Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وذكر البخاري في التفسير إثر حديث علي هذا: قَالَ عمرو بن دينار:
فنزلت ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية.
قَالَ سفيان: فلا أدري أذاك في الحديث أم من عمرو بن دينار(١).
ونقل الواحدي عن جماعة المفسرين أنها نزلت في حاطب بن أبي
بلتعة وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف
أتت رسول الله ولو إلى المدينة من مكة وهو يتجهز لفتح مكة فقال: ((ما
جاء بك؟)) فقالت: الحاجة. قال: ((فأين أنت من شباب أهل مكة؟))
وكانت مغنية. قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فكساها
وحملها، وأتاها حاطب، فكتب معها كتابًا إلى أهل مكة وأعطاها
عشرة دنانير، وكتب في الكتاب: إلى أهل مكة إن رسول الله يريدكم
فخذوا حذركم. فنزل جبريل التّ بخبرها، فبعث عليًّا وعمارًا وعمر
والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد، وكانوا كلهم فرسانا،
وقال: ((انطلقوا حَتَّى تأتوا روضة خاخ فإنَّ بها ظعينة معها كتاب إلى
المشركين، فخذوه وخلوا سبيلها؛ فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا
عنقها .. )) الحديث(٢)، وعند ابن أبي حاتم من حديث الحارث، عن
علي: لما أراد رسول الله وَليل أن يأتي مكة أسر إلى أناس من أصحابه
أنه يريد مكة، منهم حاطب، وأفشى في الناس أنه یرید خيبر.
إذا عرفت هذا؛ فالكلام على الحدیث من وجوه:
أحدها :
في كتاب الحميدي ذكر البرقاني نحو هذا الحديث، رواه سماك،
(١) سيأتي برقم (٤٨٩٠) باب: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
(٢) ((أسباب النزول)) ص٤٤١ - ٤٤٢ (٨١١)، وكذا هو في ((الوسيط)) ٤/ ٢٨٢.

١٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
عن ابن عباس قَالَ: قَالَ عمر: كتب حاطب إلى (أهل)(١) مكة ..
الحديث، وزعم أنه في مسلم. قَالَ الحميدي: وليس له عند أبي
مسعود ولا خلف ذكر.
ثانيها :
هذِهِ الظعينة أسمها سارة كما سلف، مولاة أبي عمرو بن صيفي بن
هاشم، والدرقفة أم مخرمة بن نوفل، وقيل أم سارة. وقيل: كنود مولاة
لقريش، وقيل: لعمران بن أبي صيفي، وقيل: كانت من مزينة من أهل
العرج، وكان حاطب كتب إلى ثلاثة: صفوان بن أمية، وسهيل بن
عمرو، وعكرمة بن أبي جهل. قَالَ الحاكم في ((إكليله)): وكانت مغنية
بوَّاحة، تغني بهجاء رسول الله بَّة، فأمر بها يوم الفتح فقتلت. وأما
أبو نعيم وابن منده فذكراها في الصحابيات، ووقع في ((أحكام
القرآن)) للقاضي إسماعيل في قصة حاطب: قَالَ للذين أرسلهم لها:
((إن بها أمرأة من المسلمين معها كتاب إلى المشركين)) وإنهم لما
أرادوا أن يخلعوا ثيابها قالت: أولستم مسلمين؟ ويشكل عليه
ما أسلفناه عن الحاكم فإنها ممن استثنيت يوم الفتح بالقتل، وعبارة
أبي عبيد البكري: ((فإن بها امرأة من المشركين)) بدل ((المسلمين)) وفي
((أسباب الواحدي)): لما قدمت المدينة قَالَ لها وَّ: ((مسلمة جئت؟))
قالت: لا. قَالَ: ((فما جاء بك؟)) قالت: احتجت. قَالَ: ((فأين أنت
من شباب قريش؟)) الحديث(٢).
ثالثها :
في الكتاب - كما قَالَ السهيلي -: أما بعد. فإن رسول الله وَّةٍ قد
(١) من (ص١).
(٢) ((الأسباب)) ص٤٤١ (٨١١).

١٦٣
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
توجه إليكم في جيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم
إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم؛ فإن الله وليه وناصره.
وفي ((تفسير ابن سلام)) كان فيه: أن محمدًا قد نفر إما لكم وإما إلى
غيركم، فعليكم الحذر(١). وقيل: كان فيه: إنه ◌َ* أذن في الناس
بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، فقد أحببت أن تكون لي عندكم يد
بكتابي إليكم. قَالَ القرطبي: ويحكى أنه كان في الكتاب يفخم جيش
رسول الله وقية وأنهم لا طاقة لهم به (٢).
رابعها :
خاخ: بخائين معجمتين. قَالَ السهيلي: وكان هشيم يصحفها
فيقول: حاج: بحاء وجيم. وذكر البخاري أن أبا عوانة كان يقولها
كما يقوله هشيم(٣).
خامسها :
الظعينة: المرأة في الهودج، ولا يقال لها ظعينة إلا وهي كذلك. قَالَ
الداودي: سميت بذلك لأنها تركب الظعائن التي تظعن براكبها. وقال
ابن فارس: الظعينة: المرأة وهو من باب الاستعارة، وأما الظعائن
فالهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن(٤). وقال الخطابي: إنما قَالَ لها
ظعينة؛ لأنها تظعن مع زوجها إذا ظعن(٥).
سادسها :
قوله: (أو لنلقين الثياب). قَالَ ابن التين: صوابه في العربية: لنلقن
الثياب. بحذف الياء؛ لأن النون المشددة تجتمع مع الياء الساكنة فتحذف
(١) ((الروض الأنف)) ٤/ ٩٧.
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٤٤٠.
(٣) ((الروض الأنف)) ٤/ ٩٧. وضع سبط تحت حاء (حاج) علامة الإهمال.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢/ ٦٠٠ مادة (ظعن).
(٥) ((أعلام الحديث)) ٢/ ٨٩١.

١٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الياء لالتقاء الساكنين.
وفيه: جواز تجريد العورة عن الستُّرة عند الحاجة.
سابعها :
العقاص -بعين مكسورة -: الشعر المعقوص. أي: المظفور، جمع
عقصية وعقصة، والعقص: ليُّ خصلات الشعر بعضه على بعض. وعند
المنذري: هو ليُّ الشعر على الرأس ويدخل أطرافه في أصوله، قَالَ:
ويقال: هي التي تتخذ من شعرها مثل الرمانة. قال: وقيل: العقاص
هو: الخيط الذي (يجتمع) (١) فيه أطراف الذوائب، وبه جزم ابن التين
حيث قال: والعقاص: الخيط الذي تعقص به أطراف الذوائب،
وعقص الشعر ظفره، قال: وفي رواية أخرى: أخرجت من حجزتها،
وكذا قال ابن بطال: العقاص: السير الذي تجمع به شعرها على
رأسها، والعقص: الّفْر، والظّفْر: هو الفتل(٢).
ثامنها :
قوله: (إني كنت ملصقا في قريش) يعني: كنت مضافًا إليهم ولست
منهم، وأصل ذلك من تضاف الشيء بغيره ليس منه، ولذلك قيل للدعي
في القوم ملصق، قاله الطبري(٣).
وقوله: (وكان من معك) كذا في الرواية. قال القرطبي: هكذا
الرواية الصحيحة، وعند مسلم (من معك) بزيادة (من) والصواب:
إسقاطها؛ لأن (من) لا تزاد في الواجب عند البصريين، وأجازه بعض
الكوفيين (٤).
(١) في (ص١): يعقص.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٦٥/٥.
(٣) ((تفسير الطبري)) ٤١٧/٤ تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِاَلْأَزْلَمِّ﴾.
(٤) ((المفهم)) ٤٣٩/٦.

١٦٥
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
تاسعها :
إنما أطلق عمر على حاطب أسم النفاق؛ لأنه والى كفار قريش
وباطنهم، وإنما فعل حاطب ذلك متأولًا في غير ضرر لرسول الله وَل
صدق الله نيته فنجاه من ذلك، وذكر الجاحظ في ((عمده)) فقال
(عمر) (١): دعني يا رسول الله أضرب عنقه -يعني: حاطبًا - فقد كفر.
قال الباقلاني: في نقضه هذا الكتاب، هذِه اللفظة ليست معروفة.
قلت: ويحتمل أن يكون المراد بها كفر النعمة أو أنه تأول قوله:
﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
أو يكون الراوي روى بالمعنى، فإنه لما سمع قول عمر نافق عبر
عنه؛ لأنه كفر عند جماعة، وقال ابن التين: يحتمل أن يكون قول
عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق قبل قوله الشّها: ((قد صدقكم))
أو يريد أنه وإن صدق فلا عذر له، وقد أثبت الله لحاطب الإيمان في
قوله ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى﴾ الآية، وكانت أمه بمكة فأراد
أن يحفظوه فيها.
العاشر :
قوله: ( ((وما يدريك؟))) أي: يعلمك، ولعله للترجي، وهو هنا
يتحقق بدليل ما ذكر في آل عمران والأنفال.
الحادي عشر:
قوله: ( ((اعملوا ما شئتم))) ظاهره الاستقبال، وقال ابن الجوزي:
ليس هو على الاستقبال، وإنما هو للماضي، تقديره: أعملوا ما شئتم أيُّ
عمل كان لكم فقد غفر، ويدل على هذا شيئان:
(١) من (ص١).

١٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أحدهما: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر.
والثاني: أنه كأن يكون إطلاقًا في الذنوب، ولا وجه لذلك،
ويوضحه أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد؛ فلهذا كان عمر يقول:
يا حذيفة أنا منهم؟ قال القرطبي: وهذا التأويل وإن كان حسنًا فإن
فيه بعدًا؛ لأن أعملوا: صيغة أمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم
تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة،
كذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنما
هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي، قال: واستدلاله عليه
بقوله: ((قد غفرت لكم)) ليس بصحيح (لأن آعملوا ما شئتم)) يحمل
على صلب الفعل ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي فيتعين حمله
على الإباحة والإطلاق، وحينئذ يكون خطاب إنشاء، فيكون كقول
القائل: أنت وكيلي وقد جعلت لك التصرف حيث شئت، وإنما
يقتضي إطلاق التصرف من وقت التوكيل لا قبل ذلك.
قال: وقد ظهر لي وجه، وهو أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف
يضمن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة
وتأهلوا أن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم لا أنهم نجزت لهم
في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم
ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك
الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له
أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له
أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب، ثم
إن الله أظهر صدق رسوله للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك؛
فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن توفوا، ومن وقع منهم

١٦٧
= ڪِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
في أمر ما أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله عليها؛ يعلم ذلك
قطعًا من حالهم من طالع سيرهم وأخبارهم(١).
وذكر القاضي عياض الإجماع على أن من ثبت عليه حد أنه يقام
عليه، وقد ضرب الشارع مسطحًا الحد(٢).
الثاني عشر: في فوائده الجمة:
وسيأتي بعضها في باب المتأولين في آخر كتاب الديات(٣)، وفي
كتاب الاستئذان في باب: من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين
ليستبين أمره (٤). ونذكر هنا منها جملة، فنقول:
فيه: هتك ستر الجاسوس رجلًا كان أو امرأة إذا كان في ذلك
مصلحة، أو كان في الستر مفسدة.
وفيه : -كما قال ابن الجوزي- أن حكم المتأول في استباحة
المحظور خلاف حكم المتعمد؛ لاستحالته من غير تأويل وأن من
أتى محظورًا أو أدعى فيه ما يحتمل التأويل قبل وإن كان غالب الظن
خلافه.
وفيه : - كما قال القرطبي -: أن أرتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا(٥).
وفيه : - كما قال الداودي -: أن الجاسوس يقتل وإنما نفى القتل عن
حاطب بما علمه النبي ونَ﴿ منه، لكن مذهب الشافعي وطائفة: أن
الجاسوس المسلم يعزر ولا يجوز قتله، وإن كان ذا هيئة عفي عنه
لهذا الحديث: «فلا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفر بعد إیمان، أو زنا
(١) ((المفهم)) ٤٤١/٦ - ٤٤٢.
(٣) سيأتي برقم (٦٩٣٩).
(٥) ((المفهم)) ٦/ ٤٤٣.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٥٣٩/٧.
(٤) سيأتي برقم (٦٢٥٩).

١٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق)) (١) وعن أبي حنيفة والأوزاعي: يوجع
عقوبة ويطال حبسه(٢).
وقال بعض المالكية(٣) - وهو ابن وهب -: يقتل إلا أن يتوب. وعن
بعضهم أنه يقتل إذا كانت عادته ذلك، وإن تاب وهو قول ابن الماجشون.
وقال ابن القاسم في ((العتبية)): يضرب عنقه؛ لأنه لا تعرف توبته (٤)
وهو قول سحنون(٥)، ومن قال بقتله فقد خالف الحديث وأقوال
المتقدمين، فلا وجه لقوله كما قال ابن بطال(٦)، وعن مالك يجتهد
فيه الإمام(٧).
قال الأوزاعي: فإن كان كافرًا يكون ناقضًا للعهد (٨)، وإن كان
مسلمًا أوجع عقوبة، وقال أصبغ: الجاسوس الحربي يقتل، والمسلم
والذمي يعاقبان، إلا أن يظاهرا على الإسلام فيقتلان(٩).
وفيه : - كما قال الطبري -: أن الإمام إذا ظهر من رجل من أهل
الستر على أنه قد كاتب عدوًّا من المشركين ينذرهم ببعض ما أسره
المسلمون فيهم من غرم، ولم يكن الكاتب معروفًا بالسفه والغش
(للإسلام)(١٠) وأهله وكان ذلك من فعله هفوة وزلة من غير أن يكون
لها أخوات فجائز العفو عنه، كما فعل رسول الله بحاطب من عفوه
(١) رواه أبو داود (٤٥٠٢)، والترمذي (٢١٥٩) والنسائي ٧/ ٩١ - ٩٢، وابن ماجه
(٢٥٣٣).
(٢) ((معالم السنن)) للخطابي ٢٣٨/٢.
(٣) أنظر أقوالهم في ((إكمال المعلم)) ٧/ ٩٣٧.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٢/٣.
(٦) ((شرح ابن بطال)) ١٦٤/٥.
(٨) ((أحكام القرآن)) لابن العربي ١٧٨٤/٤.
(١٠) من (ص١).
(٥) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٢/٣.
(٧) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٢/٣.
(٩) المصدر السابق.

١٦٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَّرِ
=
عن جرمه بعدما أطلع عليه من فعله، وهذا نظير الخبر الذي روته عمرة،
عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي وَ الر قال: ((أقيلوا ذوي الهيئات
عثراتهم إلا حدًّا من حدود الله))(١).
فإن ظن ظان أن صفحه إنما كان لما أعلمه الله من صدقهم، ولا يجوز
لمن بعد رسول الله ﴿ أن يعلم ذلك فقد ظن خطأ؛ لأن أحكام الله
في عباده إنما تجري على ما ظهر منهم وقد أخبر الله سبحانه نبيه عن
المنافقين الذين كانوا بين ظهراني أصحابه مقيمين معتقدين الكفر،
وعرفه (إياهم)(٢) بأعيانهم ثم لم يبح له قتلهم وسبيهم إذ كانوا يظهرون
الإسلام بألسنتهم، فكذلك الحكم في كل أحد من خلق الله أن يؤخذ
بما ظهر لا بما يظن، وقد روي مثل ذلك عن الأئمة، وروى الليث بن
سعد، عن يزيد بن أبي منصور قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عامله على
البحرين أتى برجل قامت عليه بينة أنه كان عدوًّا للمسلمين بعورتهم،
وكان اسمه ضرياس، فضرب عنقه وهو يقول: يا عمراه، يا عمراه.
فكتب عمر إلى عامله يقدم عليه، فجلس له عمر وبيده حربة، فلما
دخل عليه (علا بجبينه)(٣) بالحربة وجعل يقول: أضرياس لبيك،
أضرياس لبيك. فقال له عامله: يا أمير المؤمنين، إنه كاتبهم بعورة
المسلمين وهم أن يلحق بهم. فقال له عمر: وقتله على هذِه وأينا لم
يهم لولا أن تكون سنة (لقتلتك)(٤).
وقول البخاري: (التجسس: التبحث) قد سلف الكلام عليه أول الكتاب.
(١) رواه أبو داود (٤٣٧٥)، وأحمد ١٨١/٦، وصححه ابن حبان (٢٩٦)، والألباني
في ((صحيح الجامع)) (١١٨٤).
(٢) من (ص١).
(٣) في (ص١): فجعل يخنسه.
(٤) في (ص١): لصلبتك.

١٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه : - كما قَالَ الطبري - أيضًا: البيان عن بعض أعلام النبوة،
وذلك إعلام الله نبيه بخبر المرأة الحاملة كتاب حاطب إلى قريش،
ومكانها الذي هي به، وحالها الذي يضاف عليها من السير وكل ذَلِكَ
لا يعلم إلا بوحي.
وفيه : - كما قَالَ المهلب -: هتك ستر المريب، وقد سلف، وكشف
المرأة العاصية، وأن الجاسوس قد يكون مؤمنًا وليس تجسسه مما
يخرجه من الإيمان، وأنه لا يتشور في قتل أحد دون رأي الإمام،
وإشارة الوزير بالرأي على السلطان وإن لم يستشره، والإشداد عند
السلطان على أهل المعاصي، والاستئذان في قتلهم، وجواز العفو
عن الخائن الله ورسوله بتجسس أو غيره، ومراعاة فضيلة سلفت
ويشهد شاهده الجاسوس وغيره من المدنيين، والتشفع بذلك.
وأهل بدر: قَالَ مالك: كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر (١). وزاد
الأوزاعي أثنين على ذلك، وقيل: بزيادة أثنين آخرين أيضًا، قيل:
منهم ثلاثة وسبعون من المهاجرين. وقيل: مئة. ولم يحضره إلا قرشي
أو أنصاري أو حليفهما أو مولاهما، ذكره ابن التين.
وفيه أيضًا: الحجة بترك إنفاذ الوعيد من الله لمن شاء ذَلِكَ له؛
لقوله: (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ أَطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ أَعْمَلُوا مَا
شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)).
وفيه : -جواز غفران ما تأخر وقوعه من الذنوب قبل وقوعه، كذا في
(١) ورد بهامش الأصل: عدة أهل بدر ثلاثمائة وخمسة وثمانية لم يحضروها، إنما
ضرب لهم بسهمهم وأجرهم، فكان كمن حضرها، ويقال: ثلاثمائة وبضعة عشر،
ويقال: وتسعة عشر، ويقال: وخمسة عشر، ويقال: وثمانية عشر، ويقال: و
أربعة عشر، ويقال: وستة عشر.

١٧١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
كتاب ابن بطال(١)، وقد سلف ما فيه.
وقد أسلفنا الخلاف في المستأمن وقول أصبغ والأوزاعي في
الكافر، وقال الثوري والكوفيون والشافعي في الحربي المستأمن
والذمي يتجسس ويدل على العورات: لا يكون ذَلِكَ نقضًا للعهد
منهما، ويوجعه الإمام ضربًا ويطيل حبسه.
وقال الأوزاعي فيما أسلفناه: قد نقض العهد وخرج عن الذمة، فإن
شاء الإمام قتله أو صلبه، وهو قول سحنون(٢)، وقال مالك في أهل
الذمة: إذا تلصصوا أو قطعوا الطريق لم يكن ذَلِكَ نقضًا للعهد حَتَّى
يمنعوا الجزية، ويمتنعوا من أهل الإسلام، فهؤلاء فيء إذا كان الإمام
عادلًا، وعند مالك: إذا استكره الذمي المسلمة فزنا بها فهو نقض
للعهد وإن طاوعته لم يخرج من العهد (٣). وعند الشافعي(٤): لا تنتقض
الذمة بشيء من ذَلِكَ إلا عند الشرط، إلا الأمتناع من أداء الجزية
أو الامتناع من الحكم، فإذا فعلوا ذَلِكَ نبذ إليهم، وعندنا في الهدنة
الانتقاض خلاف الإطلاق السالف. وقال الطحاوي: لم يختلفوا أن
المسلم إذا فعل ذَلِكَ لم يبح دمه، فكذلك المستأمن والذمي قياسًا
عليه. ولم يراع الطحاوي أختلاف أصحاب مالك في ذَلِكَ إذ لم يقل
بقولهم مالك ولا غيره من المتقدمين مع خلافهم للحديث(٥).
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٦٣/٥ - ١٦٤.
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٣٥٢/٣.
(٣) السابق ٣٤٢/٣.
(٤) ((الأم)) ١٠٩/٤.
(٥) ((شرح ابن بطال)) ١٦٥/٥.
:

١٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤٢- باب الكِشْوَةِ لِلِأُسَارى
٣٠٠٨- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُنَّ بِأُسَارِىٌ، وَأُتِيَّ بِالْعَبَّاسِ وَلْ يَكُنْ
عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ وَِّ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبِّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ،
فَكَسَاهُ النَّبِيُّ ◌ََّ إِيَّهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ ◌َ قَمِيصَهُ الذِي أَلْبَسَهُ. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ:
كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ. [انظر: ١٢٧٠ - مسلم: ٢٧٧٢ - فتح ٣/
١٤٤].
هي بضم الكاف وكسرها.
ذكر فيه حديث جَابِر: لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأُسَارىٌ، وَأَتِيَ بِالْعَبَّاسِ
وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَنَظَرَ النَّبِيُّ وَِّ لَهُ قَمِيصًا، فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللهِ
بْنِ أَبَيِّ يَقْدُرُ عَلَيْهِ، فَكَسَاهُ النَّبِيُّ وَ إِيَّهُ، فَلِذَلِكَ نَزَعَ الشَِّيُّ ◌َهِ قَمِيصَهُ
الذِي أَلْبَسَهُ إياه. قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَهِ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ
يُكَافِئَهُ.
الشرح:
معنى يقدر عليه لطول لباسه، ولم يرد ◌ّ ر أن يسأل من أخذ قميص
العباس، ولا حيث صار في المقاسم؛ لئلا يحصل بذلك تأذ لغيره من
قريش، وكان العباس طوالًا كأنه فسطاط(١)، وكان أبوه عبد المطلب
أطول منه، وكان ابنه عبد الله إذا مشى مع الناس كأنه راكب والناس
مشاة، والعباس أطول منه.
وفيه: كسوة الأسارى والإحسان إليهم، ولا يتركوا عراة فتبدو
عوراتهم، ولا يجوز النظر إلى عورات المشركين.
(١) أنظر: ((المعارف)) لابن قتيبة ص٥٩٢.

١٧٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وفيه: المكافأة على اليد تُسدى إلى قريب الرجل إذا كان ذَلِكَ
إكرامًا له في قريبه، ولم يطالب بها القريب إذا كانت بسبب الستر من
أهله.
وفيه: أن المكافأة تكون في الحياة وبعد الممات.

١٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤٣- باب فَضْلٍ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ
٣٠٠٩- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ
اللهِ بْنِ عَبْدِ القَارِيُّ، عَنْ أَبِيِ حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلٌ ◌َُ - يَغْنِي: ابن سَعْدٍ - قَالَ: قَالَ
النَّبِيّ ◌َّهَ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ
وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ)). فَبَاتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ أَنَّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا كُلَّهُمْ
يَرْجُوهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ عَلِيٍّ؟)). فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَّأَ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعْ، فَأَغْطَاهُ فَقَالَ: أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا. فَقَالَ: ((انْفُذْ عَلَى
رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ
عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بَِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِّنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ
النَّعَم)). [انظر: ٢٩٤٢ - مسلم: ٢٤٠٦ - فتح ٦ / ١٤٤].
ذكر فيه حديث أبي حَازِمٍ عن سَهْلٍ قَالَ النَّبِيُّ ونَهِ يَوْمَ خَيْبَرَ: ((لأُعْطِيَنَّ
الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَح الله عَلَّى يَدَيْهِ .. )) الحديث إلى أن قال: ((فَوَ اللهِ لأَنْ
يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا واحدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَم)).
هذا الحديث يشبهه في المعنى قوله وَله: ((من سن سنة حسنة كان له
أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئًا))(١)،
وروي في الحديث مرفوعًا: ((إن العالم إذا لم يعمل بعلمه يأمر الله به إلى
النار يوم القيامة، فيقوم رجل قد كان علمه ذَلِكَ العالم، علمًا دخل به
الجنة فيقول: يا رب هذا علمني ما دخلت به الجنة فهب لي معلمي.
فيقول : هبوا له معلمه)).
(١) رواه مسلم (١٠١٧) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة .. من حديث
جرير بن عبد الله.

١٧٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
فائدة :
(حمر النعم): كرامها وأعلاها منزلة، قاله ابن الأنباري.
وقال أبو عبيد عن الأصمعي: بعير أحمر إذا لم يخالط حمرته شيء،
فإن خالطت حمرته قنوء فهو كميت، والمراد (بحمر النعم): الإبل
خاصة، وهي أنفسها وخيارها(١). قَالَ الهروي: يذكر ويؤنث أما
الأنعام: فالإبل والبقر والغنم، قال الجوهري: الأنعام يذكر ويؤنث،
وقد سلف لنا مرة الخوض في ذَلِكَ فليراجع منه.
(١) (تهذيب اللغة)) ٤/ ٣١٨٢.

١٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
١٤٤- باب الأُسَارى في السَّلَاسِلِ
٣٠١٠- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((عَجِبَ اللهُ مِنْ قَوْمِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي
السَّلَاسِلِ)). [٤٥٥٧ - فتح ٦ / ١٤٥]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ هِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِقَالَ: ((عَجِبَ اللهُ وَّ مِنْ
قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلٍ)).
هذا الحديث من أفراده، ومعناه: يدخلون الإسلام مكرهين، وسمي
الإسلام باسم الجنة لأنه شبهها، ومن دخله فقد دخل الجنة، وقد جاء
هذا المعنى بيِّنًا في حديث ذكره البخاري في التفسير في تفسير سورة آل
عمران من حديث أبي هريرة أيضًا في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال خير الناس يأتون بهم في السلاسل في
أعناقهم حَتَّى يدخلوا في الإسلام كرهًا.
وفيه: سوق الأسراء في الحبال والسلاسل والاستيثاق منهم حَتَّى
یری الإمام فيهم رأيه.
والعجب المضاف إلى الله راجع إلى معنى الرضى والتعظيم، وأن
الله تعالى يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه، قاله ابن
فورك (١).
وقال الداودي: أي: جعلهم عجبًا أسارى فأسلموا. ولأبي داود:
((عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل))(٢).
(١) ((مشكل الحدیث وبيانه)) ص٢٠٨.
(٢) أبو داود (٢٦٧٧).

١٧٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
قَالَ ابن المنير: إن كان المراد حقيقة وضع السلاسل في الأعناق
فالترجمة مطابقة، وإن كان المراد المجاز عن الإكراه فليست
مطابقة(١). وقال ابن الجوزي: ويحتمل أنهم لو بقوا على كراهتهم
للإسلام لم يدخلو الجنة لكنهم قيدوا مكرهين، فلما عرفوا صحة
الإسلام دخلوا طوعًا فدخلوا الجنة، وكان السبب الإكراه في الأول.
وأوضح أبو داود هذا المعنى أيضًا فإنه لما ذكر حديث أبي هريرة
المبدأ بذكره في باب: الأسير يوثق ذكر معه حديث ثمامة بن أثال
وحديث الحارث بن البرصاء، وأنهما أوثقا وجيء بهما إلى رسول الله
چىاله (٢)
وسام
(١) ((المتواري)) ص ١٦٧.
(٢) أبو داود (٢٦٧٨، ٢٦٧٩).

١٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٤٥- باب فَضْلٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابَيْْ
٣٠١١- حَدَّثَنَا عَلَيَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ
أَبُو حَسَنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّغْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو بُزْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَلـ
قَالَ: (ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ
تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ. وَمُؤْمِنُ أَهْلِ
الكِتَابِ الذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ◌َِّ، فَلَهُ أَجْرَانٍ. وَالْعَبْدُ الذِي يُؤَدِّي
حَقَّ اللهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ). ثُمَّ قَالَ الشَّغْبِيُّ: وَأَعْطَيْتُكَهَا بِغَيْرٍ شَىءٍ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ
يَرْحَلُ فِي أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح ٦ / ١٤٥].
ذكر فيه حديث أبي موسى قال النَّبِيُّ نَّهِ: ((ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ
مَرَّتَيْنٍ)) فذكر الأمة والعبد. وسلف في العتق (١). ومؤمن أهل الكتاب
الذي كان مؤمنًا ثم آمن بالنبي ◌َّهِ. ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَأَعْطَيْتُكُهَا بِغَيْرِ
شَىء، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِي أَهْوَنَ مِنْهَا إِلَى المَدِينَةِ.
فيه: أن من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البر فله
أجره مرتين، والله يضاعف لمن يشاء، وإنما جاء النص في هؤلاء
الثلاثة ليستدل بذلك في سائر الناس وسائر الأعمال، نبه عليه
المهلب (٢).
قَالَ الداودي: في قوله: ((ومؤمن أهل الكتاب)) يعني من بعث رسول
الله وَّ وهو على دين عيسى، وأما اليهود وغيرهم ممن كان على غير
الإسلام فإنما وضع عليه ما كان عليه من كفر، ويؤتى ثواب ما كان
(١) سلف برقم (٢٥٤٧) باب: العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده.
(٢) سلف برقم (١٤٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، ورواه
مسلم برقم (١٢٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده.

١٧٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
-
يفعله لله في حال كفره. قَالَ رَله لحكيم: ((أسلمت على ما سلف من
خیر))(١).
وتعقبه ابن التين فقال: هذا الذي ذكره إنما يصح لو كان عيسى
أرسل إلى سائر الأمم، لكن من كذب به كان كافرًا، فإن لم يكن
أحد يكذب به أو لم يعلم برسالته وبقي على دينه يهوديًّا أو غيره فله
أجران إذا أسلم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا
صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٤].
وقال ابن (المنير)(٢): إن قلتَ: مؤمن من أهل الكتاب لابد أن
يكون مؤمنًا بنبينا للعهد المتقدم والميثاق، فإذا بعث ورَله فإيمانه الأول
يستمر، فكيف يتعدد حَتَّى يتعدد أجره؟ وجوابه بأن إيمانه الأول بأن
الموصوف كذا رسول، وثانيًا: أن محمدًا وَلّ هذا الموصوف وهما
معلومان متباينان (٣)، وقد أسلفنا باقي الخصال في العتق، وقد أعتق
الشارع صفية وتزوجها، وأدى كتابة جويرية وتزوجها، وستكون لنا
عودة (إليه)(٤) في النكاح إن شاء الله(٥).
(١) نقله ابن بطال في ((شرحه)) ١٦٨/٥، والحديث سلف برقم (١٤٣٦).
(٢)
في (ص١): التين.
((المتواري)» ص١٦٨.
(٣)
(٤)
من (ص١).
(٥) سيأتي برقم (٥٠٨٣) باب: أتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها.

١٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٤٦- باب أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ الوِلْدَانُ وَالذَّرَارِيُّ
﴿بَيَنًا﴾ [الأعراف: ٤، ٩٧، يونس: ٥٠]: لَيْلًا. ﴿لَتُبِسْتَنَّهُ﴾
[النمل: ٤٩] (لَيْلًا: يُبَيِّتُ لَيْلًا)(١).
٣٠١٢- حَدَّثَنَا عَلَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّغْبِ بْنِ جَثَّمَةَ ﴿ قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ◌َِّ بِالأَبَوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ-
وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قَالَ: ((هُمْ
مِنْهُمْ)). وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا حِمَى إِلَّ الله وَلِرَسُولِهِ مَِّ)). [انظر: ١٨٢٥ - مسلم: ١١٩٣،
١٧٤٥ - فتح ٦ / ١٤٦].
٣٠١٣- وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: حَدَّثَنَا الصَّعْبُ في
الذَّرَارِيِّ كَانَ عَمْرٌو يُحَدِّثْنَا، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ. فَسَمِعْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّغْبِ قَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)). وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ
عَمْرٌو: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ)). [انظر: ٢٣٧٠ - فتح ٦ /١٤٦].
ذكر فيه حديث الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ
بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَسُئلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ
يُبَيَّتُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، قَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)).
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا حِمَى إِلَّ الله وَلِرَسُولِهِ)).
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قال: ثَنَا الصَّعْبُ
فِي الذَّرَارِيِّ كَانَ عَمْرٌو يُحَدِّثْنَا، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الَِّّ وَّهِ. فَسَمِعْنَاهُ
مِنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ قَالَ:
(هُمْ مِنْهُمْ)). وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عَمْرٌو: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ)).
(١) كذا في الأصل وعليها: كذ- إلى.