Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
- كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
عيسى، غيرت طائفة من النصارى ما جاء في التوراة من ذلك وقالوا :
المقصود: قلفة القلب لا قلفة الذكر، فتركوا المشروع من الختان
بضرب من الهذيان.
وهو عند الشافعي واجب وعند أكثر العلماء سنة، وإنما يجب بعد
البلوغ، ويستحب في السابع ومحل بسطه الفروع، وقد سلف قريبًا السُّ
في مشروعيته فراجعه.
الحديث التاسع :
حديث أبي هريرة ﴾ ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا)».
وحديثه بعده وهو: العاشر:
((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنٍ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ» إلى
آخره. وقد سلف تأويله قريبًا، وأنها معاريض أو ﴿إِن كَانُوا
يَطِقُونَ﴾ فكبيرهم فعله على التقديم والتأخير، وقصة سارة مع
الكافر سلفت أيضًا، وذكره أيضًا في النكاح في موضعين والهبة(١) .
قول أبي هريرة: (تلك أمكم يا بني ماء السماء). يريد: هاجر،
والخطاب للعرب، قال الخطابي: سموا بذلك؛ لانتجاعهم المطر
وماء السماء للرعي. ويقال: إنه أراد زمزم أنبطها الله لهاجر فعاشوا به
فكأنهم أولادها (٢). وقال غيره: سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه
كماء السماء. قال عياض: والأظهر عندي أنه أراد بذلك الأنصار،
نسبهم إلى جدهم عامر، وكان يعرف بماء السماء، والأنصار كلهم
(١) سلف في الهبة برقم (٢٦٣٥) باب: إذا قال: أخدمتُك هُذِه الجارية، وسيأتي في
النكاح برقم (٥٠٨٤) باب: أتخاذ السراري.
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٥٣٨/٣.

٣٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
من ولده، وهو ابن حارثة الغطريف بن أمرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن
مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن
يشجب بن يعرب بن قطحان(١). وما ذكره إنما يأتي على الشاذ؛ لأن
العرب جميعها من ولد إسماعيل إلا قبائل استثنيت. أما الأنصار
فليسوا من ولد إسماعيل ابن هاجر، ولا يعلم لها ولد غيره.
الحديث الحادي عشر:
حديث أم شريك في الأوزاغ. سلف قريبًا، وفي الحج أيضًا(٢).
الحديث الثاني عشر :
حديث عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ هِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمَّ
يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ .. الحديث.
سلف في الإيمان في باب: ظلم دون ظلم فراجعه وسياقته هنا
أطول، واعترض الإسماعيلي فقال: لا أعلم في هذا الحديث شيئًا
من قصة إبراهيم، إذ هو مذكور في الباب المترجم بإبراهيم.
ولك أن تقول: له وجه بيِّن، وذلك أن هذه الآية المذكورة في سورة
الأنعام كلها فيه، وكذا ما بعدها لما حاجه قومه فقال: ﴿أَنُحُونِ فِ
اللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَهُم ◌ُّهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِثْزَهِيمَ عَلَى
قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠- ٨٣]، ولهذا إن عليًّا روى عنه الحاكم أنه قرأ
هَذِهِ الآية: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ قال: هذِه في
إبراهيم وأصحابه، ليس في هذه الأمة. ثم قال صحيح الإسناد(٣).
(١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٤٧، ولم يذكر في نسب عامر بن حارثة ما بعد (الأزد).
(٢) سلف في الحج برقم (١٨٣١) باب: ما يقتل المحرم من الدواب، من حديث
عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَل قال للوزغ ((فويسق)) .. الحديث.
(٣) ((المستدرك)) ٣١٦/٢.

٣٨٣
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
وقال الثعلبي في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْزَهِيمَ عَلَى
قَوْمِهِ﴾ قال: هم الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم.
قال الخطابي: إنما شق على الصحابة؛ لأن ظاهر الظلم ظلم النفس
من أرتكاب المعاصي، وأخذ أموال الناس، فظن الصحابة أنه يراد بها
ظاهرها. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه (١).
(١) ((أعلام الحديث)) ١/ ١٦٢ - ١٦٣.

٣٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩ - باب ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]: النَّسَلَانُ فِي المَشْى
٣٣٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ،
عَنْ أَبِي زُزْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَّ قَالَ: أُنِيَ النَّبِيُّ ◌َلَ يَوْمًا بِلَحْم فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَجْمَعُ
يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيُنْفِدُهُمُ
البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ)) - فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ - ((فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ
فَيَقُولُونَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنَ الأَرْضِ، أَشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبَّكَ. فَيَقُولُ - فَذَكَرَ
وَالر. [انظر:
كَذَبَاتِهِ -: نَفْسِي نَفْسِي، أَذْهَبُوا إِلَى مُوسَى)). تَابَعَهُ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ
٣٣٤٠ - مسلم: ١٩٤ -فتح ٣٩٥/٦]
٣٣٦٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَیُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبیٍ، عَنْ أَبِیهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما،
عَنِ النَّبِيِّ بََّ قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا
مَعِينًا)). [انظر: ٢٣٦٨ -فتح ٣٩٥/٦]
٣٣٦٣ - قَالَ الأَنَّصَارِيُّ: حَدَّثَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَمَّا كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ: إِنّ
وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ جُلُوسٌ مَعَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابن
عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، مَعَهَا شَنَّةٌ -
لَمْ يَرْفَعْهُ - ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ. [انظر: ٢٣٦٨ -فتح ٦ /٣٩٦]
٣٣٦٤ - وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَغْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ
السَّخْتِيَانِيّ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ - عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابن عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا أَتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمّ إِسْمَاعِيلَ،
اَتَّخَذَتْ مِنْطَقَا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ
تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ
بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ،
وَسِقَاءَ فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَقَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًّا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ

٣٨٥
= كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بهذا الوَادِي الذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا،
وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: اللَّهُ الذِي أَمَرَكَ بهذا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَا
لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ
اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بهؤلاء الكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكَنْتُ
مِن ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ
تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الماءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السَّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ
ابنِهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوىُ - أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ،
فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرَضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ أَسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ
هَلْ تَرِى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ
دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْي الإِنْسَانِ المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَزْوَةَ فَقَامَتْ
عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَىْ أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ:
قَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: ((فَذَلِلَكَ سَعْي النَّاسِ بَيْنَهُمَا)). فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَزْوَةِ سَمِعَتْ
صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهِ. تُرِيدَ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَغْتَ،
إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاتٌ. فَإِذَا هِيَ بِالْلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ:
بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ
الَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ . - قَالَ ابْن عَبَّاسِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَرْحَمُ
اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ - لَكَانَتْ
زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا)) . - قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الَلَكُ: لَا تَخَافُوا
الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللهِ، يَبْنِي هذا الغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ. وَكَانَ
البَيْتُ مُزْتَفِعًا مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ
كَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُزْهُمَ - أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُزْهُمَ - مُقْبِلِينَ مِنْ
طَرِيقِ كَدَاءِ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هذا الطَّائِرَ لَيَدُورُ
عَلَى مَاءِ. لَعَهْدُنَا بهذا الوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جَرِبًّا -أَوْ جَرِئَّيْنِ - فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ،

٣٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالَمَاءِ، فَأَقْبَلُوا. قَالَ: وَأُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ
تَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، ولكن لَا حَقَّ لَكُمْ فِ الماءِ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ:
قَالَ النَّبِيُّ وَّهَ: ((فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَهْيَ تُحِبُّ الإِنْسَ)). فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُّوا
إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَنْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ
العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ
أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ،
فَسَأَلَ آمْرَأَتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ:
نَحْنُ بِشَرِّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ. فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي الَّئلا
وَقُولِي لَهُ: يُغَيِرْ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ
أَحَدِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا،
فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَىء؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ
عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي
بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرِىُ، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهِ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ
فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى أَمْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟
وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ. وَأَثْنَتْ عَلَى الهِ، فَقَالَ: مَا
طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الماءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي
اللَّحْمِ وَالَماءِ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ
فِيهِ)). قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ
فَاقْرَئِي الَّهِ، وَمُرِيهِ: يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟
قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخْ حَسَنُ الهَيْئَةِ - وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ- فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي
كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ
السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ.
ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا
مِنْ زَهْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ : يَا

٣٨٧
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ. قَالَ: فَاصْنَغْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ:
وَأُعِينُكَ. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَا هُنَا بَيْتًا. وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا
حَوْلَهَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتٍِ بِالْحِجَارَةِ،
وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا أَزْتَفَعَ الِنَاءُ جَاءَ بهذا الَحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهْوَ
يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الِحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّاْ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ
اٌلْعَلِيمُ﴾. قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلُ
مِنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. [انظر: ٢٣٦٨ -فتح ٣٩٦/٦]
٣٣٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ:
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِیمُ بنُ نَافِع، عَنْ کَثِيرِ بْنِ کَثِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ ◌ُبْرِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي
الله عنهما قَالَ: لَمَا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ أَهْلِهِ مَا كَانَ، خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ
وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا
حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَتْهُ أُمُّ
إِسْمَاعِيلَ، حَتَّى لَا بَلَغُوا كَدَاءَ نَادَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِلَى مَنْ تَتْرُكُنَا؟ قَالَ: إِلَى
اللهِ. قَالَتْ: رَضِيتُ باللهِ. قَالَ: فَرَجَعَتْ فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى
صَبِيِّهَا، حَتَّى لَمَا فَنِيَ الماءُ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا. قَالَ: فَذَهَبَتْ
فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ هَلْ تُحِسُّ أَحَدًا، فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، فَلَمَّا بَلَغَتِ الوَادِيَ
سَعَتْ وَأَتَّتِ المَزْوَةَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطًا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ -
تَغْنِي: الصَّبِيَّ - فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلْمَوْتِ، فَلَمْ تُقِرَّهَا
نَفْسُهَا، فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَدًا، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَنَظَرَتْ
وَنَظَرَتْ فَلَمْ تُحِسَّ أَحَدًا، حَتَّى أَّتْ سَبْعَا، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فَإِذَا
هِيَ بِصَوْتٍ، فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ. فَإِذَا جِبْرِيلُ. قَالَ: فَقَالَ بِعَقِهِ هَكَذَا،
وَغَمَزَ عَقِبَهُ عَلَى الأَرَضِ. قَالَ: فَانْبَثَقَ الَمَاءُ، فَدَهَشَتْ أُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَعَلَتْ تَحْفِزُ.
قَالَ: فَقَالَ أَبُوِ القَاسِمِ بَّهِ: ((لَوْ تَرَكَتْهُ كَانَ المَاءُ ظَاهِرًا». قَالَ: فَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ
الَاءِ، وَيَدِرُّ لَبَنُهَا عَلَى صَبِيِّهَا. قَالَ: فَمَرَّ نَاسٌ مِنْ جُرْهُمَ بِبَطْنِ الوَادِي فَإِذَا هُمْ بِطَيْرٍ،

٣٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَاكَ، وَقَالُوا: مَا يَكُونُ الطَّيْرُ إِلَّ عَلَى مَاءٍ. فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُمْ
بِلْمَاءِ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا فَقَالُوا: يَا أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَكُونَ مَعَكِ،
أَوْ نَسْكُنَ مَعَكِ؟ فَبَلَغَ ابنِهَا فَنَكَحَ فِيهِمِ أَمْرَأَةَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لأَهْلِهِ:
إِّ مُطَّلِعْ تَرِكَتِي. قَالَ: فَجَاءَ فَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ آَمْرَأَتُهُ: ذَهَبَ
يَصِيدُ. قَالَ: قُولِي لَهُ إِذَا جَاءَ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَ: أَنْتِ ذَاكِ،
فَاذْهَبِي إِلَى أَهْلِكِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِّي مُطَّلِعْ تَرِكَتِي. قَالَ:
فَجَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ آَمْرَأَتُهُ: ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتْ: أَلَا تَنْزِلُ فَتَطْعَمَ
وَتَشْرَبَ؟ فَقَالَ: وَمَا طَعَامُكُمْ؟ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ، وَشَرَابْنَا المَاءُ.
قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو القَاسِمِ وَجَه: «بَرَكَةٌ بِدَعْوَةٍ
إِبْرَاهِيمَ)). قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: إِّ مُطَّلِعَ تَرِكَتِي. فَجَاءَ فَوَافَقَ
إِسْمَاعِيلَ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ، فَقَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ رَبَّكَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ
بَيْتًا. قَالَ: أَطِغْ رَبَّكَ. قَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ. قَالَ: إِذَا أَفْعَلَ. أَوْ كَمَا قَالَ.
قَالَ: فَقَامَا، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الِحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ
مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قَالَ: حَتَّى أَزْتَفَعَ البِنَاءُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَلَى نَقْلِ
الِحِجَارَةِ، فَقَامَ عَلَى حَجَرِ المَقَامِ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَيَقُولَانِ: ﴿رَبََّا نَقَبَّلْ مِنَّاً
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. [انظر: ٢٣٦٨ -فتح ٦ /٣٩٨]

٣٨٩
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
١٠ - [باب]
٣٣٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ،
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ ﴾ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ
مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الحَرَامُ)). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:
(الْمَسْجِدُ الأَقْصَى)). قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا
أَدْرَ كَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلَّهْ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ)). [٣٤٢٥ -مسلم: ٥٢٠ -فتح ٦ /٤٠٧]
٣٣٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو - مَوْلَى
المُطَّلِبِ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌ّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: ((هذا جَبَلٌ
يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)). رَوَاهُ
عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ -فتح ٦ / ٤٠٧]
٣٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابن أَبِي بَكْرِ أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﴾ُ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ بَنَوا الكَعْبَةَ أَقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ
إِبْرَاهِيمَ؟)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَرَّدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟. فَقَالَ: ((لَوْلَا
حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ)). فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هذا مِنْ
رَسُولِ اللهِ وََّ مَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّه تَرَكَ أَسْتِلَامَ الزُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحِجْرَ؛ إِلَّ
أَنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. [١٢٦ - مسلم: ١٣٣٣ -فتح ٤٠٧/٦] وَقَالَ
إِسْمَاعِيلُ: عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ.
٣٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَّيْمِ الزُّرَقِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو
حُمَيْدِ السَّاعِدِيُّ ◌ِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيَْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
وَةِ: (قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلٍ
إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ،
إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)). [٦٣٦٠ - مسلم: ٤٠٧ -فتح ٦ /٤٠٧]

٣٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
٣٣٧٠ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَقْصٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ
بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُسْلِمُ بْنُ سَالمِ الهَمْدَانِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عِيسَى،
سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً
سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ◌ََّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي. فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ، وَ فَقُلْنَا
يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ؟ فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ. قَالَ:
(قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدُ اللَّهُمَّ بَارِْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ
مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)).
[٤٧٩٧، ٦٣٥٧ - مسلم: ٤٠٦ -فتح ٤٠٨/٦]
٣٣٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ اِنْهَالِ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يُعَوَّذُ الحَسَنَ
وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: ((إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ
اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلّ عَيْنِ لَامَّةٍ)). [فتح ٤٠٨/٦]
معنی یزفون: يسرعون.
ذكر في الباب ثمانية أحاديث:
أولها :
حديث أَبِي حَيَّنَ - بالمثناة تحت- يحيى بن سعيد بن حيان التميمي،
عَنْ أَبِي زُرْعَةَ هرم بن عمرو بن جرير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: أَتِيَ النَّبِيُّ
وَلَّه يَوْمًا بِلَحْم فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَجْمَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ .. ))
الحديث. وفيّه: فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وذكر إبراهيم («فيقولون أَذْهَبُوا
إِلَى مُوسَى)). وقد سلف، ثم قال: تَابَعَهُ أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ وَ.
قلت: أخرجها هو من حديث قتادة عنه، وروي أيضًا من حديث ابن
عمر عند البخاري، ومن حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي

٣٩١
كِتَابُ الأنبياء صلوات الله عليهم
=
محسنًا، ومن حديث ابن عباس، أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث
علي بن زيد، عن أبي نضرة، عنه(١).
الحديث الثاني :
حديث أحمد بن سعيد أبي عبد الله شيخ البخاري المروزي المعروف
بالرباطي، مات سنة ست أو ثلاث وأربعين ومائتين، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ،
عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِّ وََّ: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا
عَجِلَتْ لَكَانَت زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا)).
وقَالَ الأَنْصَارِيُّ. أي: محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن
أنس، مات سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائتين، ثَنَا ابن جُرَيْج قال:
أما كَثِيرُ بْنُ كَثِيرٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ: إِنِّي وَعُثْمَانَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ جُلُّوَسٌ مَعَ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: مَا هَكَذَا حَدَّثَنِي ابن عَبَّاسٍ، ولكنه قَالَ: أَقْبَلَ
إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ وَهْيَ تُرْضِعُهُ، مَعَهَا شَنَّةٌ. لَّمْ يَرْفَعْه.
وهذا التعليق رواه أبو نعيم الحافظ عن فاروق بن عبد الكبير: حدثنا
أبو خالد عبد العزيز بن معاوية القرشي عنه به، وقال: ذكره البخاري عنه
بلا رواية، وعثمان هذا هو ابن سليمان بن محمد بن جبير بن مطعم بن
عدي بن نوفل بن عبد مناف. وفيهم من نسبه إلى أبي سليمان جبير بن
مطعم.
(١) حديث أنس سيأتي برقم (٤٤٧٦) كتاب التفسير، باب ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾،
وحديث ابن عمر سيأتي برقم (٤٧١٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾، وحديث أبي سعيد عند الترمذي برقم (٣١٤٨)، (٣٦١٥)
وقال: هذا حديث حسن صحيح، وحديث ابن عباس عند أبي داود الطيالسي في
((مسنده) ٤٣٠/٤ (٢٨٣٤).

٣٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ثم قال البخاري: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي
وَدَاعَةَ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ ابن عَبَّاسِ:
أَوَّلَ مَا أَتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، أَتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ
أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهْيَ تُرْضِعُهُ
حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ.
فذكر قصة زمزم بطولها وبناء البيت.
ثم ساقه أيضًا من حديث إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن
سعيد، عن ابن عباس مطولًا .
وأخرجه النسائي عن أحمد بن سعيد شيخ البخاري، عن وهب بن
جرير، عن أبيه، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن
أبي بن كعب.
ورواه أيضًا عن أبي داود سليمان بن سعيد، عن علي بن المديني،
عن وهب به، وفيه: قلت لأبي: حماد لا يذكر أبي بن كعب، ولا يرفعه،
قال: أنا أحفظه كذا، كذا حدثني به أيوب، قال وهب: وثنا حماد بن
زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن ابن عباس
نحوه، ولم يذكر أبيًّا، ولم يرفعه.
قال وهب: فأتيت سلام بن أبي مطيع فحدثني بهذا الحديث، عن
حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن سعيد فرد ذلك ردًّا شديدًا،
ثم قال لي: فأبوك ما يقول؟ قلت: أبي يقول: أيوب عن سعيد،
فقال: العجب، والله ما يزال الرجل من أصحابنا الحافظ قد غلط،
إنما هو أيوب، عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير(١). وقال
(١) ((السنن الكبرى)) ٩٩/٥ (٨٣٧٦ - ٨٣٧٨).

٣٩٣
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
أبو مسعود: رأيت جماعة اختلفوا على وهب بن جرير في هذا الإسناد.
قال الجياني: لم يذكر أبو مسعود إلا هذا، وأنا أذكر ما انتهى إليَّ
من الخلاف على وهب وعلى غيره في هذا الإسناد: قد رواه عن
حجاج، عن وهب(١) به بزيادة أبي بن كعب، ثم رواه من طريق
البخاري بإسقاطه، ورواه علي بن المديني عنه بإثباته.
ورواه حماد بن زيد عن أيوب فلم يذكره ولا رسول الله صلحقه، ورواه
ابن علية عن أيوب فقال: نبئت عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
[أول](٢) من سعى بين الصفا والمروة .. الحديث بطوله نحوًا مما رواه
معمر، عن أيوب، عن سعيد، وفيه قصة زمزم، ورواه سلام بن أبي
مطيع، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، لم يذكر ابن جبير (٣) .
قال أبو علي: فكيف يصح هذا، وفيه من الخلاف ما عرفت،
فنقول: إذا ميزه الناظر ميز منه ما ميزه البخاري، وحكم بصحته،
وعلم أن الخلاف الظاهر فيه إنما يعود إلى وفاق، وأنه لا يدفع بعضه
بعضًا، فأما من أوقفه فقليل، والذين أسندوه أئمة حفاظ، وكذلك من
أسقط من سنده أُبيًّا لا يوهنه. والحديث إذا أتصل إلى ابن عباس،
وكان محفوظًا، فلا نبالي من رواه عنه ابن عباس، ولا يعد مرسلًا،
وأما من أسقط عبد الله بن سعيد فليس بشيء، قد صح أن أيوب رواه
عنه، عن أبيه، وقد أتى به في الإسناد حماد بن زيد، وجرير بن
حازم، قال ابن علية، عن أيوب: نبئت عن سعيد. فهذا يصح أن
أيوب إنما أخذه من عبد الله بن سعيد عن أبيه، وإنما كان يسقط
(١) في الأصل (ابن وهب)، والمثبت من (ص١) وهو الصواب.
(٢) ليست في الأصول، وأثبتناها من ((تقييد المهمل)) ٦٥٠/٢.
(٣) (تقييد المهمل)) ٦٤٨/٢ - ٦٥٠.

٣٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهب في بعض الأحايين، ويسوقه معنعنًا على سبيل التخفيف وتقريب
الإسناد، وكان أحمد بن سعيد يحدث به على الوجهين بسقوطه
وإثباته، وأما إنكار سلام أن يكون مخرج الحديث عن سعيد رواية
عن عكرمة فلا يلتفت إليه؛ لأنه ليس من جِمال (المحامِل)(١)(٢).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجوه:
أحدها :
(شنة): القربة البالية.
ومعنى: (تعفي أثرها): تسحب (طرف)(٣) الثوب على التراب
وذلك أن سارة أبطأها الولد، فوهبت هاجر لإبراهيم، فلما ولدت
إسماعيل قالت: لا تساكني في بلد، فكانت هاجر أول من خفضت
من النساء، كما أن زوجها أول من اختتن من الرجال وأول امرأة
جرت ذيلها وأول أمرأة ثقبت أذناها، وذلك أن سارة غضبت عليها،
فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم أن تبر
قسمها بثقب أذنيها وخفاضها .
قال ابن أبي زيد في ((نوادره)): فصارت سنة في النساء، فلما
خفضت، ورأت الدم سترته بذيلها، فمن ثم أرخى النساء ذيولهن.
والجراب: الأفصح كسر جيمه كما سلف، والدوحة : الشجرة
العظيمة، والسقاء: إهاب فيه ماء، والقربة التي يستقى فيها، وفي
رواية: (شنة) أي: حلقة.
(١) في الأصول: المحابر، والمثبت من ((التقييد).
(٢) ((تقييد المهمل)) ٦٥٣/٢ - ٦٥٧.
(٣) من (ص١).
:

٣٩٥
= كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
ومعنى (قفى إبراهيم): ولَّى، ذكره الهروي في تفسير قوله العليها: (أنا
المقفي)) (١) أي: المولي(٢)، ومعنى: (نفد ما في السقاء): فرغ،
و(عطشت): بكسر الطاء، وكذا (عطش ابنها)، ومعنى (يتلوى):
يتمرغ ويتقلب. وقال ابن التين: يتقلب ظهرًا لبطن، واللوى: وجع
في البطن، ومعنى: (يتلبط) -بالباء الموحدة قبل الطاء -: ينصرع،
وقيل : تحير.
وقال الداودي: هو أن يحرك شفتيه ولسانه كأنه يموت. قال
الخليل: لبط فلان بفلان الأرض إذا صرعه صرعًا عنيفًا(٣). وقال ابن
دريد: اللبط باليد والخبط بالرجل (٤). وقوله: (يتلوى أو قال: يتلبط)
هو شك من الراوي في أيهما وقع. قال الدارقطني: والتبلط أكثر.
وقال القزاز: معناهما واحد أي: يتضرب، (يتلوى)(٥) في الأرض.
(فهبطت) بفتح الباء. وفيه أصل مشروعية السعي بين الصفا والمروة
كما نطق به الشارع.
و(صَه) : - بفتح الصاد وسكون الهاء: من أسماء السكوت، (تريد
نفسها) لتسمع ما فيه فَرَج.
و(الغواث) بضم الغين، كذا ضبطه الدمياطي، وضبطه ابن التين
بفتحها، قال: قيل: وليس من الأصوات ما يقال بفتح الفاء غيره،
(١) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) ١١٨/١٦ - ١٢٠ (٧١٦٢)، والطبراني ١٨/ ٤٦-
٤٧ (٨٣) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(٢) أنظر ((النهاية في غريب الحديث)) ٤/ ٩٤.
(٣) ((العين)) ٧/ ٤٣١.
(٤) ((جمهرة اللغة) ٣٦٠/١.
(٥) في الأصل (يلتوى)، والمثبت من (ص١).

٣٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال: ويجوز ضمه. وقال ابن الجوزي: قال لنا ابن الخشاب بالفتح،
والغياث: بالكسر من الإغاثة(١). قال ابن الأثير: وروي غواث
بالضم والكسر وهما أكثر ما يجيء في الأصوات كالنباح والنداء،
والفتح فيهما شاذ(٢). وقال القاضي: الفتح للأصيلي والضم لأبي
ذر (٣). والبحث: طلب الشيء في التراب، وكأنه حفر بطرف رجله.
وقوله: (فبحث بعقبه أو قال: بجناحه) الظاهر أنه شك من الراوي
وذكر في الحديث الآخر: (فانبثق الماء) أي: نبع وخرج. و(تحوضه):
تجعله حوضًا؛ لئلا يذهب الماء. و(يفور): ينبع، مثل قوله تعالى:
﴿وَفَارَ النَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] ولا شك أن إجراء زمزم كان إنعامًا محضًا
لم يشبه كسب البشر، فلما دخل الحرص وقفت تلك النعمة ووكلت
إلى تدبيرها .
وأفاد الزمخشري في ((ربيعه)) (٤) أنها أنبطت قبل لآدم، حتى أنقطعت
زمن الطوفان أيضًا، ثم لإسماعيل.
وقوله: ( ((يرحم الله أم إسماعيل)) ). إنما يبتدأ بالدعاء للمذكور
أو المخاطب؛ إكرامًا له؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾
[التوبة: ٤٣].
وقوله: ( ((لو تركته لكان عينا معينا))) أي: يجري على وجه الأرض.
وفيه جواز قول المرء: لو لم يكن كذا كان كذا، وسيأتي له باب(٥).
(١) أنظر ((غريب الحديث)) لابن الجوزي ١٦٥/٢.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)) ٣٩٢/٣.
(٣) ((مشارق الأنوار)) ١٣٩/٢ - ١٤٠.
(٤) تمام اسمه: ((ربيع الأبرار ونصوص الأخبار)) أنظر ((كشف الظنون)) ٨٣٢/١.
(٥) سيأتي في كتاب: التمني، باب ما يجوز من اللو.

٣٩٧
كِتَابُ الأَنْبياء صلوات الله عليهم
=
و(الضيعة): الضياع، والرابية: المكان المرتفع.
وقوله: (مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة) كذا ضبطه
الدمياطي خطأ بالضم، وصرح به ابن الجوزي حيث قال: الفتح
والمد: أعلى مكة، والضم والكسر: أسفلها (١)، وهو المراد هنا؛
لأنه قال: (فنزلوا أسفل مكة) وهو موضع يخرج منه من مكة إلى اليمن.
الوجه الثاني :
(جرهم): هو ابن قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن
نوح، والطير العائف -بالعين المهملة -: هو الذي يتردد ويحوم حول
الماء ولا يبرح، قاله الخليل (٢)، ورجل عائف: يتكهن، والعائف:
الذي يعرف مواضع الماء من الأرض.
وقوله: (فأرسلوا جريا أو جريين). يريد: الرسول والوكيل، وقيل:
الأجير. وقوله: (وأنفسهم) هو بفتح الفاء، مثل قوله عقبه: (وأعجبهم).
فائدة :
سارة هي ابنة عمه توبيل بن ناحور، وقيل: هي بنت هاران الأكبر بن
ناحور، وقول ابن قتيبة وغيره أن سارة هي بنت هارن بن تارح(٣) فغير
جيد؛ لأن الله تعالى حرم نكاح بنت الأخ على لسان نوح، وكان
إسماعيل مرسلا أرسل إلى أخواله من جرهم، وإلى العماليق الذين
كانوا بأرض الحجاز، فآمن بعض وكفر آخرون. قال ابن قتيبة: عاش
مائة وسبعة وثلاثين سنة، ودفن مع أمه بالحجر (٤).
(١) ((غريب الحديث)) لابن الجوزي ٢٨٣/٢.
(٢) ((العين)) ٢/ ٢٦٠ مادة (عيف).
(٣) في ((المعارف) ص٣١: هاران بن تارخ.
(٤) ((المعارف)) ص٣٤.

٣٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الثالث :
قال السهيلي: التي أمره أبوه بطلاقها أسمها جداء بنت سعد، والتي
أمره بإمساكها أسمها السيدة، وقيل: عاتكة، وقيل سامة بنت مهلهل(١).
وعند ابن سعد: أم ولد إسماعيل رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي (٢).
وعند الكلبي: رعلة بنت يعرب بن يشجب بن لوذان بن جرهم. وعند
الجواني: هالة بنت الحارث بن مضاض، ويقال: سلمى، ويقال
(الحنفاء)(٣).
الرابع :
أول من نطق بالعربية إسماعيل، أخرجه الحاكم في ((مستدركه))
وقال: صحيح الإسناد(٤). وذكر ابن إسحاق، عن شهر بن حوشب،
عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر مرفوعًا : أنه أول من كتب بالعربية.
قال أبو عمر: هو أصح من رواية من روى أنه أول من تكلم بها .
وفي ((أدب الكاتب)) للنحاس من حديث علي بإسناده مرفوعًا: ((أول
من أنطق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة)).
وأثنى أبو عبيدة على إسناده، وذكر أبو عمر له متابعًا في كتاب ((القصد
والأمم)).
وقال ابن سعد: أخبرنا الأسلمي، عن غير واحد من أهل العلم أن
إسماعيل ألهم من يوم ولد لسان العرب(٥).
(١) ((الروض الأنف)) ١/ ١٧.
(٢) ((طبقات ابن سعد)) ٥١/١.
(٣) في الأصل: (الخيفاء) والمثبت من (ص١)، وهو ما جاء في ((الفتح)) ٦/ ٤٠٥.
(٤) ((المستدرك)) ٥٥٢/٢ - ٥٥٣ عن ابن عباس موقوفًا.
(٥) ((طبقات ابن سعد)) ٥٠/١ - ٥١.

٣٩٩
كِتَابُ الأنْبياء صلوات الله عليهم
=
وقال هشام بن محمد: قال الشرقي: عربية إسماعيل أفصح من عربية
يعرب بن قحطان. وقال النحاس: عربية إسماعيل هي التي نزل بها
القرآن. وأما عربية حمير وبقايا جرهم فغير هذه العربية المبينة وليست
فصيحة. وعن أبي عمرو بن العلاء قال: أول من فتق الله لسانه
بالعربية المبينة إسماعيل، قال أبو عمر: لا يصح غير هذا. وفي
((الوشاح)) لابن دريد: أول من تكلم بالعربية القديمة يعرب بن قحطان
ثم إسماعيل .
الخامس :
العتبة - بفتح الباء -: أسكفة الباب، قاله ابن التين.
وقوله: (فلما جاء إسماعيل) كأنه آنس شيئًا، أي: أحس، مثل:
﴿فَإِنْ ءَانَسْتُ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]. أي: علمتم.
وقوله: (في ضيق وشدة). وقال ابن التين فأخبرته: أنا في جهد
قال: والجهد: بضم الجيم عند الشعبي؛ لأنه من الفتنة، وعند غيره
هو بالفتح.
وقوله: (كأنه ينشغ للموت) هو بنون ثم بشين معجمة، والنشغ
-بإسكان الشين المعجمة وبالغين المعجمة -: الشهيق، وعلو النفَس
الصُّعَداء حتى يكاد يبلغ به الغشي.
قال ابن فارس: هو مثل الشهيق عند الشوق من شدة ما يرد عليه
منه (١). وقيل: معناه: يمتص بفيه. من نشغت الصبي دواء أنتشغه.
وقال ابن التين: هو مثل الشهيق عند الموت، ويقال: الناشغ: الذي
يحفى بعد جهد. وقيل: هو الشهيق من ناحية الصدر حتى يبلغ الغشي.
(١) ((مجمل اللغة)) ٨٦٧/٣ مادة [نشغ].

٤٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وروى أبو أيوب عن الأصمعي: نشغه بالغين وبالعين؛ إذا أوجر الصبي.
وعند ابن فارس: هو بالعين غير والمعجمة)(١) إذا أوجره. وفي
الحديث: ((لا تعجلوا بتغطية وجه الميت حتى ينشع))(٢). قال
الأصمعي: النشغات عند الموت فوقات خفيات.
السادس :
قوله: (فقال: يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتًا. قال: أطع
ربك. قال: إنه أمرني أن تعينني عليه قال: إذًا أفعل أو كما قال). وقال
في الحديث قبله: (يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك
به ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك).
لا مخالفة بين هذا وبين الأول، وقال ابن التين: أنظر هل يحتمل أن
يقال: أمره الله أن يعينه بعد ذلك؛ فيكون هذا الحديث الآخر متأخر بعد
الأول؟ قلت: يجوز أن يكون طلب منه الإعانة أولًا فأجاب، ثم أخبره
ثانيًا أن الله أمره بها .
خاتمة :
أول من بنى البيت آدم أو شيث أو الملائكة، وقال ابن هشام في
((تيجانه)): معناه: نصب؛ لأن عليه نصبت الدنيا، ثم بناه إبراهيم، ثم
قريش، ثم ابن الزبير، ثم الحجاج، وقيل: إن جرهمًا بنته مرة
أو مرتين. وقيل: إنه لم يكن بناءً وإنما كان إصلاحًا .
(١) وفي (ص١): بالغين المعجمة. وهو في ((مجمل اللغة)) ٨٦٧/٣ بالعين المهملة:
النشوع: الوجور.
(٢) ذكره ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)) ٥٨/٥ نقلًا عن الهروي في
((الغریبین)).