Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كِتَابُ المَنَاقِبِ
=
إليهم، فيعطون أبناء السبيل من ألبانها إلا النساء إلا إذا مات(١).
والوَصِيلة: الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ذكرًا
ذبحوه وأهدوه للآلهة، وإن كان أنثى أستحيوها، وإن كان ذكرًا
وأنثى أستحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: وصلت أخاها فلم
يذبحوهما(٢). قال مقاتل: وكانت المنفعة للرجال فقط إلا إذا وضعت
ميتًا قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ قَّيْنَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءٍ﴾(٣) [الأنعام:
١٣٩].
(١) زاد ابن الجوزي في ((تفسيره)) ٤٣٨/٢ قولين في السائبة:
أحدهما: أنها البعير، يسَّيب بنذر يكون على الرجل إن سلمه الله تعالى من مرض،
أو بلَّغه منزلة أن يفعل كذا، قاله ابن قتيبة.
قال الزجاج: كان الرجل إذا نذر لشيء من هذا، قال: ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة
في أن لا ينتفع بها، ولا تمنع من ماء ومرعى.
الآخر: أنها البعير يحج عليه الحجة، فيسيَّب، ولا يستعمل شكرًا لنجحها، حكاه
الماوردي عن الشافعي.
(٢) كذا في الأصل بالتثنية، والجادّة أن يفرد ويذكَّر؛ لأن الذكر هو المعنيُّ عندهم
بالذبح والاستحياء وذكره على الجادة البغوي في ((تفسيره)) ١٠٨/٣.
(٣) وزاد ابن الجوزي أربعة أقوال في «تفسيره)) ٤٣٩/٢:
الأول: أنها الناقة البكر تلد أول نتاجها بالأنثى، ثم تثني بالأنثى، فكانوا يستبقونها
الطواغيتهم، ويدعونها الوصيلة. أي: وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر،
رواه الزهري عن ابن المسيب.
الثاني: أنها الشاة تنتج عشر إناثٍ متتابعات في خمسة أبطن، فيدعونها الوصيلة،
وما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث. قاله ابن إسحاق.
الثالث: أنها الشاة تنتج سبعة أبطن، عناقين عناقين، فإذا ولدت في سابعها عناقًا
وجديًا قيل: وصلت أخاها، فجرت مجرى السائبة، قاله الفراء.
الرابع: أنها الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا، جعلوه
لآلهتهم، قاله الزجاج. في أربعة غير السابق.

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والحام: الفحل إذا ركب ولده وولد ولده، فبلغ ذلك عشرة أو أقل
من ذلك قيل حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء
ولا مرعى ولا ينحر أبدًا إلى أن يموت فيأكله الرجال والنساء(١).
(١) فصله ابن الجوزي في ((تفسيره)) ٤٣٩/٢ على أقوال هي:
الأول: أنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، قاله عطاء.
الثاني: أنه الذي ينتج له سبع إناث متواليات، قاله ابن زید.
الثالث: أنه الذي لصلبه عشرة كلها تضرب في الإبل، قاله أبو روق.
الرابع: أنه الفحل يضرب في إبل الرجل عشر سنين، فيخلَّى، ويقال: قد حمى
ظهره، ذكره الماوردي عن الشافعي.

٨٣
= كِتَابُ المَنَاقِبِ
١١ - باب قِصَّةٍ زَهْزَمَ
٣٥٢٢ - حَدَّثَنَا زَيْدٌ -هُوَ ابنِ أَخْزَمَ - قَالَ أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ: حَدَّثَنِي
مُثَتَّى بْنُ سَعِيدِ القَصِيرُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو ◌َمْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنِ عَبَّاسِ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ
بِإِسْلَامٍ أَبِي ذَرِّ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرِّ: كُنْتُ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ، فَبَلَغَنَا أَنَّ
رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقُلْتُ لِأَخِي: أَنْطَلِقْ إِلَى هذا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ
وَأْتِي بِخَبَرِهِ. فَانْطَلَقَ فَلَقِيَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: والله لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا
يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ. فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ تَشْفِي مِنَ الَخَبَرِ. فَأَخَذْتُ جِرَابًا وَعَصًا، ثُمَّ
أَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ لَا أَعْرِفُهُ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ، وَأَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَكُونُ
فِي المَسْجِدِ. قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٍّ فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ. قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
فَانْطَلِقْ إِلَى الَنْزِلِ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ لَا يَشْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ وَلَا أُخْبِرُهُ، فَلَمَّا
أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى الَسْجِدِ لِأَسْأَلَ عَنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ. قَالَ: فَمَرَّ بِي
عَلِيٍّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَغْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَنْطَلِقْ مَعِي. قَالَ:
فَقَالَ: مَا أَمْرُكَ؟ وَمَا أَقْدَمَكَ هذِهِ البَلْدَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أَخْبَرْتُكَ.
قَالَ: فَإِّ أَفْعَلُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ،
فَأَزْسَلْتُ أَخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجَعَ وَلْ يَشْفِي مِنَ الَخَبَرِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَلْقَاهُ. فَقَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّكَ
قَدْ رَشِدْتَ، هذا وَجْهِي إِلَيْهِ، فَاتَّبِغْنِي، أَذْخُلْ حَيْثُ أَدْخُلُ، فَإِّ إِنْ رَأَيْتُ أَحَدًا أَخَافُهُ
عَلَيْكَ قُمْتُ إِلَى الَحَائِطِ كَأَنِّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْضٍ أَنْتَ. فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى
دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَغْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. فَعَرَضَهُ،
فَأَسْلَمْتُ مَكَانٍ، فَقَالَ لِي: ((يَا أَبَا ذَرٍّ، أَكْتُمْ هذا الأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَدَِكَ، فَإِذَا
بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ)). فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقٌّ لِأَضْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَجَاءَ
إِلَى الَسْجِدِ، وَقُرَيْشٌ فِيهِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِّ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هذا الصَّابِئِ. فَقَامُوا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ فَأَدْرَكَنِي
العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيَّ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَال:َ وَيْلَكُمْ، تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارَ وَمَتْجَرُكُمْ

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وَرَّكُمْ عَلَى غِفَارَ! فَأَقْلَعُوا عَنِّي، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْتُ الغَدَ رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ مَا قُلْتُ
بِالأَمْسِ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلَى هذا الصَّابِئِ. فَصُنِعَ مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالأَمْسِ، وَأَدْرَكَّنِي
العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيّ، وَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ بِالأَمَسِ. قَالَ: فَكَانَ هذا أَوَّلَ إِسْلَامٍ أَبِي ذَرِّ
رَحِمَهُ اللهَ. [٣٥٢٢، ٣٨٦١ - مسلم: ٢٤٧٤ - فتح: ٦ / ٥٤٩]
ذكر فيه حديث أبي جمرة بالجيم، عن ابن عباس ه في إسلام أبي
ذر ، وأنه كان يشرب من ماء زمزم ويكون في المسجد إلى أن أسلم،
وقال له التَّ: ((اكتم هذا الأمر)) فلم يكتمه وأعلن به فضرب ثم أعلن به
ثالث يوم فضرب.
وسيأتي في المغازي(١)، وذكر هناك أنه لما أتى ليسلم أخذ وَلّ
جبهته بأصبعه، وقال: ((غفار يهدي الله من يشاء))، كأنه أستعظم أن
يكون بها مثل أبي ذر(٢).
قال الداودي: والصحيح ما ها هنا!
وقوله: (فمر بي علي ◌ّه فقال: ما آن للرجل أن يعرف منزله بعد؟
(١) قلت: يأتي في موضعين، أحدهما: بإسناده موصولًا برقم (٣٨٦١) كتاب: مناقب
الأنصار، باب: إسلام أبي ذر الغفاري ﴾. والآخر: معلقًا في كتاب: التوحيد،
باب رقم (٢٣).
وبعد مراجعة ((تحفة الأشراف)) (٦٥٢٨)، وهو من مصادر المؤلف التي يعتمد
عليها في تخريجه أطراف الأحاديث، لم نعثر على عزوه هذا، وانظر الهامش
الآتي.
(٢) لم أعثر على هذِه الرواية في ((الصحيح)) كما عزاه المصنف رحمه الله، وإنما
وجدتها في مسلم بسياق مقارب وفيه: قال ◌َله: ((من أنت؟)) قال: قلت: من غفار.
قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته ..
((صحيح مسلم)) (٢٤٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي ذر ﴾،
من طريق حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر.

٨٥
ـ كِتَابُ المَنَاقِبِ
قال: قلت: لا) أي: ما حان، ومثله حديث الحسن: ما يأني أن
يتفقهوا، أي: لم يأن لهم، ومنه قولهم: نولك أن تفعل كذا أي:
حقك، وفي بعض النسخ (آنى) يقال: أنى يأني، وآن يئين. أي:
حان. وفيه مقام العباس وجلالته عندهم حیث أکب علیه ونزعه منهم،
وما أحسن قوله: (ويلكم تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم
على غفار).
وقوله: (فقال: يا معشر) كذا في الأصول، وفي نسخة (يا معاشر)(١).
وقوله: (قوموا إلى هذا الصابئ) أي الذي خرج من دین إلى دين،
وبذلك سمي الصابئون: لأنهم خرجوا من النصرانية إلى دين ابتدعوه (٢)،
(١) هي نسخة أبي الوقت، أنظر: ((اليونينية)) ١٨٣/٤.
(٢) هذا قول ابن زيد، نبه عليه الماوردي في ((تفسيره)) ١٣٢/١-١٣٣.
وقال الزمخشري في ((الكشاف)) ١/ ١٣٧: هو من صبأ إذا خرج من الدين، وهم
قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة.
وفي الصابئة سبعة أقوال جمعها ابن الجوزي في ((تفسيره) ١/ ٩٢.
الأول: أنهم صنف من النصارى ألين قولًا منهم.
الثاني: قوم بين اليهود والنصارى ليس لهم دين. قاله مجاهد.
الثالث: أنهم بين اليهود والنصارى. قاله ابن جبير.
الرابع: كالمجوس. قاله الحسن والحكم.
الخامس: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور. قاله أبو العالية.
السادس: قوم يصلون إلى القبلة، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور. قاله قتادة.
السابع: قوم يقولون: لا إله إلا الله فقط وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي. قاله
ابن زيد. ا. هـ زاد ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ١٢٨/١.
ثامنًا: عن ابن أبي الزناد عن أبيه أنهم قوم مما يلي العراق وهم بكوش، يؤمنون
بالأنبياء كلهم ويصلون إلى اليمن، ويصومون شهرًا ويصلون خمسًا.
قلت: وقراءتها للجمهور في القرآن بالهمز، إلا نافعًا؛ لأنها عنده مشتقة من صبا
يصبو. أنظر ((تفسير الماوردي)) ١٣٢/١.

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ولذلك كان كفار قريش يقولون لرسول الله : * صابئ؛ لأنه خرج من
دينهم إلى الإسلام، ومنه صبأت النجوم خرجت من مطالعها، وصبأ
نابه: خرج .
وقوله: (فأقلعوا عني) أي: كفوا، يقال: أقلع عن الأمر، أي:
كف، ومنه أقلعت عنه الحمى. قال قتادة: الصابئون يعبدون الملائكة،
ويصلون القبلة ويقرءون الزبور(١).
واعلم أن في حديث ابن عباس في الباب: وحديث (عبد الله)(٢) بن
الصامت في مسلم تباعد واختلاف إذا فيه: أن أبا ذر لقي رسول الله وَ لهم
أول ما لقيه ليلًا وهو يطوف بالكعبة فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين يوم
وليلة ولا زاد له، إنما اغتدى بماء زمزم(٣)، وحديث ابن عباس رضي الله
عنهما أنه كان له قربه وزاد وإن عليًّا ضافه ثلاث ليال ثم ، أدخله على
رسول الله وَّير في بيته فأسلم ثم خرج، فصرخ بكلمتي الشهادة، والله
أعلم أي الروايتين هو الواقع، نبه على ذلك القرطبي (٤).
قال: ويحتمل أن أبا ذر لما لقي رسول الله وَلقر حول الكعبة فأسلم
لم يعلم به إذ ذاك علي # إذ لم يكن معهم، ثم دخل مع علي فجدَّد،
فظنه أول إسلامه، وفيه بعد(٥) .
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ١٢٤/٦ (١٠٢٠٦)، وابن جرير في ((تفسيره))
٣٦١/١ (١١١٠)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ١/ ١٤٦ إلى ابن أبي حاتم
ولم أجده في ((تفسيره))، وانظر ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١/ ١٢٧-١٢٨، وأقرب شيء
ما ذكره أبو جعفر الرازي فیه بلاغًا، به.
(٢) في الأصل: عبادة، والتصويب من مسلم (٢٤٧٣).
(٣) مسلم (٢٤٧٣).
(٥) ((المفهم)» ٦/ ٤٠٢.
(٤) ((المفهم)) ٦/ ٤٠١-٤٠٢.

٨٧
كِتَابُ المَنَاقِبِ
=
١٢ - باب قِصَّةٍ زَمْزَمَ وَجَهْلِ العَرَبِ
٣٥٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ
الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الأَنَّعَامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ اُلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. [فتح: ٦/ ٥٥١]
ذكر فيه حديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فَاقْرَأُ
مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ
سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ .
أي: قتلهم البنات، كانوا يدسونهن(١) في التراب خشية الفقر، قال
أبو رزين: ولم يكونوا مهتدين قبل ذلك وقوله: ﴿سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي:
جھلًا .
(١) في الأصل: (يدسونهم) وعليها: (كذا) وفي الحاشية الصواب: (يدسونهن).

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣ - باب مَنِ انْتَسَبَ إِلَى آبَائِهِ في الإِسْلَامِ وَالْجَاهِلِيَّةِ
وَقَالَ ابن عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ﴾: عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الكَرِيمَ
ابن الكَرِيم ابن الكَرِيم ابن الكَرِيم يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ
إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلَيْلِ الله)). وَقَالَ البَرَاءُ ﴾: عَنِ النَّبِيِّ
وَه: ((أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبِ)).
٣٥٢٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ
[الشعراء: ٢١٤] جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َه يُنَادِي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ ،
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ
يَا بَنِي عَدِيٌّ)) بِبُطُونِ قُرَيْشٍ. [انظر: ١٣٩٤ - مسلم: ٢٠٨ - فتح: ٦ / ٥٥١]
٣٥٢٦ - وَقَالَ لَنَا قَبِيصَةُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ ◌َ) :
[الشعراء: ٢١٤]
جَعَلَ النَّبِيُّ ◌ََّ يَدْعُوهُمْ قَبَائِلَ قَبَائِلَ. [انظر: ١٣٩٤ - مسلم: ٢٠٨ - فتح: ٦ / ٥٥١]
٣٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ ◌َُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، يَا بَنِي
عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، يَا أُمَّ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ،
يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، أَشْتَرِيَا أَنْفُسَكُمَا مِنَ اللهِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا،
سَلَانِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمَا)). [انظر: ٢٧٥٣ - مسلم: ٢٠٦ - فتح: ٦ / ٥٥١]
ثم ساق عن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ
[الشعراء: ٢١٤] جَعَلَ النَّبِيُّ وَهِ يُنَادِي: ((يَا بَنِي
١٤
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
فِهْرٍ ، يَا بَنِي عَدِيٌّ)) لِبُطُونِ قُرَيْشٍ.
وَقَالَ لَنَا قَبِيصَةُ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ

٨٩
كِتَابُ المَنَاقِبِ
اُلْأَقْرِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤] جَعَلَ النَّبِيُّ وَّهِ يَدْعُوهُمْ قَبَائِلَ قَبَائِلَ.
ثم ساق بسنده إلى أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َّ أَنَّ بِ قَالَ: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ،
أُشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ .. )). الحديث.
الشرح:
أما حديث أبي هريرة وابن عمر فسلفا مسندين(١).
وحديث البراء تقدم مسندًا في الجهاد(٢).
وحديث ابن عباس سلف بعضه في الجنائز(٣)، ويأتي في
(٤)
التفسير (٤).
وأخرجه مسلم(٥) والترمذي(٦) وابن ماجه(٧).
وقوله: (قال لنا قبيصة) رواه الإسماعيلي عن عبد الله بن زيدان عن
قبيصة، وعن الحسن، عن محمود بن غيلان، عن قبيصة، وعن القاسم،
عن أبي زرعة وغيره عن قبيصة، ورواه أبو نعيم عن الطبراني، عن
(١) الأول برقم (٣٣٥٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ
إِبْرَهِیمَ خَلِيلًا﴾.
والآخر برقم (٣٣٨٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْثُ﴾.
(٢) برقم (٢٩٣٠) باب: من صفَّ عند الهزيمة.
(٣) برقم (١٣٩٤) باب: ذكر شرار الموتى.
(٤) برقم (٤٧٧٠) باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ
(٥) برقم (٢٠٨) كتاب: الإيمان، باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
4َ﴾.
(٦) برقم (٣٣٦٣).
(٧) كذا رمز له في الأصل، ولم نعثر عليه فيه، وبعد مراجعة ((تحفة الأشراف))
(٥٥٩٤)، أضاف المزي عزوه إلى النسائي، يعني في ((الكبرى))، فلعله تحرف
على الناسخ أو غيره. الرمز (س) إلى (ق). والله أعلم.

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
حفص بن عمر، عن قبيصة. وزعم بعضهم أن البخاري سمعه منه في
المذاكرة، وقد سلف في الوقف طرف منه(١).
وقوله: ( ((أنا ابن عبد المطلب)))، فيه النسبة إلى الجد، وأن يقول
أنا ابن فلان، للجد والنسبة للكافر، والنبي ◌ُّ لم يمسه ولادة حرام في
نسبه، وكذلك الأنبياء يدعون إلى آبائهم على حالهم على حكم الدنيا .
وفيه: أن قريشًا كلها من الأقربين إلى رسول الله وَئه .
وفيه: بداءة الشارع بقومه، فإذا قامت حجته عليهم قامت على من
سواهم ممن أمر بتبليغه.
وقوله: ( ((اشتروا أنفسكم من الله)) ) أي أسلموا تسلموا من عذاب
الله، فيكون ذلك كالاشتراء، كأنهم جعلوا إيمانهم وطاعتهم ثمنًا لنجاتهم
من العذاب.
وفيه: فضل صفية وتكنية المرأة حيث قال: ((يا أم الزبير بن العوام
عمة رسول الله)).
(١) على نحو هذا في موضعين أحدهما بالإفراد (قال لي)، وتقدم في الوصايا برقم
(٢٧٨٠) وبالجمع (قال لنا) برقم (٢٧٦٧).
قال الحافظ في ((نكته على ابن الصلاح)) ٦٠١/٢: رأيت في ((الصحيح)) [يعني:
البخاري] عدة أحاديث قال فيها (قال لنا فلان) وأوردها في تصانيفه خارج
((الجامع)) بلفظ حدثنا، ووجدت في ((الصحيح)) عكس ذلك، وفيه دليل على أنهما
مترادفان. أهـ
قلت: والذي زعم أنقطاع ذلك إنما هو مغربي غير معروف - كما قال ابن الصلاح
في ((مقدمته)) ص ٧٥-٧٦. والله أعلم.

٩١
- كِتَابُ المَنَاقِبِ
١٤ - باب ابن أُخْتِ القَوْمِ وَمَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ
٣٥٢٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ عَ﴾ قَالَ:
دَعَا النَّبِيُّ ◌َّهِ الأَنَّصَارَ فَقَالَ: ((هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟)). قَالُوا: لَا، إِلَّ ابن أُخْتِ
لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((ابْنُ أَخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ)). [انظر: ٣١٤٦ - مسلم: ١٠٥٩ -
فتح: ٦ /٥٥٢]
ذكر فيه حديث أنس قال: دَعَا النَّبِيُّ وَِّ الأَنْصَارَ خاصة فَقَالَ:
((هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟)). قَالُوا: لَا، إِلَّا ابن أُخْتٍ لَنَا. فَقَالَ رَ :
((ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ)).
ويأتي في المغازي(١) والفرائض(٢)، وأخرجه مسلم أيضًا(٣)،
والنسائي(٤) والترمذي(٥)، وقال: حسن صحيح، وهو ظاهر فيما
ترجم له.
ويستدل به من يورث الخال وذوي الأرحام إذا لم يكن عصبة
ولا صاحب فرض مسمى، وهو أبو حنيفة وأصحابه(٦)، وأحمد(٧)،
وفيه أحاديث أخر متكلم فيها وإن صحح الحاكم بعضها كحديث
عائشة رضي الله عنها: ((الخال وارث من لا وارث له))(٨).
(١) برقم (٤٣٣٤) باب: غزوة الطائف.
(٢) برقم (٦٧٢٢) باب: مولى القوم من أنفسهم.
(٣) برقم (١٠٥٩) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام ..
(٤) ((سنن النسائي)) ١٠٦/٥.
(٥) برقم (٣٩٠١).
(٦) ((المبسوط)) ٣/٣٠، وأصحاب أبي حنيفة في هذا القول هم: أبو يوسف ومحمد
وزفر وعيسى بن أبان.
(٧) ((المغني)) ٩/ ٨٢.
(٨) ((المستدرك)) ٣٤٤/٢.

٩٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال الدار قطني: رفعه وَهَمٌ (١).
ومنها حديث المقدام بن معدي كرب وقد اختلف في إسناده،
وخالفهما مالك والشافعي (٢) وآخرون.
وعلى الأول هل يقدم مولى العتاقة عليه؟ فيه خلاف.
(١) ((علل الدارقطني)) ٥/ ق ١٤ أ-ب بمعناه.
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) ٦/٦.

=
كِتَابُ المَنَاقِبِ
٩٣
صَلى الله
وسلم:
١٥ - باب قِصَّةِ الحَبَشِ، وَقَوْلِ النَّبِيّ
(يَا بَنِي أَرْفَدَةَ))
٣٥٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَظُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامٍ مِنَّى تُدَفِّقَانِ
وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ ◌َ مُتَغَشِّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ وََّ عَنْ وَجْهِهِ
فَقَالَ: ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ)) وَتِلْكَ الأْيَّامُ أَيَّامُ مِنَّى. [انظر: ٩٤٩ -
مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٥٥٣/٦]
٣٥٣٠ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الَحَبَشَةِ وَهُمْ
يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ [عُمَرُأَ فَقَالَ النَّبِيُّ وَجَهَ: «دَعْهُمْ، أَمْنَا بَنِي أَرْفَدَةَ)).
يَغْنِي: مِنَ الأمْنِ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ٦ /٥٥٣]
ثم ساق حديث عائشة رضي الله عنهما فيه بطوله، وقد سلف في
العيدين وغيره(١)، وكانتا تذكران من الشعر ما ليس فيه خناء من غير
أن يميلا بصوتيهما، ويرفعاه بما يلهي ويطرب.
قال الشيخ أبو الحسن: أيام منى أربعة، وقد سماها الشارع أيام
عيد، فالعيد إذن أربعة أيام، قال ابن التين: وهذا يحتمل؛ لأنه يكون
(١) تقدم برقم (٩٤٩، ٩٥٠) كتاب: العيدين، باب: الحراب والدرق يوم العيد وبرقم
(٤٥٤) كتاب: الجمعة، باب: أصحاب الحراب في المسجد.
وبرقم (٩٨٧، ٩٨٨) كتاب: العيدين، باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين.
وبرقم (٢٩٠٦، ٢٩٠٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: الدرق.
وبرقم (٥١٩٠) كتاب: النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل.
وبرقم (٥٢٣٦) كتاب: النكاح، باب: نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة.
ورواه مسلم برقم (٨٩٢) كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي
لا معصية فيه في أيام العيد.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ذلك يوم ثاني العيد أو ثالثه، فإذا كان كذلك وهو من أيام منى سقط
ما ذكره، لا يقال إنه على عمومه لأن دعوى العموم في الأفعال غير
صحيح عند الأكثر؛ لأنها قضية عين.
قال الداودي: واستجاز قوم من المجان الغناء واحتجوا بهذا
الحديث وهو فاسد لأن هؤلاء لم يخرجوا في قولهم إلى ما يوجب
الطرب ومع (هذا)(١) فإن نية الفريقين مختلفة هؤلاء يريدون (راحة)(٢)
النفس لتقوى على أداء الفرض، وهؤلاء يريدون اللهو، وهذا من حمل
الشيء على ضده، وتمثيل النور بالظلمة، ولبس الحق بالباطل(٣)،
وأما لعب الحبشة ففيه دربة للقوة على قتال العدو.
(١) في الأصل: ذلك، والمثبت من وَله.
(٢) في الأصل أحد، والمثبت من (ص١).
(٣) قال العلامة الألباني في (تحريم آلات الطرب)) ص (١٧٧): إن حسن النية
لا يجعل المحرم حلالاً، فضلًا عن أن يجعل قربة إلى الله. أهـ
قلت: ولا يَرِد على هذا قول المجيز للغناء بدعوى حسن النية مستدلاً بقوله وَلّ:
((إنما الأعمال بالنيات)) ومن شأن هذه الدعوى هدم أركان الدين التي تستبيح
حرمات الله، ولو أنصف هذا المجيز لما تكلم في دين الله بغير علم ولما تجرأ على
فهم كلام الله وكلام رسوله على مراده وفهمه القاصر، ولله در الشافعي حين قال:
نؤمن بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله ونؤمن برسول الله وبما جاء عن رسول
الله على مراد رسول الله ◌َ له .. فلو قال لك قائل أنا أشرب الخمر بدعوى تذكر خمر
الجنة أو أسرق لأنفق على الفقراء والمساكين أو لأتصدق أليس في هذا استباحة
لحرمات الله واستخفافًا بالدين، وفتح باب للمجان والفساق ليستبيحوا ما حرم الله
بدعوى حسن النية؟ أما يعلم هذا المريض أن قوله ◌َله: ((إنما الأعمال بالنيات))
أي: الأعمال الصالحة وليست الفاسدة، الأعمال التي يراد بها وجه الله، لا وجه
الشيطان وصدق ربي حين قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَِّ فِ الصُّدُورِ﴾.
وقال ربي جل وعلا: ﴿أَرَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَلُ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (®)﴾
.
وانظر: ((تحريم آلات الطرب)) ص (١٧٧).

٩٥
كِتَابُ المَنَاقِبِ
١٦ - باب مَنْ أَحَبَّ أَنْ لَا يُسَبَّ نَسَبُهُ
٣٥٣١ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: أَسْتَأْذَنَ حَسَّانُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، قَالَ:
((كَيْفَ بِنَسَبِي؟)). فَقَالَ حَسَّانُ: لِأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ.
وَعَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبُّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ
يُنَافِحُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. [٤١٤٥، ٦١٥٠ - مسلم: ٢٤٨٧، ٢٤٨٩ - فتح: ٦ /٥٥٣]
ذكر فيه حديث هشام عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَسْتَأْذَنَ
حَسَّانُ النَّبِيَّ وَّهِ فِي هِجَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: ((كَيْفَ بِنَسَبِي؟)). قَالَ
حَسَّانُ: لأَّسُلَّنَكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ .
وَعَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ رضي الله عنها،
فَقَالَتْ: لَا تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رسول الله وَلِ.
قيل: إنما كان ذلك بعد أن دعاه رسول الله وَ لّه إلى ذلك، وقال: ((ما
من قوم نصروا أحدًا بأسيافهم إلا كان حقًّا عليهم أن ينصروه بألسنتهم))
وكان شتم المشركين يشتد عليه ويؤذيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ
[الحجر: ٩٧] ثم عزاه فقال: ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ
يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] ولما قال ذلك أتاه حسان
يضرب بلسانه أنفه، وكان طويل اللسان، فقال: والله يا نبي الله
لأفرينهم فري الأديم، فقال: ((وكيف وإن لي فيهم حسبًا)) فقال: والله
لأسلنك منهم سل الشعرة من العجين.
ولما هجاهم قال ◌َ: ((والله إنه عليهم لأشد من رشق النبل))
ولاشك أن من سب أصله لحقه الأذى، كان عمر إذا لقي عكرمة بن
أبي جهل يسب أبا جهل فيذكر ذلك لرسول الله فقال: ((لا تسب

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الميت لتؤذوا به الحي)).
وقول عروة: (ذهبت أسُبُّ حسان عند عائشة رضي الله عنها) فيما
كان أتبع به عائشة رضي الله عنها وكانت لا تستحل من أحد شيئًا؛
لأن حسانًا ذهب ما يلحقه ذلك بإقامة الحد عليه(١) والحدود كفارة
لما جعلت فيه، وكان حسان يجلس عند عائشة وينشدها الشعر فقيل
لها: أتدخلينه عليك وقد قال ما قال والله يقول: ﴿وَلَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُ
مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]؟! فقالت: عذب بذهاب بصره.
وأنكر ذلك لأن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي. ومعنى ينافح:
يرامي ويدافع.
(١) في هامش الأصل: هذا على قول، والذي يظهر لي أن الراجح أنهم حدوا، وقد
جزم به البخاري في أواخر الصحيح.

٩٧
ـ كِتَابُ المَنَاقِبِ
صَلى اللّه
عَلبـ
وَسلم
١٧ - باب مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ رَسُولِ اللَّهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَاءُ عَلَى الْكُغَارِ﴾
[الفتح: ٢٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ، أَحْمَدٌ﴾ [الصف: ٦].
٣٥٣٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَغْنٌ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن
شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ نَُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((لِي
خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الذِي يَمْحُو اللهُ بِي الكُفْرَ،
وَأَنَا الحَاشِرُ الذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ)). [٤٨٩٦ - مسلم:
٢٣٥٤ - فتح: ٥٥٤/٦]
٣٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي
شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟! يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمَا وَأَنَا مُحَمَّدٌ)). [فتح:
٥٥٤/٦]
ثم ساق عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (لي خَمْسَةٌ
أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ،ً وَأَنَا المَاحِي الذِي يَمْحُو اللهُ بِي الكُفْرَ،
وَأَنَا الحَاشِرُ الذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ)).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ
يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟! يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا
وَأَنَا مُحَمَّدٌ)).
الشرح :
حديث جبير بن مطعم أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي لفظ بعد: و((أنا
العاقب الذي ليس بعده أحد)).
(١) برقم (٢٣٥٤) كتاب: الفضائل، باب: أسمائه وَل.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي رواية لمسلم قال معمر: قلت للزهري: وما العاقب قال: الذي
ليس بعده نبي (١)، فيحتمل - كما قال البيهقي - أن يكون تفسير العاقب
من قوله(٢).
قلت: والظاهر رفعه وهو صريح رواية الترمذي، ((وأنا العاقب الذي
ليس بعدي نبي)» ثم قال: حسن صحيح(٣)، وفي رواية لمسلم: وقد
سماه الله رءوفًا رحيمًا، وهي من قول الزهري (٤)، وفي رواية ((لي
خمسة أسماء)) فعدهن، وفي آخرها: ((وأنا العاقب)) يعني الخاتم (٥)،
وفي رواية: ((وأنا الخاتم والعاقب)) فعدهن مع الخاتم ستة (٦)، وفي
رواية قال نافع بن جبير بن مطعم: فأما حاشر فبعث مع الساعة نذيرًا
لكم بين يدي عذاب شديد، وأما عاقب فإنه عقب الأنبياء، وأما
ماحي فإن الله محا به سيئات من أتبعه، ذكرها البيهقي في
((دلائله))(٧)، وفي رواية: وأنا نبي الملحمة بعثت بالحصاد ولم أبعث
بالزراعة. أفادها ابن دحية في ((المستوفى في أسماء المصطفى)) من
حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه وهذا
إسناد صحيح (٨).
(١) برقم (٢٣٥٤) كتاب: الفضائل، باب: في أسمائه ◌َّلد. وقوله (قال معمر) فيه نظر،
فالذي في ((صحيح مسلم)) (قال عقيل)، وهو من طبقة معمر. فلعله تحريف. والله أعلم.
(٢) ((دلائل النبوة)) ١٥٤/١.
(٣) برقم (٢٨٤٠).
(٤) مسلم (١٢٥/٢٣٥٤)، وجزم البيهقي في ((دلائله)) ١٥٤/١، بأنها من قول الزهري.
(٥) ((دلائل النبوة)) ١/ ١٥٤.
(٦) رواه أحمد ٨٤/٤، والبيهقي في ((دلائله)) ١٥٥/١.
(٧) ((دلائل النبوة)) ١٥٦/١.
(٨) ورواه ابن سعد في (الطبقات)) ١/ ١٠٥ من طريق الفضل بن دكين، عن ابن عيينة، به.

٩٩
ـ كِتَابُ المَنَاقِبِ
قلت: وله شاهد من حديث أبي موسى قال: كان رسول الله وعَظله
سمى لنا نفسه أسماء فقال: ((أنا محمد، وأنا أحمد، والحاشر، والمقفي،
ونبي التوبة، والملحمة)) أخرجه مسلم(١). والمقفي: الذي ليس بعده نبي
كذا جاء مفسرًا، وقيل هو المتبع آثار من قبله من الأنبياء.
وروى الأعمش، عن أبي صالح قال رسول الله وَل ير: ((أيها الناس
إنما أنا رحمة مهداة)) (٢) قال البيهقي: هذا إسناد منقطع(٣)، وروي
موصولًا من حديث أبي هريرة فذكره بلفظ: ((إنما أنا رحمة مهداة)) (٤).
وفي لفظ: ((يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة))(٥)، وأخرج البيهقي من
طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما اسمه طه (٦).
(١) مسلم (٢٣٥٥) كتاب: الفضائل، باب: في أسمائه وَّ﴾. وفي النسخ المطبوعة منه:
الرحمة، بدل الملحمة.
وفي ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٢٢ للقاضي عياض قال: ووقع في بعض روايات مسلم
مكان الرحمة: الملحمة، وهذا أيضًا صحيح المعنى، فقد جاء مفسرًّا في حديث
حذيفة: ((ونبي الملاحم)). أهــ وعدد القرطبي في ((المفهم)) ١٤٧/٦ ثلاث روايات
في هذا الموضع فقال: و(نبي الرحمة))، وفي أخرى: ((المرحمة))، وفي أخرى:
((الملحمة)) .. وأما من روى نبي الملحمة فهذا صحيح نعته ومعلوم في الكتب
القديمة من وصفه.ا.هـ واكتفى النووي في ((شرحه على مسلم)) ١٥/ ١٠٤ -١٠٦
على روايتي: الرحمة والمرحمة. اهـ
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) ١٩٢/١، وابن الأعرابي ((المعجم)) ٥٥٦/٢
(١٠٨٨)، والبيهقي في ((دلائله)) ١٥٩/١، وصحيح الألباني إسناده مع إرساله في
((السلسلة)) (٤٩٠).
(٣) ((دلائل النبوة)) ١٥٩/١.
(٤) ((دلائل النبوة)) ١٥٨/١.
(٥) رواه الدارمي ١٦٦/١ (١٥)، والحاكم ٣٥/١، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٥٨/١،
والحديث تفرد به مالك بن سعير عن الأعمش، قال الحاكم: على شرطهما،
والتفرد من الثقات مقبول.
(٦) ((دلائل النبوة)) ١٥٩/١، وفيه أنها لغة لِعَكّ.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح _
أي: طأ الأرض يا محمد، ذكره عبد بن حميد في ((تفسيره)) من
حديث الربيع بن أنس(١) .
وقيل: أراد يا طاهر من الذنوب والعيوب حكاه عياض.
قال الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء (ذوو)(٢) أسمين محمد
وأحمد نبينا، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو
النون، وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم (٣). قال أبو زكريا
يحيى بن محمد العنبري: ولنبينا خمسة أسماء في القرآن محمد
وأحمد وعبد الله وطه ویاسین.
وزاد غيره من أهل العلم فقال: سماه الله في القرآن رسولًا نبيًّا أميًّا،
وسماه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ورءوفًا
رحيمًا، ونذيرًا مبينا، وسماه مذكرًا، ونعمة وهاديًا وعبدًا. قلت:
والمزمل، والمدثر كما قاله النقاش في ((تفسيره)).
والنور، والشهيد، والحق المبين، والأمين، وقدم الصدق، ونعمة
الله، والعروة الوثقى، والصراط المستقيم، والنجم الثاقب، والکریم،
وداعي الله. وقال كعب: قال الله تعالى: محمد رسول الله عبدي
المتوكل المختار.
وروى البيهقي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد قال: سمعته
يقول: أجتمعوا فتذاكروا أي بيت أحسن فيما قالته العرب؟ قالوا:
الذي قال أبو طالب لرسول الله وَالآتي :
(١) ورواه أيضًا ابن المنذر كما في ((الدر المنثور)) ٥١٦/٤.
(٢) في الأصل بواو واحدة، وفي ((العين)) بواوين.
(٣) ((العين)) ١٨٩/٣، مادة: (حمد).