Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
= ڪِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض. ومعنى الحديث: أن الله لم يضع النبوة
في الملوك وأبناء الدنيا المترفين، وإنما جعلها في رعاء الشاء وأهل
التواضع من أصحاب الحرف، كما روي أن أيوب كان خياطًا، وزكريا
نجارًا، وقد قص الله من نبإ موسى وشعيب واستئجاره إياه في رعي
الغنم، والله أعلم حيث يجعل رسالاته. والحكمة في رعايتهم: التدريج
إلى سياسة العالم إذ الرعي يقتضي مصلحة الغنم، ويقوم بكلفتها،
ومن تدرب على هذا وأحكمه تمكن من سياسة الخلق ورحمتهم
والرفق بهم، وخصت بالغنم لما فيها من السكينة وطلب العافية
والتواضع، وهي صفات الأنبياء. قال ◌َله: ((السكينة في أهل الغنم))(١).
فصل :
كان جناؤهم للكباث أول الأمر عند تعذر الأقوات، فإذا أغنى الله
عباده فلا حاجة بهم إليه .
فصل :
إن قلت: ما وجه مناسبة الحديث في الباب؟ فقد قال بعض
شيوخنا: لا مناسبة. قلت: مناسبته ظاهرة لدخول موسى فيمن رعى
الغنم .
فصل :
معنى ﴿یَعَكُفُونَ﴾ یقیمون
مُتَّـ
مهلك أو مفسد .
(١) سلف برقم (٣٣٠١) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها
شعف الجبال، ورواه مسلم (٥٢) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان
فیه، ورجحان أهل اليمن فيه.

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٠ - باب ﴿وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ
الآيَةَ [البقرة: ٦٧]
قَالَ أَبُو العَالِيَةِ: العَوَانُ: النَّصَفُ بَيْنَ البِكْرِ وَالْهَرِمَةِ.
﴿فَاقِعٌ﴾ [البقرة: ٦٩]: صَافٍ. ﴿لَا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١]: لَمْ
يُذِلَّهَا العَمَلُ، ﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١] لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ
الأَرْضَ، وَلَا تَعْمَلُ فِي الحَرْثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [البقرة: ٧١]: مِنَ
العُيُوبِ. ﴿لَّا شِيَةَ﴾ [البقرة: ٧١]: بَيَاضٌ. ﴿صَفْرَآءُ﴾
[البقرة: ٦٩]: إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ، وَيُقَالُ: صَفْرَاءُ، كَقَوْلِهِ :
﴿جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٧١]. ﴿فَاَدَّارَْتُمْ﴾ [البقرة: ٧٢]:
اخْتَلَفْتُمْ. [فتح: ٤٣٩/٦]
الشرح :
تفسير أبي العالية رواه الطبري عن سلمة، عن أبي إسحاق، عن
الزهري عنه (١). وقاله ابن عباس أيضًا(٢)؛ لأن الفارض (الكبيرة)(٣)
والبكر: الصغيرة. وقال مجاهد: (﴿العوان﴾) التي قد ولدت بطنا
أو بطنين(٤). قيل: وهو المعروف عند العرب. وما ذكره في
(﴿فَاقِعٌ﴾) قاله قتادة(٥). وقال الكسائي: فقع يفقع إذا خلصت
صفرته. وقوله: (﴿يُثِيرُ الْأَرْضَ﴾) قال مجاهد: لم تذلل بالعمل فتثير
(١) رواه الطبري ٣٨٥/١ (١٢١٥) من طريق الربيع، عن أبي العالية.
(٢) رواه الطبري في ((التفسير)) ٣٨٥/١ (١٢١٤).
(٣)
في الأصول: (البكرة).
(٤) رواه الطبري ٣٨٥/١ (١٢٠٩).
(٥) رواه الطبري ٣٨٨/١ (١٢٢٩).

٤٨٣
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
الأرض(١).
وقيل: المعنى ليست ذلولًا وهي تثير الأرض. فجعل تثير مستأنفًا،
ورجح الأول، لأن قوله: ﴿وَلَا تَسْقِى الْحَرَثَ﴾ لابد أن يكون معطوفًا على
نفي، والمعنى: لا تثير ولا تسقي. وما ذكره في (﴿مُسَلَّمَةٌ﴾) هو قول
قتادة. وقال غيره: من العمل. وقال مجاهد: من الشية لا بياض فيه
ولا سواد، وقيل: في ﴿لَّا شِيَةَ﴾: لا لون فيها يخالف للونها،
وما ذكره في (﴿صَفْرَآءُ﴾) أنكره بعض أهل النظر، وقال: لأنه
لا يجوز: سوداء فاقع، إنما يقال أصفر فاقع وأسود حالك وأحمر
قانئ، ونحو ذلك، وقال سعيد بن جبير: صفراء القرن والظلف.
وقوله: ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ قال محمد بن كعب: لغلاء ثمنها .
وقال وهب بن منبه: لخوف الفضيحة في القاتل. قال أبو عبيدة:
اشتروها بملء جلدها دنانير. وقال عكرمة: ما كان ثمنها إلا ثلاثة
دنانير. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله وَ ر كان يقول: ((إنما أمر
القوم بأدنى بقرة ولكن لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي
نفسي بيده لو لم يستثنوا ما بينت لهم))(٢).
وقوله: (﴿جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾) جمالة: جمع جمل وجمع الجمع
جمالات، و﴿صفر﴾ عند مجاهد سود. وقيل: إنما قيل للجمل
الأسود: أصفر؛ لأنه لا يوجد جمل أسود إلا وهو مشوب بصفرة.
(١) رواه الطبري بنحوه ٣٩٤/١ (١٢٥٦)، وأورده السيوطي في ((الدر)) ١٥٢/١
وأضاف عزوه إلى عبد بن حميد.
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٩٠/١ (١٢٤٨).

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣١ - باب وَفَاةٍ مُوسَى، وَذِكْرِهِ بَعْدُ
٣٤٠٧ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابن
طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أُزْسِلَ مَلَكُ الموتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا
السَّلَامُ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدِ لَا يُرِيدُ اَلَمْتَ.
قَالَ: أَرْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَثْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ.
قَالَ: أي رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا قَالَ ثُمَّ الموتُ. قَالَ: فَالآنَ. قَالَ: فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرَضِ
الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لِأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ
إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ ».
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بََِّّ نَحْوَهُ. [انظر:
١٣٣٩ - مسلم: ٢٣٧٢ - فتح: ٦ /٤٤٠]
٣٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ
بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ
وَرَجُلٌ مِنَ اليَّهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي أَصْطَفَى مُحَمَّدَا فَّهِ عَلَى العَالَيْنَ - فِي قَسَم
يُقْسِمُ بِهِ - فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي أَصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدً
ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَأَخْبَرَهُ الذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ
وَأَمْرِ المسْلِمِ، فَقَالَ: ((لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ
مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِئٌ بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ
فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنِ اُسْتَثْنَى اللهُ)). [انظر: ٢٤١١ - مسلم: ٢٣٧٣ - فتح: ٦ / ٤٤١]
٣٤٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّمَ: ((احْتَجَّ آدَمُ
وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الذِي أَخْرَ جَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ. فَقَالَ
لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الذِي أَصْطَفَاَكَ اللهُ بِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى
أَمْرِ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ!)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَجَه: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)) مَرَّتَيْنِ.

٤٨٥
= ڪِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
[٤٧٣٦، ٤٧٣٨، ٦٦١٤، ٧٥١٥ - مسلم: ٢٦٥٢ - فتح: ٦ / ٤٤١]
٣٤١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ وَ يَوْمًا
قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأَفْقَ، فَقِيلَ: هذا مُوسَى
فِي قَوْمِهِ)). [٥٧٠٥، ٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١ - مسلم: ٢٢٠ - فتح ٦ / ٤٤١]
ذكر فيه أربعة أحاديث :
أحدها:
حديث أبي هريرة : أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى .. الحديث.
وقد سلف في الجنائز في باب: من أحب الدفن في الأرض المقدسة.
والمتن: بفتح الميم وإسكان التاء مكتنف الصلب من العصب
واللحم. و(الكثيب): كثيب الرمل. ولما رواه أولًا من طريق عبد الرزاق،
أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: وأنا معمر،
عن همام، ثنا أبو هريرة، عن رسول الله وَل نحوه.
الحديث الثاني:
حديث أبي هريرة ﴾ ..
((فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ .. )) الحديث. وقد سلف، ويأتي
في التفسير والتوحيد والرقاق وأحاديث الأنبياء(١).
(١) سيأتي برقم (٤٨١٣) في كتاب التفسير، باب قوله ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ﴾ وبرقم (٧٤٢٨) في كتاب التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾، وبرقم (٦٥١٧) في كتاب الرَّقاق، باب: نفخ الصور، وبرقم
(٣٤١٤) في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ
الْمُرْسَلِينَ﴾.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه مسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي(١) أيضًا ومعنى
باطش : آخذ.
الحديث الثالث :
حديث أبي هريرة أيضًا .. ((احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى)) وقد سلف أيضًا،
ويأتي في التفسير في مواضع والنذور والقدر، وأخرجه مسلم أيضًا
والأربعة(٢)، ومعناه: تحاجا، إما أن تكون أرواحهما تحاجت،
أو يكون ذلك يوم القيامة، والأول أظهر. قال عياض: ويحتمل أن
يحمل على ظاهره وأنهما اجتمعا بأشخاصهما، وقد ثبت في حديث
الإسراء: أنه ◌َّ اجتمع بالأنبياء في السموات وفي بيت المقدس
وصلى بهم، ولا يبعد أن الله تعالى أحياهم كما أحيا الشهداء،
ويحتمل أن ذلك جرى في حياة موسى(٣). وفيه استقصاؤه لعلم
موسى يقول: إذ جعلك الله بالصفة التي أنت بها من الأصطفاء
بالرسالة وبالكلام فكيف يسعك لومي على القدر وهو لا مدفع له؟
ومعنى ( ((فحج آدم موسى)) ): غلبه بالحجة.
قال الخطابي: إنما حاجه آدم في ذم اللوم، إذ ليس لآدمي أن يلوم
أحدًا، وقد جاء في الحديث: ((انظروا إلى الناس (كأنكم) عبيد
ولا تنظروا إليهم (كأنكم) (٤) أرباب))(٥) .
(١) أبو داود (٤٦٧١)، الترمذي (٣٢٤٥)، النسائي في ((الكبرى)) ٤١٨/٤ (٧٧٥٨).
(٢) رواه أبو داود (٤٧٠١)، والترمذي (٢١٣٤)، وابن ماجه (٨٠)، والنسائي في
«الكبرى» ٢٨٤/٦ (١٠٩٨٥).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٨/ ١٣٧.
(٤) في الأصول : (كانهم) في الموضعين، والمثتب من ((معالم السنن)).
(٥) روى مالك في ((الموطأ)) ص٦١٠ (٨) أنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقول:
ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد.

٤٨٧
= ڪِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
فأما الحكم الذي تنازعاه فهم في ذلك على السواء لا يقدر أحد أن
يسقط الأصل الذي هو القدر، ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب،
ومن فعل واحدًا منهما خرج عن القصد إلى أحد الطرفين من مذهب
القدرية والجبرية.
وحقيقة غلبة آدم موسى أنه دفع حجة موسى التي ألزمه بها اللوم.
وذلك أن الابتداء بالمسألة والاعتراض إنما كان من موسى، ولم يكن
من آدم إنكار لما اقترفه من الذنب إنما عارضه بأمر كان فيه دفع
اللوم، فكان أصوب الناس ما ذهب إليه آدم. قال: وقد كنا أولناه
على وجه آخر في شرح ((معالم السنن))، وهذا أولى الوجهين(١).
وقال الداودي: حاجه موسى في إخراجه الناس من الجنة، فاحتج
آدم بما سبق في علم الله أنه خلقه ليكون خليفة، ولم يحتج لما عصى.
وقيل: أنكر عليه أن يلومه على أمر تاب الله عليه منه. وأما غيره من
الناس فيحتج عليه ويلام إذ لا ندري هل ينجو منه؟ وبوب عليه في
(الموطأ)): النهي عن القول بالقدر(٢). وقيل: اللوم إلى الله لا إلى
موسى(٣) .
الحديث الرابع :
حديث حصين بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رسول الله وَ
يَوْمًا فقَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأَفْقَ،
(١) ((أعلام الحديث)) ٣/ ١٥٥٥- ١٥٥٦، ((معالم السنن)) ٢٩٧/٤ - ٢٩٨.
(٢) ((الموطأ)) ص ٥٦٠.
(٣) أنظر تفصيل هذه المسألة في ((شفاء العليل)) لابن القيم ٨٣/١-٩٧.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فَقِيلَ: هذا مُوسَى فِي قَوْمِهِ)).
هذا حديث اختصره هنا وطوله في الصيد وفي الرقاق بزيادة (١)،
وهذا صريح في كثرة أمة موسى.
قال ابن التين: والذي تدل عليه الأحاديث أن أمة موسى أكثر الأمم
بعد أمة نبينا عليهما أفضل الصلاة والسلام.
فائدة :
(حصين) الأول من أفراد البخاري، والثاني أخرجوا له، وفيه وفي
((مسلم)): حصين بن عبد الرحمن السالمي، وفي ((السنن)): حصين جماعة.
فائدة :
ذكر الثعلبي عن وهب بن منبه أن موسى خرج لبعض حاجته، فمر
برهط من الملائكة يحفرون قبرًا لم ير أحسن منه، فقال: ملائكة الله لمن
هذا؟ قالوا: لعبدٍ كريم على الله، أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت.
(قال)(٢): فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك، فلما فعل قبض ..
وقيل: إن ملك الموت أتاه، فقال: يا موسى أشربت شيئًا؟ قال:
لا. قال: فاستنكهه فقبض روحه. وقيل: بل أتاه بتفاحة من الجنة
فشمها فمات. وكان عمره مائة وعشرين سنة.
وعن ابن مسعود وغيره من الصحابة أن موسى ويوشع عليهما السلام
بينا هما يمشيان إذ أقبلت ريح سوداء، فلما رآها يوشع ظن أنها الساعة
فالتزم موسى، فانسل موسى وترك القميص في يده، فقالت بنو إسرائيل :
(١) لم نجده في كتاب الصيد، وسيأتي في الرقاق برقم (٦٥٤١) باب: يدخل الجنة
سبعون ألفًا بغير حساب.
(٢) هكذا في الأصول، ولعل الصواب: (قالوا).
٠

٤٨٩
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
قتلت موسى فأرادوا قتله، فدعا يوشع، فأتي كل رجل ممن كان يحرسه
في المنام، فأخبر أن موسى رفعناه إلينا(١).
وذكر ابن إسحاق أن يوشع لما تمنى في حياته، كَرِه الحياة وأحب
الموت.
(١) أنظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير ١٩٨/١.

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٢ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا .. )
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ [التحريم: ١١-١٢]
٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
مُرََّ الهَمْدَانِيّ، عَنْ أَبِي مُوسَى عَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﴿: «كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ،
وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ
عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَام)). [٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨ ٠
مسلم: ٢٤٣١ - فتح: ٦ / ٤٤٩]
ثم ساق حديث أبي موسى : ((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ
مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى
النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَام)).
الشرح :
هذا الحديث يأتي قريبًا. وأخرجه أيضًا في فضل عائشة رضي الله
عنها في موضعين، وفي الأطعمة(١)، وأخرجه مسلم، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه(٢) .
وقوله: (﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾) أي: وصف المؤمنين بما وصف به أمرأة
فرعون، وذلك أنها اختارت القتل على ذهاب دينها ورفضت الملك،
(١) سيأتي قريبًا برقم (٣٤٣٣)، وفي فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة رضي الله
عنها برقم (٣٧٦٩)، ومن حديث أنس برقم (٣٧٧٠)، وفي الأطعمة برقم (٥٤١٨)
باب: الثريد.
(٢) مسلم (٢٤٣١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل خديجة رضي الله عنها،
والترمذي (١٨٣٤)، وابن ماجه (٣٢٨٠)، والنسائى فى ((الكبرى)) ٩٣/٥
(٨٣٥٣)، (٨٣٥٦).

٤٩١
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
وكانت لها فراسة حين قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِيِ وَلَكٌ﴾ [القصص: ٩]. و(آسية):
هي ابنة مزاحم ابنة عمة فرعون. وقيل: إنها من العماليق. وقيل: من بني
إسرائيل من سبط موسى. قال السهيلي: وقيل هي عمة موسى.
وأما (مريم)، فكل مولود يطعن الشيطان في جنبه إلا هي وابنها؛ لقول
أمها: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]،
وقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن ◌ُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]. قال قتادة: نفخنا
في جيبها (١). قال الفراء: كل خرق في درع أو غيره فهو فرج (٢).
ورد بأن العرب إنما تقول: أحصنت فرجها من الفرج بعينه.
ومعنى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ جعلنا فيه الروح التي لنا، على أن أبا صالح
قال: جاءها الملك فنفخ في جيبها فدخل الفرج فحملت بعيسى(٣).
وما ذكر في عائشة رضي الله عنها يحتمل أن يريد نساء عصرها
أو سائرهن أو أمهات المؤمنين. وقال ◌َله: ((خير نسائها مريم وخير
نسائها خديجة)) (٤) والعرب تعم الخصوص وتخص العموم. والله أعلم
أي ذلك أراد أنهن أفضل.
(١) ((تفسير الطبري)) ١٢/ ١٦٣ (٣٤٤٧٥).
(٢) ((معاني القرآن)) ١٦٩/٣.
(٣) رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، كما ذكر السيوطي في ((الدر
المنثور)) ٤ / ٤٨٠.
(٤) سيأتي قريبًا برقم (٣٤٣٢) باب: ﴿وَإِذْ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ﴾، ورواه مسلم (٢٤٣٠)
كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٣ - بابَّ: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى﴾ الآيَةَ
[القصص: ٧٦]
﴿لَنَنُواْ﴾ [القصص: ٧٦]: لَتَثْقِلُ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما: ﴿أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] لَا يَرْفَعُهَا العُصْبَةُ مِنَ
الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿اَلْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]: المَرِحِينَ
﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٨٢] مثل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ
الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ﴾ [الروم: ٣٧] يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ.
[فتح: ٤٤٨/٦]
الشرح :
معنى كان من قومه: ابن عمه، كما سلف قريبًا بحكاية خسف
الأرض به، وقد صرح به النخعي.
واسم أبيه صافر بن قاهث بن يصهر بن عازر بن لاوي بن يعقوب.
وكان سكنه تنيس، وما والاها من أسفل الأرض. ولما سكن
عبد العزيز بن الجروي تنيس عثر على بعض ماله، فحصل منه
ما لا يعلمه إلا الله تعالى بحيث أنه لما توفي تورع ابنه الحسن شيخ
البخاري عن أخذ إرثه منه؛ لأنه لم يستطبه، فقال أخوه علي لما ملك
تنيس: يا أخي إني قد أستطبت لك من مال أبيك مائة ألف دينار
فخذها، فقال: أنا تركت الكثير من ماله، فكيف آخذ القليل؟ ذكره
صاحب ((تاريخها)).
ومعنى (﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾) تجاوز في معاندة موسى والتكذيب به.
وقوله: (﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾) قال خيثمة: كانت من جلودٍ -أي الإبل،
كما قاله مجاهد- وكل مفتاح فيها على قدر الإصبع يحملها ستون بغلًا

٤٩٣
- كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
إذا ركب(١).
وقال ابن صالح: أربعون بغلًا(٢). وقال الضحاك: أربعون
رجلًا(٣).
قال ابن عيينة: العصبة أربعون. وقال مجاهد: من العشرة إلى
خمسة عشر (٤).
وقال ابن فارس: العصبة من الرجال نحو العشرة(٥). وقيل: هم من
العشرة إلى الأربعين. وقوله: (﴿لَنَنُوَأُ بِلْعُصْبَةِ﴾) تأويله: إن العصبة
لتنوء بها أي: تثقل، قاله أبو عبيدة (٦)، وغلط فيه وصحح قول ابن
زيد أنه يقال: ناوأت بالحمل إذا نهضت به على ثقل.
وقوله: (﴿اَلْفَرِحِينَ﴾: المرحين) أي: البطرين الذين لا يشكرون الله
فيما أولاهم.
وقوله: (﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾) قيل: العمل بطاعة الله.
وقيل: أمسك القوت وقدم ما فضل. وقال قتادة: أبتغ الحلال(٧).
وقيل: ولا تنس شكر نصيبك.
وقوله: (﴿عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾) قيل: كان من قراء بني إسرائيل التوراة،
(١) رواه الطبري في ((تفسيره) ١٠١/١٠ (٢٧٥٧٦)، (٢٧٥٧٨).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠/ ١٠٢ (٢٧٥٨٤) عن أبي صالح قال: أربعون رجلاً.
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠/ ١٠٢ (٢٧٥٨٦).
(٤) (تفسير مجاهد)) ٤٨٩/٢، ورواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠/ ١٠٢ (٢٧٥٩١).
(٥) ((مجمل اللغة)) ٦٧١/٣ - ٦٧٢ مادة [عصب].
(٦) ((مجاز القرآن)) ١١٠/٢.
(٧) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠٦/١٠ (٢٧٦١٥).

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والمعنى: إنما أوتيته على علم فيها. ومن قال: هي الكيمياء فباطل.
وكذا من قال: كان يوقف الرصاص.
وقيل: على علم بالوجوه التي تكتسب بها الأموال. وقال أبو زيد:
لولا رضاه عني ومعرفته بي ما أعطاني هذا وهذا.
وقوله: (﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ)) قال قتادة: خرجوا على أربعة
آلاف دابة، عليها ثياب حمر، منها ألف بغل بيض، عليها قطف حمر (١).
وقيل: خرج هو وأصحابه على أربعمائة بغلة شهباء عليها سروج
الأرجوان، وعلى الرجال ثياب حمر.
وقال مجاهد: خرجوا على براذن بيض عليها سروج أرجوان،
وعليهم المعصفر(٢). وقال: ﴿إِنَّمَا أُوِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىٌّ﴾ وما قال كقول
سليمان: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ﴾ [النمل: ٤٠].
وقوله: (﴿وَيْكَأَنَ اَللَّهَ﴾ مثل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ هو قول المفسرين.
قال قتادة: معناها أو لا يعلم (٣). وكتبت في المصحف متصلة، كأنه لما
كثر استعمالها جعلوها مع ما بعدها بمنزلة شيءٍ واحد.
وقال سيبويه: سألت الخليل عنها وعن ﴿وَبِكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾
[القصص: ٨٢] فزعم أنها وي مفصولة كأن (٤).
وقال الكسائي: وهي هنا صلة، وفيه معنى التعجب.
وقيل: (ويك) بمعنى ويلك، و(أن): منصوبة بإضمار أعلم.
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠٩/١٠ (٢٧٦٣٣).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره) ١٠/ ١٠٨ (٢٧٦٢٦).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) ١٠/ ١١٣ (٢٧٦٤٩).
(٤) ((الكتاب))١٥٤/٢.

٤٩٥
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
وأنكر هذا بأنه لم يخاطب في التلاوة أحدًا .
وقال قطرب: (وي) كلمة تفجع، و(كأن) حرف تشبيه. وذكر
الهروي عن الخليل: (ويك) كلمة و(أن) كلمة. وقال الفراء: سقط
ابن الأعرابي في ركيةٍ فسأل عنه أعرابيًا فقال: ويكأنه ما أخطأ
الركية. فجعلها كلمة موصولة.
١

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٤ - باب: قول الله تعالى:
ج
﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤]
وإِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ: ﴿وَسْئَلِ الْفَرْيَةَ﴾
[يوسف: ٨٢]: وَاسْأَلٍ ﴿وَالْعِيَرَ﴾ [يوسف: ٨٢]: يَعْنِي: أَهْلَ
القَرْيَةِ وَأَهْلَ العِيرِ ﴿وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِيّ﴾ [هود: ٩٢]: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ،
يُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتُ بحَاجَتِي وَجَعَلَتْنِي ظِهْرِيًّا،
قَالَ الظّهْرِيُّ: أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دَابَّةٌ أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ، مَكَانَتُهُمْ
وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ ﴿يَغْنَوْاْ﴾ [الأعراف: ٩٢]: يَعِيشُوا ﴿يَأْيَسُ﴾
[يوسف: ٨٧]: يَحْزَنُ ﴿ءَاسَى﴾ [الأعراف: ٩٣] أَحْزَنُ. وَقَالَ
الحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ [هود: ٨٧]: يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَيْكَةُ﴾ [الشعراء: ١٧٦]: الأَيْكَةُ ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾
[الشعراء: ١٨٩]: إِظْلَالُ العَذَابَ عَلَيْهِمْ. [فتح: ٤٤٩/٦]
الشرح: قال غير الحسن: معناه: لأنت الحليم الرشيد عند نفسك.
قاله الضحاك.
الأيكة: الغيضة ذات الشجر، وكذلك هو في اللغة. ويقال للشجرة:
أيكة، وجمعها: أيك. وقال: ليكة: القرية التي كانوا فيها، والأيكة:
البلاد كلها، وأنكر ذلك.
﴿اَلظلَّةِ﴾ قال ابن عباس: أصابهم حر شديد فدخلوا البيوت
فأخذتهم فخرجوا إلى البرية لا يسترهم شيء، فأرسل الله إليهم
سحابة، فهربوا إليها يستظلون تحتها ونادى بعضهم بعضًا، فلما
اجتمعوا تحتها أهلكهم الله (١) .
(١) (تفسير ابن أبي حاتم)) ٩/ ٢٨١٤ - ٢٨١٥ (١٥٩٢٦).

٤٩٧
كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
=
وقال مجاهد: لما اجتمعوا تحتها صيح بهم فهلكوا .
قال الجوهري: وقولهم ظهر فلان بحاجتي إذا استخف بها(١).
وما ذكره في قوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: أهل مدين إلى آخره، فيه نظر.
فقد ذكر أهل التاريخ: أن مدين المذكور في الآية هو: ابن إبراهيم
وشعیب: هو ابن صیفون.
ويقال ابن ملكا بن تويت بن مدين بن إبراهيم، وهو ظاهر التلاوة.
فإن قلت: أصحاب الأيكة هم مدين، وهم الذين أصابهم العذاب
يوم الظلة، وقد قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ﴾ [الشعراء: ١٧٧] ولم يقل
أخوهم. قلت: لما عرفهم بالنسب وهو جدهم فيه قال أخوهم، ولما
عرفهم بالأيكة التي أصابتهم فيها النقمة لم يقل أخوهم، وأخرجه
عنهم تنويهًا له وتعظيمًا. وذكر ابن قتيبة أن إبراهيم أبو جد شعيب.
وذكر وهب أن شعيبًا كان من ولد رهط آمنوا لإبراهيم يوم أحرق،
وهاجروا إلى الشام، فكل نبي قبل بني إسرائيل وبعد فمن ولد أولئك
الرهط. وجدة شعيب بنت لوط بن هاران.
وعاش ستمائة واثنتين وخمسين سنة فيما ذكر أبو المفاخر إسحاق بن
جبريل في ((تاريخه)). وقيل: كان شعيب خطيب الأنبياء.
قال عبد الملك بن مروان حدثني عن الحسن. قال: والله ما رئي قط
تاركًا لشيء يأمر به، ولا فاعلًا لشيء كان ينهى عنه. قال عبد الملك:
والله ما زاد على هذا لو كان العبد الصالح - يعني: شعيبًا - حيث يقول:
﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
(١) ((الصحاح)) ٧٣١/٢ مادة [ظهر].

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
قال مجاهد: مذنب. ﴿الْمَشْحُونِ﴾: الموقر. ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ
الآية. ﴿فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾: بوجه الأرض.
مِنَ الْمُسَبِحِينُّ
: من غير
١٤٦
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾. ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ
ذات أصل: الدباء ونحوه. ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ﴾ ﴿إِلَى
حِينٍ﴾ ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ الْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]
كَظِيمٌ : وَهْوَ مَغْمُومٌ.
٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَغْمَشُ.
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﴾،
عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ)). زَادَ مُسَدَّدٌ (يُونُسَ
ابْنِ مَتَّى)). [٤٦٠٣، ٤٨٠٤ - فتح: ٦ / ٤٥٠]
٣٤١٣ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيِ العَالِيَةِ، عَنِ
ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: إِ خَيْرٌ
مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)). وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. [انظر: ٣٣٩٥ - مسلم: ٢٣٧٧ - فتح: ٦ / ٤٥٠]
٣٤١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَغْرِضُ سِلْعَتَهُ
أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي أَصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ. فَسَمِعَهُ رَجُلٌ
مِنَ الأَنَّصَارِ، فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِي أَصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ،
وَالنَّبِيُّ ◌ََّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَذَهَبَ إِلَيْهِ، فَقَالَ أَا القَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدَا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ
لَطَمَ وَجْهِي؟ فَقَالَ: ((لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟)). فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ◌ََّ حَتَّى رُئِيَ فِي
وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ

٤٩٩
كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
=
فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُنْفَعُ فِيهِ أُخْرِىٌ، فَأَكُونُ
أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ
الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي)). [انظر: ٢٤١١ - مسلم: ٢٣٧٣ - فتح: ٦ / ٤٥٠]
٣٤١٥ - ((وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)). [٣٤١٦، ٤٦٠٤ ،
٤٦٣١، ٤٨٠٥ - مسلم: ٢٣٧٣، ٢٣٧٦ - فتح: ٦ / ٤٥١]
٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ
مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى)). [انظر: ٣٤١٥ - مسلم: ٢٣٧٣، ٢٣٧٦ - فتح: ٦ / ٤٥١]
الشرح :
قال ابن عيينة: من
قوله: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
المقمورين. وقال مجاهد: من المسهومين (١). قال طاوس: لما ركب
السفينة ركدت، فقالوا: فيها مشئوم فقارعوا، فوقعت على يونس
ثلاث مرات فالتقمه الحوت. وقيل: لما وقعت القرعة عليه ثلاثًا بادر
بنفسه فالتقمه الحوت(٢) .
قيل: والتقمه آخر إلى سبعة فأوحى الله إلى الحوت: إني لم أجعله
لك غذاء، وأمره أن يؤديه كما دخل، ﴿فَنَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّا
أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. بصوت ضعيف، فقالت الملائكة:
يا رب من أين هذا الصوت الضعيف؟ قال: صوت يونس. قالوا: الذي
كنا لا نزال نرفع له عملاً صالحًا؟ قال: نعم. قالوا: فنسألك يا رب إلا
ما رحمته. فأمر الحوت فألقاه بالعراء، وهو وجه الأرض. قاله
(١) ((تفسير الطبري)) ٥٢٧/١٠ (٢٩٥٩٤).
(٢) أنظر ((معاني القرآن)) للنحاس ٥٦/٦ - ٥٧.

٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أبو عبيدة(١). وقال الفراء: هو المكان الخالي. وما ذكره في الشجرة هو
قول مجاهد. قال: القرع والحنظل والبطيخ وكل ما لم يكن على
ساق(٢). وقال ابن مسعود: هو القرع(٣). وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ في
[أو](٤) أربعة أقوال: بمعنى: بل. قاله أبو عبيدة والفراء(٥)،
أو بمعنى: الواو. قاله القتبي، أو للإباحة، أو على بابها. قاله
محمد بن یزید.
والمعنى: أرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم؛ لقلتم: مائة ألف
أو أكثر.
روي عن ابن عباس قال: أُرْسل إلى مائة ألف وثلاثين ألفًا (٦).
قال أبو مالك: أقام في بطن الحوت أربعين يومًا (٧). قال ابن
طاوس: أنبت الله عليه شجرة من يقطين، فكانت تظله من الشمس
ويأكل منها، فلما سقطت بكى عليها، فأوحى الله إليه أتحزن على
شجرة ولا تحزن على مائة ألف أو يزيدون (تابوا)(٨) فلم أهلكهم(٩)؟
قال سعيد بن جبير: أرسل الله على الشجرة الأرضة فقطعت
أصولها، فحزن عليها(١٠).
(١) ((مجاز القرآن)) ٢٦٦/٢.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٥٣٠/١٠ (٢٩٦٢٠).
(٣) (تفسير الطبري)) ٥٣٠/١٠ (٢٩٦٢٢).
(٤) في الأصول: (الواو)، والصواب ما أثبتناه.
(٥) ((معاني القرآن)) للفراء ٣٩٣/٢.
(٦) (تفسير الطبري)) ٥٣١/١٠ (٢٩٦٣٣).
(٧) (تفسير الطبري)) ٥٢٩/١٠ (٢٩٦١٠).
(٨) في الأصل: ماتوا.
(٩) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ٢/ ١٢٧ عن ابن طاوس، عن أبيه بنحوه.
(١٠) ((تفسير الطبري)) ٣١/١٠ (٢٩٦٣٢).