Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ - كِتَابُ الخُمُسِ وفيه: جواز إحراق أموال المشركين وما غنم منها. وأمره أن يتبعه من لم يتزوج فيه دلالة أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع وتجنبها؛ لأن من ملك بضع أمرأة ولم يبن بها، أو بنى بها وكان على طراوة منها، فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها، ويشغله الشيطان عما هو فيه من الطاعة فيرمي في قلبه الجزع، وكذلك ما في الدنيا من متاعها وفتنتها، فأراد أن تصفو القلوب للأعمال ولا تتحدث بسرعة الرجوع، فأصحاب هذِه الأحوال تتعلق القلوب بها فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم في الجهاد والشهادة، وربما يفرط ذَلِكَ التعلق بصاحبه فيفضي به إلى كراهة الجهاد وأعمال الخير، والهمم إذا تفرقت ضعف فعل الجوارح، وإذا اجتمعت قويت. فصل : قوله: ( ((رجل ملك بضع أمرأة)) ) قَالَ ابن التياني في ((الموعب)): البضع اسم المباضعة، وهو الجماع، وجعل تأبط شرا البضع: المباشرة. وقيل: إنه مهر المثل، والبضاع - بالكسر - الجماع. وعن أبي زيد: المباضعة: النكاح، وقد بضعها بضعًا، والاسم: البضع، وهو الجماع، والبضع: ملك الولي للمرأة، وبضعها بيد زوجها، وهو الطلاق، وكذلك البضيع، وقال الأزهري: أختلف الناس في البُضْع، فقال قوم: هو الفرج. وقال قوم: هو الجماع. وعن الأصمعي: ملك فلان بضع فلانة. إذا ملك عقدة نكاحها، وهو كناية عن موضع الغشيان(١). وقال صاحب ((الواعي)): الاستبضاع: نوع من نكاح الجاهلية، كان (١) ((تهذيب اللغة)) ٣٤٦/١، مادة: بضع. ٤٤٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الرجل منهم يقول لامرأته إذا طهرت أرسلي إلي فلان أستبضعي منه، ويعتزلها زوجها حتى يتبين حملها من ذَلِكَ الرجل، ثم يجامعها بعد إن أراد، يريد بذلك نجابة الولد بها. وقوله: ( ((أو خلفات وهو ينتظر ولادها))) خلفات: جمع خلفة. قَالَ ابن فارس: الخلفة: الناقة الحامل، والجمع: مخاض (١). وقال ابن سيده: هي الناقة الحامل، والجمع مخاض على غير قياس، كما قالوا: لواحدة النساء: أمرأة. وقيل: هي التي استكملت سنة بعد النتاج، ثم حمل عليها فلقحت. وقال ابن الأعرابي: إذا استبان حملها فهي خلفة حَتَّى تعشر. وخلفت الناقة خلفا، هذِه عن اللحياني. وقيل: المخلفة: التي توهم أن بها حملًا ثم لم تلقح(٢). وقال في ((المخصص)) عن الأصمعي: ناقة عاقد: تعقد بذنبها عند اللقاح، فإذا ثبت اللقاح -وهو حملها- فهي خلفة، والجمع: المخاض. قَالَ ابن دريد: المخاض والمخاض. وقال صاحب ((العين)): جمعها خلفات. قَالَ الأصمعي: فلا تزال خلفة حَتَّى تبلغ عشرة أشهر(٣) وهذا خلاف ما حكاه صاحب (المحكم)) فيما مضى. وقال الجوهري: الخلف - بكسر اللام - المخاض من النوق، الواحدة: خلفة(٤). وقال في ((المغيث)): يقال: خلفت إذا حملت، وأخلفت إذا حالت ولم تحمل(٥). (١) ((مجمل اللغة)) ٣٠٠/١ مادة: خلف. (٣) ((المخصص)) ١٣١/٢. (٥) ((المجموع المغيث)) ٦٠٨/١. (٢) ((المحكم)) ١٢٥/٥. (٤) ((الصحاح)) ١٣٥٥/٤ (خلف). ٤٤٣ كِتَابُ الخُمُسِ - ٩ - باب الغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الوَفْعَةَ ٣١٢٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ مَثُ: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَزْيَةً إِلَّ قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ أَ خَيْبَرَ. [انظر: ٢٣٣٤ -فتح ٢٢٤/٦] ذكر فيه حديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﴾: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ◌َلُ خَيْبَرَ. الشرح : هذا الأثر يأتي قريبًا إن شاء الله في غزوة خيبر مع طريق آخر له (١)، وسلف في آخر المزارعة، والغنيمة لمن شهد الوقعة، وهو قول أبي بكر وعمر، وعليه جماعة الفقهاء، ولا يرده قسمه وَلّ لجعفر بن أبي طالب ولمن قدم في سفينة أبي موسى من غنائم خيبر ولم يشهدوها؛ لأن خيبر مخصوصة بذلك؛ لأنه وقّي لم يقسم غير خيبر لمن لم يشهدها، فلا يجوز أن تجعل خيبر أصلًا يقاس عليه. قَالَ المهلب: وإنما قسم من خيبر لأصحاب السفينة لشدة حاجتهم في بدء الإسلام، فإنهم كانوا للأنصار تحت منح من النخيل والمواشي لحاجتهم، فضاق بذلك أحوال الأنصار، وكان المهاجرون من ذَلِكَ في شغل بال، فلما فتح الله خيبر عوض الشارع المهاجرين ورد إلى الأنصار منائحهم، وقد يحتمل كما قَالَ الطحاوي أنه وُّه أستطاب أنفس أهل الغنيمة(٢)، وقد روي ذَلِكَ عن أبي هريرة كما ستعلمه عند حديث أبي (١) سيأتي برقم (٤٢٣٦، ٤٢٣٥) كتاب المغازي. (٢) ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٨/٣. ٤٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح موسى بوجوه معه في أسهامهم منها. وأما قول عمر: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم رسول الله وَّل خيبر)، فإن أهل العلم اختلفوا في حكم الأرض، فقال أبو عبيد: وجدنا الآثار عن رسول الله ◌َّ والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرض ثلاثة أحكام: أرض (سلم) (١) عليها أهلها فهي لهم ملك، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره، وأرض افتتحت صلحًا على خراج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه، وأرض أخذت عنوة، وهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلهم سبيل الغنيمة فيكون أربعة أخماسها حصصًا بين الذين أفتتحوها خاصة، والخمس الباقي لمن سمى الله(٢). قَالَ ابن المنذر: وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وبه أشار الزبير بن العوام على عمرو بن العاص حين افتتح مصر. قَالَ أبو عبيد: وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها كما فعل رسول الله وَلقر، فذلك له، وإن رأى أن يجعلها موقوفة على المسلمين ما بقوا، كما فعل عمر في السواد، فذلك له(٣)، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه والثوري فيما حكاه الطحاوي(٤). وشذ مالك في ((المدونة)) في حكم أرض العنوة وقال: يجتهد فيها الإمام(٥) وقال في ((العتبية)) و((الموازية)): العمل في أرض (١) كذا بالأصل، وفي ابن بطال: أسلم وأظنه الصواب. (٢) ((الأموال)) ص٦٠. (٣) ((الأموال)) ص٦٠. (٤) ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٦/٣ (٥٢٣٧). (٥) ((المدونة)) ٣٨٧/١. ٤٤٥ كِتَابُ الخُمُسِ = العنوة على فعل عمر ألا يقسم ويقر بحالها، وقد ألح بلال وأصحاب له على عمر في قسم الأرض بالشام، فقال: [اللَّهُمَّ] أكفنيهم. فما أتى الحول وبقي منهم أحد. قال مالك: ومن أسلم من أهل العنوة فلا تكون له أرضه ولا داره، وأما من صالح على أرضه، ومنع أهل الإسلام من الدخول عليهم إلا بعد الصلح فإن الأرض لهم، وإن أسلموا فهي لهم أيضًا، ويسقط عنهم خراج أرضهم وحماحمهم. قَالَ ابن حبيب: من أسلم من أهل العنوة أحرز نفسه وماله، وأما الأرض فللمسلمين وماله وكل ما كسب له؛ لأن من أسلم على شيء في يده کان له. والحجة لقول الشافعي أن الأرض تقسم الأتباع في خيبر، وتأول قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمُتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١] فدخل في هذا العموم الأرض وغيرها فوجب قسمتها. قَالَ ابن المنذر: وذهب الشافعي إلى أن عمر استطاب أنفس الذين افتتحوا الأرض، وأنكر أبو عبيد أن يكون أستطاب أنفسهم، وذهب الكوفيون إلى أن عمر حدث عن رسول الله وَر أنه قسم خيبر، وقال: لولا آخر الناس لفعلت ذَلِكَ، فقد بين أن الحكمين جميعًا إليه، لولا ذَلِكَ ما تعدى سنة رسول الله إلى غيرها وهو يعرفها(١). ومن الحجة في ذَلِكَ كما قَالَ الطحاوي ما رواه ابن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر قَالَ: أفاء الله خيبر فأقرهم على ما كانوا وجعلها بينه وبينهم وبعث ابن رواحة يخرصها عليهم، فثبت أنه وَّ لم يكن قسم خيبر (١) ((الأموال)) ص٦٩. ٤٤٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح بكمالها، ولكنه قسم منها طائفة على ما ذكره عمر، وترك منها طائفة لم يقسمها على ما روى جابر، وهي التي خرصها عليهم، والذي كان قسم فيها هو الشق والنطاق وترك سائرها، فعلمنا أنه قسم منها وترك، وللإمام أن يفعل من ذَلِكَ ما رآه صلاحًا(١). واحتج عمر في ترك قسمة الأرض بقوله تعالى: ﴿قََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ٧-١٠] الآية. وقال عمر: هُذِه الآية قد استوعبت الناس كلهم، فلم يبق أحد إلا وله في هذا المال حق حتى الراعي بعدي. قَالَ أبو عبيد: وإلى هذِه الآية ذهب علي ومعاذ، وأشار على عمر بإقرار الأرض لمن يأتي بعد(٢). قَالَ إسماعيل: فكان الحكم بهذه الآية في الأرض أن تكون موقوفة كما تكون الأوقاف التي يقفها الناس أصلها محبوس ويقسم ما خرج منها، فكان معنى قول عمر: لولا الحكم الذي أنزل الله في القرآن لقسمت الأصول. وهذا لا يشكل على ذي نظر، وعليه جرى المسلمون، ورأوہ صوابًا. قَالَ إسماعيل: والذين قاتلوا حَتَّى غنموا لم يكن لهم في الأصل أن يعطوا ذَلِكَ؛ لأنهم إنما قاتلوا لله لا للمغنم، ولو قاتلوا للمغنم لم يكونوا مجاهدین في سبيل الله تعالی. قَالَ عمر: إن الرجل يقاتل للمغنم ويقاتل ليرى مكانه، وإنما المجاهد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. فلما كان أصل الجهاد أن يكون خالصًا لله، وكان عطاؤهم ما أعطوا من المغانم إنما هو (١) ((شرح معاني الآثار)) ٣٤٧/٣. (٢) ((الأموال)) ص٦٧. ٤٤٧ كِتَابُ الخُمُسِ = بفضل من الله على هذِهِ الأمة، أعطوا ذَلِكَ في وقت ومنعوه في وقت، فأعطوا من المغانم ما ليس له أصل يبقى، فاشترك فيه المسلمون كلهم، ومنعوا الأصل الذي يبقى، فلم يكن في ذَلِكَ ظلم لهم؛ لأن ثواب الله الذي قصدوه جار لهم في كل شيء ينتفع به من الأصول التي افتتحوها مادامت وبقيت. وحكى الطحاوي عن الكوفيين: أن الإمام إذا أقرهم أرض العنوة أنها ملك لهم يجري عليهم فيها الخراج إلى الأبد أسلموا أو لم يسلموا، وإنما حملهم على هذا التأويل أنهم قالوا: إن عمر جعل على جريب التمر في أرض السواد بالعراق شيئًا معلومًا في كل عام، فلو لم تكن لهم الأرض لكان بيع التمر قبل أن يظهر(١). قَالَ أبو جعفر الداودي: ولا أعلم أحدًا من الصحابة يقول بقول أهل الكوفة. واحتج من خالفهم بأن الأرض كلها كانت لا شجر فيها، فإنما اعتبر ما يصلح أن يزرع فيه البر جعل عليه بقدر ذَلِكَ، وإن أكترى ما يصلح أن يزرع الشعير جعل عليه بقدر ذَلِكَ، ومن أكترى ما يصلح أن يجعل فيه الشجر جعل عليه بقدر ذَلِكَ، على أن الشجر كانت في الأرض يومئذ. قال ابن بطال: وقول الكوفيين مخالف للكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى أحل الغنائم للمسلمين، فإذا افتتحت الأرض فاسم الغنيمة واقع عليها، كما يقع على المال، سواء كان رأي الإمام إبقاء الأرض لمن يأتي بعد، فإنما يبقيها ملكًا للمسلمين من أجل أنها غنيمة كما فعل عمر، فمن زعم أن الأرض تبقى ملكًا للمشركين فهو مضاد لحكم الله ورسوله، فلا وجه لقوله، وروى الليث عن يونس عن ابن شهاب أن (١) ((شرح معاني الآثار)) ٢٤٧/٣-٢٤٨. ٤٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == رسول الله ( افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت مما أفاء الله على رسوله فخمسها وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله وير فقال: ((إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها ويكون ثمرها بيننا وبينكم، وأقركم ما أقركم الله)) فقبلوا الأموال على ذلك. وروى يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه و ﴿ لما قسم خيبر عزل نصفها لنوائبه وما ينزل به، وقسم النصف الباقي بين المسلمين(١)، فلما صار ذَلِكَ في يد رسول الله وَّر لم يكن له من العمال ما يكفونه عملها ، فدفعها إلى اليهود ليعملوها على نصف ما يخرج منها، فلم يزل الأمر على ذَلِكَ حياة رسول الله وَّه وحياة أبي بكر، حَتَّى كان عمر وكثر العمال في أيدي المسلمين، وقووا على عمل الأرض، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم (٢)، فهذا كله يرد قول الكوفيين، وتبين أنهم إنما أبقوا في الأرض عمالًا للمسلمين فقط، فلما أغنى الله عنهم أخرجوا منها(٣). فصل : أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة من البالغين المسلمين الأحرار، واختلف في من أطاق القتال من الصبيان، فقال مالك: یسهم له. ومنعه الشافعي وأبو حنيفة وسحنون. وقالوا: يرضخ له فقط. وتأوله (١) رواه مختصرًا أبو داود (٣٠١٠ - ٣٠١٤) بمعناه من طرق عن بشير، وبشير مرة يرويه عن سهل بن أبي حثمة وعمرة عن رجال من أصحاب النبي ◌َّللر ومرة يحكيه هو. (٢) رواه مطولًا بهذا اللفظ أبو عبيد في ((الأموال)) ص٦١ -٦٢ (١٤٢). (٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٩٧/٥-٢٨٤. ٤٤٩ - كِتَابُ الخُمُسِ بعضهم على ((المدونة)). وقال ابن حبيب: من بلغ خمس عشرة سنة وأثبت وأطاق القتل أسهم له إذا حضر، ومن كان دون ذَلِكَ لم يسهم له حتی یقاتل. واختلف في المرأة إذا قاتلت كالرجل، فجمهور المالكية لا يسهم لها، خلافًا لابن حبيب، وعندنا: يرضخ لها فقط. وكذا العبد، وكذا الذمي إذا حضر بلا أجرة وبإذن الإمام، وقد أسلفنا الخلاف عندنا في الأجير، والأظهر أنه يسهم له إذا قاتل، والخلاف عند المالكية أيضًا، وحاصلهم عندهم ثلاثة أقوال: إن قاتل فقولان، وقيل: يسهم له إذا حضر وإن لم يقاتل. فصل : قيل: أخذت خيبر كلها عنوة وقسم الشارع جميعها، وهو ظاهر قول عمر # في الباب، وقيل: قسم نصفها وأبقى نصفها لنوائبه. وقال مالك: كان بعضها عنوة وبعضها صلحا، وقسم الشارع العنوة وأبقى الصلح لنوائبه. فصل : حاصل ما للعلماء في قسمة الأرض تردد عن مالك، وقال أبو عبيد: الإمام مخير(١). وأنكره إسماعيل وقال: كيف يخير الإمام في الأحكام؟ قَالَ الداودي: ولا يلزمه قول إسماعيل؛ لأن من قول مالك وكثير من العلماء وإسماعيل أن الإمام يصرف الخمس على ما يرى، فإذا كان له الخيار فيه فالفيء كذلك، غير أن قول أبي عبيد لا يصح لوجه غير هذا؛ لأن الآيات التي في سورة الحشر معناها غير ما ذهب إليه، قَالَ (١) ((الأموال)) ص٦٦. ٤٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى ﴿الصادقون﴾ [الحشر: ٧-٨] فهؤلاء الخمس المذكورون في الخمس في الأنفال، ثم قَالَ: ﴿وَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ١٠] فابتدأ الكلام بوصفهم، وأتى بالخبر وليس هو معطوفًا على ما قبله وكذلك قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ابتدأ الكلام بوصفهم وأتى بالجواب بكل آية على حالها غير معطوفة على ما قبلها. فصل : حاصل ما قيل في المعنى الذي أبقى به عمر الأرض إما لأنه أستطاب أنفس من حضر، أو تأول قوله: ﴿مََّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، ثم قَالَ: وما هو لهؤلاء وحدهم، ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ تَبَّوَّهُو الدَّارَ وَاُلْإِيمَنَ﴾ إلىْ ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ ثم قَالَ: وما هي لهؤلاء ثم تلا: ﴿وَالَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾ وقال: ما بقي أحد من المسلمين إلا دخل في ذلِكَ، ورأى أن هذِهِ الآيات ناسخة لقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ [الأنفال: ٤١] الآية. وقد خالف الزبير وبلال عمر فيما ذهب إليه عمر، وألحا عليه في قسم بعض ما فتح - كما سلف- فأبي عليهما، وما كان هُذا سبيله لم ينسخ به ما كان مفسرًا قد عمل به رسول الله وَّهِ، وإنما ذهب إسماعيل إلى أن آيات الحشر ناسخات لآية الأنفال. واختلف فيما أبقاه عمر وغيره من الأئمة من الأرض، فقال مالك وأكثر العلماء: إنه موقوف لنوائب الإسلام يجري فيه الخراج ولا يباع. وقال بعض الكوفيين: حين أبقى الأرض بأيديهم صارت ملكًا لهم، وصار عليهم وعلى الأرض خراج معلوم. ٤٥١ كِتَابُ الخُمُسِ = ١٠ - باب مَنْ قَاتَلَ لِلْمَغْنَمِ هَلْ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ؟ ٣١٢٦ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرْ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ عَمْرٍوٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ ◌َ﴾ قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ◌َ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرىُ مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ). [انظر: ١٢٣ - مسلم: ١٩٠٤ -فتح ٢٢٦/٦] ذكر فيه حديث أبي موسى الأشعري: قَالَ أَغْرَابِيٍّ لِلنَِّّ وَّهِ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرىُ مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلٍ اللهِ؟ فَقَالَ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهْوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)). هذا الحديث سلف في العلم في باب: من رفع رأسه قائمًا، والجهاد في باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا(١). قَالَ المهلب: من قاتل في سبيل الله ونوى بعد إعلاء كلمة الله ما شاء فهو في سبيل الله، والله أعلم بمواقع أجورهم، ولا يصلح لمسلم أن يقاتل إلا ونيته مبنية على الغضب لله والرغبة في إعلاء كلمته. ويدل على ذَلِكَ أنه قد يقاتل من لا يرجو أن يسلبه من عريان ولا شيء معه، فيغرر بمهجته مستلذًا لذلك، ولو أعطي ملء الأرض على أن يغرر بمهجته في غير سبيل الله ما غرر، ولكن سهل عليه ركوب ذَلِكَ استلذاذًا بإعلاء كلمة الله ونكاية عدوه والغضب لدينه. وقد أسلفنا في الأعمال بالنيات في الإيمان أن ما كان ابتداؤه لله من الأعمال لم يضره بعد ذَلِكَ ما عرض في نفسه وخطر بقلبه من حديث النفس ووسواس من الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء (١) سلف برقم (٢٨١٠). ٤٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = اطلاع العباد عليه بعد مضيه على ما ندبه الله إليه ولا سروره بذلك، وإنما المكروه أن يبتدئه بنية غير مخلصة لله، فذلك الذي يستحق عامله عليه العقاب(١). (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٢٨٤/٥-٢٨٥. ٤٥٣ ـ كِتَابُ الخُمُسِ ١١ - باب قِسْمَةِ الإِمَامِ مَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ، وَيَخْبَأُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَوْ غَابَ عَنْهُ ٣١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرََّةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَجَاءَ وَمَعَهُ ابنهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَامَ عَلَى البَابِ، فَقَالَ: أَدْعُهُ لِي. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ صَوْتَهُ فَأَخَذَ قَبَاءَ فَتَلَقَّاهُ بِهِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِأَزْرَارِهِ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا المِسْوَرِ خَبَأْتُ هذا لَكَ، يَا أَبًا المِسْوَرِ خَبَأْتُ هذا لَك))َ. وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شِدَّةٌ. وَرَوَاهُ ابن عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ. قَالَ حَاتِمُ بْنُ وَزْدَانَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ أَقْبِيَةٌ. تَابَعَهُ اللَّيْثُ، عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ. [انظر: ٢٥٩٩ -فتح ٢٢٦/٦] ذكر فيه حديث عبد الله ابن أبي مليكة وقوله: ((يَا أَبَا المِسْوَرِ (خبأنا)(١) لك هذا)). وقد سلف في الشهادات في آخر باب: شهادة الأعمى(٢)، ورواه ابن علية، عن أيوب، عن أبي عبد الرحمن، وقال حاتم بن وردان: ثَنَا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور: قدمت على النبي وَل أقبية، وهذا أسنده هناك تابعه الليث، عن ابن أبي ملكية؛ وهذه المتابعة أسندها في الهبة(٣)، وهو حديث خرجه مسلم والأربعة(٤)، (١) في اليونينية ٨٧/٤: (خبأت) ليس عليها تعليق. (٢) سلف برقم (٢٦٥٧). (٣) يقصد متابعة الليث عن ابن أبي مليكة وسلفت مسندة برقم (٢٥٩٩) باب: كيف يقبض العبد والمتاع. (٤) مسلم (١٠٥٨) كتاب الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلظة، وأبو داود = ٤٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ورواه الإسماعيلي من حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة (١) أن مخرمة أتى رسول الله وَ ل﴾. فذكره. وهو ممكن ولا شك في حل ما أهدى له ◌َّ؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله علیه من غیر قتال من أموال الکفار ویکون له دون سائر الناس، وله أن يؤثر به من شاء، ويمنع منه من شاء كما يفعل بالفيء، وكذلك خبأ القباء لمخرمة، ومن بعده من الخلفاء بخلافه في ذَلِكَ لا يكون له خاصة دون المسلمين؛ لأنه إنما أهدى إليه لأنه أميرهم، وقد سلف ذَلِكَ في الهبات واضحًا في هدايا المشركين. وفيه: ما كان عليه وَلّ من كرم الخلق ولين الكلمة والتواضع، ألا ترى أنه أستقبل مخرمة بأزرار القباء، وكناه مرتين، وألطف له في القول، وأراه إيثاره له واعتناءه به في مغيبه لقوله: ((خبأت هذا لك)) لما علم من شدة خلقه، فترضاه بذلك، فينبغي الاقتداء به. = (٤٠٢٨)، والترمذي (٢٨١٨)، والنسائي ٢٠٥/٨، ولم أقف عليه عند ابن ماجه. (١) ورد بهامش الأصل: إن كان إخراج الإسماعيلي له كما كتب في الأصل فهو مرسل، وإن كانت (ابن) زائدة فهو مسند؛ لأن أبا ملكية صحابي وإني لا أعلم له رواية، وقوله: وهو ممكن إن أراد رواية ابن أبي مليكة له فليس بممكن، وإن أراد إياه فهو ممكن فإني لا .. في رواية ابنه هذا أنه ممكن، والله أعلم. ٤٥٥ كِتَابُ الخُمُسِ ١٢ - باب كَيْفَ قَسَمَ النَّبِيُّ وَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيَرَ؟ وَمَا أَعْطَى مِنْ ذَلِكَ فِي نَوَائِبِهِ؟. ٣١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ ◌ّ يَقُولُ: كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ بََّ النَّخَلَاتِ حَتَّى أَفْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. [انظر: ٢٦٣٠ - مسلم: ١٧٧١ -فتح ٦ /٢٢٧] ذكر فيه حديث أنس : كَانَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ نَِّ النَّخَلَاتِ حَتَّى اُفْتَتَحَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وذكره البخاري في غزوة الأحزاب بزيادة: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ◌ّ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان النبي ◌ّ أعطاه أم أيمن، فجعلت الثوب في عنقي، تقول: كلا والله الذي لا إله إلا هو لا نعطيكم والنبي وَّو يقول: ((لك كذا)) وتقول: (كلا. أعطاها)(٢). حسبت أنه قَالَ عَشر أمثالها أو كما قَالَ(٣). ومعنى: (كان الرجل يجعل للنبي وَّ النخلات) يريد - والله أعلم - أن الأنصار كان الرجل منهم يعطي رسول الله وَلاه النخلة والرجل النخلتين والرجل الثلاث، كل واحد على قدر جدته وطيب نفسه؛ مواساة لرسول الله ومطهر ومشاركة له لقوته، وهذا من باب الهدية لا من باب الصدقة؛ لأنها محرمة عليهم. وأما سائر المهاجرين فكانوا قد نزل كل واحد منهم على رجل من (١) مسلم (١٧٧١) كتاب الجهاد والسير، باب: رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم. (٢) كذا بالأصل، وفي البخاري: كلا والله، حتى أعطاها. (٣) سيأتي برقم (٤١٢٠). ٤٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الأنصار فواساه وقاسمه، فكانوا كذلك إلى أن فتح الله الفتوح على رسوله ، فرد عليهم ثمارهم، فأول ذَلِكَ النضير كانت مما أفاء الله عليه مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وانجلى عنها أهلها بالرعب، فكانت خالصة لرسول الله وَ ل38 دون سائر الناس، وأنزل الله فيهم: ﴿مََّ أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [الحشر: ٦]. فحبس منها رسول الله لنوائبه وما يغزوه، وقسم أكثرها في المهاجرين خاصة دون الأنصار، وذلك أن رسول الله ﴿ ﴿ قَالَ للأنصار: ((إن شئتم قسمت أموال بني النضير بينكم وبينهم وأقمتم على مواساتهم في ثماركم، وإن شئتم أعطيتها المهاجرين دونكم وقطعتم عنهم ما كنتم تعطونهم من ثماركم)) قالوا: بل تعطيهم دوننا ونقيم على مواساتهم. فأعطى رسول الله ◌َّ المهاجرين دونهم، فاستغنى القوم جميعًا، استغنى المهاجرون بما أخذوا واستغنى الأنصار بما رجع إليهم من ثمارهم. وكانت أم أنس أعطت رسول الله ،و8* عذاقًا، وفي مسلم: نخلة، فتصرف في ثمارها بنفسه وعياله وضيفه، فلهذا آثر بها أم أيمن، ولو كانت إباحة لما أباحها لغيره؛ لأن المباح له بنفسه لا يباح له أن يبيح ذَلِكَ الشيء لغيره، بخلاف الموهوب له نفس رقبة الشيء فإنه يتصرف فيه كيف شاء، وامتنعت أم أيمن من رد المنيحة؛ لأنها ظنت أنها كانت هبة وتمليكًا لأصل الرقبة، فأراد ولم أستطابة قلبها بالزيادة؛ تبرعًا منه وإكرامًا لها لما لها من حق الحضانة. وأما قريظة فإنها نقضت العهد بينها وبين رسول الله صل* وتحزبت مع الأحزاب، وكانوا كما قَالَ الله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] قريظة، ولم يكن بينهم وبين رسول الله وَّ خندق ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠] الأحزاب، فأرسل الله نصره وأرسل الريح على ٤٥٧ كِتَابُ الخُمُسِ الأحزاب فلم تدع بناء إلا قلعته ولا آناء إلا قلبته، فانصرفوا خائبين، كما قَالَ تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٥]. فلما انصرف رسول الله وَ ل﴿ من الأحزاب ساروا إلى قريظة، فحاصرهم حَتَّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بأن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فقسمها الشارع في أصحابه وأعطى من نصيبه في نوائبه، وزعموا كما قَالَ إسماعيل بن إسحاق: إن هُذِه الغنيمة أول غنيمة قسمت على السهام، وجعل للفرس ولصاحبه ثلاثة أسهم وللرجل سهم. ٤٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ١٣ - باب بَرَكَةِ الغَازِي فِي مَالِهِ حَيَّا وَمَيِّتًا وَالٌهِ وَؤُلَاةِ الأَمْرِ مَعَ النَّبِيّ ٣١٢٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ هِشَامُ بْنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: لَا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الَجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَّيَّ، إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّ ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِّي لَا أُرَانٍِ إِلَّ سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرىْ يُنْقِي دَيْنُنَا مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ، بِعْ مَالَنَا فَاقْضٍ دَيْنِي. وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ -يَغْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ- يَقُولُ ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازىُ بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ - خُبَيْبٌ وَعَبَّدٌ- وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنْيِّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُزْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّ قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، أَقْضٍ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ عَّهِ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِزْهَمًا إِلَّ أَرَضِينَ مِنْهَا الغَابَةُ، وَإِحْدِى عَشْرَةَ دَارَا بِالْدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالْكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِهِ بِالمالِ فَيَسْتَؤْدِعُهُ إِيَّهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا، وَلَكِنَّهُ سَلَفْ، فَإِّ أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ، وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلَا شَيْئًا، إِلَّ أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﴿. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلَّفَى أَلْفٍ وَمِائَتَى أَلْفٍ. قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابن أَخِي، كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ، فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: والله مَا أُرِىُ أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لهذِهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هذا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ أَشْتَرِى الغَابَةَ ٤٥٩ = ڪِتَابُ الخُمُسِ بِسَبْعِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَزْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى هَا هُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُم وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزَُّيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوَّمَتِ الغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمِ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: أَزْبَعَةُ أَسْهُم وَنِصْفٌ. قَالَ المُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذَّتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةٍ أَلْفٍ. وَقَالَ ابنِ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كُمْ بَقِيَ؟ فَقَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ. قَالَ: أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةٍ أَلْفِ. قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتْمِائَةٍ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابن الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: أَقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثْنَا. قَالَ: لَا، والله لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَّادِيَ بِالْمُؤْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كَلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمُؤْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ، قَالَ: فَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَزْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فَأَصَابَ كُلَّ آَمْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ ◌َمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ. [فتح ٦ / ٢٢٧] ذكر فيه حديث عبد الله بن الزبير: قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيِّ، إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُوْمًا، وَإِنَّ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفْتُرىْ دَيْنُنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَي، بِعْ مَالَنَا واقْضٍ دَيْنِي. وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ -يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ - يَقُولُ ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَتُّلُتُّهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازىُ بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ - ٤٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ- وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنِيٌّ، إِنْ عَجَزْتَ عَنْهُ فِي شَيْءٍ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَةٍ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ، أَقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ ﴿ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمَا إِلَّا أَرَضِينَ مِنْهَا الغَابَةُ، وَإِحْدَ عَشْرَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالْكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا، وَلَكِنَّهُ سَلَفٌ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَظُ، وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجِ وَلَا شَيْئًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِّ وَّرَ أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَّ وَعُثْمَانَ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَى أَلْفٍ وَمِائَتَى أَلْفِ. قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: يَا ابن أَخِي، كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الذَّيْنِ؟ فَكِّتَمَهُ، فَقَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. فَقَالَ حَكِيمٌ: والله مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لهُذِهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَ أَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ فَقَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هُذا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ أَشْتَرى الغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةٍ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةٍ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ. فَأَتى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فإن شئتم: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ مِنْ هَا هُنَا إِلَى هَا هُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَىْ دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمْ وَنِصْفٌ،