Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كِتَابُ الخُمُسِ
=
أحدها: حديث مروان والمسور أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ حِينَ جَاءَهُ
وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ
لَهُمْ: «أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا
السَّبْيَ وَإِمَّا المَالَ .. )) الحديث.
وقد سلف في الوكالة(١).
ثانيها: حديث أبي موسى ساقه من حديث حماد، حدثنا أَيُّوب، عَنْ
أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي القَاسِمُ بْنُ عَاصِم الكُلَيْبِيُّ - وَأَنَا لِحَدِيثٍ
القَاسِم أَحْفَظُ - عَنْ زَهْدَم قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِيَ مُوسَى ... فذكر الحديث
وفي آخره: ثم أَتِيَ رَسُوَّلُ اللهِ وَلَهُ بِنَهْبِ إِيلٍ، فَسَأَلَ عَنَّا فَأَمَرَ لَنَا
بِخَمْسٍ ذَوْدٍ غُرِّ الذَّرى، ثم ساق (بقيته) (٢).
والقائل: (وحدثني)(٣) القاسم هو أيوب وكليب ورباح ابنا يربوع بن
حنظلة بن مالك بن زيد مناه بن تميم. ويأتي في آخر المغازي والذبائح
والأيمان والنذور(٤)، وأخرجه مسلم أيضًا (٥).
ثالثها: حديث بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِيلًا كَثِيرًا،
فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ أَثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا - أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا - وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا،
(٦)
وقد سلف(٦).
(١) سبق برقم (٢٣٠٧) باب: إذا وهب شيئًا لوكيل أو شفيع قوم جاز.
(٢) في (ص١): حديثه.
(٣) من (ص١).
(٤) سيأتي في المغازي برقم (٤٣٨٥) باب: قدوم الأشعريين وأهل اليمن، ويأتي في
الذبائح برقم (٥٥١٨) باب: لحم الدجاج، ويأتي في الأيمان والنذور برقم
(٦٦٤٩) باب: لا تحلفوا بآبائكم.
(٥) مسلم (١٦٤٩) كتاب: الأيمان، باب: من حلف يمينًا.
(٦) قلت: بل سيأتي في المغازي برقم (٤٣٣٨) برقم (٤٣٣٨) باب: السرية التي قبل نجد.

٤٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
رابعها: حديثه أيضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ
السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوى قِسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ.
خامسها: حديث أبي موسى: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِّ وَّهَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ ..
الحديث ويأتي أيضًا في الهجرة والمغازي، وأخرجه مسلم(١).
سادسها: حديث جَابِرٍ في البحرين سلف في الهبة(٢) والزيادة التي
فيه في باب من تكفل عن ميت دينًا (٣).
سابعها: حديثه أيضًا بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً بِالْجِعْرَانَةِ، إِذْ
قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَعْدِلْ. فَقَالَ لَهُ: ((لقد شَقِيتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ)) وهو من أفراده.
الشرح :
هذا القائل هو ذو الخويصرة التميمي كما ذكر ابن إسحاق، رجل
من بني تميم (2).
وفي رواية أخرى قال: هذِه قسمة ما أريد بها وجه الله(٥). وحديث
أبي موسى ليس مطابقًا لما ترجم له؛ بل ظاهره يعني الأول أنه قسم لهم
(١) سيأتي في مناقب الأنصار برقم (٣٨٧٦) باب: هجرة الحبشة، وفي كتاب المغازي
برقم (٤٢٣٠)، (٤٢٣٣) باب: غزوة خيبر، ورواه مسلم (٢٥٢) كتاب: فضائل
الصحابة، باب: من فضائل جعفر بن أبي طالب.
(٢) سلف برقم (٢٥٩٨) باب: إذا وهب هبة أو وعد ..
(٣) سلف برقم (٢٢٩٦) كتاب: الكفالة.
(٤) سيأتي من حديث أبي سعيد برقم (٣٦١٠) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة
في الإسلام.
قال: بينما نحن عند رسول الله وَ ل وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل
من بني تميم، فقال: يا رسول الله أعدل .. إلخ، و((سيرة ابن هشام)) ١٤٤/٤.
(٥) ستأتي من حديث عبد الله بن مسعود برقم (٣٤٠٥) كتاب: أحاديث الأنبياء، وقبله
برقم (٣١٥٠) عنه بلفظ مقارب.

٤٨٣
كِتَابُ الخُمُسِ
=
من أصل الغنيمة مع الغانمين، وإن كانوا غائبين تخصيصًا لهم لا من
الخمس، إذ لو كان منه لم تظهر الخصوصية لعامة المسلمين،
والحديث ناطق بما ذكره ابن المنير(١).
وذكر موسى بن عقبة أنه التّئة أستطاب أنفس الغانمين بما أعطى
أصحاب السفينة كما فعل في سبي هوازن، وقيل: إنما أعطاهم مما
لا يفتح بقتال مما قد أجلى عنه أهله بالرعب، فصار فيئًا؛ لأنه
لا يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وبعض خيبر كانت هكذا.
وقال آخرون منهم ابن حبيب: إنما أعطاهم من الخمس الذي له أن
يضعه باجتهاده. قال السهيلي: وقول من قال: إنه أعطى المؤلفة من
خمس الخمس مردود؛ لأن هذا ملكه فلا كلام لأحد فيه. وقيل:
أعطاهم من رأس الغنيمة، وذلك خصوص به، قال تعالى: ﴿قُلِ
اُلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ويرده ما قيل من نسخها(٢). والذي
أختاره أبو عبيد أن إعطاءهم كان من الخمس كما سيأتي(٣).
فصل :
غرض البخاري في الباب أن يبين أن إعطاء رسول الله وَلاّ في
نوائب المسلمين إنما هو من الفيء والخمس اللذين أمرهما مردود إليه
یقسم ذلك بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده.
وقد أسلفنا مذهب الشافعي في أن الفيء يخمس(٤).
(١) ((المتواري)» ص١٩٥.
(٢) ((الروض الأنف)) ٧٩/٣.
(٣) ((الأموال)) ص٣٣١ - ٣٣٢.
(٤) (الأم)) ٤/ ٦٤.

٤٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والشارع لما تحلل المسلمين من سبي هوازن واستطابهم ووعدهم
أن يعوضهم من أول ما يفيء الله عليه إنما أشار إلى الخمس، إذ
معلوم أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، فبان أن الخمس لو كان
مقسومًا على خمسة أسهم لم يف خمس الخمس بما وعد المسلمين
أن يعوضهم في سبي هوازن، ذكر أهل السيرة أن هوازن لما أتت
لقتاله أتوا بالإبل والنساء والذرية وجميع أموالهم(١).
وذهب البخاري إلى أنه تحلل المسلمين من سباياهم بعدما كانوا فيئًا
فأطلقهم لما كان نساء بني سعد ولوا من رضاعه فراعى من قبيلهم حرمة
ذلك، كما روعي في المرأة صاحبة المزادتين أنه لم يضرب على الحي
الذي كانت منه لدمائها في أخذ الماء منها حتى أسلم جميعهم.
فصل :
وقد احتج -كما قال المهلب- بعض أصحاب مالك بقصة هوازن
في أنه يجوز قرض الجواري إذا رد غيرها، ومنع من ذلك مالك؛ لأنه
عنده من باب عارية الفروج وهو حرام(٢).
فصل :
الإبل التي حمل عليها الشارع الأشعريين هي أيضًا من الخمس، إذ
أربعة أخماس الغنيمة للغانمين كما سلف.
فصل :
وحديث ابن عمر فيه حجة أن النفل من الخمس كما قال مالك؛ لأنه
إنما نفلهم بعيرًا بعيرًا بعد قسمة السهمان بينهم من غير ما وجبت فيه
(١) ((سيرة ابن هشام)) ٤/ ٦٥.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٩٧/٥.

٤٨٥
كِتَابُ الخُمُس
=
سهامهم، وهو الخمس. وقاله الطحاوي، قال: وذهب قوم إلى أنه ليس
للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، فأما غير الخمس فلا؛
لأنه قد ملكه المقاتلة، فلا سبيل للإمام عليه(١).
وقال ابن المنذر: روي هذا القول عن أنس بن مالك وسعيد بن
المسيب، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي، وذكره أبو عبيد عن
مكحول(٢). وعمر بن عبد العزيز قال: والناس اليوم على هذا لا نفل
من جملة الغنيمة حتى تخمس. وخالفهم آخرون، كما قال الطحاوي:
فقالوا: للإمام أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن
يقتسمها، کما کان له قبل ذلك(٣).
وذكر ابن المنذر أنه قول القاسم بن عبد الرحمن، وفقهاء أهل الشام
قالوا: الخمس من جملة الغنيمة، والنفل من بعده، ثم الغنيمة بعد ذلك
بين أهل العسكر، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وحجة هذه المقالة حديث سليمان بن موسى، عن زياد بن جارية،
عن حبيب بن مسلمة، أن رسول الله وَ ل﴿ نفل في بدأته الربع قبل الخمس،
فكذلك الثلث الذي ينفله في الرجعة هو الثلث أيضًا قبل الخمس وإلا لم
يكن لذكر الثلث معنى، وهو حديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه،
وصححه ابن حبان والحاكم(٤).
(١) (شرح معاني الآثار)) ٢٣٩/٣.
(٢) ((الأموال)) ص٣٢٩ (٨٠٩).
(٣) (شرح معاني الآثار)) ٢٣٩/٣.
(٤) أبو داود (٢٧٤٨ - ٢٧٥٠)، وابن ماجه (٢٨٥١، ٢٨٥٣)، وابن حبان ١٦٥/١١
(٤٨٣٥)، والحاكم ١٣٣/٢، ولفظه: نفل في البدأة الربع بعد الخمس، وفي
الرجعة الثلث بعد الخمس. أو بألفاظ متقاربة. وليس كما يوهم سياق الكلام هنا.

٤٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وألزم الدارقطني الشيخين تخريج حديث حبيب بن مسلمة(١). فيقال:
بل له معنى؛ وذلك أن المذكور من نفله في البدأة الربع هو مما يجوز له
النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة الثلث مما يجوز له النفل منه وهو
الخمس، بدليل رواية مكحول عن زياد عن حبيب أنه التلبيئة كان ينفل
الثلث بعد الخمس.
واحتجوا أيضًا بحديث سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام،
عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت كان رسول الله وَيقول ينفلهم
إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث(٢)، ولا حجة فيه؛ لأنه
يحتمل أن معناه: ينفلهم إذا قفلوا الثلث، فيكون ذلك على قول من قال:
إلى قتال. فيكون الثلث المنفل هو الثلث قبل الخمس.
قال الطحاوي: وذلك جائز عندنا؛ لأنه يرجى بذلك صلاح القوم
وتحريضهم على قتال عدوهم، فأما إذا كان القتال قد ارتفع،
فلا يكون النفل؛ لأنه لا منفعة للمسلمين في ذلك(٣).
وقال أبو عبيد في النفل الذي ذكره ابن عمر في قوله: ونفلوا بعيرًا
بعيرًا بعد ذكر السهام: ولا وجه له إلا أن يكون من الخمس، وقد جاء
مبينًا في حديث مكحول أنه التَّ نفل يوم خيبر من الخمس(٤). وروى
ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، قال: بلغني عن عبد الله بن
(١) ((الإلزامات والتتبع)) ص ١١٤.
(٢) رواه الترمذي (١٥٦١)، وابن ماجه (٢٨٥٢)، وأحمد ٣١٩/٥ - ٣٢٠، والدارمي
في ((سننه)) ١٦١٣/٣ (٢٥٢٥)، وابن حبان في ((صحيحه)) ١٩٣/١١ (٤٨٥٥)،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣١٣/٦. وضعفه الألباني في ((ضعيف سنن ابن
ما جه)) (٢٦٢).
(٣) ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٠/٣.
(٤) ((الأموال)) ص٣٣٢.

٤٨٧
- كِتَابُ الخُمُسِ
عمر رضي الله عنهما أنه قال: نفل رسول الله سرية بعثها قبل نجد من إبل
جاءوا بها نفلًا، سوى نصيبهم من المغنم(١).
وقوله القديمة يوم خيبر حين أخذ وبرة من جنب بعير ثم قال: ((أيها
الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود
فيكم)) (٢) يدل أن ما سوى الخمس من المغنم للمقاتلة يوضحه رواية
أبي عوانة عن عاصم بن كليب عن أبي الجويرية عن معن بن يزيد
السلمي قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((لا نفل إلا بعد الخمس))(٣)
أي: حتى يقسم الخمس، وإذا قسم أنفرد حق المقاتلة، وهو أربعة
أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإمام إن آثر ذلك هو في
الخمس لا من الأربعة أخماس التي هي حق المقاتلة ولو (أجزنا)(٤)
النفل قبل ذلك لكان حقهم قد بطل وجوبه، وإنما يجوز النفل مما
يدخل في ملك المنفل من ملك العدو، فأمّا ما قد زال عن ملك
العدو قبل ذلك وصار في ملك المسلمين فلا نفل فيه؛ لأنه من مال
المسلمين، فثبت بذلك أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة.
ومما أحتجّ به أصحاب مالك قالوا: إنما لم يجعل مالك النفل من
رأس الغنيمة؛ لأن لها معينين، وهم الموجفون، وجعله من الخمس؛
لأن قسمته مردودة إلى أجتهاد الإمام، وأهله غير معينين.
(١) رواه مسلم (٣٩/١٧٥٠) دون أن يسوق لفظه، وساقه البيهقي ٣١٣/٦.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه أبو داود (٢٧٥٣)، وأحمد ٣/ ٤٧٠، وسعيد بن منصور في ((سننه)) ٢٦٤/٢-
٢٦٥ (٢٧١٣)، وابن سعد في ((الطبقات)) ٣٢٧/٤- ٣٢٨، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) ٢٤٢/٣، والطبراني ٤٤٢/١٩ (١٠٧٣)، والبيهقي ٣١٤/٦
(١٢٨٠٩).
(٤) في (ص١): اخترنا.

٤٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي حديث ابن عمر رد لقول من قال: إن النفل من خمس الخمس،
وإنما في الحديث أنه نفل نصف السدس؛ لأنه بلغت سهمانهم أثني عشر
بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا.
فصل :
وأما حديث أبي موسى وأهل السفينة، فإن للعلماء في معناه
تأويلات أحدها: ما أسلفناه عن موسى بن عقبة، أن رسول الله وعليه
استطاب قلوب الغانمين بما أعطاهم، كما فعل في سبي هوازن،
وروي ذلك عن أبي هريرة.
روى خثيم بن عراك عن أبيه، عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم
المدينة هو ونفر من قومه فوجدوا رسول الله وَل قد خرج إلى خيبر،
قال: فقدمنا عليه وقد فتح خيبر، فكلم الناس فأشركنا في سهامهم (١).
وقيل: إنما أعطى من خيبر لأهل الحديبية خاصة. رواه حماد بن
سلمة، عن علي بن زيد، عن عمار بن أبي عمّار، عن أبي هريرة
قال: ما شهدت مغنمًا مع رسول الله وَّ إلا قسم لي، إلا خيبر فإنها
كانت لأهل الحديبية خاصة(٢) شهدوها أو لم يشهدوها؛ لأن الله
تعالى كان وعدهم بها بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ نَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١] بعد
قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وهذا أحد الأقوال
(١) رواه أحمد ٣٤٥/٢، وأبو داود الطيالسي في (مسنده)) ٣١٦/٤ (٢٧١٣)،
والطحاوي في ((مشكل الآثار)) ٣٥١/٧ (٢٩١٠)، والبيهقي ٣٣٤/٦.
(٢) رواه أحمد ٥٣٥/٢، وأبو داود الطيالسي ٢٢١/٤ (٢٥٩٧)، وابن سعد في
((الطبقات)) ٣٢٧/٤، والدارمي في ((سننه)) ١٦٠٨/٣ (٢٥١٧)، والبيهقي ٦/
٣٣٤، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ١٥٦/٦، وقال: رواه أحمد، وفيه: علي بن
زيد، وهو سيَّئ الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح.

٤٨٩
كِتَابُ الخُمُسِ
-
في الآية كما سلف. وقال آخرون: إنما أعطاهم منها مما لم يُفتح بقتال،
وقد سلف.
وقال آخرون: إنما أعطاهم منها من الخمس الذي حكمه حكم
الفيء، وله أن يضعه باجتهاده حيث شاء. ويمكن أن يذهب البخاري
إلى هذا القول.
فصل :
وحديث جابر يحتمل أن يكون من الخمس أو الفيء، وكذلك
حديث جابر الآخر يحتمل أن يكون من الخمس؛ لأنه إنما أنكر
الأعرابي الجاهل ما رأى من التفضيل، وذلك لا يكون في أربعة
أخماس الغنيمة، وإنما يكون في الخمس الذي هو موكول إلى
اجتهاده العلمي.
قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا مما لا يعلم أنه من الخمس، وقد
قسمه التَيْئا بغير وزن، ثم ساقه من حديث أبي الزبير: سمع جابرًا يقول:
بصر عيني وسمع أذني رسول الله وَله بالجعرانة، وفي ثوب بلال فضة
يقبضها للناس يعطيهم، فقال له رجل: أعدل ... الحديث(١).
فصل :
قال ابن أبي صفرة: فعله العَفّ في سبي هوازن؛ يدل أن الغنائم على
حكم الإمام، وإن رأى أن يصرفها إلى ما هو أوكد وأعظم مصلحةً
للمسلمين من قسمتها على الغانمين صرفها ولم يعط الغانمين شيئًا،
كما فعل بمكة، فتحها عنوة، ومنّ عليهم، ولم يعط أصحابه منها، بل
(١) رواه مسلم (١٠٦٣) كتاب الزكاة باب: ذكر الخوارج وصفاتهم ورواه أحمد ٣/
٣٥٤ واللفظ.

٤٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
أبقاها للرحم التي كانت بينه وبينهم، وكذلك أراد أن يفعل بهوازن
للرضاعة فيهم حين (أسبيا)(١) بالغنائم، فلما أبطئوا قسم، ثم لما جاءوا،
ردّ بعضًا، وأبقى للغانمين بعضًا عن طيب أنفسهم، ولم يستطب
أنفسهم بمكة؛ لأنه لم يملكهم واستطاب أنفسهم بهوازن؛ لأنه قد
كان قسم لهم وملّكهم، فصحَّ بهذا أنه لا شيء لهم إلا أن يملكوا.
وقد قال مالك: يحد الزاني ويقطع السارق، وإن كان له في الغنيمة
سهم إذا فعل ذلك قبل القسمة، فلو كان له فيها شبهة لدرأ الحد بها
الحديث: ((ادرءوا الحدود بالشبهات))، فدل أنه لا شبهة لهم فيها إلا
أن يملكوها بالقسمة.
وحكى الطبري هذه المقالة عن بعض أهل العلم قالوا: حكم الغنائم
كلها لرسول الله ◌َ﴿ في مغازيه كلها، وله أن يصرفها إلى من يشاء،
ويحرمها من حضر القتال ومن لم يحضر، واعتلوا بقوله تعالى: ﴿قُلِ
اُلْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] وبفعله التَّني بهوازن، ولم يسمّ القائلين
بذلك.
وقال آخرون: أربعة أخماس الغنيمة حق للغانمين؛ لا شيء فيه
للإمام، وإنما هو التليفالا كبعض من حضر الوقعة إلا ما كان خصه الله به
من الفيء وخمس الخمس، (وأما)(٢) غير ذلك فلم يكن له فيه شيء.
قالوا: والذي أعطى القيّمة يوم حنين للمؤلفة قلوبهم إنما كان من
نصيبه و(حقه)(٣) من الغنيمة. وقالوا: وقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ معناه: له وضعها موضعها التي أمره الله بوضعها فيها، لا أنه
(١) في الأصل: (استابا) غير منقوطة، ولعل المثبت صحيح.
(٢) في الأصل: فإنه.
(٣) في (ص٢): حصته.

٤٩١
كِتَابُ الخُمُسِ
=
ملكها ليعمل فيها ما شاء، قالوا: وكيف يجوز أن يكون معنى قوله :
﴿﴿وَالرَّسُولَ﴾: ملكًا له، وهو الَّئها، يقول يوم صدر من حنين فتناول
وبرة من الأرض: ((ما لي من مال الله ... )) إلى آخره (١).
فبين هذا إن ما أعطى المؤلفة ومن لم يشهد الوقعة إنما كان من
نصيبه وحقه من الغنيمة خاصة. وقال أبو عبيد: مكة لا تشبه شيئًا من
البلاد، وذلك أنه الَّ سن بمكة شيئًا لم يسّنه في سائر البلاد، قالت
له عائشة: ألا تبني لك بيتًا يظلك من الشمس بمنّى؟ فقال: (لا، منَّى
مناخ من سبق))(٢).
وقال عبد الله بن عمرو: من أكل من أجور بيوت مكة، فإنما يأكل
في بطنه نار جهنم. وكره أهل العلم كراء بيوتها. وقال ابن عباس وابن
عمر: الحرم کله مسجد.
وقال مجاهد: مكة مناخ لا يباع رباعها، ولا تؤخذ أجور بيوتها،
ولا تحلّ ضالتها إلا لمنشد (٣).
:
قال أبو عبيد: فإذا كان حكم مكة أنها مناخ من سبق، وأنها مسجد
جماعة المسلمين ولا تباع (رباعها) (٤) ولا يطيب كراء بيوتها، فكيف
يقاس غيرها عليها(٥).
قلت: جوز الشافعي بيع دورها وإجارتها بناء على أنها فتحت
صلحًا.
(١) سبق تخريجه.
(٢) ((الأموال)) ص ٧٠ - ٧١.
(٣) روى ذلك عنهم أبو عبيد في ((الأموال)) ص٧١ - ٧٢ أرقام (١٦١ - ١٦٩).
(٤) في (ص١): ركوبها.
(٥) ((الأموال)) ص٧٣.

٤٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
فصل :
قول البخاري: ((إن الخمس لنوائب المسلمين)). قد علمت اختلاف
العلماء فيه.
وقول مالك: إن حكم الإمام يعطي منه ذوي القربى واليتامى ومن
ذكر معهم بقدر اجتهاده ليس على أن لكل صنف منهم جزءًا، زاد
إسماعيل: له أن يعطي منه جميع المسلمين، ذكره الداودي.
واختلف (قوله)(١) في كيفية قسمته، فقال: مرة على الاجتهاد،
وقال أخرى: على قسم المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك
(بعد)(٢) أن يبدأ بإصلاح الأسوار والقناطر وما يعم المسلمين نفعه،
ويخشى عليهم من إضاعته، والشافعي يقول: تقسم على خمسة - كما
سلف- وسهمه الثّ يصرفه فيما كان القَّلا يصرفه فيه، وروي أنه كان
يصيره لقوة المسلمين.
وعند أبي حنيفة: يقسم على ثلاثة: للفقراء، والمساكين، وابن
السبيل؛ لأنه التَّ قال: ((لا نورث؛ ما تركنا صدقة))(٣). وقيل: إن
رأى أن يعطي غير هؤلاء أعطاهم، وإنما ذكر هؤلاء لأنهم أهم من
يعطى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾
[البقرة: ٢١٥] وهذا مذهب مالك المعروف عنه، كما قاله ابن التين،
وسلف ما ذكره الداودي عنه.
وقيل: يقسم الخمس على ستة أسهم: سهم الله يصرف في الكعبة،
وقيل: معنى قوله ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] افتتاح كلام، وقد
(١) من الأصل.
(٢) من (ص١).
(٣) سلف من حديث أبي بكر وعمر برقمي (٣٠٩٣، ٣٠٩٤) باب: فرض الخمس.

٤٩٣
كِتَابُ الخُمُسِ
سبق: ليس لله نصيب، له الدنيا والآخرة. وقيل: المعنى: الحكم فيه لله
وللرسول، ويقسم على أربعة. وفيه بعد؛ لأنه كان يعطي منه المؤلفة
قلوبهم وغيرهم، وقد قال: ((ما لي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس،
وهو مردود فيكم))(١).
فصل :
وفي قصة هوازن سبي مشركي العرب، وفيه الاستثناء بقسمة
الغنيمة. ومعنى ((جاءونا تائبين)) مسلمين.
وفيه: أتخاذ العرفاء وقبول خبر الواحد.
فصل :
قال الداودي في حديث أبي موسى: إن اسم الدجاجة يقع على
الذكر والأنثى من الدجاج، ولا ندري من أين أخذه(٢)، قال: وقوله:
(أحمر كأنه من الموالي) -يعني: من سبي الروم. و(تيم الله): قبيلة
من العرب.
وقوله: (فقذرته)، أي: بكسر الذال تقذرته، والقاذورة: الذي يتقذر
الشيء فلا تأكله. وفي الحديث: كان الكليه لا يأكل قاذورة الدجاج حتى
تعلف(٣).
وقال ابن فارس: قذرت شيئًا قذرًا: كرهته(٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله الداودي في ((صحاح الجوهري)) وفي
((القاموس)).
(٣) لم أقف عليه في كتب الحديث المسندة. وذكره ابن الأثير في ((النهاية في غريب
الحديث والأثر)» ٢٨/٤ والزمخشري في ((الفائق)) ١٦٨/٣.
(٤) ((المجمل)) ص٧٤٧ (قذر).

٤٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقوله: (ينهب إبل) يعني: غنيمة، والنهب: المغنم. وكان الصديق
يوتر قبل أن ينام ويقول: أحرزت نهبي، يريد: سهمه من الغنيمة.
وقوله: (غر الذرى) أي: بيض الأسنمة من سِمَنِهِنَّ وكثرة شحومهنّ،
والذُّرى جَمْع ذروة، وذروة كل شيء أعلاه.
وفيه: خوفهم أن يأخذوا ما لا يسوغ لهم أخذه مع نسيان رسول الله.
وقوله: (لَسْتُ أَنَا حَمَلْتُكُمْ، ولكن اللهَ حَمَلَكُمْ)) يحتمل وجوهًا :
أبينها: إزالة المنة عنهم، وإضافة النعمة إلى مالكها الحقيقي، ولو
لم يكن له في ذلك صنيعٌ ما كان لقوله: ((لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا
خَيْرًا مِنْهَا» وجه.
ثانيها: أن يكون أنسيها، والناسي كالمضطر، وفعله غير مضاف
إليه، إنما يضاف إلى الله.
ثالثها: أن الله حملكم حين ساق هذا النهب، ورزق هذا المغنم،
وقد كنت عجزت عن حملكم.
رابعها: أن يكون نوى في ضميره إلا أن يرد عليه مال في الحال
فيحملهم عليه.
وقوله: ((إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا)) يريد: الكفارة، يقال:
تحلل الرجل من يمينه إذا استثنى، وقال: إن شاء الله، قال النمر:
وأرسل أيماني ولا أتحلل.
ومعنى التحلل: التفضي من عهدة اليمين، والخروج من حرمتها إلى
ما يحل له منها، وقد يكون ذلك مرة بالاستثناء ومرة بالكفارة.
فصل :
قوله: في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (فكانت سهمانهم أثني

٤٩٥
- ڪِتَابُ الخُمُسِ
عشر بعيرًا أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا) يحتمل أنه شك في
سهامهم، أو أنه شك هل كانت أثني عشر، ونفلوا بعيرًا (بعيرًا
زائدًا)(١)، أو بلغت بالنافلة اثني عشر، غير أنه يعود من جهة العدد
إلى معنى واحد.
وبين البخاري في غير طريق مالك: أنه بلغت سهمانهم أثني عشر
بعيرًا، ونفلوا بعيرًا، فرجعوا بثلاثة عشر بعيرًا ذكرها في المغازي(٢).
ومالك كان كثير التوقي في الحديث.
وفيه: جواز النفل، وقيل: إنه إجماع.
وفيه: أنه من الخمس، خلافًا للشافعي حيث قال: من خمس
الخمس(٣)؛ لأنه إذا أخذ كل واحد أثني عشر بعيرًا، وأخذ الإمام
خمسها ثلاثة، فخمس الثلاثة لا يبلغ بعيرًا، فلو لم يكن النفل من
جملة الثلاثة التي هي خمس ما صح أن يعطيه بعيرًا، وعلى هذا
الحساب قلوا أو كثروا.
وانفصل بعض أصحابنا الشافعية عنه بوجوه:
منها أن الغنيمة كان فيها أذهاب وأمتعة.
ومنها : أن الإمام يتصرف في سهمه من سائر الغزوات كيف شاء،
فيجوز أن يكون نفلهم من سهمه من هذِه الغزاة وغيرها .
ومنها: أنه نفل بعضهم ولم ينفل جميعهم، يعني: أن النفل كان في
بعضهم. وظاهر الحدیث یردّه.
(١) من (ص١).
(٢) ستأتي برقم (٤٣٣٨) كتاب المغازي، باب: السرية قبل نجد.
(٣) ((الأم)) ٤ / ٦٧ - ٦٨.

٤٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد روي: أنهم كانوا عشرة غنموا مائة وخمسين بعيرًا، فأخذ رسول
الله ◌َله منها ثلاثين، وأخذوا هم عشرين ومائة؛ أخذ كل واحد منها أثني
عشر بعيرًا، ونفل بعيرًا. فلو كان النفل من خمس الخمس لم يعمهم
ذلك، وسيأتي في المغازي غير ذلك.
قال بعضهم: وليس للإمام أن ينفل إلا عند الحاجة إليه؛ لأنه الكليات
لم ينفل في كثير من غزواته.
وقيل: يكون النفل من رأس الغنيمة، والحديث يرده؛ ولأن
الأخماس الأربعة ملك للغانمين يساوى بينهم فيه، لا يزاد واحد لغناء
ولا لقتال.
فصل :
وما حكاه أبو موسى من قسمة رسول الله وَّلخير لهم وهم غيب، فقد
أسلفنا فيه وجوهًا: إما بالرضى، أو من الخمس. وقد أسهم لعثمان يوم
بدر وقال: ((اللهم إن عثمان في حاجة نبيك)) (١) وعند أبي حنيفة: أن مِن
دخل دار الحرب قبل أنفصال الجيش منها أن له سهمه، ولعله تعلق في
ذلك بظاهر هذا الحديث. وقوله: فوافقنا النبي ◌ّلل حين افتتح خيبر،
أي: صادفناه ووافيناه. وقال الظّهر: ((لا أدري بأيهما أفرح، بقدوم جعفر
أو بفتح خيبر))(٢).
وقوله: ((لقد شقيتُ إن لم أعدل)) ويروى بفتحها، ومعناه: خبت أنت
إن لم يعدل نبيك، ومن أنت متَّبِعُه، وإنما كان الَنْآ يعطي بالوحي.
(١) سبق تخريجه.
(٢) رواه البزار (١٣٢٨) عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عن أبيه، والحاكم ٢/
٦٨١، ٢٣٣/٣ وصححه.

٤٩٧
كِتَابُ الخُمُسِ
=
فصل :
قال الداودي: والذي ذكره البخاري من فقه جابر ليس هو من
الخمس، إنما هو من مال أتى من البحرين، لم يكن من مغنم.
قال: وقوله: (حثا لي بيديه)، وقال مرة: (حثية)، وفي غير هذا
الموضع: حفنة. قال فعلى ما هنا يسمى ما يؤخذ باليدين حثية،
والمعروف عند أهل اللغة، أن الحثية ما يملأ بالكف الواحدة، وأن
الحفنة ما يحفن باليدين، قال ابن القاسم: الحفنة باليد الواحدة،
وهذا آخر كلامه، وتعقبه ابن التين فقال: الذي ذكره الهروي عن
القتبي: الحثية والحفنة شيء واحد، يقال: حفن القوم المال وحثا
لهم، إذا أعطى كل واحدٍ منهم حفنة أو حثوة (١)، قال ابن فارس:
الحفنة ملء كفيك(٢).
قال: وقوله: (فحثا لي حثية). صوابه: حثوة بالواو. إلا أن ابن
فارس قال: حثا التراب يحثوه، وحثا يحثي حثيًا، مثله(٣). فصار في
ذلك لغتان.
(١) ((غريب الحديث)) لابن قتيبة ١/ ٥٧٠.
(٢) ((المجمل)) ص ٢٤٣ (حفن).
(٣) ((المجمل)) ص٢٦٤ (حثو).

٤٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٦ - باب مَا مَنَّ النَّبِيُّ وَلِّ عَلَى الأُسَارِى
مِنْ غَيْ أَنْ يُخَفَّسَ
٣١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ عَهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ فِي أُسَارِئْ بَدْرٍ: ((لَوْ كَانَ
المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٌّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هؤلاء النَّْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ)). [٤٠٢٤ -فتح
٦ / ٢٤٣]
ذكر فيه حديث مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ فِي
أُسَارىُ بَدْرٍ: ((لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٌّ حَيًّا، ثُمَّ کَلَّمَنِي فِي هؤلاء
النَّْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ)).
الشرح :
هذا الحديث ذكره هنا عن إسحاق أنا عبد الرزاق(١) وذكره في
المغازي فقال: حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الرزاق(٢). وبه
صرح أصحاب الأطراف أنه ابن منصور، ورواه أبو نعيم، عن
الطبراني ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق.
ولما رواه في المغازي قال: حدثنا محمد بن محمد بن مكي، ثنا
الفربري، ثنا البخاري، ثنا إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق.
وكذا هو في بعض نسخ المغاربة ابن منصور (٣).
(١) كذا قال المصنف. والذي في البخاري هنا التصريح باسم أبيه أيضًا. أنظر ((اليونينية))
٩١/٤ فلعل في نسخة المصنف سقط، لاسيما وليس ثم إشارة في ((اليونينية))
لاختلاف.
(٢) سيأتي برقم (٤٠٢٤).
(٣) سبق الإشارة إلى أنه ليس هناك إشارة في (اليونينية)) لاختلاف النسخ، وقول

٤٩٩
كِتَابُ الخُمُسِ
-
ثم الحديث دال على أن للإمام أن يُمُنّ على الأسارى من غير فداء؛
خلاف قول بعض التابعين؛ لأنه التَّئر لا يجوز في صفته أن يخبر عن شيء
لو وقع لفعله، وهو غير جائز.
وقوله: (من غير أن يخمس)، أنكره الداودي وقال: لم يكن القوم
ممن يخمس، ولا يسترق ولا يكون ذمة إذا مَنَّ عليه، إنما كان الحكم
فيهم في تلك الغزاة القتل أو المفاداة بأموال تأتيهم من مكة، ومن لم
يكن له مال علَّم أولاد الأنصار الكتابة. قال: و(قيل)(١) يخمسون
عنده وهو مروي: ((سبعة موال لا مولى لهم إلا الله: قريش،
والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم، وأشجع، وغفار))(٢).
وكان حكم قريش يوم فتح مكة الإسلام أو القتل لا يفادون
ولا يسترقون ولا تقبل منهم جزية؛ ولا يهاجوا في شيء من أموالهم
فأحكام قريش (ليست كغيرهم)(٣)، ولما أسر القوم يوم بدر استشار
النبي ◌َلّ صحابته، فأشار عليه أبو بكر وطائفة معه أن يفاديهم،
(وقال: هم عشيرتك)(٤)، لعلّ الله أن يستنقذهم بك، وأشار عليه عمر
وعلي بقتلهم، ففاداهم، وأسلم بعد ذلك بعضهم، منهم حكيم بن
حزام، وكان يقال لهم: الطلقاء، إذ لم يجر عليهم رقّ فيكونوا عتقاء.
المؤلف أنه في نسخ المغاربة يوهم أن نسخ المشارقة ليس فيه التصريح. لكنَّ ابن
حجر في ((الفتح)) ٦/ ٢٤٣ لم يعلق على الإسناد فكأنه لا إشكال فيه، وأن عنده
التصريح باسمه، والله أعلم.
(١) في (ص١): هل.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٠٤) كتاب المناقب، باب: مناقب قريش، ورواه مسلم (٢٥٢٠)
كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل غفار وأسلم وجهينة.
(٣) في (ص١): (بسبب كفرهم).
(٤) من (ص١).

٥
٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ((لو كان المطعم حيًّا)) كان معظّمًا في قريش، وكان سعى في
نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم، وبني المطلب
ألا يخالطوا حتى يخلوا بين رسول الله وَالقر وقريش.
وقتل يومئذ من الأسرى عقبة بن معيط والنضر بن الحارث.
و(النتنى): جمع نتن، مثل زمن وزمنى، يقال: أنتن الشيء فهو منتن
ونتن.
فصل :
قال المهلب: وفيه جواز الشفيع للرئيس الشريف على سبيل
الائتلاف له والانتفاع بإشفاعه في ردّ دعاية المشركين بأكثر ما يخشى
من ضرر المكلفين لطاعتهم لسيدهم المشفع فيهم ورسولهم من
الشارع، وأن الانتفاع بالمن عليهم أكبر من قتلهم أو استرقاقهم.
فصل :
قال ابن بطال: وفي ترجمة الباب حجة لما ذكره ابن القصّار عن
مالك وأبي حنيفة: أن الغنائم لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس
الغنيمة (إلا بعد قسمة الإمام لها)(١).
وحكي عن الشافعي: أنهم يملكون بنفس الغنيمة لا بعد قسمة الإمام
لها، والحجة للأول حديث الباب، وذلك أنه لو مَنّ الَّ على الأسارى
سقط سهم منْ له الخمس كما سقط سهم الغانمين.
وقوله: ( ((لتركتهم له))) يقتضي ترك جميعهم لا بعضهم، واحتجّ ابن
القصَّار فقال: لو ملكوا بنفس الغنيمة لكان منْ له أب أو ولد ممن يعتق
عليه إذا ملكه يجب أن يعتق عليه ويحاسب به من سهمه، وكان يجب
(١) من (ص١).