Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كِتَابُ المَغَازِي = أدرك رسول الله ولو فسارّه بذلك فرجع، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء منذ كتب الله رَ على بني إسرائيل الجلاء فذلك إجلاؤهم(١). قال عبد بن حميد: حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه، عن عكرمة أنه وَلّ غدا يومًا إلى بني النضير ليسألهم كيف الدية فيهم فلم يروا معه أحدًا فائتمروا بقتله فذكر الحديث، ولأبي نعيم: عزم اليهود على ما هموا به، فقال لهم كنانة بن صوريا: قد أخبره الله بما هممتم به من الغدر والله إنه لرسول الله فلا تخدعوا أنفسكم (٢). فائدة : قوله: (﴿لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾) قيل: هو أول حشر إلى الشام يحشر إليها يوم القيامة. قاله الأزهري(٣). وقال القتبي: الحشر: الجلاء، وذلك أن بني النضير أول من أخرج من ديارهم. قال ابن التين: (ومخرجه مَثّر .. إلى آخره) لم يأت به في الحديث؛ لأنه مشهور عند غيره وليس فيه حديث ذو إسناد وقد أسلفته لك. ثم ذكر البخاري في الباب سبعة أحاديث: أحدها : حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ حَارَبَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ، فَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وسبى نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ بَِّ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى يَهُودَ المَدِينَةِ (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٥٨/٥. (٢) ((دلائل النبوة)) ص ٤٩٢. (٣) ((تهذيب اللغة)) ١/ ٨٢٧. ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِ المَدِينَةِ. (قَيْنُقَاع): نونه مثلثه كما سلف، وسلام مخفف اللام. ثانيها : حديث أبي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ. قَالَ: قُلْ: سُورَةُ الَّضِيرِ . (تَابَعَهُ هُشَيْمٌ) هُذِه المتابعة أسلفها في التفسير من حديث سعيد بن سليمان عنه(١). قال الداودي إنما أنفي أن يكون الحشر يوم القيامة أو غيره فكره النسب إلى غير معلوم. ثالثها : حديث أَنَسِ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ وَِّ النَّخَلَاتِ حَتَّى اُفْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. رابعها : حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ - وَهْيَ البُوَيْرَةُ- فَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. قال أهل التأويل: وقع في [قلب](٢) نفر من المسلمين من قول اليهود: قد كنت تنهى عن الفساد فما هذا الفساد؟ شيء حتى أنزل الله ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن لِِّنَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾. واللِينَة: ألوان التمر ما عدا العجوة والبرني، وأصل لينة لونة، فقلبت الواو لانكسار ما قبلها، وقيل: إنها العجوة. حكاه الداودي. (١) سيأتي برقم (٤٨٨٢). (٢) زيادة يقتضيها السياق. ١٢٣ كِتَابُ المَغَازِي وفيه: أنه لم يحرق من نخلهم شيئا إلا ما ليس بقوت للناس وكانوا يقتاتون العجوة، وفي الحديث: ((العجوة من الجنة)) (١). وثمرها يغدو أحسن غذاء، والبرني أيضا كذلك. وفي ((معاني الفراء)) من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أمر رسول الله وعليه بقطع النخل كله إلا العجوة ذلك اليوم(٢). ففي قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾ تنبيه على كراهة قطع ما يقتات به ويغذو من شجر العدو إذا رجي أن يصير للمسلمين، وقد كان الصديق يوصي الجيوش: لا تقطعوا شجرا مثمرًا(٣)، وأخذ بذلك الأوزاعي(٤) فإما تأولوا الحديث، وإما خصوه بالشارع، وقد سلف إيضاح ذلك في موضعه، ولم يختلفوا أن سورة الحشر نزلت في بني النضير ولا أختلفوا أموالهم لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب ولكن قذف الرعب في قلوبهم فجلوا عن منازلهم إلى خيبر، ولم يكن ذلك عن قتال من المسلمين لهم، فقسمها بين المهاجرين دون الأنصار؛ ليدفع بذلك مؤنتهم عن الأنصار إذا كانوا قد ساوَوْهم في الأموال والديار، وأعطى رجلين من الأنصار محتاجين كما ذكره في ((الإكليل)): سهل بن حنيف وأبا دجانة، وأعطى سيف بن أبي الحقيق سعد بن معاذ، وكان سيفا له ذكر عندهم، وذكر أبو بكر البلاذري في ((فتوحه)) أن قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] نزلت فيهم، وقال الصديق: جزاكم الله (١) رواه الترمذي (٢٠٦٦)، وابن ماجه (٣٤٥٥) من حديث أبي هريرة. (٢) ((معاني القرآن)) ١٤٤/٣. (٣) أنظر: ((تاريخ الطبري)) ٢٤٦/٢. (٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٣/٣. ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يا معشر الأنصار خيرًا، فوالله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال الغنوي (١): بنا نعلنا في الواطئین فزلت جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت تلاقي الذي لاقوه منا لملت (٢) أبوا أن يملونا ولو أن أمنا وفي ((تفسير الضحاك)): أمر ◌َّله بضيفة من النخل يقال له البرني، وكانت النخلة فيها ( ... )(٣) إليهم من وضيف أو وضيفة، وكان تمر ذلك الصنف أصفر وحجمه صغير، فقطع منها ست نخلات، وعند مقاتل: وكان الناس تطيب فيه إذا تصنع. الحديث الخامس: حديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ لَله حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ: وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيِّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ قَالَ: فَأَجَابَهُ أبو سفيان بْنُ الحَارِثِ: وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ سَتَعْلَمُ أَيُّنَا مِنْهَا بِنُزْهِ هُذِه رواية البخاري: وقال أبو عمرو الشيباني وغيره: أن أبا سفيان بن الحارث قال: يعز على سراة بني لؤي .. البيت، ويروى: بالوبیلة . وذكر ابن سعد أنه وَالّ أعطى الزبير بن العوام، وأبا سلمة البويرة من أرضهم (٤) فأجابه حسان: (١) ورد بهامش الأصل: قال الشافعي: وأخبرني بعض أهل العلم أن أبا بكر الصديق قال: ما وجدت أنا لهذا الحي من الأنصار مثلًا إلا ما قال طفيل الغنوي، فذكر بيتين من شعره من هذا تسمية الغنوي، والله أعلم. (٢) ((فتوح البلدان)) ص٣١. (٤) ((الطبقات الكبرى)) ٥٨/٢. (٣) غير واضحة بالأصل. ١٢٥ - كِتَابُ المَغَازِي وضرم في طوائفها السعير أدام الله ذلكم حريقا فهم عمي عن التوراة بور هم أوتوا الكتاب فضيعوه وهُذِه أشبه بالصواب من الرواية الأولى كما قاله بعض شيوخنا(١). و(الْبُوَيْرَةُ): بضم الباء تصغير فعدله، وهي حذو الثبرة من تيماء، قال أبو عبيد: تسير من المدينة منازل إليها و(قول حسان: لهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ) لأن قريشًا الذين حملوا كعب بن أسد القرظي صاحب عقد لبني قريظة على نقض العهد بينه وبين رسول الله وَل حتى خرج معهم في الخندق. وقوله: (بنزه) أي: ببعد، قال ابن التين: وهو بفتح النون وضبط في بعض النسخ بضمها . وقوله: (نضِير)، أي: نضر و(الضير): المضرة. الحدیث السادس : حديث الزُّهْرِيِّ عن مَالِك بْن أَوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ دَعَاهُ إِذْ جَاءَهُ حَاجِبُهُ يَرْفًا .. الحديث سلف في باب فرض الخمس (٢) زاد هنا في آخره قال: فحدثت بهذا الحديث عروة بن الزبير فقال: صدق مالك بن أوس أنا سمعت عائشة تذكر حديث: ((لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ . .)) فكانت هُذِه الصدقة بيد علي منعها علي عباسًا فغلبه عليها، ثم كان بيد الحسن، ثم بيد الحسين، وحسن بن حسن، كلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقة رسول الله وَّةٍ حقًّا، والنصريُّ، ثم بيد علي بن الحسين بالنون. (١) في هامش الأصل: بعض شيوخه هو الإمام الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في (سيرته)) وقد أجازه - كما ذكره المؤلف لي- وما أظنه سمع منه شيئًا. (٢) سلف برقم (٣٠٩٤). ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقول عمر: (أنشدكم بالله) أي: أسألكم، وقال الداودي: أذكركم الله وأخوفكم أن قولوا الحق. وقوله: ( (لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) ) يريد الأنبياء، وقد جاء مصرحًا به كذلك، وقد سلف هناك؛ وعورض بقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُودٌ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله: في زكريا ﴿يَرِثُبِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبِّ﴾ [مريم: ٦]. والجواب: إنما ورث العلم والنبوة، يوضحه أنه لو كان المراد المال كان زكريا أحق بالميراث من آل يعقوب، وكيف يرث ما قد ورثه أبوه عن ( ... )(١) فالسنة مفسرة للقرآن. وقوله لعلي وعباس: (هل تعلمان أن رسول الله وَ ل قال ذلك)، يعني: لا نورث. قالا: نعم. وقوله بعد: (ثم جئتماني) أي: يسألان الميراث؛ لا يعدو أحد منعه هل تعلمان ذلك إنهما قد أخبرا ذلك عنه، فعلما بالخبر، أو يكونا سألاه الميراث فذكرا شيئا سمعا من رسول الله والفر فذكراه؛ قاله الداودي. وقوله: (فاستب علي والعباس) ليس من الشتم الذي يفعله رعاع الناس وغوغاؤهم، ولعله ذكر تخلفه عن الهجرة(٢) ونحو ذلك. (١) كلمة غير واضحة بالأصل. (٢) ورد بهامش الأصل: العباس قال له مقالة هي مذكورة في ((صحيح مسلم)) وبعضها في البخاري، وحملها ... على محمل حسن حسن فانظره في ((شرح مسلم) للنووي. قلت: في ((مسلم)): فقال عباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن برقم (١٧٥٧)، قال النووي في ((شرحه)) ١٢/ ٧٢: قال جماعة من العلماء: معناه: هذا الكاذب إن لم ينصف، فحذف الجواب. وقال القاضي عياض: قال المازري: هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس، وحاش لعلي أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف، فضلًا عن كلها، ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي = ١٢٧ كِتَابُ المَغَازِي وقوله: (إنما يأكل في هذا المال) أي: يعطون منه ما يكفيهم ليس على وجه الميراث. الحديث السابع: حديث عائشة رضي الله عنها، بمثله. والإيجاف في الآية المذكورة وفي الحديث قبله سرعة السير كالعنق، وقال الداودي: هو السفر والركاب: الإبل. قال: وفي أخذه لأهل السنة دلالة على فضل الكفاف. قيل: وفيه: إيجاب النفقات للزوجات، وإباحة أخذ القوت. وقول أبي بكر: (أنا ولي رسول الله وَليّ) يعني: خليفته على أمته. ومعنى: (غلبه عليها) ليس غلبة قهر، فلعل عليًّا سأله ذلك؛ لأنه أقوى على ذلك منه، وما كان لينكر فضل العباس. وفيه: خروج عن الظاهر، إلا أنه أليق بالحمل عليهم. = ◌َ* ولمن شهد له بها، لكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ونفي كل رذيلة عنهم، وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها، قال: وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته تورعًا عن إثبات مثل هذا، ولعله حمل الوهم على رواته، قال المازري: وإذا كان هذا اللفظ لا بد من إثباته ولم نضف الوهم إلى رواته فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه لأنه بمنزلة ابنه وقال ما لا يعتقده، وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد، وأن عليًّا كان لا يراها إلا موجبة لذلك في اعتقاده ... ولا بد من هذا التأويل لأن هذه القضية جرت في مجلس عمر رضي الله عنه وهو الخليفة وعثمان وسعد وزبير وعبد الرحمن رضي الله عنهم، ولم يذكر أحد منهم هذا الكلام مع تشددهم في إنكار المنكر، وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر. اهـ ١٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٥ - باب قَتْلُ كَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ ٤٠٣٧ - حَدَّثَنَا عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرُو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذىُ اللهَ وَرَسُولَهُ)). فَقَامَ نُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَيُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ)). قَالَ: فَأُذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ: (قُلْ)). فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: إِنَّ هذا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّنَا، وَإِنْ قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ. قَالَ: وَأَيْضًا والله لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ آَتَبَعْنَاهُ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقَا، أَوْ وَسْقَيْنِ - وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَذْكُرُ: وَسْقًّا أَوْ وَسْقَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فِيهِ وَسْقَا أَوْ وَسْقَيْنِ؟ فَقَالَ: أُرِىُ فِيهِ وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ - فَقَالَ: نَعَمِ أَزْهَنُونِي. قَالُوا: أَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَزْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَزْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَزْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ. هذا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَأَمَةَ - قَالَ سُفْيَانُ: يَغْنِي السِّلَاحَ - فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلاً وَمَعَهُ أَبُو نَائِلَةَ وَهْوَ أَخُو گَغْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الِحِصْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ أَمْرَأَتُهُ: أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِه السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ نُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَأَخِي أَبُو نَائِلَةَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو: قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ. قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي نُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ - إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْتَةِ بِلَيْلٍ لِأَجَابَ. قَالَ: وَيُدْخِلُ نُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً مَعَهُ رَجُلَيْنِ - قِيلَ لِسُفْيَانَ: سَمَّاهُمْ عَمْرُو؟ قَالَ: سَمَّى بَعْضَهُمْ. قَالَ عَمْرُو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ. وَقَالَ غَيْرُ عَمْرِو: أَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْرِ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ. قَالَ عَمْرٌو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ - فَقَالَ: إِذَا مَا جَاءَ فَإِّ قَائِلٌ بِشَعَرِهِ فَأَشَمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أَسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ. وَقَالَ مَرَّةً: ثُمَّ أُشِمُّكُمْ. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشّحًا وَهُوَ يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ رِيحًا - أَيْ: أَطْيَبَ - وَقَالَ غَيْرُ عَمْرِو: قَالَ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ وَأَكْمَلُ العَرَبِ. قَالَ عَمْرٌو: فَقَالَ: ١٢٩ كِتَابُ المَغَازِي أَتَأْذَنُ لي أَنْ أَشَمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَشَمَّهُ، ثُمَّ أَشَمَّ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا أَسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ. فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ ◌َ فَأَخْبَرُوهُ. [انظر: ٢٥١٠ - مسلم: ١٨٠١ - فتح: ٣٣٦/٧] ذكر فيه حديث جَابِرٍ﴾: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ: ((مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَهُ)). فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قَالَ: فَأُذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا. قَالَ: ((قُلْ)). فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ .. الحديث بطوله. قال ابن سعد: كانت لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مهاجره(١) قبل أحد بسبعة أشهر. قال ابن إسحاق: وكان من حديثه أنه لما أصيب أصحاب القليب، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بَشِيَرينِ بالفتح، قال كعب -وكان رجلًا من طيء ثم أحد بني نبهان وكانت أمه من بني النضير - : أحق هذا؟ ترون محمدًا قتل هؤلاء وهم الأشراف والملوك، والله إن كان محمدًا أصاب هؤلاء فبطن الأرض خير من ظهرها، فلما أيقن عدو الله الخبر، خرج حتى قدم بمكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس عرض على رسول الله وَلّ وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب(٢)، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المدينة حتى آذاهم(٣) . قال: وفي رواية يونس ذكر أم الفضل زوج العباس: (١) ((الطبقات الكبرى)) ٣١/٢. (٢) ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٤٣٠ -٤٣١. (٣) المصدر السابق ٤٣٦/٢. ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أراحل أنت لم تظفر بمنقبة وتارك أنت أم الفضل في الحرم وذكر ابن عائذ من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: ثم انبعث عدو الله يهجو رسول الله وَالر والمؤمنين ويمدح عدوهم ويحرضهم عليهم فلم يرض بذلك حتى ركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله وَل#، فقال له أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي ديننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ فقال: أنتم أهدى منهم سبيلا وأفضل. وفيه: فقال الَّ: ((من لنا من ابن الأشرف فقد أستعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله ثَّك بذلك، ثم قدم أخبث ما كان ينتظر قريشا تقدم عليه فيقاتلنا)) ثم قرأ على المسلمين ما أنزل الله عليه فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ ... ﴾ [النساء: ٥١] الآية، وخمس آيات فيه وفي قريش. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة: ((من لي من ابن الأشرف فقد آذى الله ورسوله)) فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال: ((فافعل)) فأشرع في قتله هو وسلكان بن سلامة بن وقش، أبو نائلة(١)، قال أبو عمر: أسمه سعد، وسلكان لقب، وكان أخًا لكعب من الرضاعة(٢)، وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الأشهل والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبر ابن أخي سعد بن معاذ. قلت: وهؤلاء الخمسة من الأوس، ثم قدموا على عدو الله كعب بن (١) المصدر السابق ٤٣٦/٢ - ٤٣٧. (٢) ((الاستيعاب)) ٣٢٩/٤. ١٣١ = كِتَابُ المَغَازِي الأشرف، فذكروا قتله وأخبروا رسول الله وَ له بذلك آخر الليل وهو قائم يصلي، وأن أبا نائلة شمه ثم عاد ثم أخذ بقود رأسه وقال: أضربوا عدو الله فضربوه، وذكر عباد بن بشر في ذلك شعرًا عشر أبيات آخرها : جاء برأسه نفر كرام هم ناهيك من صدق وبرِّ وقيل: إنه أول رأس حمل في الإسلام، حكاه صاحب ((شرف المصطفى)). قال غيره: أول رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق(١)، أو رأس أبي عزة الجمحي، الذي قال له القفيها: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين))(٢)، وقد سلف حمل رأس أبي جهل. وروى الحاكم عن عروة أنه التقليفي قال: لمحمد بن مسلمة: ((لا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ)) فقال له سعد: أعمد إليه واذكر له الحاجة وسله أن يسلفك طعامًا. قال: وفيه نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١] الآية. وقد سلف . وروى عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن سعد بن معاذ: لما سمعت الصوت -يعني في قتله- أردت أن أسبقهم إلى رسول الله وَ ل فأبشره، ثم كرهت ذلك حتى يكونوا هم الذين يبشرونه، وكانت تحت كعب بن الأشرف ابنة عمير، وزعم الجاحظ أنه كان أيضًا لکعب صنمًا . (١) قاله ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٢٥/٦. (٢) رواه البيهقي في ((السنن)) ٦/ ٢٣٠ من حديث أبي هريرة، وقال: هذا إسناد فيه ضعف، وهو مشهور عند أهل المغازي، وأصل الحديث سيأتي (٦١٣٣) كتاب: الأدب، باب: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ورواه مسلم (٢٩٩٨) بدون ذكر القصة. ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قيل: وفيه - كما قال السهيلي - : وجوب قتل من سب الشارع، وإن كان ذا عهد خلافًا لأبي حنيفة، فإنه لا يرى قتل الذمي في مثل هذا(١). قال أصحاب مالك: ولا يستتاب؛ لأن ذمته أنتقضت. فصل : قد سلف طرف من هذا الحديث في الجهاد في باب الكذب في الحرب، وفي باب الفتك بأهل الحرب. وقوله هنا: (إنا محمدًا عنَّانا) أي: خلفنا المشقة. وفيه: جواز الكذب في الحرب والخدعة، قال: فإن القول والتقول: الكذب ونقل الكلام، وهو مباح في الحرب. وفيه: أن يقال عند ذلك للكافر في النبي ◌ُّ ما يرضيه ما لم يكن في ذلك شتم رسول الله وَير، والحمل على ذلك ما في قتل هذا الملعون من الصلاح التام للإسلام. وقوله: (فأتاه محمد بن مسلمة وقال: إن هذا الرجل سألنا صدقة، وإنه قد عنانا) كذا هنا، والذي قاله أكثر الرواة وأهل السير كما نبه عليه الدمياطي أن الذي تحدث معه إنما هو أبو نائلة، وكان يدعه في الجاهلية فيركن إليه ونزل من الربض وكان معه جماعة كما سلف. والوسق بفتح الواو وكسرها ستون صاعًا، والصاع: خمسة أرطال وثلث، قيل: بالماء، وقيل: بالوسط من القمح حكاهما ابن التين. واختلف مما أشتق، فقال شمر: كل شيء حملته فقد وسقته، ويقال: لا أفعل كذا ما وسقت عيني الماء أي: حملته. وقال غيره: هو ضحك السماء بعضها إلى بعض، منه: ﴿وَأَلَيْلِ وَمَا وَسَقَ (١) ((الروض الأنف)) ١٤٥/٣. ١٣٣ كِتَابُ المَغَازِي = [الانشقاق: ١٧] وقوله: (كيف نَرهنك نساءنا) هو بفتح النون؛ لأنه من رهن، وفيه لغة أرهن، وكان يشبب بنساء المسلمين، كما سلف، واللأمة مهموزة، وقد فسرها سفيان بالسلاح، وعبارة القتبي: اللأمة: الدرع، وجمعها لؤم على غير قياس(١)، وكذا قال ابن فارس أيضًا(٢). (١) أنظر: ((أدب الكاتب)) ص٨٤. (٢) ((مجمل اللغة)) ٨٠٠/٢ مادة: (لام). ١٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٦ - باب قَتْلُ أَبِي رَافِعٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الحُقَيْقِ وَيُقَالُ: سَلَّامُ بْنُ أَبِي الحُقَيْقِ كَانَ بِخَيْبَرَ، وَيُقَالُ: فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الحِجَازِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ بَعْدَ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ. ٤٠٣٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِ إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَ رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكِ بَيْتَهُ لَيْلاً وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ. [انظر: ٣٠٢٢ - فتح: ٧ / ٣٤٠] ٤٠٣٩ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ◌ََّ إِلَى أَبِي رَافِعِ الَّهُودِيِّ رِجَالاً مِنَ الأَنَّصَارِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكِ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللهِ وَ هُ وَيُعِينُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الِحِجَازِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُ - وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ - فَقَالَ عَبْدُ اللهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِّ مُنْطَلِقٌ وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ البَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ البَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلْ، فَإِّ أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ البَابَ. فَدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فَلَمَّ دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ البَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الأَغَالِيقَ عَلَى وَتِدٍ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَى الأَقَالِيدِ فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ البَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِع يُسْمَرُ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِي عَلَالِيَّ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، قُلْتُ إِنِ القَوْمُ نَذِرُوا بِ لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ. فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتِ مُظْلِمٍ وَسْطَ عِيَالِهِ، لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ البَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: مَنْ هذا؟ فَأَهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَّا دَهِشْ، فَمَا أَغْنَيْتُ شَيْئًا، وَصَاحَ فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَأَمْكُثُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هذا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ؟ فَقَالَ: لَأُمِّكَ الوَيْلُ، إِنَّ رَجُلاً فِي البَيْتِ ١٣٥ كِتَابُ المَغَازِي = ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ. قَالَ: فَأَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أَنْخَنَتْهُ وَلَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ظُبَةَ الشَّيْفِ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنّ قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفْتَحُ الأَوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى آنْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَّا أُرِى أَنِي قَدِ آَنْتَهَيْتُ إِلَى الأَرْضِ، فَوَقَعْتُ في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةِ، ثُمَّ أَنْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى البَابِ فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقَتَلْتُهُ، فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِع تَاجِرَ أَهْلِ الِحِجَازِ. فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَّجَاءَ، فَقَدْ قَتَلَ اللهُ أَبَا رَافِعٍ. فَنْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ بَيِّ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: ((ابْسُطْ رِجْلَكَ)). فَبَسَطْتُ رِجْلِي، فَمَسَّحَهَا، فَكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطَّ. [انظر: ٣٠٢٢ - فتح: ٧ / ٣٤٠] ٤٠٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ - هُوَ ابن مَسْلَمَةَ - حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ◌َ﴾ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّ إِلَى أَبِي رَافِعِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَتِيكِ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْبَةَ فِي نَاسٍ مَعَهُمْ، فَانْطَلَّقُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ الِحِضْنِ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكِ: أَمْكُثُوا أَنْتُمْ حَتَّى أَنْطَلِقَ أَنَا فَأَنْظُرَ. قَالَ: فَتَلَطَّفْتُ أَنْ أَدْخُلَ الِحِصْنَ، فَفَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ. قَالَ: فَخَرَجُوا بِقَبَسٍ يَطْلُبُونَهُ. قَالَ: فَخَشِيتُ أَنْ أُعْرَفَ. قَالَ: فَغَطَّيْتُ رَأْسِي كَأَنَّ أَقْضِي حَاجَةً، ثُمَّ نَادى صَاحِبُ البَابٍ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيَدْخُلْ قَبْلَ أَنْ أُغْلِقَهُ. فَدَخَلْتُ ثُمَّ أَخْتَبَأْتُ فِي مَرْبِطِ حِمَارٍ عِنْدَ بَابِ الِحِصْنِ، فَتَعَشَّوْا عِنْدَ أَبِ رَافِعٍ وَتَحَدَّثُوا حَتَّى ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَلَمَّا هَدَأَتِ الأَصْوَاتُ وَلَا أَسْمَعُ حَرَكَةً خَرَجْتُ. قَالَ: وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْبَابِ حَيْثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الِحِصْنِ فِي كَوَّةٍ فَأَخَذْتُهُ فَفَتَحْتُ بِهِ بَابَ الِحِصْنِ. قَالَ: قُلْتُ إِنْ نَذِرَ بِيِ القَوْمُ أَنْطَلَقْتُ عَلَى مَهَلٍ، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى أَبْوَابٍ بُيُوتِهِمْ فَغَلَّقْتُهَا عَلَيْهِمْ مِنْ ظَاهِرٍ، ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى أَبِي رَافِعٍ فِي سُلَّم، فَإِذَا البَيْتُ مُظْلِمٌ قَدْ طَفِئَ سِرَاجُهُ، فَلَمْ أَدْرِ أَيِّنَ الرَّجُلُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: فَعَمَدْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ فَأَضْرِبُهُ، وَصَاحَ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ كَأَنِّ أُغِيثُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَبَا رَافِعِ؟ وَغَرْتُ صَوْتٍ. فَقَالَ: أَلَا أُعْجِبُكَ لأُمِّكَ الوَيْلُ؟! دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَضَرَبَنِي بِالشَّيْفِ. قَالَ: فَعَمَدْتُ لَهُ أَيْضًا فَأَضْرِبُهُ أُخْرِىُ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَصَاحَ وَقَامَ أَهْلُهُ، ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ وَغَرْتُ صَوْتٍِ كَهَيْئَةِ المُغِيثِ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأَضَعُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ أَنْكَفِئُ عَلَيْهِ حَتَى سَمِعْتُ صَوْتَ العَظْمِ، ثُمَّ خَرَجْتُ دَهِشًا حَتَّى أَتَيْتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أَنْ أَنْزِلَ، فَأَسْقُطُ مِنْهُ فَانْخَلَعَتْ رِجْلِي فَعَصَبْتُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ أَصْحَابِي أَحْجُلُ فَقُلْتُ: أَنْطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَإِّ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ صَعِدَ النَّاعِيَّةُ فَقَالَ: أَنْعَى أَبَا رَافِعٍ. قَالَ: فَقُمْتُ أَمْشِي مَا بِي قَلَبَةٌ، فَأَذْرَكْتُ أَصْحَابِي قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا النَّبِيَّ وَِّ فَبَشَّرْتُهُ. [انظر: ٣٠٢٢ - فتح: ٣٤١/٧] ثم ذكر فيه من حديث ابن أَبِي زَائِدَةَ - وهو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني زكريا - الأعمى، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَِّ رَهْطَا إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلاً وَهْوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ. ثم أخرجه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، ومن حديث إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن البراء، وقد سلف في الجهاد في باب قتل النائم المشرك، من الطريق الأول مطولًا ومختصرًا، وأسلفنا ثمَّ الاختلاف في وقتها . ومعنى (تقنع) بثوبه: تغطی. وعبد الله بن عتيك: هو ابن قيس بن الأسود بن مري بن كعب بن غنم، أخي كعب ابني سلمة، وبنو غنم بن سلمة حلفاء بني أخيه كعب بن سلمة . قوله: (ثم علق الأعاليق على ود) الأعاليق: بالعين المهملة: جمع أعليق وهو المصباح، ومعنى علقها: علق المصباح، كذا للأصيلي، وعلق وأعلق سواء. ولأبي ذر: الأغاليق بالمعجمة والصواب بالمهملة، وهو بالمعجمة ما يغلق به الباب، وكذا المغلوق بالضم. ١٣٧ كِتَابُ المَغَازِي = والود: الوتد، والأقاليد: المفاتيح بلغة أهل اليمن، واحدها إقليد، والمقلد مفتاح كالمنخل وما تقلد به الكلا . وقوله: (وكان أبو رافع يسمر عنده) أي: يتحدث. وقوله: (في علالي له) يريد: في علو، وهو جمع علية، وهي الغرفة . وقوله: (نذروا إلي) أصل الإنذار: الإعلام بالشيء الذي يحذر منه، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذرًا، ويقال: أنذرته فنذر، أي: أعلمته فعلم. وقوله: (فأهويت نحو الصوت) أي: أتيت نحوه. وقوله: (ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه) قال الخطابي: كذا هو ضبيب وما أراه محفوظًا، وإنما هو ظبة السيف، وهو حد حرف السيف في طرفه، ويجمع على الظبات والظبين، وأما الضبيب فلا أدري له معنى يصح في هذا، وإنما هو من سيلان الدم من الفم، يقال: ضبَّت لثته ضبيبًا(١)، وقال القاضي عياض: هو بالصاد المهملة لأبي ذر وكذا للحربي، وقال: أظنه طرفه، ورواية أبي زيد والنسفي بالضاد المعجمة وحرف طرف السيف وقال القابسي: المعروف فيه ضبة. وقوله: (فقال: أنعي أبا رافع) كذا هو ثابت. وقال ابن التين: قوله: أنعي أبا رافع، أي: أنعوه، قال: وهي لغة، ذكره الداودي وهو خبر الموت وكذا الناعي يقال له: نعى فلان ويقال نعي فلان -أي: أنعه وأنعاه- اُستعمل خبرًا وأمرًا. قوله: (فلما هدأت الأصوات) كذا هو بالهمزة، وذكره ابن التين (١) ((أعلام الحديث)) ١٧١٥/٣. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد بغير همز، ثم قال: صوابه الهمز. (هدأت): سكنت ونام الناس. وقوله قبله: (بعث رسول الله وَ﴾ إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم) كذا وقع (عبد الله بن عتبة) وصوابه: وعبد الله بن أنيس كما أسلفناه في الجهاد. قوله: (ثم أنكفأ عليه) أي: أنقلب. وقوله: (أتيت أصحابي أحجل) الحجل: أن يرفع رجلًا ويقف على الأخرى من الفرح وقد يكون بالرجلين جميعًا إلا أنه قفز وليس بشيء، قال الليث: الحجل مشي المقيد، وقال ابن فارس: حجل في مشيته إذا تبختر، قال: قال قوم: حجل في مشيته إذا مشى مشية المقيد يقارب خطوه (١) مثل ما قدمناه عن الليث. قوله: (وما به قلبة) هو بفتح القاف واللام أي: ما به علة يقلب لها فينظر إليه، قاله ابن فارس(٢). وقال الداودي: أصل هذِه اللفظة داء يعتري الإبل يقال له: القلب فإذا ذهب عن البعير قيل: ما به قلبة. وصار ذلك يقال لكل من برأ من علة ولا علة به، وقال ابن فارس: القلاب يأخذ البعير والإنسان يشتكي قلبه(٣)، وقد سلف أوضح من ذلك في الجهاد. واعلم أن في الرواية الأولى أنه ضربه ضربة، ثم ضربه، ثم وضع السيف في بطنه وكذا في الثانية، وكذا سلف هناك في الجهاد، ولا تنافي خلاف ما أدعاه ابن التين أن في الرواية الأولى: ضربه ضربتين. وفي (١) ((مجمل اللغة)) ٢٦٥/١. (٢) المصدر السابق ٧٣٠/٢. (٣) المصدر السابق ٣٠/٢. ١٣٩ = كِتَابُ المَغَازِي حديثه الثاني ثلاثًا وقد يسقط بعض الضربة في بعض الروايات. قال: والزيادة من الثقات مقبولة. وقوله في الأولى: (فانكسرت ساقي) وفي الأخرى: (فانخلعت رجلي) قال الداودي: وهذا اختلاف وقد يتجاوز أن يعبر عن أحدهما بالآخر؛ لأن الخلع هو زوال المفاصل من غير بينونة. وقوله: (فمسحها فكأنما لم أشتكها قط) وقال في الرواية الثانية: (فلما سمعت الناعية قمت أمشي وما بي قلبة) قال الداودي: إن كان هذا محفوظًا فببركة دعائه الشّهر، ولعله دعا لهم حين أرسلهم. وقوله: (ثم علق الأعاليق على ود) وقال في الثانية: (ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة). وقوله في الأول أنه لما سمع الناعية أنطلق إلى أصحابه فقال: (النجاء) فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى رسول الله وَطفي فحدثته. وقال في الثاني: (إنه خرج يحجل فقال: انطلقوا فبشروا رسول الله وَيه فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية) إلا أن يراد في الأولى أنه أنطلق إلى أصحابه أي: أدرکھم یسیرون، وفيه بعد. ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٧ - باب غَزْوَةِ أُحُدٍ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] وَقَوْلِهِ: (وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (19)﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَّكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ الآيتين، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ [آل عمران: ١٦٩]. [فتح: ٧ /٣٤٥] أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٤٠٤١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ يَوْمَ أُحُدٍ: ((هذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الَرْبٍ)). [انظر: ٣٩٩٥ - فتح: ٣٤٨/٧] ٤٠٤٢ - حَذَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابن المُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيِ الَخَبِرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَانِيٍ سِنِينَ، كَالْمَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالأَمَوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ اِنْبَرَ فَقَالَ: (إِّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، وَإِّ لأَنَّظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذا، وَإِّ لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا)). قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ الله. [انظر: ١٣٤٤ - مسلم: ٢٢٩٦ - فتح: ٣٤٨/٧] ٤٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ قَالَ لَقِيْنَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وَأَجْلَسَ النَّبِيُّ جَيْشًا مِنَ الزُّمَاةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الله وَقَالَ: ((لَا تَبْرَحُوا، إِنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا تَبْرَحُوا، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فَلَا تُعِينُونَ)». فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِذْنَ فِي الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فَأَخَذُوا يَقُولُونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ. فَقَالَ عَبْدُ الله: عَهِدَ إِلَّ