Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ و(الصريخ): المخبر، وفيه طلب المحاربين. وقوله: (فما ترجل النهار) أي: ما ذهب منه كثير شيء، لأن معنى ترجل : آرتفع. وقوله: (فأحميت). كذا وقع رباعيًّا وهو الصواب في اللغة، ولا يقال: فحميت ثلاثيًّا وإنما فعل ذَلِكَ بهم؛ لما في رواية سليمان التيمي، عن أنس: كانوا فعلوا بالرعاء مثل ذَلِكَ(١)، وذلك جائز من باب المماثلة. و(الحرة): موضع بالمدينة، قاله الداودي، وقال ابن الأعرابي: الحرة: حجارة سود (بين جبلين، وجمعها حِرَة وحرات وحرار وإحرون، وقال ابن فارس: الحرة أرض ذات حجارة سود)(٢)(٣). وقول أبي قلابة: (قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا). ليس هذِه سرقة إنما هذِه حرابة، وكان أبو قلابة من جلة أهل الشام، وكان أكثر التابعين كتبًا، لما توفي أوصى بكتبه لأيوب، فوصل إليه منها حمل بغل، وعاب مالك كثير كتبه، وقال له عمر بن عبد العزيز في مرض موته: تشدد يا أبا قلابة لا تشمت بنا المنافقين (٤). وكان هذا حكم المحاربين فنسخه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. (١) رواها مسلم برقم (١٦٧١ / ١٤) كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين. (٢) من (ص١). (٣) ((مجمل اللغة)) ٢١١/١. (٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٨/١٠. ٢٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٥٣- باب ٣٠١٩- حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ◌َ﴾ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ لَ يَقُولُ: (قَرَصَتْ نَهْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَخْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟!)). [٣٣١٩ - مسلم: ٢٢٤١ - فتح ٦ /١٥٤] ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ،وَ لَهِ يَقُولُ: ((قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ الَّمْلِ فَأَحْرِقِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَهْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟!)). هذا الحديث سبق أيضًا والكلام عليه، وهو في معنى ما ترجم له أولا، فلهذا لم يصرح فيه بترجمة، وهو دال على جواز التحريق؛ لأن الله تعالى إنما عاتبه على تحريق جماعة النمل التي لم تقرصه، ولم يعلم أن ذَلِكَ من فعله حرام. ولا أنه أتى كبيرة فيلزمه التوبة منها لقيام العصمة بهم، وقد سلف من أجاز التحريق بالنار قريبًا. قَالَ الداودي: وفيه: جواز الصغائر عليهم، وقيل: لا يلزم لإمكان أن يكون لم يتقدم في ذَلِكَ نهي، وفيه أنه يعتريهم الغضب. : وفيه: كراهة إحراق الحيوان، وليس مخالفا لما أسلفته من عدم التحريم، وفيه تسبيح النمل، وفي رواية: ((هلََّ نملة واحدة))(١). قَالَ ابن التين: وهو دليل لمن قَالَ: لا يحرق النحل. وأجازه ابن حبيب(٢)، فأما إن أدت ضرورة إلى ذَلِكَ فجائز أن يفرق أو يحرق ليكتفي أذاها أو يتناول ما في أجناح النحل. (١) سيأتي برقم (٣٣١٩) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق. (٢) ((المنتقى)) ١٧٠/٣. ٢٠٣ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ١٥٤- باب حَرْقِ الدُّورِ وَالنَّخِيلِ ٣٠٢٠- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: قَالَ لِي جَرِيرٌ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وََّ: ((أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟)). وَكَانَ بَيْتًا فِي خَتْعَمَ يُسَمَّى كَعْبَةَ الْيَمَانِيَّةَ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فِي ◌َخْسِينَ وَمِائَةٍ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ قَالَ: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَضَرَبَ في صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ ثَبَتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًّا مَهْدِيًّا)). فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهَ يُخْبِرُهُ فَقَالَ رَسُولُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقٌّ مَا جِئْتُكَ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْوَفُ. أَوْ: أَجْرَبُ. قَالَ: فَبَارَكَ في خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ. [٣٠٣٦، ٣٠٧٦، ٣٨٢٣، ٤٣٥٥، ٤٣٥٦، ٤٣٥٧، ٦٠٩٠، ٦٣٣٣ - مسلم: ٢٤٧٥، ٢٤٧٦ - فتح ٦ / ١٥٤] ٣٠٢١- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ حَرَّقَ النَّبِيُّ ◌َّهَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ. [انظر: ٢٣٢٦- مسلم: ١٧٤٦ - فتح ٦ / ١٥٤] : ذكر فيه حديث جرير: قَالَ: لِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ .. )). الحديث إلى أن قال: فَكَسَرَهَا وَحَرَّقَهَا. وحديث ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: حَرَّقَ النَّبِيُّ ◌َ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ. الكلام علیھما؛ أما حديث جرير فمن وجوه: أحدها : الترجمة أعم إذ المحرق بيت الصنم لا بيت السكنى، وترجم عليه البخاري فيما سيأتي باب من لا يثبت على الخيل(١)؛ لأجل قوله فيه: ((اللَّهُمَّ ثبته واجعله هاديًا مهديا)) ووجه دخولها في الأحكام أن (١) سيأتي برقم (٣٠٣٦). ٢٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح الحديث يدل على فضيلة ركوب الخيل والثبوت عليها. و ( ((هاديًا مهديا)) ) من باب التقديم والتأخير؛ لأنه لا يكون هاديًا لغيره إلا بعد أن يهتدي هو فيكون مهديا، وببركة دعائه ورسله ما سقط بعد ذَلِكَ عن فرس. ثانیھا : معنى: ((ألا تريحني)) تريح سري، و(ذو الخلصة): اسم لذلك البيت لقوله: (وكان بيتًا في خثعم) يسمى: كعبة اليمانية. وقيده أبو الوليد الوقشي بفتح الخاء وإسكان اللام، والذي نحفظه بفتحهما، وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه في الأصل، وستأتي زيادة على ذَلِكَ في أثناء الباب، وهو بيت باليمن ببلاد دوس بنته خثعم لتحج إليه وتطوف عنده وتنحر، وقيل: الخلصة: اسم للبنية. وقيل: اسم الصنم وعمل موضعه لما أخرب مسجد، ويسمى مسجد العبلا. وقوله: (كعبة اليمانية) من إضافة الموصوف إلى صفته، جوزه الكوفيون، وقدر فيه البصريون حذفًا أي: كعبة الجهة اليمانية؛ لأنها باليمن، ضاهوا بها الكعبة، وفي رواية: الكعبة اليمانية، والكعبة الشامية. وفي بعض النسخ بحذف الواو بينهما، أي: يقالان لموضعين فاليمانية لخثعم والشامية الكعبة الحرام المشرفة. وخثعم قبيل من قحطان، وهو أقتل، وقيل: أقبل بقاف ثم باء موحدة ابن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت. ورسول جرير اسمه: حصين بن ربيعة أبو أرطاة، كذا جاء مصرحًا به في بعض الروايات(١)، وروي: حسين، والصواب الأول كما قاله (١) مسلم (٢٤٧٦) في فضائل الصحابة، باب من فضائل جرير بن عبد الله .. ٢٠٥ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ عياض(١). (١) و(أحمس) -بالحاء المهملة- قبيل من العرب، وهو ابن الغوث بن أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن کھلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وأرسل جرير يهدمها ليكون إنكاءً لمن كان يعبدها؛ لأن هذا القريب ممن أتخذها أولًا، ولي هدمها؛ لما وضح له وثبت في قلبه من سفه من أتخذها، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة ته مرفوعًا: ((لا تقوم الساعة حَتَّى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة)) وكانت صنمًا تعبدها دوس في الجاهلية(٢). قَالَ ابن دحية: قيل: هو بيت أصنام كان لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم. وقيل: هو صنم كان لعمرو بن لحي نصبه بأسفل مكة حين نصب الأصنام، فكانوا يلبسونه القلائد ويعلقون عليه بيض النعام ويذبحون عنده. وعند أبي حنيفة: الخلصة: نبت طيب الريح يتعلق بالشجر له حب. وجمع الخلصة: خلص. قَالَ السهيلي: وهو بضم الخاء واللام، وفتحهما ابن إسحاق قَالَ: وبعث جرير كان قبل وفاته وَل بشهرين(٣)، وفي ((الزاهر)) كان المبرد يرويه بضم الخاء، والمعروف فتح اللام. قَالَ ابن السيد في كتاب ((الفَرْق)): وسكنه أمرؤ القيس في قوله : لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا (١) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٥١٤. (٢) مسلم (٢٩٠٦) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة. (٣) ((الروض الأنف)) ١٠٩/١. ٢٠٦ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح للضرورة، وأنشده ابن إسحاق وغيره: الخلص بغير هاء. وضرب الشارع صدره لأن فيه القلب. و(كسرها) أي: هدمها . وفيه : - توجيه من يريح من النوازل، وجواز هتك ما أفتتن الناس به من بناءٍ أو إنسان أو حيوان أو غيره، وقبول خبر الواحد. وقوله: (تركتها كأنها جمل أجوف أو أجرب). هو عبارة عن خرابها وهدمها. وقال الداودي: معنى (أجوف): أنها أحرقت، فسقط السقف وبعض البناء وما كان فيها من كسوة، وبقيت خاوية على عروشها. ومعنى (أجرب): شبهها حين ذهب سقفها وكسوتها وأعالي جدرانها بالجمل الذي زال شعره و(نفض)(١) جلده من الجرب وصار إلى الهزال. وفيه: الدعاء للجيش إذا بعث وكونه وترًا؛ لقوله: (فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات). وفيه: برکة دعوته گچ. وفيه: البشارة في الفتوح. وأما حديث ابن عمر فهو دال على أن للمسلمين أن يكيدوا عدوهم من المشركين بكل ما فيه من تضعيف شوكتهم، وتهوين كيدهم وتسهيل الوصول إلى الظفر بهم، من قطع ثمارهم، (وتغوير)(٢) مياههم، والحول بينهم وبين ما يتغذون به من الأطعمة والأشربة، والتضييق عليهم بالحصار، وذلك أنه * لما أمر بتحريق نخل بني النضير كان معلومًا (١) كذا بالأصل. (٢) ضبطها الناسخ بالعين المعجمة والمهملة وعلم فوقها (معًا). ٢٠٧ - ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ أن كل ما كان نظير ذَلِكَ من قطع أسباب معاشهم وتغوير مياههم فجائز فعله بهم، وقد روي عن علي ظ أنه يَّهِ أمره أن (يغور)(١) مياه بدر، قاله الطبري. وفيه: الدلالة الواضحة على إباحة إضرام النيران في حصونهم ونصب (الماجنيق) (٢) عليهم ورميهم بالحجارة، وذلك في الضرر كالنار ونحوه. وقد اختلف العلماء في قطع شجر المشركين وتخريب ديارهم فرخصت في ذَلِكَ طائفة، وكرهته أخرى، فممن أجازه مالك(٣) والكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري(٤) وابن القاسم(٥)، قَالَ الكوفيون: يحرق شجرهم وتخرب (بلادهم) (٦) وتذبح الأنعام وتحرق إذا لم يمكن إخراجها. وقال مالك: يحرق النخل ولا تعرقب المواشي. وقال الشافعي: يحرق الشجر المثمر والبيوت، وأكره تحریق الزرع والكلا. وأما من كره ذَلِكَ فروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن الصديق قَالَ في وصية الجيش الذي وجهه إلى الشام: لا تغرقن نخلًا ولا تحرقنها ولا تعقروا بهيمة ولا شجرة مثمرة ولا تهدموا بيعة (٧). وقال الليث: أكره حرق النخل والشجر المثمر ولا تعرقب بهيمة، ونحوه قول الأوزاعي في (١) ضبطها الناسخ بعين مهملة ومعجمة وكتب فوقها (معًا). (٢) ((النوادر والزيادات)) ٦٣/٣. (٣) (المغني)) ١٠/ ١٤٧. (٤) ((النوادر والزيادات)) ٣/ ٦٣. (٥) في (ص١): ديارهم. (٦) رواه البيهقي في ((السنن)) ٨٥/٩. (٧) في الأصلا: (المناجيق)، والمثبت هو الصحيح كما في كتب اللغة. وأنظر: (لسان العرب)) [مجنق] ٤١٤٢/٧. ٢٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - رواية، وبه قَالَ الليث وأبو ثور (١). وحجة من أجاز تحريقها الكتاب والسنة، قَالَ تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ﴾ [الحشر: ٥] الآية. قَالَ ابن عباس: اللينة: النخلة والشجرة(٢)، ولأبي داود أنه ◌َّر عهد إلى أسامة: أن اغز على أهل أُبْنى صباحًا وحرق(٣). وقال ابن إسحاق: التحريق سنة إذا كان إنكاء للعدو. وحديث جرير وابن عمر شهد لصحة هذا القول، وأجيب عن أثر الصديق : أولًا: بإرساله كما قَالَ الطحاوي؛ لأن سعيد بن المسيب لم يولد في أيام الصديق. وثانيًا: أنه إنما نهى (لأجل) (٤) أنه وَلّ أخبر بفتحها، وكان المسلمون أشرفوا على الغلبة ولم يبق فيهم كبير منعة. وثالثًا: للطبري: أن النهي عند القصد والتعمد، فأما إذا أصابه التحريق والغرق في خلال الإغارة فلا يدخل في النهي كما في قتل النساء والصبيان، فإنه قد نصب المنجنيق على الطائف، ولا شك أن حجارته إذا وقعت في الحصن ربما أصابت المرأة والطفل، فلو كان سبيل ما أصابه ذَلِكَ سبيل ما أصاب الرامي بيده متعمدًا، كان وَّه لا ينصبه خشية أن تصيب حجارته مَن نهى عن قتله، فلما فعل ذَلِكَ وأباحه لأمته كان مخالفًا سبيل القصد والعمد في ذلك. واختلفوا إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم وخافوا من كثرة (١) ((المغني)) ١٤٧/١٠. (٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٣٢/١٢. (٣) أبو داود (٢٦١٦). (٤) في (ص١): عن. ٢٠٩ ـ كِتَابُ الحِهَادِ وَالسِّيَدِ عددهم وأخذها، فقال مالك(١) وأبو حنيفة(٢): تعرقب وتعقر حَتَّى لا ينتفعوا بها. وقال الشافعي(٣): لا يحل قتلها ولا عقرها ولكن تخلى. واحتج ابن القصار في ذَلِكَ فقال: لا خلاف بيننا أن المشرك لو كان راكبًا لجاز لنا أن نعرقب ما تحته ونقتله لنتوصل بذلك إلى قتله، فكذلك إذا لم يكن راكبًا، وكذلك فعل ما فيه توهينهم وضعفهم بمنزلة واحدة ألا ترى أن قطع شجرهم وإتلاف زروعهم يجوز؛ لأن في ذَلِكَ ضعفهم وتلفهم، فكذلك خيلهم ومواشيهم، وقد مدح الله تعالى من فعلٍ ذَلِكَ فقال: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فهو عام في جميع ما ينالونه، ولما كانت نفوسهم وأموالهم سواء في استحلالنا إياهم ثم جاز قتلهم إذا لم يتمكن من أسرهم، كذلك يجوز إتلاف أموالهم التي يتقوون بها. والحاصل أن ما كان فيه وهنا لهم جاز لنا فعله، وإن كنا نرجو الظفر بها بعد طول؛ لما فيه من إبطاء الظفر بهم، وقد أنقطع الحرب عن بني النضير وجلوا بغير قتال، فقسم رسول الله ( 18 ما سوى الرباع من أموالهم، وبقيت الرباع خالصة لرسول الله بخير، وهي التي ولي العباس وعلي، دفعها إليهما عمر. (١) ((النوادر والزيادات)) ٦٤/٣. (٢) ((مختصر الطحاوي)) ص ٢٨٣. (٣) ((روضة الطالبين)) ٢٥٨/١٠. ٢١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٥٥- باب قَتْلِ النَّائِمِ المُشْرِكِ ٣٠٢٢- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ رَهْطَا مِنَ الأَنَّصَارِ إِلَى أَبِ رَافِعٍ لِيَقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَدَخَلَ حِصْنَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي مَرْبِطِ دَوَابَّ لَهُمْ، قَالَ: وَأَغْلَقُوا بَابَ الِحِصْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا حِمَارًا لَهُمْ، فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَهُ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ أُرِبِهِمْ أَنَِّي أَطْلُبُهُ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الِحِمَارَ، فَدَخَلُوا وَدَخَلْتُ، وَأَغْلَقُوا بَابَ الِحِصْنِ لَيْلًا، فَوَضَعُوا المَفَاتِحَ فِي كَوَّةٍ حَيْثُ أَرَاهَا، فَلَمَّا نَامُوا أَخَذْتُ المفَاتِيحَ، فَفَتَحْتُ بَابَ الِحِصْنِ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. فَأَجَابَنِي، فَتَعَمَّدْتُ الصَّوْتَ، فَضَرَبْتُهُ فَصَاحَ، فَخَرَجْتُ ثُمَّ جِثْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ كَأَنِّ مُغِيثٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ. وَغَيَّرْتُ صَوْتٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ؟ لأَمِّكَ الوَيْلُ. قُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنْ دَخَّلَ عَلَيَّ فَضَرَبَنِي. قَالَ: فَوَضَغْتُ سَيْفِي فِي بَطْنِهِ، ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى فَرَعَ العَظْمَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَأَنَا دَهِشْ، فَأَتَيْتُ سُلَّمَا لَهُمْ لأَنَّزِلَ مِنْهُ، فَوَقَعْتُ فَوْثِثَتْ رِجْلِي، فَخَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِبَارِحِ حَتَّى أَسْمَعَ النَّاعِيَةَ، فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى سَمِعْتُ نَعَايَا أَبِيِ رَافِعٍ تَاجِرٍ أَهْلِ الِحِجَازِ، قَالَ: فَقُمْتُ وَمَا بِي قَلَبَةٌ حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ ◌َِّ فَأَخْبَرْنَاهُ. [٣٠٢٣، ٤٠٣٨، ٤٠٣٩، ٤٠٤٠- فتح ٦ / ١٥٥] ٣٠٢٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا يَجْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَهْطَا مِنَ الأَنَّصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا، فَقَتَلَهُ وَهْوَ نَائِمٌ. [انظر: ٣٠٢٢ - فتح ٦ / ١٥٥]. ذكر فيه حديث البراء في قصة قتل أبي رافع بطوله، ويأتي في المغازي (١). (١) سيأتي برقم (٤٠٣٩) باب: قتل أبي رافع. ٢١١ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = ثم ساق عن البراء أيضًا أن عبد الله بن عتيك دخل عليه بيته فقتله. وفي لفظ: كان ابن عتيك الأمير، وكان أبو رافع في حصنه (١) بالحجاز(١). وفي لفظ: بعث ابن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم(٢). وهو من أفراد البخاري. قالَ البخاري لما ذكره في المغازي يعني: بني النضير وقبل أحد. أسم أبي رافع: عبد الله -ويقال: سلام- بن أبي الحقيق كان بخيبر، ويقال: بحصن له في أرض الحجاز. قَالَ الزهري: هو بعد كعب بن الأشرف يعني: بعد قتله. وفي (طبقات ابن سعد)): كانت في رمضان سنة ست من الهجرة (٣). وقيل: في ذي الحجة سنة خمس. وفي ((الإكليل)): كان بعد بدر وقبل غزوة السويق. وقال النيسابوري: كانت قبل دومة الجندل. وقال ابن حبان: بعد بدر الموعد في آخر سنة أربع. وقال أبو معشر: بعد غزوة ذات الرقاع وقبل سرية عبد الله بن رواحة، وكان أبو رافع قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب وجعل لهم الجعل لحرب رسول الله وَالر، فبعث رسول الله وَلـ ابن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة والأسود بن خزاعي ومسعود بن سنان وأمرهم بقتله، فذهبوا إلى خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدموا عبد الله بن عتيك؛ لأنه كان يرطن باليهودية واستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا (١) السابق. (٣) ((طبقات ابن سعد)) ٢/ ٩١. (٢) سيأتي برقم (٤٠٤٠). ٢١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قُبطية(١)، فعلوه بأسيافهم. قَالَ ابن أنيس: وكنت رجلًا أعشى لا أبصر فأتكئ بسيفي على بطنه حَتَّى سمعت حسه في الفراش وعرفت أنه قضى، وجعل القوم يضربونه جميعًا ثم نزلوا، وصاحت أمرأته فتصايح أهل الدار، وأختبأ القوم في بعض مياه خيبر، وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يجدوهم فرجعوا، ومكث القوم في مكانهم يومين حَتَّى سكن الطلب ثم خرجوا إلى المدينة، وكلهم يدعي قتله، فأخذ رسول الله ◌َّ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر (الطعام)(٢) في ذباب سيف ابن أنيس، فقال: ((هذا قتله)). وفي ((سير ابن إسحاق)): لما أنقضى أمر الخندق وأمر بني قريظة، وكان أبو رافع ممن حزب الأحزاب على رسول الله استأذنت الخزرج في قتل سلام بن أبي الحقيق فأذن لهم، فخرجوا وفيهم فلان بن سلمة(٣). وفي ((دلائل البيهقي)): قتله ابن عتيك، وذفف عليه عبد الله بن (٤) أنيس(٤) . وفي ((الإكليل)) حين ذكرهما إثر بدر الكبرى من جمادى الآخرة سنة ثلاث عن ابن أنيس قَالَ: ظهرت أنا وابن عتيك وقعد أصحابنا في الحائط، فاستأذن ابن عتيك. فقالت امرأة ابن أبي الحقيق: إن هذا لصوت ابن عتيك. فقال ابن أبي الحقيق: ثكلتك أمك، ابن عتيك (١) بضم القاف على غير قياس، ثياب تنسب إلى القِبط بكسر القاف. أنظر ((القاموس المحيط)) ص ٦٨١ مادة (قبط). (٢) كذا بالأصل. (٣) أنظر: ((سيرة ابن هشام)) ٣١٣/٣ - ٣١٤. (٤) ((دلائل النبوة)) ٤/ ٣٤. ٢١٣ = كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ بيثرب أنى هو عندك هذِه الساعة، فافتحي فإن الكريم لا يرد عن بابه هذِه الساعة أحدًا. ففتحت، فدخلت أنا وابن عتيك، فقال لابن عتيك: دونك، فشهرت عليها السيف، فأخذ ابن أبي الحقيق وسادة فاتقاني بها، فجعلت أريد أن (أضربه)(١) فلا أستطيع فوخزته بالسيف وخزًا ثم خرجت إلى ابن أنيس فقال: أقتلته؟ قلتُ: نعم . أخرجه من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن أمه بنت عبد الله بن أنيس عن أبيها. وعند ابن عقبة: وكان معهم أيضًا أسعد بن حرام حليف بني سوادة. قَالَ السهيلي: ولا نعرف أحدًا ذكره غيره(٢)، قلتُ: ذكره الحاكم أيضًا في ((إكليله)) عن الزهري، وعند الكلبي: عبد الله بن أنيس هو ابن أسعد بن حرام. وعند الواقدي: كانت أم ابن عتيك التي أرضعته يهودية بخيبر، فأرسل إليها يعلمها بمكانه، فخرجت إلينا بجراب مملوء تمرًا كبيسًا وخبزًا، ثم قَالَ لها: يا أماه أما لو أمسينا لبتنَا عندك، فأدخلينا خيبر. فقالت: وكيف تطيق خيبر وفيها أربعة آلاف مقاتل؟ ومن تريد فيها؟ قَالَ: أبا رافع. قالت: لا تقدر عليه(٣)؛ وفيه: قالت: فادخلوا عليَّ ليلًا. فدخلوا عليها ليلًا لما نام أهل خيبر في خمر الناس، وأعلمتهم أن أهل خيبر لا يغلقون عليهم أبوابهم فرقًا أن يطرقهم ضيف، فلما هدأت الرجل قَالَ: انطلقوا حَتَّى تستفتحوا على أبي رافع، فقولوا: إنا جئنا له بهدية، فإنهم سيفتحون لكم، فلما (١) في (ص): الحدث. (٢) ((الروض الأنف)) ٣٠٣/٣. (٣) («المغازي)» ص٣٩٢. ٢١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح أنتهوا عليه فخرج سهم ابن أنيس. وذكر البخاري سهم عبد الله بن عتبة؛ وفيه نظر، وأراد البخاري في الترجمة بالنائم: المضطجع. وإلا فلا مطابقة بينها وبين (الحديث)(١)، نبه عليه ابن المنير (٢)، وقال الإسماعيلي: هذا قبل يقظان نبه من (قومه)(٣). إذا تقرر ذَلِك؛ فالكلام عليه من وجوه : أحدها : فيه: كما قَالَ المهلب جواز الاغتيال على من أعان على رسول الله وَالر بيد أو مال أو رأي، وكان أبو رافع يعادي رسول الله وَله ويؤلب الناس عليه كما مضى، وهذا من باب الحرب خدعة. ثانیھا : فيه جواز التجسس على المشركين وطلب غرتهم. ثالثها : فيه الاغتيال بالحرب والإيهام بالقول. رابعها : فيه الأخذ بالشدة في الحرب والتعرض لعدد كثير من المشركين، والإلقاء إلى التهلكة باليد في سبيل الله، وأما الذي نهي عنه من ذَلِكَ فهو في الإنفاق في سبيل الله، ولئلا يخلي يده من المال فيموت جوعًا وضياعًا، وهي رحمة من الله ورخصه، ومن أخذ بالشدة فمباح له ذَلِكَ. وأحب إلينا ألا نأخذ بالشدة من المال لوقوع النهي فيه خاصة. (١) في (ص): الحدث. (٢) ((المتواري)» ص ١٧٢. (٣) كذا بالأصل. ٢١٥ ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ خامسها : فيه: الحكم بالدليل المعروف والعلامة المعروفة على الشيء لحكم هذا الرجل بالناعية - وفي نسخة: الواعية- على موت أبي رافع ويصوبه أيضًا قَالَ صاحب (العين)): الواعية: الصارخة التي تندب القتيل، والوعي للصوت، والوعي: جلبة وأصوات الكلاب في الصيد إذا انجدت(١). وقَالَ الداودي: الداعية: التي تدعو بالويل، وهي النائحة. وفي ((الصحاح)): الوغي مثل الوعي(٢). وقوله: (فما برحت حَتَّى سمعت نعايا أبي رافع)، كذا الرواية وصوابه نعاي من غير ألف، كذا نقله النحاة أي: انع أبا رافع. جعل دلالة الأمر فيه وعلامة الجزم آخره بغير تنوين كما قالت العرب في نظير ذَلِكَ من أدركها: دراكها، ومن فطمت: فطام. وزعم سيبويه أنه يطرد هذا الباب في الأفعال الثلاثية كلها أن يقال فيها: فعال بمعنى افعل نحو حذَار ومناع ونزال، كما يقول: أنزل أحذر وامنع(٣). قَالَ الأصمعي : كانت العرب إذا مات فيها میت له قدر ركب راكب فرسًا وجعل يسير في الناس ويقول: نعاء فلانًا أي: انعه وأظهر خبر وفاته(٤). قَالَ أبو نصر: وهي مبنية على الكسر. وقال الداودي: نعايا جمع ناعية، والأظهر أنه جمع: نعي، مثل: صفي صفايا. قَالَ ابن فارس(6): النعي خبر الموت، وكذلك الناعي يقال له: (١) ((العين)) ٣٦٦/٢. وفيه (وجدت). (٢) ((الصحاح)) ٢٥٢٦/٦. (٣) قال سيبويه في ((الكتاب)) ٢٧٠/٣ - ٢٧٤ بمعناه. (٤) ((إصلاح المنطق)) ص١٧٩، ((الصحاح)) ٢٥١٢/٦ مادة: (نعا). (٥) ((المجمل)) ٨٧٤/٢. ٢١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - نعي. وقول الخطابي: هو مثل دراك أي: أدركوا، فمعناه: أنعوا أبا رافع(١). إنما يصح لو قَالَ: نعا أبا رافع. قَالَ الأصمعي: وإنما هو يا نعاء العرب تأويلها انع العرب(٢). سادسها : قوله: (وما بي قلبة). قَالَ الفراء: أصله من القلاب وهو داء يصيب الإبل. وزاد الأصمعي: تموت من يومها به، فقيل ذَلِكَ لكل سالم ليس به علة. وقال ابن الأعرابي: معناه: ليست به علة يقلب لها فينظر إليه(٣)، وأصل ذَلِكَ في الدواب. وذكر المفضل بن سلمة في كتاب ((الفاخر)) أن الأصمعي قَالَ: ما به داء وهو من القلاب داء يأخذ الإبل في رءوسها فيقلبها إلى فوق. وقَالَ الفراء: ما به علة يخشى عليه منها، وهو من قولهم: قلب الرجل إذا أصابه وجع في قلبه، وليس يكاد يقلب منه. وقَالَ الطائي: ما به شيء يقلقله فيقلب منه على فراشه. وقَالَ النحاس في ((زياداته على الفاخر)): حكى عبد الله بن مسلم أن بعضهم يقول في هذا: أي ما به حول، ثم اُستُعير من هذا الأصل لكل سالم باسمه ليست به آفة. وقال يحيى بن الفضل: إذا وصفوا الرجل بالصحة قالوا: ما به قلبة، ولو كان كما قالوا لكان بالضعف والسقم أولى منه بالقوة، والصحيح قول الفراء. سابعها : قوله: (فوثئت رجلي)، هو بثاء مثلثة، ذكرها ثعلب في باب المهموز (١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٤٣٠. (٢) ((الصحاح)) ٢٥١٢/٦، مادة: (نعا). (٣) انظر: ((إصلاح المنطق)) ص٣١٨. ٢١٧ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = من الفعل؛ يقال: وثئت يده، فهي موثوءة، ووثأتها أنا . وأما ابن فارس فقال: وقد يهمز(١) . قَالَ الخطابي: والواو مضمومة على بناء الفعل لما لم يسم فاعله(٢). قَالَ القزاز: وهو وصم يصيب العظم من غير أن يبلغ الكسر. و(الرهط): تقدم ذكر الاختلاف فيه. وبعثه رَّ إياهم لقتله دليل على أن من بلغته الدعوة لا تقدم له دعوة عند قتاله، وهُذِه رواية العراقيين عن مالك، وفي ((المدونة)) عن مالك روايتان، قَالَ ابن القاسم: لا يبيتون حَتَّى يدعوا غزوناهم أو أقبلوا إلينا(٣). وفيه: الاحتيال في قتل المشرك. (١) ((المجمل) ٩١٦/٢. (٢) ((أعلام الحديث)) ١٤٣١/٢. (٣) ((المدونة)) ٣٦٧/١. ٢١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٥٦- باب لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوّ ٣٠٢٤- حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الفَزَّارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالَمٌ أَبُو النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: كُنْتُ كَاتِبَا لَهُ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى حِينَ خَرَجَ إِلَى الَزُورِيَّةِ فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َّهِ فِي بَعْضٍ أَيَّامِهِ التِي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ أَنْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. [انظر: ٢٨١٨ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح ٦ /١٥٦] ٣٠٢٥ - ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ)) ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، أَهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)). وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: حَدَّثَنِي سَالمُ أَبُو النَّضْرِ كُنْتُ كَاتِبًا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ مََّ قَالَ: (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُو)). [انظر: ٢٨١٨، ٢٩٣٣ - مسلم: ١٧٤٢ - فتح ٦ /١٥٦] ٣٠٢٦ - وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِ الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)). [مسلم: ١٧٤١ - فتح ٦ / ١٥٦] ذكر فيه حديث ابن أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: (لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُو)). وقد سلف(١). ثم قال: وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ: ثنا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)). وقد سلف. (١) سلف برقم (٢٩٦٦) باب: كان النبي ◌َّ إذا لم يقاتل. ٢١٩ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ = وهذا التعليق أخرجه مسلم عن الحسن الحلواني، وعبد بن حميد عن أبي عامر -يعني العقدي (١) - به، واسمه: عبد الملك بن عمرو بن قيس القيسي البصري العقدي، نسبة إلى العقَد، وهو مولى الحارث بن عباد - بضم العين- أخي جرير -بضم الجيم- بن عباد، وعباد أخو جحدر - واسمه: ربيعة - ابنا ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة، مات العقدي سنة أربع ومائتين. وإنما نهى الشارع أمته عن ذَلِكَ؛ لأنه لا يعلم ما يئول أمره إليه، ولا کیف ینجو منه. وفيه من الفقه: النهي عن تمني المكروهات والتصدي للمحذورات، ولذلك سأل السلف العافية من الفتن والمحن؛ لأن الناس مختلفون في الصبر على البلاء، ألا ترى الذي أحرقته الجراح في بعض المغازي مع رسول الله وَ﴿ فقتل نفسه (٢)؟ وقال الصديق: لأن أعافى فأشكر أحبُّ إليَّ من أن أبتلى فأصبر. روي عن علي # أنه قَالَ لابنه: يا بني لا تدعون أحدًا إلى المبارزة ومن دعاك إليها فاخرج إليه لا باغ، والله تعالى قد تضمن نصر من بُغي عليه. وأما أقوال العلماء في المبارزة، فذكر ابن المنذر أنه أجمع كل من نحفظ عنه العلم من العلماء على أن للمرء أن يبارز ويدعو إلى البراز بإذن الإمام، غير الحسن البصري فإنه كرهها ولا يعرفها(٣)، هذا قول الثوري (١) رواه مسلم (١٧٤١) كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء. (٢) رواه البخاري برقم (٢٨٩٨) كتاب: الجهاد، باب: لا يقول: فلان شهيد، مسلم برقم (١١٢) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه .. (٣) ((الإجماع)) ص٨١. ٢٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = والأوزاعي وأحمد وإسحاق(١)، وأباحته طائفة ولم تذكر إذن الإمام ولا غيره، وهو قول مالك(٢) والشافعي(٣)، فإن طلبها كافر استحب الخروج إليه، وإنما يحسن ممن جرب نفسه وبإذن الإمام. وسُئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ قَالَ: ذَلِكَ إلى (نيته)(٤)، إن كان يريد بذلك وجه الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذَلِكَ من مضى. وقال أنس بن مالك: قد بارز البراء بن مالك مَرْزُبان الزارة فقتله. وقال أبو قتادة: بارزت رجلًا يوم حنين فقتلته، فأعطاني رسول الله وَل سلبه(٥). وليس في خبره أنه استأذن فيه. واختلفوا في معونة المسلم المبارز على المشرك، فرخص في ذَلِكَ الشافعي(٦) وأحمد وإسحاق(٧)، وذكر الساجي قصة حمزة وعبيدة (٨) ومعونة بعضهم بعضا. قَالَ: فأما إن دعا مسلم مشركًا أو مشرك مسلمًا إلى أن يبارزه وقال له: لا يقاتلك غيري أحببت أن يكف عن أن يحمل عليه غيره، وكان الأوزاعي يقول: لا يعينوه وعلى هذا قيل للأوزاعي: وإن لم يشترط ألا يخرج إليه غيره؟ قَالَ: وإن لا؛ لأن المبارزة إنما تكون على هذا. ولو حجزوا بينهما ثم خلوا سبيل العلج المبارز، فإن أعان العدو صاحبهم فلا بأس أن يعين المسلمون صاحبهم. (١) («المغني)) ٣٨/٣٣- ٣٩. (٣) ((الأم)) ٤/ ١٦٠. (٢) ((النوادر والزيادات)) ٥٤/٣. (٤) في (ص١): نفسه. (٥) سلف برقم (٣١٤٢) كتاب: فرض الخمس، باب: من لم يخمِّس الأسلاب، ورواه مسلم (١٧٥١) كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل. (٧) ((المغني)) ٣٩/١٣. (٦) ((الأم)) ٤ / ١٦٠. (٨) في هامش الأصل: لعله سقط (وعلي).