Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنصَارِ = كاد لا يتعدى إلى مفعولين، وإن قيل: (يكادان به) بالياء فتسقط النون بعد عامل. قلت: وعليه أقتصر الخطابي حيث قال: (يكتادان به) هو من الكيد، أخرجه على وجه الافتعال. والمنحة: الشاة ذات اللبن يمنحها الرجل صاحبه يشرب لبنها، وترد رقبتها(١) قال ابن فارس: والمنحة والمنيحة منحة اللبن، والمنحة الناقة أو الشاة يعطي لبنها(٢)، وقيل: هذا أصل المنحة ثم جعلت كل عطية منحة . وقوله: (فيبيتان في رسل) هو بكسر الراء اللبن، ولذلك قال: (وهو لين منحتهما ورضيفهما). والرضيف: أن تحمى الحجارة فتلقى في اللبن الحليب فتذهب وخامته وثقله، والجمع رضف، وشواء مرضوف أي: مشوي على الرضف، وقيل: هو اللبن يحسى به السقاء يعني خائرًا(٣) ثم يصب في القدح، وقد سخنت له الرضافة فتوضع الرضفة المحماة فتكسر من برده(٤)، وروي: صريفها، والصريف اللبن ساعة يحلب(٥). وقوله: (حتى ينعق بها عامر بن فهيرة) أي: يصيح، و(الغلس): ظلام آخر الليل. وقوله: (واستأجر رسول الله وَ له وأبو بكر رجلًا من بني الديل) هو عبد الله بن أريقط، وكان كافرًا، وقال موسى بن عقبة: أريقط وقيل : عبد الله بن أريقد. (١) ((أعلام الحديث)) ١٦٩١/٣. (٢) ((مجمل اللغة)) ٨١٧/٢. (٣) في ((الصحاح)) ٦٤٢/٢، مادة (خثر): الخثورة نقيض الرقة، يقال خثَر اللبن يختُر. (٤) قاله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) ١٤١٩/٢ مادة (رضف). (٥) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٥/٣ مادة (صرف). ٥٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قوله: (والخريت الماهر بالهداية) قيل: هو مأخوذ من خرات الإبرة، كأنه يهتدي بمثل خرتها ذكره الخطابي(١)، وقال ابن فارس: سمي بذلك لشقه المفازة، وحكى الكسائي خرتنا الأرض: إذا عرفناها، ولم تخف علينا طرقها(٢). وقوله في الرجل من بني الديل: (وهو من بني عبد بن عدي)، ثم قال: (قد غمس حلفًا في آل العاصي ابن وائل السهمي) وفي رواية: غمس يمين حلف(٣)، يريد أنه كان حليفًا لهم، وكانوا إذا تحالفوا غمسوا أيديهم في دم أو خلوق أو نحوهما من شيء فيه تلوين فيكون تأكيدًا للحلف. والحلف: بفتح الحاء وكسر اللام مصدر حلفت، وتسكين اللام: العهد بين القوم. وقوله: (فأمناه) أي: ائتمناه كقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. [البقرة: ٢٨٣]. فصل : قوله: (رأيت آنفًا أسودة) أي: شخوصًا. والأكمة: الكدية. وقوله في فرسه: (فرفعتها تقرب) من التقريب ودون الحُضْر، وفوق سير العادة. قال ابن فارس: وهما تقريبان أدنى وأعلى (٤). وقوله: (ساخت يدا فرسي في الأرض) يعني: دخلت كما يدخل في الماء والطين والتراب غير أن الأرض عليها شديدة. وقوله: (فلم يرْزآني) أي: لم يأخذا مني شيئًا، ولم ينقصاه. ((أعلام الحديث)) ١٦٨٧/٣. (١) (٢) ((مجمل اللغة)) ٢٨٦/١. (٣) سلفت برقم (٢٢٦٣) كتاب: الإجارة، باب: استئجار المشركين عند الضرورة ... (٤) ((مجمل اللغة)) ٧٥١/٢ مادة [قرب]. ٥٤٣ كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ = وقوله: (فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم) وجاء أن أبا بكر كتب له في عظم فلقيه به قوم يوم فتح مكة بالجعرانة. و(الركب): جمع راكب كتاجر وتجر، (وقافلين): راجعين. وما ذكره ابن شهاب عن عروة بن الزبير من أنه لقي رسول الله وَلا في طريق الهجرة وأنه كساه وكسا الصديق ثياب بياض، غريب. قال الدمياطي: لم يذكره الزبير بن بكار ولا أهل السير، وإنما هو طلحة بن عبيد الله. قال ابن سعد: لما أرتحل النبي وَّ من الخرار في هجرته إلى المدينة لقيه طلحة بن عبيد الله من الغد جاءٍ من الشام فكسا رسول الله وَ﴾، وأبا بكر من ثياب الشام، وأخبر رسول الله وقال له أن [من](١) بالمدينة من المسلمين أستبطئوا رسول الله وَّثقيل، فعجل رسول الله ◌َيَّ(٢). وقوله: (أوفى رجل من يهود على أطم) أي: قام في أعلاه، والأطم: الحصن، وقيل: هو بناء معمول من حجارة كالقصر. قوله: (مبيضين) أي: مبيضة ثيابهم، ويحتمل أن يريد مستعجلين. قال ابن فارس: حمس بائض: مستعجل، ويدل عليه قولهم: (يزول بهم السراب) ويحتمل أن يريد في وقت الهاجرة، وشدة الحر، وقد ضبط بتشديد الضاد. و(السراب) أن يرى من شدة الحر شيء كالماء فإذا جئته لم تلق شيئًا كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُ اُلَّمْشَانُ مَآءَ حَقَّ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]. وقوله: (هذا جدكم) أي: حظكم ودولتكم التي تتوقعون مجيئه. (١) من هامش الأصل وعليها: لعله سقط. (٢) ((الطبقات الكبرى)) ٢١٥/٣. ٥٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله: (فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله وَل* يحيي أبا بكر) سببه أن أبا بكر كان يسافر إلى الشام فعرف بالمدينة ولم يأتها النبي ◌َّل بعد أن كبر فيعرفه أهلها. وقوله (فلبث رسول الله وَّل في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة) قيل: نزل على كلثوم بن الهدم أو سعد بن خيثمة، وقيل: أقام فيهم ثلاث ليال، حكاه الشيخ أبو محمد ولا خلاف أنه نزل بالمدينة على أبي یوب. وقوله (وأسس المسجد الذي أسس على التقوى) هذا صريح أنه مسجده(١)، وقد اختلف في ذلك في زمانه، وقال: إنه رواية أبي سعيد الخدري(٢)، وقيل: إنه مسجد قباء، والأول أثبت، وقال الداودي: إنه ليس باختلاف كلاهما أسس على التقوى. (المربد): الموضع الذي يجفف فيه التمر، ويسميه أهل العراق: البندر، وأهل الشام: الأندر، وأهل البصرة: الخوخان، وأهل مصر: الجُرين، وبعض أهل اليمامة: المسطح. وقوله: (ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله فأبى أن يقبله منهما هدية حتى أبتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا) وسلف في أحكام المساجد من حديث أنس فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: ((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم)) قالوا: لا والله (١) ورد في هامش الأصل: والكلام صريح في أنه مسجد قباء، وما أدري من أين لهم أنه مسجده القلبكلا !! (٢) رواية أبي سعيد الخدري بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ◌َّ أخرجها مسلم (١٣٩٨) كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ◌ّ﴾ بالمدينة. ٥٤٥ = ڪِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنصَارِ لا نطلب ثمنه إلا إلى الله (١). لا منافاة بينهما فقد يكلمهما ويستشفع بالملأ، ويتحمله الملأ إن كان الغلامين تحت الحجر: و(اللبن) من الطين. يقال: بفتح اللام وكسر الباء، وكسر اللام وإسكان الباء. وقوله: (فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي) هو عبد الله بن رواحة. وقوله: (قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله وعليه تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات). أنكر عليه هذا من وجهين: أحدهما: أنه رجز وليس بشعر(٢)، ولا يطلق على الرجز شعر. قالوا: وإنما هو كالكلام المسجع بدليل أنه يقال لصاحبه: راجز، ويقال: أنشد رجزًا، لا شعرًا. والثاني: أنه ليس برجز ولا موزون. واختلف هل يحكي الشاعر الشعر وعلى القول بنفي الحكاية عنه، اختلف هل يحكي بيتًا واحدًا، فقال قوم: لا يتمه إلا شعرًا، وقال آخرون: ليس البيت الواحد شعرًا. وفيه بعد. وقوله : (هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبرُّ رَبَّنَا وأطهر) أي: هذا الحمل والمحمول من اللبن أبر عند الله وأطهر أي: أنقى ذخرًا، وأدوم منفعة (لا حمال خيير) من التمر والزبيب والطعام المحمول (١) سلف برقم (٤٢٨). (٢) جاء في هامش الأصل: الصحيح أن الرجز شعر إذا كان موزونًا لكن للشعر ثلاثة شروط: تثبت هنا وهو أن يكون: موزونًا مقفًّا مقصودًا. ٥٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == منها الذي يتغبط به حاملوه والذي كنا نحمله ونتغبط به، والحمال والحمل واحد، وقد رواه المستملي بالجيم ضمًّا وله وجه، والأول أظهر. الحدیث التاسع : حديث أسماء رضي الله عنها صَنَعْتُ سُفْرَةً لرسول الله وَّهِ وَأَبِي بَكْرِ حِينَ أَرَادَا المَدِينَةَ، فَقُلْتُ لأَّبِي: مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبُطُهُ إِلَّا نِطَاقِي. قَالَ: فَشُقِّيهِ. فَفَعَلْتُ، فَسُمِّيتُ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. قد سلف ذلك في الحديث قبله واضحًا . الحديث العاشر : حديث البراء ◌ُ: لَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ بَهَ إِلَى المَدِينَةِ تَبِعَهُ سُرَاقَةُ .. الحديث، وقد سلف في حديث الهجرة قبله، وزاد هنا: فَعَطِشَ النبي وََّ، فَمَرَّ بِرَاعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ كُثْبَة لَبَنِ، فَأَتَيْتُهُ فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. وقد سلف الجواب عن ذلك. الحديث الحادي عشر: حديث زكريا بن يحيى، عن أبي أسامة، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَتَْ. فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ المَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رسول اللهِ وَّهُ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ هو رِيقُ رَسُولِ اللهِ بَّهَ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِّدَ فِي الإِسْلَامِ. تَابَعَهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا هَاجَرَتْ إِلَى رسول الله وَّهِ وَهْيَ حُبْلَى. ٥٤٧ = ڪِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ ثم ساق الثاني عشر: عن عائشة رضي الله عنها قالت: أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فذكرت تحنیکه. وشيخ البخاري (زكريا) من أفراده، وهو أبو يحيى، زكريا بن يحيى بن صالح بن سليمان بن مطر اللؤلؤي البلخي الحافظ الفقيه إمام مصنف، مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين حكاه الكلاباذي وقال غيره: سنة ثلاثين(١). وخالد بن مخلد هو القطواني الكوفي من رجال مسلم أيضًا كنيته أبو الهيثم، نسب إلى التشيع، وقال أحمد وغيره له مناكير. مات سنة ثلاث عشرة ومائتين(٢) . وشيخُ خالدٍ عليٍّ بنُ مُسْهِر، أبو الحسن، قاضي الموصل الجرمكي الكوفي الحافظ المحدث الفقيه أخو عبد الرحمن مات سنة تسع وثمانين ومائة. ومتابعة خالد أخرجها الإسماعيلي من حديث سويد بن سعيد، ثنا أبو مسهر، عن هشام، ومن حديث عثمان ثنا خالد به. ومعنى (متم) حانت ولادتها قاله الداودي، وفي ((الصحاح)) مثله(٣)، قال ابن فارس: أمرأة حبلى متم، وولدت لتمام(٤). وقولها: (وكان أول مولود ولد في الإسلام) أي: بالمدينة من المهاجرين. قال الداودي: المشهور أنها ولدته لسنة ونصف من (١) أنظر: ((الجمع بين الصحيحين)) لابن القيسراني ١٥٢/١. (٢) أنظر ترجمته في ((التاريخ الكبير)) ١٧٤/٣، و((الجرح والتعديل)) ٣٥٤/٣، ((تهذيب الكمال)) ١٦٣/٨، ((التقريب)) ص ١٩٠. (٣) ((الصحاح)) ١٨٧٧/٥ مادة (تمم). (٤) ((مجمل اللغة)) ١٤٥/١. ٥٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - الهجرة؛ لأنهم لما قدموا المدينة تأخرت ولادة نسائهم حتى خافوا أن يكون اليهود سحرتهم، فلما ولد عبد الله فرح المسلمون ثم ولد بعده في ذلك العام النعمان بن بشير ولد للأنصار بعدها. والمشهور في قباء المد والقصر. ومعنى (تفل في فيه) من ريقه، وهو بالتاء: المجة بثنتين. والتحنيك: أن يمضغ التمرة ثم يدلكها بحنك الصبي، يقال: حنكه وحنكته فالصبي محنك ومحنوك. ومعنى (برك عليه): دعا له بالثبات على الخير والدوام ومنه: تبارك الله أي: ثبت الخير عنده في [ ... ](١) ومنه سميت بركة الماء، بركة لإقامة الماء فيها . وقوله: (فلاكها، ثم أدخلها في فيه). ظاهرُهُ أن اللوك كان قبل أن يدخلها في فيه، والذي عن أهل اللغة أن التلوك في الفم كما نبه عليه ابن التين(٢). الحديث (الثاني عشر) (٣): حديث أنس ﴾ قَالَ: أَقْبَلَ رسول اللهِ وَّهِ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرِ .. الحديث بطوله في الهجرة. قال الداودي: يحتمل أن يردفه على الراحلة التي هو عليها أو على (١) كلمة غير واضحة بالأصل .. (٢) هُذا فيهم عجيب، فإن الضمير في قوله: (في فيه) يعود على ابن الزبير أي: لاكها النبي ◌ّ في فمه ثم أدخلها في فِيِّ ابن الزبير، وهو واضح لمن تأملها. قاله الحافظ في ((الفتح)) ٢٤٩/٧. (٣) كذا في الأصل، وهو تكرار، وعليه جرى في عدِّ ما بعده، لكن صوابه هنا: الحديث الثالث عشر. كما أشرنا أول الباب، فلينتبه. ، ٥٤٩ كِتَابُ مَنَاقِبِ الأنْصَارِ راحلة أخرى وراءه قال تعالى ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] أي: يتلو بعضهم بعضًا، والتأويل هو الأول، ولا يصح الثاني كما نبه عليه ابن التين؛ لأن الردف على قول الداودي يكون خلف، ولا يصح أن يكون أبو بكر يمشي بين يدي رسول الله وَّلر، وذلك لأن في الحديث: (يلقى الرجل أبا بكر فيقول له: من هذا؟) وكان ذلك في انتقالهم من بني عمرو بن عوف، والحديث نص في أنه كان في مسيرهم إلى المدينة. قال غيره: وكان ركوبهم من بني عمرو يوم الجمعة، فمر ببني سالم فصلى فيهم الجمعة. قوله: (وأبو بكر شيخ والنبي وَّ شابٌّ) كان أبو بكر أسرع الشيب إليه بخلاف رسول الله وَلّر؛ لأنه مات وليس في لحيته ورأسه عشرون شعرة بيضاء؛ وأبو بكر كان (أسنَّ)(١) منه؛ لأنه مات بعده بسنتين ونيف، وماتا وعمرهما واحد(٢). قال مالك: توفي رسول اللهَ وَّل وأبو بكر وعمر أبناء ستين سنة، وقيل: ثلاث وستين، وقيل في عُمْرٍ عُمَر: ابن خمس وخمسين. وقوله: (فصرعه الفرس -وفي رواية: (فرسه)(٣) - ثم قامت تحمحم) (١) في هامش الأصل: صوابه: أصغر. اهـ [قلت: أنظر التعليق التالي]. (٢) روى ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثنى)) ٨٧/١ (٥١) من طريق ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصم أن النبي وَ لّه قال لأبي بكر: ((أنا أكبر أو أنت؟)) قال: لا بل أنت أكبر مني وأكرم مني، وخير مني، وأنا أسنُّ منك. وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب)) ١٧٨/٤: وهذا الخبر لا يعرف إلا بهذا الإسناد، وأحسبه وهما؛ لأن جمهور أهل العلم بالأخبار والسير والآثار يقولون: إن أبا بكر أستوفى بمدة خلافته سن رسول الله رَّة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. اهـ وانظر ((الفتح)) ٧/ ٢٥٠-٢٥١. (٣) أنظر هامش اليونينية حديث رقم (٣٩١١). ٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال ابن التين: فيه نظر؛ لأنه لا يخلو أن يكون الفرس أنثى فلا يجوز: فصرعه. وإنما يجوز: فصرعته، أو يكون يعني ذكرًا فلا تقول: قامت تحمحم، وإنما يجوز: قام يحمحم(١)، وتحمحم: يصيح صياحة إذا رأى العلف. وقوله: (وكان آخر النهار مسلحَةً له) أي: يدفع عنه الأذى. وقوله: (وحفوا دونهما بالسلاح) قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَبِكَةَ حَفِينَ مِنْ حَوْلٍ الْعَرَّشِ﴾ [الزمر: ٧٥] أي: محدقين. وقوله: (إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم) أي: يجتني لهم الثمار. وقوله: (((فهِّئ لنا مقيلًا))) أي: مكانًا نقيل فيه. والمقيل: النوم نصف النهار، وقال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار كان معها نوم أم لا بدليل قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] والجنة لا نوم فيها: يقال: قِلْتُ، أقيلُ، قيلولة، وقائلة، ومقيلًا(٢). قال الداودي: ((فهيئ لنا مقيلًا)): يعني دار أبي أيوب. و(سلام) مخفف اللام. الحديث الثالث عشر: حديث نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ فَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فِي أَرْبَعَةٍ، وَفَرَضَ لاِبْنِ عُمَرَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: هُوَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَلِمَ نَقَصْتَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلافٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هَاجَرَ بِهِ أَبَوَاهُ. يَقُولُ: لَيْسَ هُوَ كَمَنْ هَاجَرَ بِنَفْسِهِ. (١) يجاب عن ذلك بما قاله أهل اللغة منهم الجوهري: الفرس يقع على الذكر والأنثى. ((الصحاح)) ٣/ ٩٥٧ مادة (فرس). (٢) ((معجم تهذيب اللغة)) ٢٨٦٢/٣. ٥٥١ = كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ اعترض ابن التين حيث قال: رواه نافع عن (عمر)(١): فإن يكن أدركه، أو هو وهم في النقل، أو هو حديث مرسل . . قلت: نافع إنما رواه عن ابن عمر عن عمر فزال الإشكال، فلعل نسخة وقعت له كذلك. وقوله: (أربع آلاف في أربعة) قيل: معناه أربعة آلاف وأربعة آلاف. وقيل: معناه في أربعة أعوام. قال سعيد بن المسيب: المهاجرون الأولون هم الذين صلوا القبلتين، هم السابقون، ثم سائر من هاجر قبل الفتح(٢)، وفرض عمر ﴾ لحسن وحسين وأسامة كما فرض لهؤلاء(٣)، وإنما نقص ابنه لقرابته منه؛ لأنه من بني عدي ويضاهى به قاله الداودي. وقيل: كان نائبًا وأتي أبو بكر بمال كان فيه سيوف، وكان فيه سيف محلى فقال له ابنه عبد الرحمن: أعطنيه، فناوله إياه أبو بكر، فبادر عمر فقال: أنا آخذه فأعطاه إياه فنزع حليته، فردها في المال، وأعطى النصل لعبد الرحمن، وقال: لم أنفسك في السيف إنما خشيت أن يتقول الناس على أبيك. وقال المسور لعبد الرحمن صبيحة بايع لعثمان قبل أن يبايعه: إنك لها لأهل، فقال: أنا آتي بعد عمر! لقد أتعب من بعده. وقوله: (إنما هاجر به أبواه) يعني: أنه كان في عيال أبيه، وكان عمره حينئذ ثنتى عشرة (سنة وأشهر)(٤). (١) في الأصل: (ابن عمر) ومقتضى السياق ما أثبتناه، وانظر ((الفتح)) ٧/ ٢٥٣. (٣) المصدر السابق ٦/ ٤٥٦. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣٤٦/٧ -٣٤٧. (٤) تعقب ذلك الحافظ في ((الفتح)) ٧/ ٢٥٤ فقال: كان لابن عمر حين الهجرة إحدى عشرة سنة، ووهم من قال أثنتا عشرة، وكذا ثلاث عشرة؛ لما ثبت في الصحيحين أنه عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث. اهـ ٥٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الحديث الرابع عشر: حديث خباب تقدم قريبًا، وفي الجنائز أيضًا(١). الحديث الخامس عشر: حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لأَبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لأَبِكَ .. الحديث. قاله له إشفاقًا وقد كانت أعمالهم حسنة زكية، ولم ينالوا فوق الكفاف، وكان عمر من أزهد الناس؛ لأنه قدر فترك. قوله: (فقال أبي: لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعد نجونا منه كفافًا رأسًا برأس) يقال: برد الشيء إذا ثبت، وبرد لي على الغريم حق إذا وجب، ويقال: ما برد ذلك على فلان فهو علي. الحديث السادس عشر: حديث أبي عثمان قال: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا قِيلَ لَهُ: هَاجَرَ قَبْلَ أَبِيهِ. يَغْضَبُ .. الحديث. سبب غضبه؛ لئلا يرفع فوق قدره، ولئلا ينافس والده. وقوله (فوجدناه قائلا) أي: في قائلة نصف النهار، وذلك حين قدم رسول الله ﴾ مهاجرًا، قاله الداودي. وقوله (فدخلت فبايعته ثم انطلقت إلى عمر) إنما بايع قبله؛ تنافسًا في الخير؛ لأن تأخير ذلك لا ينفع عمر فنقص حظ نفسه بغير نفع أخيه، قاله الداودي. (١) سلف برقم (١٢٧٦) وأول هذا الباب. ٥٥٣ = كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ قال ابن التين: وفيه تجوز؛ لأنه كان ينفع عمر لو فعل باستعجال بيعته بمقدار تأخره في بيعته إلا أنها منفعة يسيرة، ومنفعة ابن عمر كثيرة. وقوله (نهرول) الهرولة بين المشي والعدو، ففيه المسارعة إلى الخير. الحديث السابع عشر: حديث البراء قَالَ: ابْتَاعَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَازِبِ رَحْلاً .. الحديث. سلف في باب: علامات النبوة (١)، وزاد هنا: قال البراء: فدخلت مع أبي بكر على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابها حمى فرأيت أباها يقبل خدها، وقال: كيف أنت يا بنية؟ قوله (قد روأتها (٢) لرسول الله وَ ل(٤) يقال: روأت في الأمر وبه إذا نظرت فيه ولم تعجل بجواب. وقوله (كثبة من لبن) كذا هي بالثاء المثلثة، وكذا سلف هناك، وقد أسلفنا عن الخطابي (كنفة) بالفاء، وأنه غلط، والكثيف ضد القليل(٣)) وضبطه في بعض النسخ: كنفة بالنون والكنف: الوعاء. الحديث الثامن عشر: حديث عقبة بن وساج عن أَنَسُ : قَدِمَ النَّبِيُّ وَّهِ، وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر، فَغَلَفَهَا . وقال دحيم: ثنا الوليد، ثنا الأوزاعي قال: حدثني أبو عبيد عن عقبة به ولفظه: فكان أسن أصحابه أبو بكر، فغلفها بالحناء والكتم حتى قنا لونها . (١) سلف برقم (٣٦١٥). (٢) ورد بهامش الأصل: كذا للجميع في البخاري، وصوابه: (روتها) قاله ابن قرقول، وكذا ابن الأثير. أي: شددتها بالرواء، وهو حبل. [انظر: ((النهاية)) ٢٨٠/٢]. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٦٩٦/٣. ٥٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = هذا (١) تابعي من أفراد البخاري، وثقه أبو داود، قتل سنة اثنتين و ثمانین. و(أبو عبيد) حيّ -وقيل: حُوَي- حاجب سليمان بن عبد الملك المذحجي روى عن أنس أيضًا وثقه مالك. والأشمط: الذي يخالط شعره سواد وبياض، رجل أشمط وامرأة شمطاء . وقوله (فغلَّفها) يعني: لحيته دل على ذلك قوله: (أشمط) ومعنى غلَّفها: خضبها وكل شيء ستر شيئًا فهو غلاف له، وغلَّفها مشدد اللام يقال: غلَّفت لحيته ويغلفها، ومنه تغلفت السكين: جعلت لها غلافًا، وكذلك إذا أدخلتها في الغلاف. (وقنا(٢) لونها) اشتدت حمرته حتى ضرب إلى السواد. يقال: قنا يقنؤ قنوءًا: أحْمرَّ، يقال: أحمر قاني، وأبيض ناصع، وأصفر فاقع. و(الحناء): جمع حناءة ممدود، وأصله الهمز، يقال: حنات لحيته بها، وبها سمي الرجل حناة، وهو شجر كبار مثل شجر السدر، وهو يُرْزق في كل عام مرتين. وزعم أبو زيد السهيلي أنه يجمع على حُنَّان - بضم الحاء وتشديد النون- على غير قياس، وأنشد فيه شعرًا، قال: وهو عندي لغة في الحناء لا جمع له(٣)، وقال في ((المحكم)): الحنان بكسر الحاء لغة في الحناء عن ثعلب (٤). (١) يعني عقبة بن وساج. (٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قنا مهموز هو الأفصح. قاله ابن الأثير. ويقال بتركه لغة أخرى [انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ١١١/٤]. (٣) ((الروض الأنف)) ٤/ ١٠٠. (٤) ((المحكم)) ٣٧٥/٢. ٥٥٥ ـ كِتَابٌ مَنَاقِبِ الأَنصَارِ وفي ((المعجم)) للطبراني أنه و ل﴾ سماه طيبًا(١)، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه(٢)، فلا يجوزونه للمحرم، وخالفوه. و(الكتم): ورق يخضب به، وقيل: إنه يلطخ مع الوسمة، وقيل: إنه الوسمة، وأطال بعضهم في وصفه وهو بالتخفيف خلافًا لأبي عبيدة حيث شدده. ذكره في ((ديوان الأدب))، وفيه جواز الصبغ، وقد سلف ذكره، ويشبه أن يريد استعمال الكتم مجردًا عن الحناء، فإن الحناء إذا غسل بالكتم جاء أسود، وعلى قول من كره تغيير الشيب بالسواد لا يجوز، وذكر بعضهم أنه حناء قريش يعني الذي صبغه أصفر. وقال بعضهم: هو النيل. الحديث التاسع عشر: حديث عائشة رضي الله عنها، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﴾ُ تَزَوَّجَ أَمْرَأَةً مِنْ كَلْبِ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ بَكْرٍ، فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْرِ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا ابن عَمِّهَا هُذا الشَّاعِرُ الذِي قَالَ هُذِهِ القَصِيدَةَ، ورَثَى بها كُفَّارَ قُرَيْشٍ: مِنَ الشِّيزىْ تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ وَمَاذَا بِالْقَلِیبِ قَلِيبٍ بَدْرٍ مِنَ القَيْئَاتِ وَالشَّرْبِ الكِرَامِ وَمَاذَا بِالْقَلِیبِ قَلِيبٍ بَدْرٍ فَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ تُحَيِّي بِالسَّلَامَةِ أُمُّ بَكْرٍ وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْبًا (١) رواه في ((المعجم الكبير)) ٤١٨/٢٣ من حديث أم سلمة أنه ود ل﴾ قال لها: ((لا تطيبي وأنت محرمة ولا تمسي الحناء فإنه طيب)). وكذا رواه البيهقي في ((المعرفة)) ١٦٨/٧ (٩٦٨٩) ضم ضعف إسناده، وضعفه كذلك الحافظ في ((التلخيص)) ٢٨٢/٢. وانظر: ((نصب الراية)) ١٢٤/٣. (٢) ((المبسوط)) ١٥/٤، (بدائع الصنائع)) ٤١٥/٢، ((الهداية)) ١٥٦/١. ٥٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - هذا الرجل سماه ابن إسحاق في ((السيرة)»: شداد بن الأسود بن عبد شمس بن مالك بن جعونة - بإسكان العين مع فتح الجيم- بن عورة -بضم العين- بن أشجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة يكنى أبا بكر، ويعرف: شعوب، وعن ابن هشام قال أبو عبيدة: كان أسلم ثم أرتد(١). وقال ابن حبيب: شعوب، أمه من خزاعة، واسمه عمرو بن شمر بن ليث بن عبد شمس بن مالك، له شعر كثير قاله وهو كافر، ثم أسلم بعد. وقال المرزباني: كان شاعرًا رثى قتلى بدر من المشركين، وفي (صحيح الإسماعيلي)) أن عائشة رضي الله عنها كانت تدعو على من يقول : إن أبا بكر قال هذا القصيدة. والقليب: البئر قبل أن تطوى، وقيل البئر العارية، و(الشيزى) مقصور: خشب أسود يتخذ منه قصاع وجفان، وكذا الشيز. وقال أبو حنيفة: يقال للقصاع والجفان شيزئ ( ... )(٢) الشيز، وربما قالوا: الشزية فنسبوها إليه وكذلك محلات السكر، وذلك لسواد الجفان، وقال الأصمعي: إنما هي من خشب الجوز يسود من الدسم، والشيزى جمع شيز، والشيز يغلظ حتى ينحت منه، وقد أكثر الشعراء ذكر الشيزى والشيزية(٣). وقال الخطابي: الشيزى شجر يتخذ منه الجفان، وكانوا يسمون الرجل المطعِم جفنة؛ لأنه يطعم الناس فيها(٤)، وتبعه ابن التين. (١) ((سيرة ابن هشام)) ٢ / ٤٠٠- ٤٠١. (٢) كلام غير واضح في الأصل بمقدار ثلاث كلمات. (٣) أنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي ٨٢/٨ مادة (شيز). (٤) ((أعلام الحديث)) ١٦٩٩/٣. ٥٥٧ = ڪِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ والمعنى: ماذا ببدر من أصحاب الجفان وأصحاب القينات كقوله تعالى ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال الداودي: هي الجمال، قال: ومعنى (تزين بالسنام) يعني: بالأسنمة الإبل؛ لأن الإبل إذا سمنت تعظم أسنمتها، ويعظم جمالها، وهذا غلط منه كما قاله ابن التين، وإنما أراد بالقليب المطعمين في الجفان، وكان العرب تسمي الرجل الكريم جفنة؛ لأنه يطعم الأضياف و(القيْنات): جمع، واحدهن: قينة، وهي المغنية، ويقال ذلك للماشطة وللأمة، قال الخطابي: وللحرة(١) . وقال ابن فارس: القين والقينة: العبد والأمة، قال: والعرب تسمي المغنية القينة(٢). و(الشرب) بفتح المعجمة، جمع شارب في قول الأخفش، واسم الجمع في قول سيبويه وجزم الخطابى بأنه جمع شارب يعني: الندماء الذين يجتمعون للشرب(٣)، وتبعه ابن التين، مثل: تاجر وتجر، وصاحب وصحب. وقوله: (تُحَيِّي بالسلامة أم بكر) فيه دلالة على أن معنى السلام الذي هو التحية: السلامة، ومصدر قولهم: سلم الرجل سلامًا وسلامة، ألا تراه كيف عطف عليه في المصراع الأخير بالسلام، يريد: وهل لي بعد هلاك قومي من سلام. والأصداء: جمع صدى، وهو ما كان يزعمه أهل الجاهلية من أن روح الإنسان تصير طائرًا يقال له: الصدى. وقيل: هو الذكر من الهام. وذلك من ترهات الجاهلية وأباطيلهم وإنكاراتهم للبعث. وقال الداودي: الصدى: عظام الميت. (١) المصدر السابق ٣/ ١٧٠٠. (٢) ((مجمل اللغة)) ٧٣٩/٢ مادة (قين). (٣) ((أعلام الحديث)) ١٦٩٩/٣. ٥٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والهام: جمع هامة، وهم الموتى، يقال: أصبح فلان هامة: إذا مات. ويحتمل أن يريد الأشراف؛ لأن هامة القوم سيدهم. وذكر الداودي عن (أبي عبيدة)(١) في ((تفسيره)) أن العرب كانت تقول: إذا مات الميت تكون من عظامه [هامة](٢) تطير. قال الهروي: يسمون ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت: الصدى(٣). وذكر ابن فارس أن العرب كانت تقول: إن القتيل إذا لم يدرك بثأره يصير هامة في القبر، (فتزقو) (٤) فتقول: أسقوني أسقوني. فإذا أُدْرِكَ ثأره طارت (٥) . ويحتمل أن يريد بالهام الرئيس(٦)، قاله الداودي، والظاهر ما سلف؛ لقوله: (وكيف حياة أصداء وهام) فذلك لا يقال للرئيس؛ بلي وصار لا یرجی. الحديث العشرون : حديث أبي بكر، ﴾: كُنْتُ مَعَ رسول الله وََّ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَام المشركين، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنًا . قَالَ: ((اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَثْنَانِ اللهُ ثَالِثُهُمَا)) . (١) في الأصل: (ابن عبدة)، ولعله تحريف، والمثبت من ((تهذيب اللغة)) ٣٦٩٨/٤ مادة (هام)، و((اللسان)) مادة (هوم) وكذا ((عمدة القاري)) ٤٦/١٤ وغيرهما؛ فالكلام إنما نسب لأبي عبيدة لا ابن عبدة. (٢) ساقطة من الأصل، والمثبت من مصادر التخريج كما في التعليق السابق. (٣) ((غريب الحديث)) ٢٦/١-٢٧. (٤) في الأصل: (فتشربوا)، وهو تحريف، والمثبت من مصدر التخريج وغيره، وتزقو يعني : تصيح. (٥) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٨٩٧ مادة (هام). (٦) ورد بهامش الأصل: هذا القول تقدم قريبًا. ٥ ٩ = كِتَابُ مَنَاقِبٍ الأَنْصَارِ فيه: الفضل الباهر لهما . الحديث الحادي بعد العشرين : حديث أبي سعيد، : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رسول الله وَِّ فَسَأَلَّهُ عَنِ الهِجْرَةِ. الحديث سلف في الزكاة، في باب زكاة الإبل فراجعه(١). وزاد هنا: ((فهل تمنح منها؟)) قال: نعم. قال ((فتحلبها يوم وردها؟)) قال: نعم . ومعنى ( ((يترك))): ينقصك، وذكر الإسماعيلي أن الفريابي قاله بالتشديد، والله أعلم. (١) سلف برقم (١٤٥٢). ٥٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٤٦ - باب مَقْدَمِ النَّبِيّ ◌َلَهُ وَأَصْحَابِهِ المَدِينَةَ ٣٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، سَمِعَ البَرَاءَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُضْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَائِنُ أُمّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَبِلَالٌ ﴿ه. [فتح: ٢٥٩/٧] ٣٩٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بنُ عُمَثْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلَالٌ وَسَغْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّةِ، ثُمَّ قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللهِ وَّةَ، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ فَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( [الأعلى: ١] في سُوَرٍ مِنَ المُفَصَّلِ. [فتح: ٢٥٩/٧] ٣٩٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: لَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الَّذِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ. قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلَالُ، كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ أَمْرِئٍ مُصَبَّحْ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقُولُ: بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبَّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ)). [انظر: ١٨٨٩ - مسلم: ١٣٧٦ - فتح: ٧ / ٢٦٢] ٣٩٢٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،