Indexed OCR Text

Pages 1-20

التَّوْضِ يُحُ
لِشِرْح
التَامِعِ الصَّمِيع
تَصْنيف
سِرَاجِلِّينِ أَبِي حَقْصٍ عُمَرَيْنِ عَلِيِّبْن أَحْدِ الأَنصَارِيِّ الشَّافِعِيِّ
المعروف بـ ابن المُلقّن
(٧٢٣ - ٨٠٤ هـ )
المُجَلَّدُ الثَّامِنَ عَشَرَ
تحقيق
دار الفلاح
لِلِبَحْثِ العِلمِّ وَتَحَقِيْق التّراث
بإشراف
جَمعَةُ فَتَخى
خَالِدُ الرَّحَاظ
تَقْدِيمُ
فَضِيلَةِ الأسْتَاذ الدكتور
أحمد عبد عبد الكريم
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر
إصدارات
◌َزَارَةُ الأَوْافِ الشّؤُورَالِسْلامِيّة
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ-دَوْلةِقَطَرْ

13

التَّوْضِ يَحُ

حُقُوق الطَّبْع مَحَفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطبعة الأولى ، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
قامت بعمليات الاخراج الفني والطباعة
دَارُ التَّوَازِ
نُورُ الدُّنُظَالِبْ
لصاحبها ومديرها العام
سوريا - دمَشق - ص. ب : ٣٤٣٠٦
لبْنان - بَيروت - ص. ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

*
+
فريق العمل في تحقيق واخراج
كِتَابُ التوضيح
دارالفلاح
الفَيُّوم
بإشراف
مجمعَة فتحى عبد الحليم
خالد محمود الربَّاط
+
+
+
٠
+
+
+
ـب
التّحْقيق وَالمقابلة والتّعليق
وائل امام عبد الفتاح أحمَد فوزى إبراهيم
خالد مصطفى توفيق
حِمام كمال توفيق
عبد اللَّه أحمَدُ فؤاد
عصام حمدي محمد
ربيع محمّد عوض اللَّه أحمَدْروبي عبدالعظيمْ
حَانِى رمضانْ هاشم
أحمد عويسْ جنيد
محمد زكريا يوسف - سَامح محمّد عَبْد - سَعِيدُ عزّتْ عَبْد
عادل أحمد محمود طّ مصطفى أمين عماد مصطفى أمين
محمّعبدالضَّاحِ عَليْ محمد أحمد عبد التَّابْ مصطفى عبدالحميدالصلابي
+
+
+
+
٠
+
+
٠

باقي
كِتَاب الهَادِ وَالتَّيم
+
+
+
aixizzie

.

٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٩٦- باب قِتَالِ الذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشّعَرَ
٢٩٢٩ - حَذَّثَنَا عَلَيّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ
اُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا
نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ
المُطْرَقَةُ)). قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: ((صِغَارَ
الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ)). [انظر: ٢٩٢٨ - مسلم:
٢٩١٢ - فتح ١٠٤/٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا
قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ
المَجَانُّ المُطْرَقَةُ)). قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: ((صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ
المُطْرَقَةُ)).
الشرح :
هذا التعليق أسنده البخاري في علامات النبوة (١)، وفي لفظ: ((حَتَّى
تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم)) الحديث(٢). وعند الإسماعيلي قَالَ
محمد بن عباد: بلغني أن أصحاب بابل كانت نعالهم الشعر.
وعند البكري في ((أخبار الترك)): ((كأن أعينهم حدق الجراد يتخذون
الدرق حَتَّى يربطوا خيولهم بالجبل)) وفي لفظ: ((حَتَّى (يقاتل
المسلمون)(٣) الترك يلبسون الشعر)) ولابن ماجه من حديث أبي سعيد
(١) سيأتي برقم (٣٥٨٧) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٩٠).
(٣) في (ص١): تقاتلوا المسلمين.
:

١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الخدري يرفعه: ((لا تقوم الساعة حَتَّى تقاتلوا قومًا صغار الأعين عراض
الوجوه كأن أعينهم حدق الجراد كأن وجوههم المجان المطرقة ينتعلون
الشعر (ويتخذون)(١) الدرق ويربطون خيولهم بالنخيل)) (٢). ولأبي داود
من حديث بريدة بإسناد جيد: ((يقاتلكم قوم صغار الأعين - يعني:
الترك- تسوقونهم ثلاث مرار حَتَّى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في
السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، والثانية فينجو بعض ويهلك
بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون))(٣). وللبيهقي: ((إن أمتي يسوقها قوم
عراض الوجوه كأن وجوههم الحجف ثلاث مرار، حَتَّى يلحقوهم
بجزيرة العرب)) قالوا: يا نبي الله، من هم؟ قَالَ: ((الترك، والذي
نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين)).
ولأبي داود الطيالسي عن حشرج بن نباتة، ثَنَا سعيد بن جمهان،
عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قَالَ رسول الله وَّه: (لينزلن
طائفة من أمتي أرضًا يقال لها البصرة، فيجيء بنو قنطوراء، عراض
الوجوه صغار الأعين، حَتَّى تنزلوا على جسر لهم)) الحديث(٤)، وذكر
البكري من حديث سليمان بن الربيع العدوي، عن عبد الله بن عمرو
قال: ((يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يسوقوا أهل خراسان وأهل
سجستان سوقًا عنيفًا .. )) الحديث بطوله. قَالَ: فقدمنا على عمر بن
الخطاب فحَدثنَاه بما سمعنا من ابن عمرو، فقال ابن عمرو أعلم
بما يقول.
(١) في (ص١): يتحدثون.
(٢) ابن ماجه (٤٠٩٩).
(٣) أبو داود (٤٣٠٥).
(٤) ((مسند الطيالسي)) ٢٠٠/٢ (٩١١).

١١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
إذا تقرر ذَلِكَ فأشراط الساعة: علاماتها، واحدها: شرط.
و(المجان): الترس. وعبارة صاحب ((المطالع)): الترسة، واحدها :
مجن، سميت بذلك لأنها تستر صاحبها، وهي بفتح الميم وتشديد النون
جمع مجن بكسر الميم.
و(المطرقة) بإسكان الطاء المهملة وتخفيف الراء، وصوب بعضهم
تشديد الراء، حكاه في ((المطالع)) عن بعضهم، وهي الترسة التي ألبست
الأطرقة من الجلود وهي الأغشية منها، شبه عرض وجوههم وصلابتها
وظهور وجناتهم بها. وقال الهروي: المطرقة: التي أطرقت بالعقب. أي:
ألبست به. يقال: طارق النعل: إذا صير خصفًا على خصف. أي: ركب
بعض على بعض، وقيل: هو أن (يقور جلده)(١) بمقداره ويلصق به كأنه
ترس على ترس، حكاه في ((المطالع)).
و(((ذلف)) ) بذال معجمة مضمومة أي: قصار، وهو الفطس وتأخر
الأرنبة. وعبارة الخطابي: قصر الأنف وانبطاحه (٢). وقيل: غلظ واستواء
الأرنبة. وقيل: تطامن فيها ورواه بعضهم بالدال المهملة، قَالَ صاحب
((المطالع)): وقيدناه عن التميمي بالوجهين، والمعجمة أكثر. وقال ابن
التين: ذلف الأنوف: صغارها. وقيل: تشميرة عن الشفة إلى أصله،
يقال منه: رجل أذلف وامرأة ذلفاء والعرب تقول أملح النساء الذلف.
وقال ابن فارس: الذلف: الاستواء في طرف الأنف، ليس بحد
غليظ (٣). وقال في ((المخصص)): ويعتري الملاحة (٤).
(١) كذا في الأصل.
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٤٠٥/٢.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٣٦٠/١. مادة: (ذلف).
(٤) ((المخصص)) ١١٧/١.

١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والأنوف: جمع أنف، مثل فلس وفلوس، ورواه القزاز: الآنف
وقال: مثل بحر وأبحر. في ((المخصص)): هو جمع المنخر، وسمي
أنفًا لتقدمه(١)، وجمع الأنف: آنف وآنّاف.
فائدة :
روى الترمذي من حديث الصديق: ((إن الدجال يخرج من أرض
بالمشرق يقال لها: خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم (المجان)(٢)
المطرقة))، ثم قَالَ: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي التياح (٣).
أخرى :
قَالَ الخطابي: بنو قنطوراء هم الترك يقال: إن قنطوراء أسم جارية
كانت لإبراهيم ولدت أولادًا جاء من نسلهم الترك (٤). وقال كراع: الترك
هم الذين يقال لهم الديلم.
وقال ابن عبد البر في كتاب ((القصد والأمم): الترك فيما ذكروا هم
ولد يافث، وهم أجناس كثيرة، ومنهم أصحاب مدن وحصون، ومنهم
قوم في رءوس الجبال والبراري، ليس لهم عمل غير الصيد، ومن لم
يصد فَصَدَ ودچ دابته وشوی الدم في مصران يأكله، وهم يأكلون
الرخم والغربان، وليس لهم دين، ومنهم من يدين بالمجوسية وهم
الأكثرون، ومنهم من تهود، وملكهم يلبس الحرير وتاج الذهب
ويحتجب كثيرًا، وفيهم سحر وقال وهب بن منبه: هم بنو عم يأجوج
ومأجوج، وقد قيل: إن أصل الترك أو بعضهم من حمير، وقيل: إنهم
(١) ((المخصص)) ١١٩/١.
(٢) من (ص١).
(٣) الترمذي (٢٢٣٧).
(٤) ((معالم السنن)) ٤ / ٣٢٠.

١٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
بقايا قوم تبع ومن هناك، كانوا يسمون أولادهم بأسماء العرب العاربة،
فهؤلاء ومن كان مثلهم يزعمون أنهم من العرب، وألسنتهم أعجمية،
وبلدانهم غير عربية دخلوا في بلاد العجم واستعجموا.
وقال ابن أبي الدمنة الهمداني في ((إكليله)): أكثرهم يقول: الترك من
ولد أفريدون بن سام بن نوح، وسموا تركًا لأن عبد شمس بن يشجب لما
وطئ أرض بابل أتى بقوم من أجابرة ولد يافث فاستنكر خلقهم ولم يحب
أن يدخل في سبي بابل فقال: أتركوهم، فسموا الترك.
وقال صاعد في ((طبقاته)): الترك أمة كثيرة العدد فخمة المملكة،
ومساكنهم ما بين مشارق خراسان من مملكة الإسلام وبين مغارب
الصين وشمال الهند إلى أقصى المعمور في الشمال، وفضيلتهم التي
برعوا فيها وأحرزوا خصالها الحروب ومعالجة آلاتها. قَالَ المسعودي
في ((مروجه)): في الترك استرخاء في المفاصل واعوجاج في سيقانهم،
ولينٌ في عظامهم، حَتَّى أن أحدهم ليرمي بالنشاب من خلفه كرميه من
قدام، فيصير قفاه كوجهه ووجهه قفاه، ومطاوعات فقار ظهورهم
وحمرة وجوههم عند تكامل الحرارة في الوجوه على الأغلب من
لونها وارتفاعها لغلبة البرد على أجسامهم.
وفي الحديث: علامة للنبوة وأنه سيبلغ ملك أمته غاية المشارق التي
فيها هؤلاء القوم على ما ذكر في غير هذا الحديث، وكذلك خلقة
وجوههم بالعيان عريضة وسائر ما وصفهم به وَلّ كما وصفهم.
وفيه: التشبيه للشيء بغيره إذا كان فيه شبه منه من جهة ما، وإن
خالفه في غير ذلك.

١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فائدة :
في كتاب ((الفتن)) لنعيم بن حماد: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن ابن
عياش، أخبرني من سمع مكحولًا، عن رسول الله وَ لِّ أنه قَالَ: ((للترك
خرجتان: خرجة منها خراب (أذربيجان)(١)، وخرجة يخرجون في
الجزيرة يحتقبون ذوات الحجال، فينصر الله المسلمين، فيقع فيهم ذبح
الله الأعظم لا يترك بعدها))(٢). وفي لفظ آخر: ((آخر الخرجتين
يخربون أذربيجان، والثانية يشرعون منها على ثني الفرات، فيرسل الله
على جيشهم الموت يفني دوابهم فيرجلهم، فيكون ذبح الله
الأعظم))(٣). ثم روى ابن عياش بإسناده إلى عبد الله بن عمرو: يوشك
بنو قنطوراء يسوقون أهل خراسان وأهل سجستان سوقًا عنيفًا حَتَّى
يربطوا دوابهم بنخل الأبلة فيبعثون إلى أهل البصرة: أن خلوا لنا
أرضكم أو ننزل بكم. فيتفرقون على ثلاث فرق: فرقة تلحق بالعرب،
وفرقة بالشام، وفرقة (تعددها)(٤)، وأمارة ذَلِكَ إذا طبقت الأرض
إمارة السفهاء(٥). وفي لفظ: الملاحم ثلاث مضت ثنتان وبقيت واحدة
وهي ملحمة الترك بالجزيرة (٦)، وسيأتي له تتمة في باب: علامات النبوة.
(١) في الأصل: (أدرمهدب)، وفوقها (كذا)، والمثبت من كتاب ((الفتن)).
(٢) ((الفتن)) ٦٧٧/٢ (١٩٠٥).
(٣) ((الفتن)) ٢٢١/١ (٦١٦)، ٢/ ٦٨٣ (١٩٢٥)، (١٩٢٧) عن مكحول مرفوعًا.
(٤)
كذا بالأصل، وفي ((الفتن)) (بعدوُّها).
(٥) ((الفتن)) ٦٧٧/٢ (١٩٠٦).
(٦) ((الفتن)) ٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣ (١٩٢٤) عن عبد الله بن عمرو موقوفًا.

١٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٩٧- باب مَنْ صَفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الهَزِيمَةِ
وَنَزَلَ عَنْ دَابَتِهِ، وَاسْتَنْصَرَ
٢٩٣٠- حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدِ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ
البَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكُنْتُمْ فَرَزْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ: لَا، والله مَا وَلَّى رَسُولُ
اللهِ وَّةَ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ بِسِلَاحِ، فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً
جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًّا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ،
فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ
الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَِّبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثُمَّ قَالَ:
((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ))
ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ. [انظر: ٢٨٦٤ - مسلم: ١٧٧٦ - فتح ٦ /١٠٥]
ذكر فيه حديث البراء السابق في باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
وموضع الترجمة منه قوله: (وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه
أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به. فنزل واستنصر)
ونزوله عنها إنما كان ليثبت الرجالة الباقين معه وليتأسوا به في استواء
الحال، فكذلك يجب على كل إمام إذا ولى أصحابه وبقي في قُل (١)
منهم إن أخذ على نفسه بالشدة أن يفعل ما فعله سيدنا رسول الله من
النزول، وإن لم يكن له منة (٢) بأخذ الشدة، فليكن انهزامه بتحيز فئة
مع فئة من قومه إلى فئة أخرى تروم تثبتهم.
وهذا الحديث يبين أن المنهزمين يوم حنين لم يكونوا جميع
الصحابة، وأن بعضهم بقي مع رسول الله وَ ل غير منهزمين.
(١) القُلُّ بضم القاف: القليل، قاله في ((القاموس)) ص١٠٤٩ مادة: (قلل).
(٢) ذكر في الهامش: المنة بضم الميم وتشديد النون: القوة

١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: البيان عما خص به نبينا من الشجاعة والنجدة، وذلك أن
أصحابه أنفتلوا فانهزموا من عدوهم حَتَّى ولوا عنهم مدبرين، كما
وصفهم الله في كتابه: ﴿ثُمَّ وَلَيْتُمْ مُدْبِينَ﴾ [التوبة: ٢٩] فكان
أصحابه وهم زهاء عشرة آلاف أو أكثر مدبرين أنهزامًا من المشركين،
وهو ◌َّ في نفر من أهله قليلين متقدم للقاء العدو وقتالهم، جاد في
المضي نحوهم غير مستأخر ولا مدبر، والعدو من العدد في مثل
السيل والليل.
وأما أنهزام من أنهزم، وهو كبيرة، فقد أسلفنا الجواب عنه وأن
المكروه هو الانهزام على نية ترك العود للقتال عند وجدان القوة، أما
للكر والتحيز إلى فئة فلا، يدل عليه أن الله تعالى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمَّ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦]،
فلو كان على غير ذَلِكَ لكانوا استحقوا وعيده، وقد روى داود عن أبي
نضرة عن أبي سعيد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾
[الأنفال: ١٦] قَالَ: كان ذَلِكَ يوم بدر ولم يكن لهم يومئذ أن
يتجاوزوا الانحياز إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم على وجه
الأرض غيرهم. وقال الضحاك: إنما كان الفرار يوم بدر ولم يكن لهم
ملجأ يلجئون إليه، وأما اليوم فليسَ فرار(١). وقال ابن أبي نجيح عن
مجاهد: قَالَ عمر بالمدينة: وأنا فئة كل مسلم (٢). وسئل الحسن
البصري عن الفرار من الزحف، فقال: والله لو أن أهل سمرقند
أنحازوا إلينا لكنا فئتهم.
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٢٠٠/٦.
-
(٢) رواه الطبري ٢٠١/٦ (١٥٨٢٨).

١٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
خاتمة: قول البراء: (ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرًا).
أخفاؤهم: جمع خف يقَالَ: رجل خف، أي: خفيف، يُريد من لا سلاح
معه يثقله وأداة الحرب ثقيلة، والحسر: جمع حاسر، وهو من لا سلاح
معه، وقيل: هو من لا درع له، أو لا مغفر على رأسه. وقال ابن فارس:
هو من لادرع معه ولا مغفر (١).
وقوله: (فرشقوهم رشقًا). الرشق: الرمي، والرشق: الوجه من
الرمي، وقال الداودي: معناه يرمي منهم الجميع سهامهم بمرة.
ومعنى (استنصر): دعا الله بالنصرة.
(١) ((مجمل اللغة)) ٢٣٤/١ مادة: (حسر).

١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٩٨- باب الدُّعَاءِ عَلَى المُشْرِكِينَ
بِالْهَزِيمَةِ وَالزَّلْزَلَةِ
٢٩٣١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ
عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ◌َّهُ قَالَ: لَا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ مَّهِ: ((مَلأَّ اللهُ بُيُوتَهُمْ
وَقُبُورَهُمْ نَارًا، شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ)). [٤١١١،
٤٥٣٣، ٦٣٩٦ - مسلم: ٦٢٧ - فتح ٦ /١٠٥]
٢٩٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ عَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه يَدْعُو فِي القُنُوتِ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَام،
اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِيَ رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنَّجِ
المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ أَشْدَدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ
كَسِنِي يُوسُف)). [انظر: ٨٠٤ - مسلم: ٦٧٥ - فتح ٦ /١٠٥]
٢٩٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدِ أَنَّهُ
سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ يَوْمَ الأَخْزَابِ
عَلَى المُشْرِكِينَ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ سَرِيعَ الحِسَابِ، اللَّهُمَّ أَهْزِم
الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ أَهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلَهُمْ)). [٢٨١٨، ٢٩٦٥، ٣٠٢٥، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٤٨٩-
مسلم: ١٧٤٢ - فتح ١٠٦/٦]
٢٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ تُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُّصَلِّي فِي ظِلِّ
الكَغْبَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَنَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنُحِرَتْ جَزُورٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ، فَأَرْسَلُوا
فَجَاءُوا مِنْ سَلَاهَا وَطَرَحُوهُ عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ
بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)). لأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامِ،
وَعُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُثْبَةَ، وَأَبيَّ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي
مُعَيْطِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ فِي قَلِیبِ بَدْرٍ قَتْلَى.

١٩
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أُمَيَّةُ
بْنُ خَلَفٍ. وَقَالَ شُغْبَةُ: أُمَيَّةُ أَوْ أُبِيُّ. وَالصَّحِيحُ: أُمَيَّةُ. [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح
١٠٦/٦]
٢٩٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةً،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ الَّهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ◌َّ. فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ.
فَلَعَنْتُهُمْ. فَقَالَ: ((مَا لَكِ؟)). قُلْتُ: أَوَلْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ:
وَعَلَيْكُمْ؟)). [انظر: ٦٠٢٤، ٦٠٣٠، ٦٢٥٦، ٦٣٩٥، ٦٤٠١، ٦٩٢٧ - مسلم: ٢١٦٥].
ذكر فيه خمسة أحاديث:
أحدها: حديث هشام عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ
الأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَلأَّ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، شَغَلُونَا عَنِ
الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ)).
ثانيها: حديث الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ يَدْعُو فِي
القُنُوتِ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَام - إلى أن قال: اللَّهُمَّ أَشْدُدْ وَطْأَتَكَ
عَلَى مُضَرَ .. )) الحديث.
ثالثها: حديث ابن أَبِي أَوْفَى: دَعَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى
المُشْرِكِينَ قال: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ سَرِيعَ الحِسَابِ، اللَّهُمَّ أَهْزِم
الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ أَهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ)).
رابعها: حديث عبد الله -وهو ابن مسعود- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ونَه
يُصَلِّي فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، الحديث، وفيه: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثلاثًا. ثم
ذكر الخلاف في أمية بن خلف أو أبي بن خلف قال: وَالصَّحِيحُ: أُمَيَّةُ.
خامسها: حديث عائشة: أَنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالُوا :
السَّامُ عَلَيْكَ. فَلَعَنْتُهُمْ. فَقَالَ: ((مَا لَكِ؟)). قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟
قَالَ: ((أَفَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ)).

٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
الشرح :
في حديث علي دلالة على أن الصلاة الوسطى هي العصر، وهو
الذي صحت به الأحاديث وإن نص الشافعي على أنها الصبح، وقد
جمعت فيها جزءًا مفردًا بذكر أقوال العلماء فيها. قَالَ المهلب: هي
الصبح على الحقيقة، والعصر بالتشبيه بها(١).
وهشام المذكور في إسناده قَالَ الأصيلي: وهو في ((سيرة هشام))،
وهو ابن حسان، وهو مطعون فيه. ثم قَالَ: وقال أبو الحسن: إسناد
هذا الحديث من أعجب الأسانيد عن علي. وقيل: إن هذا الحديث
كان قبل نزول صلاة الخوف.
وقال ابن بطال: هذا شغل لا يمكن ترك القتال له على حسب
الأستطاعة من الإيماء والإقبال والإدبار والمطاعنة والمسايفة، لكن
لهذا وجهان :
أحدهما: أن صلاة الخوف لم تكن نزلت بعد، وفي الآية بها إباحة
الصلاة على حسب القدرة والإمكان، وفي هذا الوقت لم يكن مباحًا لهم
إلا الإتيان بها على أكمل أوصافها، فلذلك شغلوا عنها بالقتال، فهذا
الشغل كان شديدًا عليهم حَتَّى لا يمكن أحدًا منهم أن يشتغل بغير
المدافعة والمقاتلة.
ثانيهما: أن يكونوا على غير وضوء، فلذلك لم يمكنهم ترك القتال
لطلب الماء وتناول الوضوء؛ لأن الله تعالى لا يقبل صلاة بغير طهور
ولا صلاة من أحدث حَتَّى يتوضأ.
(١) كما في ((شرح ابن بطال)) ١١١/٥.