Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
ــ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقَالَ مجاهد في هذِه الآية: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حَتَّى
يقضيه الله على لسانه(١).
وقال الكلبي: لا تقدموا بقول ولا فعل.
وفيها قول آخر ذكره ابن المنذر، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن
الحكم قَالَ: أصبنا يوم خيبر غنمًا فانتهبناها فجاء رسول الله وَ له
وقدورهم تغلي فقال: ((إنها نهبة فأكفئوا القدور وما فيها فإنها لا تحل
النهبة)).
وقال بعض أهل العلم: هذا يدل [على](٢) أنهم كانوا قد خرجوا من
بلاد العدو؛ لأن النهبة مباحة في بلاد العدو دون دار الإسلام، وهُذِه
القصة أصل في جواز العقوبة بالمال.
وقوله: ((فَأَكْفِئَتْ)) الأفصح والأشهر في كلام العرب كما قَالَ
الطبري: أن يقال كفأ القوم القدور يكفئونها، وإن كانت الأخرى
(أكفأت) محكية.
ذكرها ابن الأعرابي عن العرب(٣).
وقوله: (فعدل عشرة من الغنم ببعير) احتج به من قَالَ: تقسم
العروض ولا تباع، ويُقسم ثمنها. وقد روى ابن سحنون عن أبيه: يبيع
الإمام ثم يقسم الأثمان، وإن لم يجد من يشتريه يقسم على خمسة.
وقال محمد: الإمام بالخيار بين أن يقسم أو يبيع.
(١) ((تفسير مجاهد)) ٦٠٥/٢، والطبري ٣٧٧/١١ (٣١٦٥٩)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) ١٩٥/٢ (١٥١٦). وزاد السيوطي في ((الدر المنثور)) ٨٦/٦ نسبته إلى
عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) من (ص).
(٣) ذكره صاحب ((مجمع الأمثال)) عن ابن الأعرابي ٤٢٥/١.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ومعنى: (ندَّ): ذهب (لوجهه)(١)، ومعنى حبسه: وقفه. قال
الداودي: أبقاه لا يستطيع الجري، والأوابد: النفار، قاله الداودي،
يقال: أتى فلان بأبدة إذا كانت منه فعلة قلَّما يفعل مثلها.
وقال ابن فارس: الأوابد: الوحش، قَالَ: والأبدة: الفعلة التي
يبقى ذكرها على الأبد (٢). ونقل القرطبي عن المهلب أن الإكفاء إنما
كان لتركهم الشارع في أخريات القوم واستعجالهم للنهب، ولم يخافوا
من مكيدة العدو، فحرمهم ما استعجلوا له عقوبة لهم بنقيض
قصدهم، كما منع القاتل من الميراث(٣).
قَالَ القرطبي: ويشهد لصحة هذا التأويل حديث أبي داود: وتقدم
سرعان الناس فعجلوا وأصابوا من المغانم ورسول الله في أخريات
الناس (٤). قَالَ: واعلم أن المأمور بإراقته إنما هو إتلاف لنفس
المرق(٥)، وأما اللحم فلم يتلفوه، ويحمل على أنه جمع ورد إلى
المغنم، ولا يظن به أنه أمر بإتلافه؛ لأنه مال الغانمين. وقد نهى
الشارع عن إضاعة المال على أن الجناية بطبخه لم تقع من جميع
مستحقي الغنيمة. إذ من جملتهم أصحاب الخمس، ومن الغانمين من
لم يطبخ.
(١) في (ص): بوجهه.
(٢) ((مجمل اللغة)) ١/ ٨١ (مادة أبد).
(٣) ((المفهم)) ٣٧٥/٥.
(٤) ((المفهم)) ٣٧٥/٥، والحديث في أبي داود (٢٨٢١) وهُذِه الزيادة التي أشار
القرطبي موجودة عند البخاري في حديث الباب وهو قوله ((وكان النبي ◌َّل في
أخريات الناس فعجلوا ونصبوا القدور .. )).
(٥) ((المفهم)) ٣٧٥/٥ ولم أقف على قوله ((واعلم أن المأمور .. المرق)) فيه.

٣٤٣
=
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
فإن قلتَ: لم ينقل إلينا حمل ذلك اللحم إلى المغنم، قلنا: ولا ينقل
أنهم أحرقوه ولا أتلفوه كما فعل بلحوم الحمر الأهلية؛ لأنها نجسة قاله
وَّه، أو قَالَ: ((رجس)). وإذا لم يأت نقل (صريح)(١) وجب تأوله على وفق
القواعد الشرعية، وقوله: (إنا نرجو أو نخاف) شك أي اللفظين قَالَ.
ومعناهما واحد قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْحُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]
وقال الشاعر:
إذا لسعته النحل
لسعَها
ء
يرج
لم
أي: لم يخف.
وقال الداودي: معنى: نرجو: أي: نحن على رجاء من لقاء العدو.
ومعنى (نخاف): ألا نجد حين نلقى العدو ما نذبح به.
(١) في (ص): صحيح.

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
١٩٢ - باب البِشَارَةِ في الفُتُوحِ
٣٠٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي
فَيْسٌ قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَهُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَرَ: ((أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ
ذِي الخَلَصَةِ)). وَكَانَ بَيْتًا فِيهِ خَتْعَمُ يُسَمَّى كَعْبَةَ اليَمَانِيَةَ، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ
وَمِائَةٍ مِنْ أَحْمَسَ - وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ - فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ نَّهِ أَّ لَا أَتْبُتُ عَلَى
الَخَيْلِ، فَضَرَبَ فِي صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبَّتْهُ
وَاجْعَلْهُ هَادِيًّا مَهْدِيًّا)). فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى النَّبِيِّ وَ يُبَشِّرُهُ،
فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا
جَمَلٌ أَجْرَبُ. فَبَارَكَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. قَالَ مُسَدَّدٌ: بَيْتٌ في
خَشْعَمَ. [انظر: ٣٠٢٠ - مسلم: ٢٤٧٦ -فتح ٦/ ١٨٩]
ذكر حديث جرير في ذي الخلصة وقد سلف(١) في أوله وكان بيتًا فيه
خثعم. وقال في آخره: وقال مسدد: بيت في خثعم. وهو أصح، وهو
ظاهر فيما ترجم له وموضعه من الحديث: فكسرها وحرقها، وأرسل
إلى رسول الله وَله يبشره.
ففيه: البشارة في الفتوح، وما كان في معناه من كل ما فيه ظهور
الإسلام وأهله لُيُسَرَّ المسلمون بإعلاء الدين، ويبتهلوا إلى الله
في الشكر على ما وهبهم من نعمه، ومنَّ عليهم من إحسانه، فقد
أمر الله تعالى عباده بالشكر، ووعدهم المزيد. فقال: ﴿لَيِنِ شَكَرْتُمْ
لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
ثم ذكر [باب](٢) ما يعطى البشير.
(١) سلف برقم (٣٠٢٠) باب حرق الدور والنخيل.
(٢) في الأصل: (حديث) والمثبت هو ما يقتضيه السياق فإنه لم يذكر أحاديث في هذا
الباب.

٣٤٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٩٣ - باب مَا يُعْطَى البَشِيرُ
وَأَعْطَى كَعْبُ بْنُ مَالِكِ ثَوْبَيْنِ حِينَ بُشِّرَ بِالتَّوْبَةِ. [انظر: ٢٧٥٧ -فتح ٦ /١٨٩]
ثم قَالَ: وأعطى كعب بن مالك ثوبين حين بُشر بالتوبة. وقد
سلف(١).
(١) سلف برقم (٢٧٥٧) كتاب الوصايا، باب إذا تصدق أو أوقف بعض رقيقة أو دوابه.

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٩٤ - باب لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ
٣٠٧٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدِ، عَنْ
طَاؤُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ((لَا
هِجْرَةَ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا أَسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). [انظر: ١٣٤٩ -مسلم: ١٣٥٣ -
فتح ٦ /١٨٩]
٣٠٧٨، ٣٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ
أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ تُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ بُجَاشِعْ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ
إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ: هذا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ. فَقَالَ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ
مَكَّةَ، ولكن أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلَام)). [انظر: ٢٩٦٢، ٢٩٦٣ - مسلم: ١٨٦٣ -فتح ٦ / ١٨٩]
٣٠٨٠ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو وَابْنُ جُرَئِجٍ: سَمِعْتُ
عَطَاءَ يَقُولُ: ذَهَبْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَهْيَ مُجَاوِرَةٌ بِشَبِیٍ،
فَقَالَتْ لَنَا: أَنْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَلِ مَكَّةَ. [٣٩٠٠، ٤٣١٢ - مسلم:
١٨٦٤ -فتح ٦ / ١٩٠]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عباس: ((لَا هِجْرَةَ بعد الفتح)) وقد سلف.
ثانيها: حديث مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدٍ
ليبايعه عَلَى الهِجْرَةِ.
وقد سلف في باب البيعة في الحرب ألا تفروا. قريبًا(١).
ومجاشع هو ابن مسعود بن ثعلبة بن وهب سلمي بصري حاصر تَوَّجَ
ففتحها قبل يوم الجمل، خرج حين قدوم طلحة والزبير البصرة فلقي
عبد الله بن الزبير في جبل، فقتل مجاشع وغيره.
(١) سلف برقم (٢٩٦٢) كتاب الجهاد والسير.

٣٤٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
ثالثها: حديث عطاء ذَهَبْتُ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى عَائِشَةَ وَهْيَ مُجَاوِرَةٌ
بِشَِيرٍ، فَقَالَتْ لَنَا: أَنْقَطَعَتِ الهِجْرَةُ مُنْذُ فَتَحَ اللهُ عَلَى نَبِّهِ وَ مَّةَ.
وعبيد هذا هو ابن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر بن جندع،
أبو عاصم، سمع ابن عباس وابن عمر، ومات قبله.
وفي رواية له: ((لا هجرة اليوم)) (١)، وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه
إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، وأما اليوم فقد أظهر الله
الإسلام. والمؤمن يعبد ربه حيث شاء. ((ولكن جهاد ونية))، وهو دال
على نسخ الهجرة بعد الفتح -أي: من مكة- إلا أن سقوطها بعده
لا يسقطها عمن هاجر قبل الفتح، فدل على أن قوله: ((لا هجرة بعد
الفتح)) ليس على العموم؛ لأن الأمة مجمعة أن من هاجر قبل الفتح
أنه يحرم عليه الرجوع إلى وطنه الذي هاجر منه، كما حرم على أهل
مكة الرجوع إليها.
ووجب عليهم البقاء مع رسول الله مَ﴾، والتحول معه حيث تحول
لنصرته ومؤازرته وصحبته وحفظ شرائعه والتبليغ عنه، وهم الذين
استحقوا اسم المهاجرين (ومدحوا)(٢) به دون غيرهم، ألا ترى أنه
وَّ ٤- رثى لسعد بن خولة أن مات بمكة في الأرض التي هاجر منها،
ولذلك دعا لهم فقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم
على أعقابهم))(٣).
وذكر أبو عبيد في كتاب ((الأموال)) أن الهجرة كانت على غير أهل
مكة من الرغائب، ولم تكن فرضًا دل على ذَلِكَ قوله للذي سأله عن
(١) سيأتي برقم (٤٣١٢) كتاب المغازي، باب من شهد الفتح.
(٢) في (ص): ويُدعَوا.
(٣) سلف برقم (١٢٩٥) كتاب الجنائز، باب: رئي النبي ◌ُّ سعد بن خولة.
.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الهجرة: ((إن شأنها شديد فهل لك من إبل تؤدي زكاتها؟)) قَالَ: نعم.
قَالَ: (فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئًا))(١)،
ولم يوجب عليه الهجرة، وقيل: إنما كانت واجبه إذا أسلم بعض أهل
البلد، ولم يسلم بعضهم لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار،
فأما إذا أسلم كل من في الدار فلا هجرة عليهم. لقوله لوفد عبد القيس
حين أمرهم بما أمرهم، ولم يأمرهم بهجرة أرضهم؛ وقد عذر الله
المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يجدون حيلة
ولا يهتدون سبيلاً، يعني: طريقًا إلى المدينة. وأما الهجرة الثابتة إلى
يوم القيامة فقوله: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه))(٢).
قلتُ: وكذا إذا أسلم في بلد الكفار، ولم يمكنه إظهار دينه عملًا
بقوله: ((لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)) (٣).
(١) سلف برقم (١٤٥٢) كتاب الزكاة، باب: زكاة الإبل.
(٢) سلف برقم (١٠) كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
(٣) رواه النسائي ٧/ ١٤٧، وأحمد ٥/ ٢٧٠، من حديث عبد الله بن السعدي وصححه
ابن حبان في «صحيحه» ٢٠٧/١١ (٤٨٦٦) وصححه الألباني في («الصحيحة» ٤/
٢٤٠ وفي ((صحيح الجامع)) (٢٥١٨).

٣٤٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٩٥ - باب إِذَا اضْطَرَّ الرَّجُلُ إِلَى النَّظَرِ
في شُعُورِ أَهْلِ الذِّقَّةِ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِذَا عَصَيْنَ اللَّهَ وَتَجْرِيدِهِنَّ
٣٠٨١ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبِ الطَّائِفِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
خُصَيْنٌّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَكَانَ عُثْمَانِيًّا - فَقَالَ لاِبْنِ عَطِيَّةً
- وَكَانَ عَلَوِيًّا -: إِنِيّ لأَغْلَمُ مَا الذِي جَزَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَعَثَنِي
النَّبِيُّ وَّهِ وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَ: ((اثْتُوا رَوْضَةَ كَذَا، وَتَجِدُونَ بِهَا أَمْرَأَةً أَعْطَاهَا حَاطِبٌ
كِتَابًا)». فَأَتَيْنَا الرَّوْضَةَ فَقُلْنَا: الكِتَابَ. قَالَتْ: لَمْ يُغْطِنِي. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ أَوْ
لأُجَرْدَنَّكِ. فَأَخْرَجَتْ مِنْ حُجْزَتِهَا، فَأَزْسَلَ إِلَى حَاطِبٍ، فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ، والله مَا
كَفَرْتُ وَلَا أَزْدَدْتُ لِلإِسْلَامِ إِلَّ حُبَّ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَضْحَابِكَ إِلَّ وَلَهُ بِمَكَّةَ مَنْ يَدْفَعُ
اللهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدَا. فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ
وَِّ، قَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ نَافَقَ. فَقَالَ: ((مَا يُدْرِيَكَ لَعَلَّ اللهَ أَطَّلَعَ
عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ: أَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)). فهذا الذِي جَرَّأَهُ. [انظر: ٣٠٠٧ - مسلم:
٢٤٩٤ - فتح ٦ / ١٩٠]
ثم ذكر حديث سعد بن عُبيدة - بضم العين - عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
-وَكَانَ عُثْمَانِيًّا - فَقَالَ لاِبْنِ عَطِيَّةَ -وَكَانَ عَلَوِيًّا -: إِنِّي لأَعْلَمُ مَا الذِي
جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدِّمَاءِ .. ثم ذكر حديث روضة خاخ (السالف
قريبًا (١). وهذِه الظعينة قيل: إنها مشركة)(٢).
ومعنى: (كان عثمانيًّا): يفضل عثمان على علي كالعلوي بعكسٍ
ووقفت فرقة ثالثة في التفضيل بينهما. وقاله مالك مرة، وقال مثل أبي
عبد الرحمن، والصواب تقديم عثمان عليه(٣).
(١) سلف برقم (٣٠٠٧) باب الجاسوس. (٢) من (ص).
(٣) لمزيد من التفصيل في هذه المسألة ينظر ((الاستيعاب)) ٢١٤/٣-٢١٥، ((مجموع
الفتاوى)) ٤٢٥/٤-٤٢٦.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ الداودي: وبئس ما قَالَ أبو عبد الرحمن في تأويله [عليٍّ](١) أنه
يجترئ على شيء يراه حرامًا لقوله ◌ّ في أهل بدر، والله يعلم أفعال
العباد قبل كونها، وعلم أنهم لا يأتون كبيرة، وإن قَالَ لهم نبيهم عنه :
((اعملوا ما شئتم))، وقول أبي عبد الرحمن: (إني لأعلم .. إلى آخره)
ظن منه أن عليًّا على مكانته من الفضل والعلم لا يقتل أحدًا
إلا بالواجب، وإن كان قد ضمن له الجنة لشهوده بدرًا وغيرها.
وفيه من الفقه: أن من عصا الله فلا حرمة له، وأن المعصية تبيح حرمته
وتزيل سترته، ألا ترى أن عليًّا والزبير أرادا كشف المرأة، ولم تخرج
(الكتاب)(٢)؛ لأن حملها له ضرب من التجسس على المسلمين، ومن
فعل ذَلِكَ فعليه النكال بقدر اجتهاد الإمام مسلمًا كان أو كافرًا، وقد
أجمعوا أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء. فكذلك
في تحريم النظر إليهن متجردات، وهما سواء فيما أبيح من النظر
إليهن في (حين)(٣) الشهادة أو إقامة الحد عليهن، وهذا كله من
الضرورات التي تبيح المحظورات.
(١) سقطت من الأصل، وأشار إليها في الهامش، وهي غير واضحة، ولعل المثبت
صحیح.
(٢) في الأصل: الكتابة. والمثبت من (ص) وهو المناسب للسياق.
(٣) في (ص): خبر.

٣٥١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
-
١٩٦ - باب اسْتِقْبَالِ الغُزَاةِ
٣٠٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِ الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ،
عَنْ حَبِيبٍ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابن الزُّبَيْرِ لايْنِ جَعْفَرِ رضى الله
عنهم: أَتَذْكُرُ إِذْ تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللهِ وَِّ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَمَلَنَا
وَتَرَكَكَ. [مسلم: ٢٤٢٧ -فتح ٦ / ١٩١]
٣٠٨٣ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ
السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ◌َُ: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ وَّهِ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ.
[ ٤٤٢٦، ٤٤٢٧ -فتح ٦ / ١٩١]
ذكر فيه حديث ابن أبي مليكة: قَالَ ابن الزُّبَيْرِ لاِبْنِ جَعْفَرٍ: أَتَذْكُرُ إِذْ
تَلَقَّيْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنَا وَأَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَمَلُنَا وَتَرَكَكَ.
وحديث الزهري قَالَ: قَالَ السائب بن يزيد: ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ
وَّ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلَى ثَنَّةِ الوَدَاعِ.
الشرح: كذا وقع هنا أن ابن الزبيرقَالَ ذَلِكَ، وفي أفراد مسلم،
و((مسند أحمد)) أن عبد الله بن جعفر قَالَ ذَلِكَ لابن الزبير(١)، والظاهر
أنه أنقلب على الراوي كما نبه عليه ابن الجوزي في ((جامع المسانيد)).
والتلقي للمسافرين والقادمين من الجهاد والحج بالبشر والسرور أمر
معروف، ووجه من وجوه البر. ولهذا الحديث ثبت تشييعهم؛ لأن ثنية
الوداع إنما سُميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها
ويودعونهم (عندها)(٢)، وإليها كانوا يخرجون صغارًا وكبارًا عند
التلقي. وقد يجوز تلقيهم بعدها وتشييعهم إلى أكثر منها.
(١) رواه مسلم (٢٤٢٧) باب فضائل عبد الله بن جعفر، ((مسند أحمد)) ٢٠٣/١.
(٢) من (ص).

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما الداودي فقال: قوله: (إلى ثنية الوداع) ليس بمحفوظ؛ لأن
ثنية الوداع من جهة مكة، وتبوك من الشام مقابلتها كالمشرق من
المغرب، إلا أن يكون ثم ثنية أخرى في تلك الجهة.
قَالَ: والثنية: الطريق في الجبل؛ وليس كذلك، وإنما الثنية:
ما أرتفع من الأرض.
وفيه: الفخر بإكرام الشارع.
وفيه: رواية الصبي ابن سبع سنين، وفيه إثبات الصحبة لعبد الله بن
الزبير؛ لأنه قد توفي وهو ابن ثمان سنين.
وفيه: ركوب الثلاثة على الدابة.
وفيه: كفالته ليل﴾ اليتيم. قاله الداودي.
واعترض عليه ابن التين فقال: وَهَلَ في الحديث (أيضًا)(١) أنه وَّ
حمل ابن عباس وابن الزبير، ولم يحمل ابن جعفر كما سلف.
فائدة: البخاري روى حديث ابن أبي مليكة عن عبد الله بن أبي
الأسود، وهو أبو بكر ابن أخت ابن مهدي قاضي همذان، وهو
عبد الله بن محمد بن أبي الأسود.
وفيه: حميد بن [أبي](٢) الأسود أيضًا وهو بصري مات ببغداد سنة
ثلاث وعشرين ومائتين(٣)، أنفرد بهما.
(١) في الأصل (يضا) غير منقوطة، ولعل المثبت صحيح.
(٢) من (ص).
(٣) ورد في هامش: الذي توفي هذِه الحدود إنما هو أبو بكر بن أبي الأسود شيخ
البخاري، وقد توفي سنة ثلاث وعشرين ومائتين على ذكر المؤلف، وأما حميد بن
الأسود فليست وفاته في هذا التاريخ، ولا أعلم وفاته، فاعلم ذلك.

٣٥٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٩٧ - باب مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الغَزْوِ
٣٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ◌ُه
أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ إِذَا قَفَلَ كَبََّ ثَلَاثًا قَالَ: ((آيِبُونَ - إِنْ شَاءَ اللهُ تَائِبُونَ عَابِدُونَ
حَامِدُونَ لِرَبِّنَا سَاجِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ
وَحْدَهُ)). [انظر: ١٧٩٧ - مسلم: ١٣٤٤ -فتح ٦ / ١٩٢]
٣٠٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَخْيَى بْنُ أَبِي
إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَّ مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ، وَرَسُولُ
اللهِ وََّ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَزْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَّيٍّ، فَعَثَرَتْ نَاقَتُهُ فَصُرِعَا جَمِيعًا،
فَاقْتَحَمَ أَبُو طَلْحَةَ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: ((عَلَيْكَ المَرْأَةَ)).
فَقَلَبَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهِ وَأَتَاهَا، فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا وَأَضْلَحَ لَهُمَا مَرْكَبَهُمَا فَرَكِبَا، وَاكْتَنَفْنَا
رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا
حَامِدُونَ)). فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. [٣٧١ - مسلم: ١٣٤٥ -فتح ٦ / ١٩٢]
٣٠٨٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌ُّ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ النَّبِيِّ بََّ، وَمَعَ النَّبِيِّ ◌َ صَفِيَّةُ
مُزْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَثَرَتِ النَّاقَةُ، فَصُرِعَ النَّبِيُّ
صَلى الله
وستام
وَالَزْأَةُ، وَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ - قَالَ: أَحْسِبُ قَالَ : - أَقْتَحَمَ عَنْ بَعِيرِهِ، فَأَتَّى رَسُولَ اللهِ وَه
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، هَلْ أَصَابَكَ مِنْ شَىءِ؟ قَالَ: ((لا، ولكن
عَلَيْكَ بِالْمَرْأَةِ». فَأَلَّقَى أَبُو طَلْحَةَ ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَصَدَ قَصْدَهَا، فَأَلْقَى ثَوْبَّهُ
عَلَيْهَا، فَقَامَتِ المزْأَةُ، فَشَدَّ لَهُمَا عَلَى رَاحِلَتِهِمَا فَرَكِبَا، فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِظَهْرِ
المَدِينَةِ - أَوْ قَالَ: أَشْرَفُوا عَلَى المَدِينَةِ - قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ
لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)). فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٤٥ -فتح
١٩٣/٦]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
أحدها: حديث عن عبد الله: أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ كَانَ إِذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلَاثًا
فقَالَ: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حامدون، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ
عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ)).
ثانيها: حديث أنس: كُنَّا مَعَ رسول الله ◌َّهِ مَقْفَلَهُ مِنْ عُسْفَانَ،
وَرَسُولُ اللهِ وَجِّهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ .. الحديث
وفيه: فَلَمَّا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا
حَامِدُونَ)». فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ.
ثالثها : عنه مثله.
الشرح :
قد سلف القول في التكبير عند الصعود، والإشراف على المدن،
والتسبيح عند الهبوط .وفيه: إرداف المرأة خلف الرجل، وسترها عن
الناس.
وفيه: ستر من لا يجوز رؤيته، وستر الوجه عنه.
وفيه: خدمة العالم والإمام، وخدمة أهله.
وفيه: أكتناف الإمام والاجتماع حوله عند دخول المدن. وتلقي
الناس سنة ماضية وأمرٌ جار،
وفيه: حمد الله للمسافر عند إتيانه سالمًا إلى أهله، وسؤاله الله التوبة
والعبادة. وتقدير الكلام: نحن آيبون تائبون عابدون حامدون لربنا
ساجدون، إن شاء الله، على ما رزقنا من السلامة والنصر وصدق
الوعد ولا تتعلق المشيئة بقوله: (آيبون)(١) لوقوع الإياب، وإنما تتعلق
بما في الكلام الذي لم يقع بعد.
(١) في (ص): تائبون.

٣٥٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وفيه: أنه يجوز للمتكلم أن يقدم المشيئة لله تعالى في أول كلامه،
ثم يصلها بما يحب إيقاعه من الفعل.
وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له عندما يجدد له من نعمة وسلامة أن
يقر لله تعالى بطاعته، ويسأله أن يديم له حال تثويبه وعبادته له. وإن كان
الشارع قد تقرر عنده أنه لا يزال تائبًا عابدًا ساجدًا حامدًا لربه لكن هو
أدب الأنبياء أخذًا بقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا *
إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] ولعلمهم بمواقع نعم الله عندهم،
يعترفون له بها ويذعنون ويتبرءون إليه من الحول والقوة، ويظهرون
الافتقار إليه؛ مبالغة في شكره تعالى، ولتقتدي بهم أممهم في ذلك.
فائدة :
قوله في حديث أنس: (فاكتنفنا رسول الله وَّه) أي: أحطنا به.
وفيه: تغطية أبي طلحة وجهه، وإصلاح الرجل للمرأة للضرورة.
وفيه: حجاب أمهات المؤمنين وإن كن كالأمهات.
وفيه: علم الشارع بصلاح أبي طلحة وإسقاط الغيره.
فائدة أخرى :
قوله: (مقفله من عسفان) هو وهم نبه عليه الدمياطي الحافظ حيث
قَالَ: ذكر عسفان مع قصة صفية وهم؛ لأن غزوة عسفان إلى بني لحيان
كانت في سنة ست، وغزوة خيبر في سنة سبع. وإرداف صفية مع رسول
الله وَّ ووقوعها كان فيها.

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
بسم الله الرحمن الرحيم
١٩٨- باب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ السَفَرِ
٣٠٨٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ تُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ قَالَ:
سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا
قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ لِي: ((ادْخُلِ المَسْجِدَ فَصَلَّ رَكْعَتَيْنٍ)). [انظر: ٤٤٣ -مسلم: ٧١٥ -
فتح ٦ / ١٩٣]
٣٠٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ بْنِ كَغْبٍ، عَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ كَعْبٍ ثُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ كَانَ
إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِ ضُحَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. [انظر: ٢٧٥٧ -
مسلم: ٧١٦، ٢٧٦٩ - فتح ٦ /١٩٣]
ذكر فيه حديث جابر : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَّهَ فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا قَدِمْنَا
المَدِينَةَ قَالَ لِي: ((ادْخُلِ المَسْجِدَ فَصَلُّ رَكْعَتَيْنٍ)).
وحديث كعب: أَنَّ الَّا كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ضُحَّى دَخَلَ المَسْجِدَ،
فَصَلَّىْ رَكْعَتَيْنِ.
الشرح :
الصلاة عند القدوم سنة، وفضيلة فيها معنى الحمد لله على السلامة،
والتبرك بالصلاة أول ما يبدأ في حضره، ونعم المفتاح هي إلى كل خير،
وفيها يناجي العبد ربه، وذلك هدي رسوله وسنته، ولنا فيه أكرم الأسوة،
وفيه الابتداء ببيت الله قبل بيته، وخلوته للناس عند قدومه ليسلموا عليه.

٣٥٧
=
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٩٩ - باب الطّعَامِ عِنْدَ القُدُومِ
وَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يُفْطِرُ لِمَنْ يَغْشَاهُ.
٣٠٨٩ - حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِ
بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةَ.
زَادَ مُعَاذ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ تُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: أَشْتَرىُ مِنْيَّ النَّبِيُّ
صَلَىاللّه
بَعِيرًا بِوَقِيَّتَيْنِ وَدِرْهَم - أَوْ دِرْهَمَيْنِ - فَلَمَّا قَدِمَ (صِرَارًا أَمَرَ) (١) بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ
فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ المَسْجِدَ فَأُصَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَوَزَّنَ لِي ثَنَ
البَعِيرِ. [انظر: ٤٤٣ -مسلم: ٧١٥ -فتح ٦ / ١٩٤]
٣٠٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّةَ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ)). صِرَارٌ: مَوْضِعٌ نَاحِيَةً بِالْدِينَةِ.
[انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ -فتح ٦ / ١٩٤]
ثم ذكر حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةٍ لَمَّا
قَدِمَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أو بعيرا أَوْ بَقَرَةً.
زَادَ مُعَاذ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قال:
أُشْتَرِى مِنِيِّ النَّبِيُّ وَهَ بَعِيرًا (بِوَقِيَّتَيْنٍ)(٢) وَدِرْهَم - أَوْ دِرْهَمَيْنِ- فَلَمَّا
قَدِمَ (صِرَارَ) (٣) أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ فَأَكَلُوا مِنْهَا، فَلَّمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ أَمَرَنِي
أَنْ آتِيَ المَسْجِدَ فَأُصَلِي رَكْعَتَيْنٍ، وَوَزَنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ.
ثم رواه من حديث محارب أيضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ،
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((صَلِّ رَكْعَتَيْنِ)).
(١) كذا بالأصل، وفي ((اليونينية)) ٧٨/٤: (صرارا أمر) وليس عليها تعليق.
(٢) في الأصل: (بوقية) والمثبت من ((اليونينية)) ٤/ ٨٧.

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الشرح :
تعليق ابن عمر رضي الله عنهما رواه القاضي إسماعيل في
((أحكامه))، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عنه(١) أنه كان
إذا كان مقيمًا لم يفطر، وإذا كان مسافرًا لم يصم، فإذا قدم أفطر
أيامًا لغاشية ثم يصوم.
والبخاري روى حديث جابر الأول عن محمد، وهو: ابن المثنى
كما صرح به الإسماعيلي، حيث قَالَ: حَدَّثَنَا الحسن، عن ابن
راهويه، قَالَ ابن المثنى: ثَنَا وكيع فذكره.
وزيادة معاذ أخرجها مسلم، عن ابن معاذ، عن أبيه به (٢).
والإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن معاذ، عن أبيه ومحارب بن
دثار هو كوفي قاضيها، روي عنه أنه قَالَ: لما وليت القضاء بكيت وبكت
عيالي، فلما عزل عن القضاء بكى وبكت عياله.
ذكره ابن سعد قَالَ: وله أحاديث، ولا يحتجون (به)(٣)، وكان من
المرجئة الأولی الذین یرجئون عليًّا وعثمان ولا یشهدون بإيمان ولا كفر.
مات في ولاية خالد بن عبد الله(٤)(٥).
(١) ورد بهامش الأصل: الذي يظهر أنه لا يحتاج إلى (عنه)؛ وذلك لأن الظاهر أن
نافعًا رواه عن فعل ابن عمر، وبعيد أن ابن عمر حدثه به، والله أعلم.
(٢) مسلم (٧١٥) كتاب الصلاة، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من
سفر أول قدومه.
(٣) في (ص): بها.
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ٣٠٧/٦.
(٥) ورد بهامش الأصل: بيان: قال ابن حبان في «ثقاته)) [٤٥٢/٥]: توفي في ولاية
خالد بن عبد الله على العراق سنة ثمان ومائة. انتهى. وفي ((التهذيب)) [((تهذيب
التهذيب)) ٢٩/٤]: قلت: وقال خليفة: مات في آخر خلافة خالد بن عبد الله، وعزل
خالد سنة عشرین ومائة، قال ابن قانع مات سنة ست عشرة، انتهى .

٣٥٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
إذا عرفت ذلك ففيه: إطعام الإمام والرئيس أصحابه عند القدوم من
السفر، وهو مستحب، ومن فعل السلف.
قَالَ الفراء: وهذا الطعام يسمى النقيعة؛ لأن المسافر يأتي وعليه
النقع، وهو غبار السفر. فقال: منه أنقعت إنقاعًا. وقال في
((الموعب)): النقيعة: المحض من اللبن يُبَرَّد.
وقال السلمي: طعام الرجل ليلة يملك(١). وعن صاحب ((العين)):
النقيعة: العبيطة من الإبل، وهي جزور يوفر أعضاؤها، فتقع في أشياء
على حيالها(٢)، وقد نقعوا نقيعة، ولا يقال: أنقعوا. واختلف
أصحابنا: هل هو الذي يعملها، أو تعمل له؟
قَالَ ابن أبي صفرة: قوله: (وكان ابن عمر يفطر لمن يغشاه؛ إذا قدم
من سفر أطعم من يغشاه وأفطر معهم). أي: ترك قضاء رمضان؛ لأنه كان
لا يصوم رمضان في السفر أصلًا. فإذا أنقضى إطعام وُرَّاده ابتدأ قضاء
رمضان الذي أفطره في الصوم، وقد جاء هذا مفسرًا في ((الأحكام))
الإسماعيل، واعترض عليه ابن بطال فقال: أما الذي ذكره إسماعيل
عن ابن عمر فليس فيه ما يدل على صحة ما تأوله، ثم ساق ما ذكره
إسماعيل كما أسلفناه. فليس يدل هذا على أن سفره كان أبدًا في
رمضان دون سائر الشهور؛ بل قوله: (إذا كان مقيمًا لم يفطر)
يدل: أن إفطاره كان الغاشية قد يكون من صيامه التطوع، فيحتمل أن
يبيت للفطر. فإن قيل: ويحتمل أن يبيت الصائم ثم يفطر لوُرَّاده بعد
التبییت.
(١) ذكره الزبيدى في (تاج العروس)) ١١/ ٤٩٠ مادة (نقع).
(٢) ((العين)) ١/ ١٧٢.

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قَالَ ابن أبي صفرة: يرد ذَلِكَ قوله: (ذَلِكَ الذي يلعب بصومه)، وقد
زوج ابنته ولم يفطر، وقد دعاه عروة بن الزبير إلى وليمة فلم يفطر. وقال:
لو أخبرتني ولكن أصبحت صائمًا، فكيف لمن يغشاه؟
وأما إفطار سلمان لأبي الدرداء إذ بات عنده، فإنما كان ذَلِكَ؛ لأن
أبا الدرداء كان أسرف على نفسه في العبادة، وسرد الصوم، فأراد سلمان
أن يأخذ به طريق الرخصة في الإفطار بعد التثبت، ألا ترى أن ذَلِكَ جائز
عند جماعة من العلماء في الفرض إذا بيته في السفر ثم أدركته مشقة
الصوم أن له أن يفطر، فكيف التطوع، فأخذ سلمان بالرخصة، وأخذ
ابن عمر بالشدة؛ لأنه رأى التبييت من العقود التي أمر الله بالوفاء بها.
وقد سلف ما للعلماء في ذَلِكَ في الصوم.
فائدة :
صرار: موضع بقرب المدينة، وقد ثبت ذَلِكَ في بعض نسخ
البخاري، وهو بالمهملة كما قيده الدارقطني وغيره وللحموي
والمستملي وابن الحذاء بالضاد المعجمة.
قَالَ صاحب ((المطالع)): وهو وهم. قَالَ الخطابي: وهي على ثلاثة
أميال من المدينة على طريق العراق(١).
وقال أبو عبيد البكري: هي بئر قديمة تلقاء حرة واقم (٢).
فائدة :
قوله: (نحر جزورًا) أي: ناقة أو جملًا.
(١) ((غريب الحديث)) ٥٤/٢.
(٢) ((معجم ما استعجم)) ٣/ ٨٣٠.