Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
أبي شيبة وغيره (عنه)(١)، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة،
وراويه عن ابن عباس: أبو معبد، واسمه: نافذ - بالذال المعجمة -
مات سنة أربع أو تسع ومائة، وكان أصدق موالي ابن عباس.
قَالَ المهلب فيه: أن كتابة الإمام الناس سنة من الشارع عند الحاجة
إلى الدفع عن المسلمين، فتعين حينئذ فرض الجهاد على كل إنسان يطيق
المدافعة إذا نزل بأهل ذَلِكَ البلد مخافة.
وفيه: أن وجوب ذَلِكَ لا يتعدى المسلمين وليس على أهل الذمة
(بواجب؛ لأن المسلمين إنما يدافعون عن كلمة التوحيد وليس على
أهل الذمة)(٢) ذَلِكَ عن أموالهم وذراريهم، ولصيانتها بذلوا الجزية
لنا، فعلينا حمايتهم والدفع عنهم.
وفيه: العقوبة على الإعجاب بالكثرة(٣).
وقوله: (فكتبنا ألفًا وخمسمائة). قَالَ الداودي: لعل هذا كان عام
الحديبية، فإنهم خرجوا في ألف وأربعمائة، وقيل: وثلاثمائة، والذي
ذكره من هذا الاختلاف لعله سقط عن بعض الناقلين بعض الحديث،
ولعلهم كتبوا (مرات)(٤) عندما يريد الخروج فذكر موطنًا منها، وذكر
أن جميع من عدت له صحبة من الرجال والنساء والصبيان، ومن رأى
النبي ◌َّ أو سمع كلامه ستون ألفا، ثلاثون ألفًا بالمدينة وأعراضها،
وثلاثون ألفًا في سائر البلاد.
(١) من (ص١).
(٢) من (ص١).
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٢٢١/٥.
(٤) من (ص١).

٣٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قلتُ: أبو زرعة خالف هذا، فإنه قَالَ: قبض النبيِ وَّ عن مائة ألف
وأربعة عشر ألفًا، كلهم ممن روى عنه وسمع منه. وقال: مرة شهد مع
رسول الله حجة الوداع أربعون ألفا، وشهد معه تبوك سبعون ألفا.
وقوله: (نخاف ونحن ألف وخمسائة). يريد: أيام حفر الخندق.
فائدة :
موضع الترجمة من الفقه -كما نبه عليه ابن المنير - أنه لا يتخيل أن
كتابتهم كان إحصاء لعددهم، وقد يكون ذريعة لارتفاع البركة منهم كما
ورد في الدعوات على الكفار: ((اللَّهُمَّ أحصهم عددا)). أي: أرفع البركة
منهم. إنما خرج هذا من هذا النحو؛ لأن الكتابة لمصلحة دينية
والموآخذة التي وقعت ليست من ناحية الكتابة، ولكن من ناحية
إعجابهم بكثرتهم، فأدبوا بالخوف المذكور في الحديث، ثم إن
الترجمة تطابق الكتابة الأولى، وأما هذِه الثانية فكتابة خاصة لقوم
بأعيانهم(١).
فائدة :
معنى قوله: (ابتلينا) إلى آخره لعله كان في بعض الفتن التي جرت
بعده، فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرًّا مخافة الظهور والمشاركة في
الفتنة والحروب.
(١) ((المتواري)) ص١٧٩.

٣٠٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
١٨٢ - باب إِنَّ اللَّه يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاحِرِ
٣٠٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَحَدَّثَنِي ◌َحْمُودُ بْنُ
غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابن المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
◌ُهُ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَّةَ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: ((هذا مِنْ أَهْلِ
النَّارِ)). فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَلَا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، الذِي قُلْتَ إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((إِلَى النَّارِ)). قَالَ: فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ
عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، ولكن بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ
يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ،
أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)). ثُمَّ أَمَرَ بِلَالَا فَنَادِى بِالنَّاسِ ((إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا
نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ)). [٤٢٠٣، ٤٢٠٤، ٦٦٠٦،
مسلم: ١١١ -فتح ١٧٩/٦]
ذكر فيه حديث سعيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وََّ، فَقَالَ لِرَجُلِ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: ((هذا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)).
فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ:
يَا رَسُولَ اللهِ، الذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَدْ قَاتَلَ اليَوْمَ
قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِلَى النَّارِ)). قَالَ: فَكَادَ بَعْضُ
النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، ولكن بِهِ
جِرَاحًا شَدِيدًا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ،
فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ نَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)).
ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادِى فِي النَّاسِ ((إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ،
وَإِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ)).

٣٠٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
هذا الحديث ذكره هنا أولا عاليًا ثم نازلًا، وإن كانت العادة ذكر
النزول ثم العلو، وسيأتي أيضًا في غزوة خيبر(١)، وزعم ابن إسحاق(٢)
والواقدي(٣)، وغيرهما أن هذا كان بأحد.
واسم الرجل قزمان، وهو معدود في جملة المنافقين، وكان تخلف
عن أحد فعيره النساء، فلما أحفظنه خرج فقتل سبعة، وقصة قزمان كانت
بأحد، وقد سلفت قصته في الجهاد(٤).
وأما حديث أبي هريرة فالصحيح أنه كان في خيبر، كما ذكره
البخاري وهما قصتان، وهذا مما أعلمنا الشارع أنه ممن نفذ عليها
الوعيد من الفجار المذنبين، لا أن كل من قتل نفسه أو غيره يقضى
عليه بالنار، ويحتمل كما قَالَ ابن التين أن يكون استوجبها إلا أن
يغفر الله له، أو بقوله في غير ذَلِكَ الرجل على الحقيقة، ويحتمل إن
كان على الحقيقة أن يعاقب بقتله نفسه، أو يكون قد أرتاب وشك
حين أصابته الجراحة، وهذا أسعد بظاهر الحديث لقوله: ((لا يدخل
الجنة إلا نفس مسلمة)). وقال ابن المنير: هذا رجل ظاهر الإسلام،
قتل نفسه فظاهر النداء عليه يدل على أنه ليس مسلمًا، والمسلم
لا يخرجه قتل نفسه عن كونه مسلمًا، فلا يحكم بكفره ويصلى عليه،
ويجاب عن ذَلِكَ بأنه وَّر أطلع من أمره على سره فعلم بكفره؛ لأن
الوحي عنده عتيد.
(١) سيأتي برقم (٤٢٠٣، ٤٢٠٤) كتاب المغازي.
(٢) أنظر ((سيرة ابن هشام)) ٣/ ٥٧.
(٣) («مغازي الواقدي)) ٢٢٤/١.
(٤) سلف برقم (٢٨٩٨) باب لا يقول فلان شهيد، من حديث سهل بن سعد الساعدي

٣٠٥
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقوله: (الذي قلت له آنفًا إنه من أهل النار) معنى (له): فيه، قَالَ
ابن الشجري: اللام قد تأتي بمعنى (في) قَالَ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ
الْقِسْطَ لِيَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: فيه.
وقوله: (فكاد بعض الناس أن يرتاب). كذا في الأصل إثبات (أن)
مع (کاد) وهو قليل.
وقوله: (وَإِن الله ليؤيد) كذا في الأصل، وفي رواية حذف اللام،
ويجوز في (إن) هذِه الفتح والكسر -أعني المحذوفة اللام- وقد قرئ
في السبعة: (إن الله يبشرك). ولا يعارض هذا حديث: ((إنا لا نستعين
بمشرك))؛ لأن (المسلم)(١) غير المسلم الفاجر، مع أن هذا الحديث
عنه أجوبة، منها نسخه، ومنها أن يكون خاصًّا في ذَلِكَ الوقت؛ لأنه
قد استعان بصفوان بن أمية في هوازن واستعار منه مائة درع بأداتها،
وخرج معه صفوان حَتَّى قالت له هوازن: تقاتل مع محمد ولست على
دينه؟ فقال: رب من قريش خير من رب من هوازن. وقد غزا معه
المنافقون وهو يعلم بنفاقهم وكفرهم. قَالَ الطحاوي: قتال صفوان مع
رسول الله باختياره فلا يعارض قوله: ((إنا لا نستعين بمشرك))(٢)
قلتُ: وهذا أيضًا كان مختارًا، وهل يستعان بالكفار في المجانيق
وشبهها؛ فمنعه مالك واختاره ابن حبيب، حكاه ابن التين (٣).
وقوله: ( ((وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) ) يشمل المسلم
والكافر، فصح أن حديث: ((إنا لا نستعين بمشرك))، خاص بذلك
الوقت.
(١) في (ص): المشرك.
(٢) ((مشكل الآثار)) كما في ((تحفة الأخيار)) ٤٦٠/٥-٤٦١.
(٣) أنظر: ((المدونة)) ٤٠٠/١.

٣٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفيه: من أعلام النبوة إخباره بالغيب الذي لا يدرك مثله إلا بالوحي.
وفيه: جواز إعلام الصالح بفضيلة تكون فيه والجهر بها ليبلغ
(معانديه)(١) من أهل الباطل والقدح في فضله، (فيحزنهم)(٢) ذَلِكَ
ويعلمون ثباته وشدته على الحق.
فائدة: موضع الترجمة - كما قَالَ ابن المنير -: أنه لا يتخيل في
الإمام أو السلطان الفاجر إذا حمى حوزة الإسلام أنه مطرح النفع في
الدين لفجوره، فيخرج عليه ويخلع؛ لأن الله قد يؤيد دينه به، فيجب
الصبر عليه والسمع والطاعة له في غير المعصية، ومن هذا الوجه
استحسان العلماء الدعاء للسلاطين بالتأييد وشبهه من أهل الخير من
حيث تأييدهم للدين لا من حيث أحوالهم الخارجة (٣).
(١) تصحفت في الأصل إلى (معاندته). بمثناة فوقية بعد الدال المهملة.
(٢) تحرفت في الأصل إلى (فيجز لهم).
(٣) ((المتواري)) ص١٨٠.

٣٠٧
كِتَابُ الحِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
١٨٣ - باب مَنْ تَأَمَّرَ
في الحَرْبِ مِنْ غَيْرٍ إِمْرَةٍ إِذَا خَافَ العَدُوَّ
٣٠٦٣ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُمَيْدِ بْنِ
هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َّ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ
فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ
أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا يَسُرُّنِي - أَوْ قَالَ: مَا
يَسُرُهُمْ - أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). وَقَالَ: وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانِ. [انظر: ١٢٤٦ -فتح ٦ / ١٨٠]
ذكر فيه حديث أَنَسِ عُه: خَطَبَ النبيِ نَّهِ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ
فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةً
فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، فَمَا
يَسُرُّنِي - أَوْ قَالَ: فَمَا يَسُرُهُمْ - أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). قَالَ: وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَذْرِفَانٍ.
هذا الحديث سلف.
وفيه من الفقه:
أنه لمن رأى للمسلمين عورة قد بدت أن يتناول سَدَّ خَلَلِهَا إذا كان
مستطيعًا لذلك وعلم من نفسه منة وجزالة، وهذا المعنى أمتثل علي في
قيامه عند قتل عثمان بأمر المسلمين، يعني : بغير شورى منهم واجتماع؛
لأنه خشي على المسلمين الضيعة وتفرق الكلمة التي آل أمر الناس إليها،
وعلم إقرار جميع الناس بفضله، وأن أحدًا لا ينازعه فيه.
وحديث ابن عمر في ذَلِكَ في المغازي(١): أمر رسول الله في غزوة
مؤتة زيد بن حارثة؛ فقال وَاله: ((إن قُتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر
فعبد الله بن رواحة)).
(١) سيأتي برقم (٤٢٦١) باب غزوة مؤتة من أرض الشام.

٣٠٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: أن تقدمهما إلى أخذ الراية بتقديمه ويسي لهما وتوليته إياهما.
وفيه: أن الإمام يجوز له أن يجعل ولاية العهد بعده لرجل، ثم
يقول: فإن مات قبل موتي فإن الولاية لفلان -رجل آخر يستحق
ذَلِكَ- فإن مات المولى أولًا فالعقد للثاني ثابت.
فإن قلتَ: كيف يصح ذَلِكَ ولا يخلو من أن تنعقد ولاية الثاني في
الحال أو لا تنعقد؟ فإن كانت منعقدة صارت الإمامة ثابتة لإمامين،
وذلك لا يجوز، وإن لم تنعقد للثاني في الحال فقد جوزتم أبتداء
عقدها على شرط وصفة. قيل: إنما يجوز استخلاف الأثنين على
سبيل الترتيب، إذا ترتبا في ولاية العهد.
ولو قيل: إن عقد الولاية ينعقد لأحدهما لا بعينه، وتتعين لمن
انعقدت له عند موت الإمام العاقد كان سائغًا، ألا ترى أن عمر لم
يعين على أحد من الستة في الشورى، وانعقدت لأحدهم الولاية في
جهته، وتعين ذَلِكَ الواحد منهم بعد موته ووقوع الاختيار من بينهم
عليه، وإن قيل: إن الولاية تنعقد للأول، وأن الثاني إنما وقع عليه
الاختيار من غير أن تنعقد له ولاية في الحال لتنعقد في الثاني، فيلزم
الأمة حينئذ أتباعه باختيار الإمام له، وإن اختاره لهم أولى من نظر
من يتولى الاختيار منهم لمكافأتهم، كان له وجه لتعلق ذَلِكَ
بالمصلحة العامة والنظر للكافة.
وقد وردت السنة بمثله، واجتمعت الأمة على استعماله، ولَّى رسول
الله ◌َ ◌ّ زيد بن حارثة على الجيش الذي جهزه إلى مؤتة، ثم قَالَ: ((فَإِنْ
قُتِلَ فَأَمِيرُهُ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ))(١)، رتبهم في ولاية
(١) رواه أحمد ٢٠٤/١، والنسائي في ((الكبرى)) ١٨٠/٥ (٨٦٠٤).

٣٠٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
الإمارة، وانعقدت بهذِه التولية إمارة، ثم جعفر بعده، ثم عبد الله بعده،
فإن ولَّى الإمام ولي عهده. وقال: إن مات بعد إفضاء الخلافة إليه بعدي
لا قبلي فالإمام بعده فلان، انعقدت ولاية الأول وصار إمامًا عند موت
المتخلف، فكان لولي العهد في حياته أن يختار غيره لولاية العهد، لأن
الحق في الاختيار حينئذ يصير إليه بإفضاء الإمامة إليه، قاله بعض أهل
العراق.
وقوله: (وإن عينيه لتذرفان). قَالَ الداودي: أي: تدمعان. وقال
غيره: تدفعان الدمع.

٣١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٨٤ - باب العَوْنِ بِالْمَدَدِ
٣٠٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْن أَبِي عَدِيٍّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ عَُّ أَنَّ النَّبِيَّ وَ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو ◌ْخِيَانَ،
فَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَذَّهُمُ النَّبِيُّ ◌َهَ بِسَبْعِينَ مِنَ
الأَنَّصَارِ. قَالَ أَنَسَّ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ، يَخْطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا
بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِثْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ
وَبَنِي ◌ْخِيَانَ. قَالَ قَتَادَةُ: وَحَدَّثَنَا أَنَسْ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِهِمْ قُرْآنًا: أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا بِأَنَّا قَدْ
لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَزْضَانَا. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ -فتح ٦ /
١٨٠]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، ثَنَا ابن أَبِي عَدِيٍّ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ
سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ ظُه أنه العَيْهِ أَتَاهُ رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعُصَيَّةُ وَبَنُو
لِحْيَانَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاسْتَمَدُّوهُ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَمَدَّهُمُ
بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ، يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ
وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلَقُوا بِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا بِثْرَ مَعُونَةَ غَدَرُوا بِهِمْ
وَقَتَلُوهُمْ، فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ. قَالَ
قَتَادَةُ: فَحَدَّثَنَا أَنَسِّ أَنَّهُمْ قَرَءُوا فِيهِمْ قُرْآنًا: أَلَا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا قَدْ
لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا. ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بَعْدُ.
الشرح: (ابن أبي عدي) اسمه: محمد بن إبراهيم أبو عمرو السلمي
مولاهم، نزل القسامل بصري، مات سنة أربع وتسعين ومائة.
و(سهل) أنماطي بصري كنيته: أبو عبد الله.
و(سعيد) هو ابن أبي عَرُوبة أبو النضر مولى عدي بن يشكر، مات
سنة ست وخمسين ومائة.

٣١١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقوله: (وبنو لحيان). قَالَ الدمياطي: إنه وَهَمِّ؛ لأنهم لم يكونوا من
أصحاب بئر معونة، وإنما كانوا من أصحاب الرجيع الذين قتلوا
عاصم بن أبي الأقلح وأصحابه، وأسروا خبيبًا وابن الدثنة، قَالَ:
وقوله: (أتاه رعل ... ). إلى آخره وهم، وإنما الذي أتاه أبو براء من
بني كلاب، وأجار أصحاب رسول الله وَ ل ◌َ فأخفر جواره عامر بن
الطفيل وجمع عليهم هذه القبائل من سلیم.
وفيه: أن السنة مضت من الشارع في أن يمد بمدد من عنده، وجرئ
بذلك العمل من الأئمة بعده.
وفيه: الدعاء في الصلاة على أهل العصيان والشرك، وإنما
(كان)(١) ذَلِكَ على قدر جرائمهم.
وفيه: أنه يجوز النسخ في الأخبار على صفة، ولا يكون نسخه
تكذيبًا إنما يكون نسخه ترك تلاوته فقط، كما أن نسخ الأحكام ترك
العمل بها، فربما عوض من المنسوخ من الأحكام حكما غيره وربما
لم يعوض، فمما نسخ من الأحكام ولم يعوض عنه أمره بالصدقة عند
مناجاة الرسول، ثم عفا عنها بغير عوض ينسخه، بل ترك العمل به،
وكذلك الأخبار نسخها من القرآن رفع ذكرها وترك تلاوتها، لا بأن
تكذب بخبر آخر مضاد لها، ومثله مما نسخ من الأخبار ما كان يقرأ
في القرآن: لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثًا.
(١) من (ص١).

٣١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ســ
١٨٥ - باب مَنْ غَلَبَ العَدُوَّ فَأَقَامَ عَلَى
عَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا
٣٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ أَنَّهُ
كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَزْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ وَعَبْدُ الأَغَلَى،
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. [٣٩٧٦ -مسلم:
٢٨٧٥ -فتح ٦ /١٨١]
ذكر فيه حديث قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ بََّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمِ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ. تَابَعَهُ
مُعَاذٌ وَعَبْدُ الأَعْلَىْ، ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قُتَادَةَ، (عَنْ أَنَسٍ)(١)، عَنْ أَبِي
طَلْحَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ.
متابعة عبد الأعلى أخرجها مسلم، عن يوسف بن حماد عنه،
ومتابعة معاذ أخرجها الإسماعيلي، عن أبي يعلى، عن أبي بكر بن
أبي شيبة: ثَنَا معاذ بن معاذ وعبد الأعلى، ثَنَا سعيد عن قتادة،
فذكره. قَالَ الحميدي: زاد البرقاني في هذا الحديث: قَالَ قتادة:
أحياهم الله. قلتُ: البخاري أخرجه في موضع آخر ولفظه: قَالَ قتادة:
أحياهم الله حَتَّى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرة وندمًا (٢).
وذكر قبله أنه أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش فقذفوا
في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث. فذكره بداءة إياهم.
(١) من (ص١).
(٢) ((الجمع بين الصحيحين)) ٤١٣/١.

٣١٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) ثم ذكر قول قتادة. قَالَ
المهلب: وهذا كان منه وَّم -والله أعلم- ليريح الظهر والأنفس، هذا
إذا كان في أمن من عدو طارق، وإنما قصد إلى ثلاث؛ لأنه أكثر
ما يريح المسافر؛ لأن الأربعة إقامة؛ لحديث العلاء بن الحضرمي،
وحديثه الآخر: ((لا يبقين مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث))(١)،
ولقسمة الغنائم، ولراحة الظهر (٢). وقال ابن التين: هذا حكاية ما رأى
لا أنه لا يجوز غيره. وقال ابن الجوزي: فائدتها لتظهر تأثير الغلبة وتنفيذ
الأحكام وترتيب الثواب، ولقلة احتفاله بهم كأنه يقول: نحن مقيمون فإن
كانت لكم قوة فهلموا إلينا.
(١) رواه مسلم (١٣٥٢) كتاب الحج، باب جواز الإقامة بمكة .. ولفظه: يقيم المهاجر
بمکة، بعد قضاء نسکه ثلاثا.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٢٢٦/٥.

٣١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٨٦ - باب مَنْ قَسَمَ الغَنِيمَةَ فِي غَزْوِهِ وَسَفَرِهِ
وَقَالَ رَافِعٌ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا
وَإِيلًا، فَعَدَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنَ الغَنَم بِبَعِيرِ. [انظر: ٢٤٨٨]
٣٠٦٦ - حَدَّثَنَا هُذْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَاَ هَمَّاٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَا أَخْبَرَهُ قَالَ:
أَعْتَمَرَ النَّبِيُّ رَ مِنَ الجِغْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنِ. [انظر: ١٧٧٨ - مسلم: ١٢٥٣ -
فتح ٦ /١٨١]
ثم ساق حديث قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَا أَخْبَرَهُ قَالَ: أَعْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌ََّ مِنَ
الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ.
التعليق الأول سلف مسندًا في الشركة، وأخرجه مسلم والأربعة أيضًا(١).
قَالَ الداودي: هذا إنما هو على قدر القيم ذَلِكَ الوقت، وهذا غير
مستقيم على مذهب مالك في القسمة بالقرعة؛ لأن الإبل عنده لا تجمع
مع الغنم، إلا أن يريد أنها قومت ثم قسمت بالتراضي. وقال المهلب:
هُذا إلى نظر الإمام واجتهاده يقسم حيث رأى الحاجة والأمن، ويؤخر
إذا رأى في المسلمين غنّى وخاف.
وممن أجاز قسمة الغنائم في دار الحرب مالك(٢) والأوزاعي،
والشافعي(٣)، وأبو ثور، وقال الإمام أبو حنيفة: لا تقسم الغنائم في دار
الحرب حَتَّى تخرجها إلى دار الإسلام، وذلك لأن الملك لم يتم عليها
إلا بالاستيلاء التام، ولا يحصل إلا بإحرازها في دار الإسلام(٤).
(١) (سنن أبي داود)) (١٩٩٤)، ((سنن الترمذي)) (٨١٥)، ((سنن النسائي)) ١٩١/٧،
((سنن ابن ماجه)) (٣١٣٧).
(٢) انظر: ((المدونة)) ٣٧٤/١، ((الكافي)) لابن عبدالبر ص٢١٤.
(٣) أنظر: ((الأم)) ٤/ ١٤٠ - ١٤١.
(٤) أنظر ((مختصر الطحاوي)) ص ٢٨٢، ((الهداية)) ٤٣٤/٢.

٣١٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
والصواب قول من أجاز ذَلِكَ للسنة الواردة فيه، روى ابن القاسم
عن مالك قَالَ: الشأن قسمة الغنيمة في دار الحرب؛ لأنهم أولى
برخصها.(١) وروى الفزاري قال: قلتُ للأوزاعي: هل قسم رسول الله
وَّ شيئًا من الغنائم بالمدينة؟ قَالَ: لا أعلمه، إنما كان الناس يتبعون
غنائمهم ويقسمونها في أرض عدوهم، ولم يقفل رسول الله قط من
غزاة أصاب فيها غنيمة إلا خمسها، وقسمها من قبل أن يقفل، من
ذَلِكَ غنيمة بني المصطلق وخيبر وهوازن، ذكر ذَلِكَ ابن قدامة، قَالَ:
ولأن الملك يثبت فيها بالقهر والاستيلاء فصحت قسمتها كما
لو أحرزت بدار الإسلام، والدليل على ثبوت الملك فيها أمور:
أحدها: أن سبب الملك الاستيلاء التام، وقد وجد.
ثانيها: أن ملك الكفار زال عنها بدليل أنه لا ينفذ عتقهم في العبيد
الذين حصلوا في الغنيمة ولا يصح تصرفهم (فيها)(٢).
ثالثها: لو أسلم عبد الحربي ولحق بجيش المسلمين صار حرًّا،
وهذا يدل على جواز زوال ملك الكفار وثبوت الملك لمن قهره.
وإنما عدل البعير بعشر شياه فليس بأمر لازم(٣).
وفي قوله: (عدل) دليل على أن المعادلة والنظر فيها في كل بلد؛
لأن البعير في الحجاز له قيمة زائدة ولأكل لحمه عادة جارية، وليس
كذلك في غيره من البلاد، وإنما هو إلى الاجتهاد في كل بلد.
وفيه: دليل على جواز بيع الحیوان بعضه ببعض، وإن كان للحم فقد
صح بيع اللحم باللحم متفاضلًا من غير جنسه أيضًا.
(١) ((المدونة)) ٣٧٤/١.
(٢) من (ص١).
(٣) ((المغني)) ١٠٧/١٢-١٠٨.

٣١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٨٧ - باب إِذَا غَنِمَ المُشْرِكُونَ مَالَ المُسْلِمِ
ثُمَّ وَجَدَهُ المُسْلِمُ
٣٠٦٧ - قَالَ ابن نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما
قَالَ: ذَهَبَ فَرَسُ لَهُ، فَأَخَذَهُ العَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ
وَّةِ، وَأَبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ
بَعْدَ النَّبِيِّ ◌َ. [٣٠٦٨، ٣٠٦٩ -فتح ٦ / ١٨٢]
٣٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعْ أَنَّ
عَبْدًا لايْنِ عُمَرَ أَبَقَ فَلَحِقَ بِالزُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَرَدَّهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ،
وَأَنَّ فَرَسًا لايْنِ عُمَرَ عَارَ، فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ، فَرَدُّوهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ
اللهِ: عَارَ مُشْتَقُّ مِنَ العَبْرِ وَهُوَ حِمَارُ وَخْشٍ أَيْ: هَرَبَ. [انظر: ٣٠٦٧ -فتح ٦ /١٨٢]
٣٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ،
عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ كَانَ عَلَى فَرَسِ يَوْمَ لَقِيَ المُسْلِمُونَ، وَأَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ
يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَهُ العَدُوُّ، فَلَمَّا هُزِمَ العَدُوُّ رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ.
[انظر: ٣٠٦٧ -فتح ٦ / ١٨٢]
قَالَ ابن نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما قَالَ: ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ، فَأَخَذَهُ العَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَرُدَّ
عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ تََّ، وَأَبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسْلِمُونَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيِّ بَ.
ثم أسنده من حديث نَافِعِ أَنَّ عَبْدًا لاِبْنِ عُمَرَ أَبَقَ فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ
عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَرَدَّةً عَلَى عَبْدِ اللهِ، وَأَنَّ فَرَسًا لاِبْنِ عُمَرَ عَارَ،
فَظَهَرَ عَلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ.
وحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ

٣١٧
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
كَانَ عَلَى فَرَسِ يَوْمَ لَقِيَ المُسْلِمُونَ، وَأَمِيرُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ
الوَلِيدِ، بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَهُ العَدُوُّ، فَلَمَّا هُزِمَ العَدُوُّ رَدَّ خَالِدٌ فَرَسَهُ.
الشرح :
التعليق أسنده أبو داود عن محمد بن سليمان الأَنْباري والحسن بن
(علي المعني)(١) قالا: حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير (٢).
وفرسُ ابن عمر في هذا التعليق أنه رد عليه في زمن رسول الله وَ لآل،
وفي الأخير المسند أن خالدًا رده وصحح الداودي الأول، وأنه كان في
غزاة مؤتة، قَالَ: وعبيد الله أثبت في نافع من موسى. ولما روى
الإسماعيلي حديث موسى قَالَ فيه: يوم لقي المسلمون ظبيا وأسدًا
فاقتحم الفرس بعبد الله بن عمر جرفًا فصرعه، وسقط عبد الله فعار
الفرس فأخذه العدو، فلما هزم الله العدو رد خالد على عبد الله فرسه.
واختلف العلماء في الأموال التي يأخذها المشركون من المسلمين
ثم يقهرهم المسلمون ويأخذونها منهم، ولهم حالان:
أحدهما: أن يعلم بها قبل قسمتها، فإنها ترد إليه بغير شيء، وهو
قول أكثر أهل العلم منهم: عمر بن الخطاب وعطاء والنخعي
وسلمان بن ربيعة والليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي
والكوفيون، وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال الحسن والزهري:
لا ترد إلى صاحبها قبل القسمة ولا بعدها وهي للجيش، ونحوه عن
عمرو بن دينار، وروِي مثلُهُ عن علي -فيما قَالَ ابن المناصف-
(١) في الأصل: محمد الخلال، وفي (ص): علي الخلال. والمثبت من ((سنن أبي
داود)».
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٦٩٩).

٣١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وحكاه ابن التين عن الأوزاعي، ثم قَالَ: وهذا قبل القسمة، فإن وجده
بعدها فهو أحق به، وعن عمر: أن من بيده أحق ولا يأخذه عندنا
إلا بالثمن، وقال الشافعي: بالقيمة من بيت المال، وعلتهم أن الكفار
ملكوه باستيلائهم، فصار غنيمة كسائر أموالهم(١).
واستدل للجمهور بأحاديث الباب في الغلام والفرس وأنهما رُدًّا
عليه قبل القسمة، وروى عبد الملك بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن
عباس أن رجلًا وجد بعيرًا له كان المشركون أصابوه، فقال ◌َله: ((إن
أصبته قبل أن تقسم فهو لك، وإن أصبته بعد ما قسم أخذته بالقيمة))
رواه أبو داود من حديث الحسن بن عمارة عنه(٢).
وقال أبو أحمد: هذا يعرف بالحسن عنه، وقد روى مسعر، عن
عبد الملك، قَالَ يحيى بن سعيد: سألت مسعرًا عنه فقال: هو من
حديث عبد الملك، ولكن لا أحفظه، قَالَ يحيى عن البتي: والحسن
متروك. وقال الطحاوي: قَالَ علي بن المديني: روي عن يحيى بن
سعید أنه سأل مسعرًا عنه فقال: هو من رواية عبد الملك، عن طاوس،
عن ابن عباس قَالَ: فأثبته عنه من حديثه فدل على أنه قد رواه عنه
غير الحسن بن عمارة، فاستغني عن روايته لشهرته عن عبد الملك.
قَالَ ابن عدي: وروي أيضًا من حديث مسلمة بن علي وابن عياش،
وهما ضعيفان، وأخرجه الدارقطني من حديث إسحاق بن أبي فروة،
(١) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٢٨٦، ((بدائع الصنائع)) ١٢٧/٧، ((المدونة))
١/ ٣٧٥، ((عيون المجالس)) ٦٩٣/٢، ((الإشراف)) ٢٦٤/٢، ((روضة الطالبين))
٢٩٣/١٠-٢٩٤، ((الشرح الكبير)) ١٩٦/١٠-٢٠٠، ((الإنصاف)) ١٩٦/١٠ -
١٩٩.
(٢) لم أقف عليه عند أبي داود، ورواه البيهقي ١١١/٩.

٣١٩
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا: ((من وجد ماله في الفيء
قبل أن يقسم فهو له، ومن وجده بعدما قسم فليس له بحق)) (١).
قَالَ عبد الحق: أسنده ياسين الزيات، عن سماك، عن تميم، عن
جابر بن سمرة، وياسين ضعيف عندهم.
الحال الثاني: أن يعلم به بعد القسمة، فإنه يأخذه بالقيمة، وهو قول
عمر وعلي وزيد بن ثابت وابن المسيب وعطاء والقاسم وعروة وأبي
حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك، أخذًا بحديث ابن عباس السالف
وبحديث جابر بن حيوة: أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب في
هذا فقال: من وجد ماله بعينه فهو أحق بالثمن الذي حسب على من
أخذه. وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه، فهو أحق به بالثمن؛ ولأنه إنما
امتنع من أخذه له بغير شيء كيلا يفضي إلى حرمان أخذه من الغنيمة
أو يضع الثمن على المشتري، وحقهما ينجبر بالثمن، والمحكي عن
أبي حنيفة أخذه بالقيمة، ويروى عن مجاهد مثله، والباقون يقولون:
يأخذه بالثمن الذي حسب على من أخذه. وقال الشافعي: لا يملك
أهل الحرب علينا بالغلبة. ولصاحبه أخذه قبل القسمة وبعدها بغير
شيء، ويعطي مشتريه ثمنه من خمس المصالح محتجًا بحديث
عمران بن حصين: أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا
العضباء وامرأة من المسلمين، فلما كان في الليل ركبتها وتوجهت
قبل المدينة، ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة
عُرفت الناقة، فأتوا بها رسول الله وَليالٍ فأخبرته المرأة بنذرها،
فقال: ((بئس ما جزيتيها، لا نذر فيما لايملك ابن آدم، ولا نذر في
(١) ((سنن الدارقطني)) ١١٣/٤ (٤١٢٤).

٣٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
معصية)) (١)، وزاد عبد الوهاب الثقفي قَالَ: قَالَ أبو داود السجستاني:
فأخذها رسول الله ◌َ لي. فهذا دليل على أن أهل الحرب لا يملكون
علينا بغلبة ولا غيرها، ولو ملكوا علينا لملكت المرأة الناقة كسائر
أموالهم، لو أخذت شيئًا منها، ولو ملكها لصح فيها نذرها. وقال ابن
القصّار: حديث ابن عباس دال على أن أهل الحرب قد ملكوه على
المسلمين وصارت لهم يد عليه، ألا ترى أنه لو كان باقيًا على ملك
مالكه، لم يختلف حكم وجوده قبل القسمة وبعدها، ويوضحه أن
الكافر إذا أتلفه ثم أسلم لم يتبع بقيمته بخلاف المسلم مع المسلم،
ولما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة، جاز أن يملك
الكافر عليه بذلك، وقد قَالَ وَّ: ((هل ترك لنا عقيل منزلا؟»، وكان
عقيل أستولى على دور النبي 98َّ وباعها، فلولا أن عقيلًا ملكها
بالغلبة وباعها لأبطل النبي 18ّ بيعها ولم يجز تصرفه؛ لأن بيع
ما لا يصح ملكه لا حكم له، وأما خبر الناقة والمرأة فلا حجة لهم
فيه؛ لأن قوله وَل: ((لانذر لابن آدم فيما لا يملك)) إنما كان قبل أن
تملك المرأة الناقة؛ لأنها قالت ذَلِكَ وهي في دار الحرب، وكل
الناس تقول: إنه من أخذ شيئًا من أهل الحرب فلم ينج به إلى دار
الإسلام فإنه غیر محرز له، ولا یقع علیه ملکه حَتَّی یخرج به إلى دار
الإسلام؛ فلهذا قَالَ: ((لا نذر .. )) إلى آخره، هذا وجه الحدیث.
(١) الحديث رواه مسلم (١٦٤١) كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله .. ورواه
أبو داود (٣٣١٦) واللفظ له.
وانظر تفصيل المسألة في: ((بدائع الصنائع)) ١٢٧/٧، ((عيون المجالس)) ٦٩٣/٢،
(الإشراف)) ٢٦٤/٢، ((روضة الطالبين)) ٢٩٣/١٠-٢٩٤، ((المغني)) ١١٧/١٣-
١١٩.