه، وخالف ابن
سعد فقال: هي في شعبان سنة خمس يوم الإثنين لليلتين خلتا منه،
والخندق بعدها عنده، في ذي القعدة من السنة(١). وكذا ذكره
الواقدي(٢).
قال الحاكم في ((إكليله)): وهو أشبه من قول ابن إسحاق. وذكرها
أبو معشر أيضًا قبل الخندق، ونزلت فيها آية التيمم. وما ذكره البخاري
عن موسى بن عقبة، قد ذكر البيهقي في ((دلائله)) بإسناده عن موسى بن
عقبة، عن ابن شهاب، أنها كانت في شعبان سنة خمس، قال: ورویناه
عن قتادة أيضًا، والواقدي(٣). وقد خرج البخاري أن ابن عمر غزاها مع
رسول الله وَلي(٤). وما ذكره عن النعمان، عن الزهري أسنده البيهقي،
عن النعمان ومعمر أيضًا، عنه، عن عروة، عن عائشة. قال البيهقي:
وإليه ذهب أهل المغازي محمد بن يسار، ومحمد بن عمر الواقدي(٥) .
واعلم أن ابن إسحاق ذكر بعد ذات الرقاع غزوة بدر الآخرة، ثم
دومة الجندل -كما أسلفناه- سميت بدومة بن إسماعيل؛ لأنه نزلها .
ثم الخندق وبعدها غزوة بني قريظة. وذكر ابن سعد بعدها سرية
محمد بن مسلمة إلى القرطاء، ثم سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبي
رافع بن أبي الحقيق(٦).
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٦٣/٢، ٦٥.
(٢) «مغازي الواقدي)» ص٤٠٥.
(٣) ((دلائل النبوة)) ٤/ ٤٥.
(٤) سلف برقم (٢٥٤١) كتاب: العتق، باب: من ملك من العرب رقيقًا.
(٥) ((دلائل النبوة)) ٤/ ٦٣ -٦٤.
(٦) ((طبقات ابن سعد)) ٧٨/٢، ٩١.

٢٦٧
كِتَابُ المَغَازِي
=
وذكر ابن إسحاق إسلام عمرو بن العاصي وخالد بن الوليد، ثم ذكر
غزوة ذي قرد -بفتح القاف والراء. وحكى السهيلي عن أبي علي
ضمهُما(١). ويقال لها: غزوة الغابة- وسرية سعيد بن زيد إلى
العرنيين في شوال سنة ست عند ابن سعد(٢).
فصل :
قتل النبي ◌َّ من بني المصطلق وسبى جويرية بنت الحارث،
وأعتقها وتزوجها، وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة، فطلبتهم منه ليلة
دخل بها فوهبهم لها .
فائدة :
المصطلق مفتعل من الصلق: وهو رفع الصوت. والمريسيع ماء
لخزاعة، بينه وبين الفرع نحو يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد،
وهو من قولهم: رسعت عين الرجل، إذا دمعت من فساد، وهو فساد
الأجفان، وقد رسع الرجل فهو أرسع، وفيه لغة أخرى: رسَّع ترسيعًا
فهو مُرسِّع ومُرسِّعة، وقد ترسَّعت عينه أيضًا ترسيعًا.
ثم ذكر البخاري حديث أبي سعيد الخدري، وحديث جابر.
أما حديث أَبُي سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ فِي غَزْوَةِ بَنِي
المُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْي العَرَبِ، فذكر حديث العزل.
وفيه: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ
كَائِنَةٍ إِلَى بَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّ وَهْيَ كَائِنَةٌ)).
(١) ((الروض الأنف)) ٤/ ١٤.
(٢) هكذا في الأصل، وفي ((طبقات ابن سعد)) ٩٣/٢: (سرية كُرْز بن جابر الفهري)،
بدلا من (سعيد بن زيد). وفي ((سيرة ابن هشام)) ٣٢٤/٣، و((طبقات ابن سعد))
٨١/٢ أن رسول الله ولل أمَّر على غزوة ذي قرد (سعد بن زيد).

٢٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
حقيقة العزل: أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع قصد الإنزال
خارجه، وعندنا أن الأولى تركه، وهو جائز في الحرة والأمة بالإذن
وعدمه، وقطع الرافعي في الأمة بالجواز، وقال: لا خلاف فيه،
وصاحب ((البحر)) حكى الخلاف فيه رعاية لحق الولد.
وحاصل الخلاف في الحرة ثلاثة أوجه: ثالثها: يجوز بالإذن وهو
قول مالك، واعتبر إذن موالي المرأة ولم يعتبره في التسرِّي.
واختلف هل كانوا أهل كتاب، فقال الأصيلي: كانوا عبدة أوثان،
وإنما أباح التَّه وطأهن قبل نزول: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾
[البقرة: ٢٢١]، وقال الداودي: كانوا أهل كتاب؛ ولذلك لا نحتاج
إلى إسلامهن قبل الوطء، والأول أولى؛ لقوله: (فأصبنا سبيًا من
سبي العرب) وهذا الحديث في قوله: ((ما عليكم أن لا تفعلوا)) استدل
به على الإباحة والمنع، وأنه إلى النهي أقرب، وقال المبرد: معناه:
لا بأس عليكم أن تفعلوا، ومعنى (لا) الثانية ظرفًا، وحجة من منع
حديث مسلم أنه القيمة سئل عنه، فقال: ((إنه الوأد الخفي))(١) .
وقوله: ( ((ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة)) ) أي: قد
جفَّ القلم بكل ما يكون، فيؤخذ منه أن الولد يكون مع العزل؛ ولهذا
لو قال: وطئت وعزلت، حرم عليه النفي، قال شمر: النسمة: كل دابة
فيها روح، والنسم: الروح، والتقدير: ما من ذي نسمة. ويراد بها الذكر
والأنثى، وقال القزاز: كل إنسان نسمة، ونفسه نسمة.
وأما حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَله غَزْوَةَ
(١) رواه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) كتاب: النكاح، باب: جواز الغيلة. من حديث جُدامة
بنت وهب.

٢٦٩
كِتَابُ المَغَازِي
=
نَجْدٍ. قد سلف في الغزوة قبلها(١).
وقوله فيه: (فشامه) أي: رده في الغمد، وهو من الأضداد، يقال:
شامه إذا سلَّه، وشامه إذا رده في غمده، وإنما لم يواجهه؛ لأنه كان
يستميلهم بذلك ليرغبهم في الدخول في الإسلام.
و(العضاه) سلف في الغزوة قبلها. وحكى أبو حنيفة خلافًا فيه: هل
هي ذات الشوك، أو العظام من الشجر أجمع؟
وقال الفراء: النحويون على الأول، ورأينا العرب على الثاني،
وقال أبو الهيثم: الزيتون والنخل من العضاه، وقَيَّدها بعضهم بالشجرة
الطويلة، وفي ((المحكم)): ويجمع أيضًا: عضون(٢).
(١) سلف برقم (٤١٣٥).
(٢) ((المحكم)) ٥٩/١.

٢٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٣٣ - باب غَزْوَةُ أَنْمَارٍ
٤١٤٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُرَاقَةً
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنَّصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِي عَلَى
رَاحِلَتِهِ، مُتَوَجِّهَا قِبَلَ المَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا.
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنهما قَالَ:
رَأَيْتُ النَّبِيَّ وََّ فِي غَزْوَةِ أَنْمَارٍ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، مُتَوَجِّهًا قِبَلَ
المَشْرِقِ مُتَطَوِّعًا .
وقد سلف في الصلاة من غير هذا الوجه عن جابر، وسلف الكلام
عليه(١).
(١) سلف برقم (٤٠٠) باب: التوجه نحو القبلة حيث كان.

٢٧١
كِتَابُ المَغَازِي
=
٣٤ - باب حَدِيثُ الإِفْكِ
وَالأَّفَكِ بِمَنْزِلَةِ النِّجْسِ وَالنَّجَسِ. يُقَالُ: إِفْكُهُمْ وأَفْكُهم
(وأفَكُهم)(١).
٤١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ، عَنِ
ابن شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ،
صَلىالله
وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ
ـتام
حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، وَكُلَّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ كَانَ
أَوْعَى لِدِيثِهَا مِنْ بَغْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ أَقْتِصَاصًا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ
الذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ
مِنْ بَغْضِ، قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَفْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ،
فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةِ
غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَ لَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الِحِجَابُ، فَكُنْتُ
أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِزْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ
وَقَفَلَ [وَآ دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ قَافِلِينَ آَذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ
فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الَجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ
صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لٍِ مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ قَدِ آَنْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي
أَنْتِغَاؤُهُ. قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي فَاحْتَمَلُوا هَؤْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى
بَعِيرِي الذِي كُنْتُ أَزْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ
يَهْبَلْنَ وَلْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ خِفَّةَ
الهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السَّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا،
وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا أَسْتَمَرَّ الَجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعِ
(١) عليها في الأصل: (كذا)، وفي الهامش: هُذِه الثالثة لا أعرفها.

٢٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَلَا يُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَى،
فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِيٍ غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ
الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِيٍ فَرَأْىُ سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٌ، فَعَرَفَنِي حِينَ
رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الِحِجَابِ، فَاسْتَنْقَظْتُ بِاسْتِزْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي
بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اُسْتِزْجَاعِهِ، وَهَویُ حَتَّى
أَنَّاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى
أَتَيْنَا الَجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ، قَالَتْ: فَهَلَكَ فِيَّ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ
الذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَّى ابن سَلُولَ.
قَالَ عُزْوَةُ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ، فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِیهِ.
وَقَالَ عُزْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الإِفْكِ أَيْضًا إِلَّ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ
أَثَاثَةَ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ - كَمَا قَالَ
اللهُ تَعَالَى - وَإِنَّ كُبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَّى ابن سَلُولَ. قَالَ عُزْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ
تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُولُ: إِنَّهُ الذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي لِعِرْضٍ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي
قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِي لَا أَغْرِفُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ ◌َِّ اللَّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَىْ مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ
وَّ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: («كَيْفَ تِيكُمْ؟» ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ،
حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحِ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا
لَا تَخْرُجُ إِلَّ لَيْلا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُتُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. قَالَتْ وَأَمْرُنَا
أَمْرُ العَرَبِ الأَوَلِ فِي البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذِىُ بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا.
قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ - وَهْيَ ابنةُ أَبِيِ رُهْمِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا
بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ

٢٧٣
كِتَابُ المَغَازِي
المُطَّلِبِ - فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ بَيْتِي، حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ
مِسْطَحِ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ. فَقُلْتُ: لَهَا بِئْسَ مَا قُلْتِ، أَتَسُبِّينَ رَجُلاً
شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أىُ هَنْتَاهُ وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي
بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، دَخَلَ
عَلَيّ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: ((كَيْفَ تِيَكُمْ؟)). فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟
قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الَخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ
لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ، مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوَّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ
آمْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّ كَثَّزْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ
اللهِ! أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بهذا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَزْقَأُ لِي
دَمْعُ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَنْكِي. قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ وَ لَهَ عَلَيَّ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيَّدِ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيْرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ،
قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي
يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّ خَيْرًا.
وأَمَّا عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ
الْجَارِيَةَ تَصْدُقُكَ. قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ وَيُّهَ بَرِيرَةَ فَقَالَ: ((أَى بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ
شَىءٍ يَرِيبُك؟)). قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ،
غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِ الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. قَالَتْ: فَقَامَ
رَسُولُ اللهِ وَلَّ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَغْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِّ وَهْوَ عَلَى اِنْبَرِ فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ
المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلِ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ والله مَا عَلِمْتُ
عَلَى أَهْلِي إِلَّ خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ
عَلَى أَهْلِي إِلَّ مَعِي)). قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ - أَخُو بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ - فَقَالَ:
أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَغْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوَسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ
الَخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الَخَزْرَجِ - وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ
عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ - وَهْوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الَخَزْرَجِ. قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ

٢٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
رَجُلاً صَالِحٍا، ولكن اخْتَمَلَتْهُ الَحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ
عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - وَهْوَ ابن
عَمِّ سَعْدٍ - فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ
المُنَافِقِينَ. قَالَتْ: فَثَارَ الَحَيَّانِ الأَوَسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ وَّ
قَائِمٌ عَلَى اِنْبَرِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ وَلَه ◌ُخَفْضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ،
قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ، لَا يَزْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ
عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا، لَا يَزْقَأُ لِي دَمْعْ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَّوْمٍ، حَتَّى إِّ لأَظُنُّ أَنَّ
البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَّا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ
الأَنَّصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي.
قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَيَّ عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ.
قَالَتْ: وَلْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي
بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِوَ لّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ
بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ
فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا أَعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)). قَالَتَْ:
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ وََّ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةَ، فَقُلْتُ
لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِل ◌َّ﴿ عَنِّي فِيمَا قَالَ. فَقَالَ أَبِي: والله مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ
وَةٍ . فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ◌َـ﴿ فِيمَا قَالَ. قَالَتْ أُمِّي: والله مَا أَدْرِي
مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَِّ. فَقُلْتُ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنَ القُزْآنِ كَثِيرًا: إِّ
والله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعتُمْ هذا الحَدِيثَ حَتَّى أَسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ
قُلْتُ لَكُمْ إِي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونٍ، وَلَيْنِ أَغْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - والله يَعْلَمُ أَّ مِنْهُ بَرِيئَةٌ -
لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَ اللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلَّ أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ
اُلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، والله
يَعْلَمُ أَنَّ حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللّهَ مُبَرِّي بِبَرَاءَتِي، ولكن والله مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ
فِي شَأْنِي وَحْيَا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، ولكن

٢٧٥
كِتَابُ المَغَازِي
كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرىْ رَسُولُ اللهِ وَّه فِيِ النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّثُنِي اللهُ بِهَا، فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ
اللهِ وَّ نَجْلِسَهُ وَلَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ
مِنَ البُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنَ العَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتِ، مِنْ ثِقَلِ
القَوْلِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهْوَ يَضْحَّكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ
كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ)). قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي
إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: والله لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِّ لَا أَحْمَدُ إِلَّ اللهَ رَكَ. قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ جَآءُو بِلِفْكِ﴾ [النور: ١١] العَشْرَ الآيَاتِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهَ هذا فِي بَرَاءَتِي.
قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أَثَّاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ - :
والله لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا
يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: بَلَى
والله، إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهَ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ التِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ:
والله لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ
عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ لِزَيْنَبَ: ((مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟)). فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْمِي
سَمْعِي وَبَصَرِي، والله مَا عَلِمْتُ إِلَّ خَيْرًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهْيَ التِي كَانَتْ تُسَامِينِي
مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ بََّ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ. قَالَتْ: وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا،
فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ ابن شِهَابٍ: فهذا الذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ هؤلاء الرَّهْطِ. ثُمَّ
قَالَ عُزْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: والله إِنَّ الرَّجُلَ الذِي قِيلَ لَهُ ما قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ!
فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَشَفْتُ مِنْ كَنَفِ أُنْثَى قَطَّ. قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في سَبِيلِ
اللهِ. [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح: ٤٣١/٧]
٤١٤٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَمْلَى عَلَّ هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ مِنْ حِفْظِهِ:
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الَلِكِ: أَبَلَغَكَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ فِيمَنْ
قَذَفَ عَائِشَةَ؟ قُلْتُ: لَا، ولكن قَدْ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ قَوْمِكِ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الَحَارِثِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ لَهُمَا:
كَانَ عَلِيَّ مُسَلِّمَا فِي شَأْنِهَا. [فتح: ٤٣٥/٧]

٢٧٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٤١٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ رُومَانَ - وَهْيَ أُمُّ عَائِشَةَ
رضي الله عنهما - قَالَتْ: بَيْنَا أَنَّا قَاعِدَةٌ أَنَا وَعَائِشَةُ إِذْ وَلَتِ آَمْرَأَةٌ مِنَ الأَنَّصَارِ
فَقَالَتْ: فَعَلَ اللهُ بِفُلَانٍ وَفَعَلَ. فَقَالَتْ أُمُّ رُومَانَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: ابني فِيمَنْ حَدَّثَ
الَحَدِيثَ. قَالَتْ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ وَجِّ؟
قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرِ؟ قَالَتْ نَعَمْ. فَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلَّ وَعَلَيْهَا
◌ُمَّى بِنَافِضِ، فَطَرَحْتُ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَغَطَّيْتُهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((مَا شَأْنُ هذِه)).
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَتْهَا الْحُمَّى بِنَافِضِ. قَالَ: ((فَلَعَلَّ فِي حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِهِ؟)).
قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَعَدَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: والله لَئِنْ حَلَقْتُ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ قُلْتُ لَا
تَعْذِرُونِي، مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيِهِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:
١٨] قَالَتْ: وَأَنْصَرَفَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. فَأَنْزَلَ اللهُ عُذْرَهَا، قَالَتْ: بِحَمْدِ اللهِ لَا بِحَمْدِ أَحَدٍ
وَلَا بِحَمْدِكَ. [انظر: ٣٣٨٨ - فتح: ٤٣٥/٧]
٤١٤٤ - حَدَّثَنِي يَخْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْن أَبِ مُلَيْكَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ تَقْرَأُ: ﴿ إِذْ تَلَقَوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥] وَتَقُولُ: الوَلْقُ:
الكَذِبُ.
قَالَ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ: وَكَانَتْ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهَا بِذَلِكَ لأَنَّهُ نَزَلَ فِيهَا. [٤٧٥٢ - فتح:
٧/ ٤٣٦]
٤١٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِخُ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّهَ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ◌َ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، قَالَ: ((كَيْفَ بِنَسَبِي؟)). قَالَ:
لأَسَلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّغْرَةُ مِنَ العَجِينِ.
وَقَالَ نُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ فَرْقَدٍ: سَمِعْتُ هِشَامًا، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَبَبْتُ
حَسَّانَ، وَكَانَ مِمَّنْ كَثَّرَ عَلَيْهَا. [انظر: ٣٥٣١ - مسلم: ٢٤٨٧، ٢٤٨٩ - فتح: ٤٣٦/٧]
٤١٤٦ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ،

٢٧٧
كِتَابُ المَغَازِي
=
عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَعِنْدَهَا
حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُنْشِدُهَا شِغْرًا يُشَبِّبُ بِأَنْيَاتٍ لَهُ، وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ .
فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ. قَالَ مَسْرُوقُ: فَقُلْتُ لَهَا: لَمَّ تَأْذَنِي لَهُ أَنْ
يَدْخُلَ عَلَيْكِ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:
١١]. فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ العَمَى. قَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ - أَوْ يُهَاجِي - عَنْ
رَسُولِ اللهِ ◌َله. [٤٧٥٥، ٤٧٥٦ - مسلم: ٢٤٨٨ - فتح: ٤٣٦/٧]
يريد بما ذكر من قوله: بمنزلة كذا: أنهما واحد، وقال ابن فارس:
أفك إذا كذب، إفكًا وأفكته: صرفته، أفكا - يعني بفتح الهمزة والفاء(١)-
وقال الهروي: النجس (٢): كل شيء يستقذر، فإذا قلت: نجس ینجس،
كسرت النون وأسكنت الجيم، قال ابن عديس: على الإتباع. وقيل:
الأول أسوأ الكذب. وعبارة ابن فارس شيء نَجَس، ونَجِس(٣)، مثل
ما في الأصل، وقال ابن عديس في ((باهره)): الأفك بفتح الهمزة
وسكون الفاء، وعلى كسرها مصدر أفك الرجل يأفك إفكًا إذا كذب،
وبكسر الهمزة: الكذب، وبضمهما جمع أَفُوك وهو الكثير الكذب.
ثم ساق البخاري حديث الإفك بطوله، وقد أسلفناه في الشهادات،
ولنذكر هنا ما لم يسبق.
قولها: (فخمرت وجهي بجلبابي) أي: سترته بثوبي.
(١) ((مجمل اللغة)) ٩٩/١ مادة (أفك).
(٢) ورد في هامش الأصل: وفي أصلنا الذي سمعنا فيه على ( ... ) بإعجام الشين
فيهما، وكذا رأيته في أخرى صحيحة وأخرى وبخط بعض مشايخنا أيضًا. وفي
أصل ( ... ) بالإهمال ( ... ) كما حكاه شيخنا.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٨٥٦/٣ مادة (نجس).

٢٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقولها: (ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) أي: الذي أيقظها
به، وما أحسن قول الحسن: كيف نحكم بالرجل يخلو بأمِّه؟ قالوا :
حسنًا، قال: فكذلك كان ينبغي أن يُظنَّ بعائشة وصفوان.
وقولها: (وأهوى حتى أناخ راحلته) أي: أسرع، وأصله: مال
وأخذ، وأهوى إليه إذا مال وأخذ.
وقولها: (وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي سلول) كبر
-بكسر الكاف- أي: معظمه، وعبد الله هذا هو ابن أبي مالك بن
الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم الحبشي بن غنم بن عوف بن
الخزرج، وسلول(١) أم أبيه أمرأة من خزاعة.
وقوله: (وقال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره
ويستمعه ويستوشيه). القَرُّ: صب الكلام في الأذن.
و(يستوشيه): يستدعيه ويستخرجه، قال ابن التين: يقال: هو يشي
حديثه، أي: يكذب فيه وينُّ. وقال ابن عرفة: ولا يقال لمن نمَّ: واشٍ؛
حتى يغير الكلام ويلوِّنه، فيجعله دروبًا، ويزين منه ما يشاء. وقيل:
يستوشي الحديث: يستخرجه بالبحث والمسألة، كما يستوشي الرجل
جري الفرس، وهو ضربه جنبه بعقبه، ويحركه ليجري، يقال: أوشى
فرسه واستوشاه، وقال الداودي: يستوشيه: يزيد فيه على ما قال
غيره، فكأنه سوى بين: وشى واستوشى. وقد سلف شيء من ذلك
في الشهادات أيضًا .
وقوله: (قال عروة: لم يسم من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن
ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم
(١) ورد في هامش الأصل: سلول أمه على الصحيح لا أم أبيه، فاعلمه.

٢٧٩
كِتَابُ المَغَازِي
لي بهم غير أنهم عصبة كما قال تعالى) قال ابن فارس: العصبة: نحو
العشرة(١)، وقال الداودي: هم ما فوق العشرة إلى الأربعين، وقال
بعض أهل اللغة: من العشرة إلى الأربعين، وقيل العصبة: الجماعة.
وقوله: (وإن كبر ذلك يقال: عبد الله بن أبي) تمامه: وإن تولى كبر
ذلك.
وقوله: (قال عروة: وكانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان
وتقول: إنه الذي قال :
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء)
العرض هنا: النفس، وقيل: الحسب، وقال ابن فارس: ويقال:
هو كل موضع يعرق من الجسد، ويقال: العرض: الجلد والريح
الطيبة كانت أو خبيثة (٢). وقيل: الأعراض: سلف الإنسان وقيل:
و نفسه .
و(نقهت): أفقت كما سلف هناك بفتح القاف وكسرها. قال ابن
التين: والفتح قول أهل اللغة، وأما بالكسر، أي: فهم. قلت:
ويقال: نقه نقهًا ونقوهًا إذا صح وهو في عقب علته، أنقهه الله فهو ناقه.
وقولها: (وأمرنا أمر العرب الأول) هو بضم الهمزة وتخفيف الواو،
وبفتح الهمزة وتشديد الواو.
وقوله: (وقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من
فخذه) الفخذ بسكون الخاء و بكسرها دون العنفقة، وفوق البطن.
(١) ((مجمل اللغة)) ٦٧٢/٣ مادة (عصب).
(٢) ((مجمل اللغة)) ٣/ ٦٦٠ مادة (عرض).

٢٨٠
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: (من ثقل القول) الثقل ضد الخف، بكسر الثاء وإسكان
القاف، قاله ابن التين.
فائدة :
ما وقع في ((إكليل الحاكم)) من أن عائشة رضي الله عنها لما رآها
صفوان أتاها ببعيره وأقسم عليها لتركبنَّ فأبت إلا أن تكون ردفه، وأن
عليًّا دخل على رسول الله وَّهِ وقال: إن عائشة جاءت ردف صفوان،
فقال ◌َّ: ((لا تدخلن عليَّ)) فخرجت تبكي، وإن أباها لم يئوها
ولا غيره، فلم تزل تدعو حتى نزلت براءتها. منقطع وضعيف.
أخرى: قال البيهقي: من قال: إن الإفك كان بالمريسيع، إن كان
محفوظًا فيشبه أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر حتى كان بعد
المريسيع، وحديث الإفك؛ لقول سعد: يا رسول الله: أنا أعذرك من
ابن أبي، وذكر ابن منده أن سعدًا مات بالمدينة سنة خمس، وسلف
أن بني المصطلق كانت في شعبان سنة خمس، فكأن سعدًا مات بعد
شعبان من هذه السنة (١).
فائدة أخرى:
قول زينب: (أحمي سمعي وبصري)، هو مأخوذ من الحمى،
تقول: أحميه من المأثم أن يريه ما لم ير قط، يقال: حميت الحمى
أحميه حميًّا، وذكر غير واحد أنه الذي تزوج زينب بنت جحش خلال
ذي القعدة سنة خمس، فكانت غزوة بني المصطلق في السنة من
شعبان كما مرَّ.
وحكى ابن عبد البر: عن أبي عبيدة أنه تزوج منها في سنة ثلاث(٢).
(١) ((دلائل النبوة)) ٤/ ٧٧.
(٢) ((الاستيعاب)) ٤٠٦/٤.