Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٧٠ - باب الحِرَاسَةِ في الغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللهِ
٢٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيَّ بْنُ مُشهِرٍ، أَخْبَرَنَا نَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ:
كَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ قَالَ: ((لَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا
يَحْرُسُنِ اللَّيْلَةَ)). إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحِ، فَقَالَ: (مَنْ هذا؟)). فَقَالَ: أَنَّا سَعْدُ بْنُ
أَبِي وَقَّاصٍ، حِثْتُ لِأَخْرُسَكَ. وَنَامَ النَّبِيُّ ◌َِّ. [٧٢٣١ - مسلم: ٢٤١٠ - فتح: ٨١/٦]
٢٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَثُ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم
وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)). لَمْ يَزْفَعَةَ
إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ. [٢٨٨٧، ٦٤٣٥ - فتح: ٨١/٦]
٢٨٨٧ - وَزَادَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِيِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ قَالَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ
الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ
وَانْتَكَسََ، وَإِذَا شِيَكَ فَلَا أَنْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ،
أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ
فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ)). قَالَ
أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَزْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَقَالَ تَغْسًا. كَأَنَّهُ
يَقُولُ: فَأَتْعَسَهُمُ اللهُ. طُوبَى: فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ حُوَّلَتْ إِلَى الوَاوِ،
وَهْيَ مِنْ يَطِيبُ. [انظر: ٢٨٨٦ - فتح: ٦ /٨١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في حراسة سعد بن أبي وقاص لرسول الله وَالم
وحديث أبي بكر -يعني ابن عياش- عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّنَارِ وَالدِّرْهَم وَالْقَطِيفَةِ
وَالْخَمِّيْصَةِ، إِنْ أَعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)).

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وَزَادَ لنا عَمْرٌو أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ .. )) الحديث
أو قال: (تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا أَنْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانٍ
فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ
كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ
يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ
وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ.
الشرح :
قَالَ الإسماعيلي: تابع أبا بكر شريك وقيس.
وعمرو شيخ البخاري هو ابن مرزوق، وقد أسنده أبو نعيم من
حديث يوسف القاضي عنه به، وابن عساكر من حديث أبي (مسلم) (١)
عنه، ورواه ابن ماجه عن ابن كاسب، عن إسحاق بن إبراهيم بن
سعيد المدني، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن دينار(٢).
ورواه الإسماعيلي من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه به.
ثم الكلام من وجوه:
أحدها: (التَّعْسُ): الكَبُّ أي: عثر فسقط لوجهه، قَالَه ابن التين،
قَالَ: وضبط بكسر العين، وذكره بعض أهل اللغة بفتحها. وقال ابن
الأنباري، عن أبي العباس أحمد بن يحيى: التعس: الشر قَالَ
تعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٨] وقيل: هو البعد، وذكر ابن التياني،
(١) في (ص١): مسلمة.
(٢) ابن ماجه (٤١٣٦).

٥٨٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
عن قطرب فتح العين وكسرها: شقي. وعن علي بن حمزة: بالكسر
والفتح: هلك.
وفي ((البارع)): تعسه الله وأتعسه: نكسه. وقال شمر في ((التهذيب)):
لا أعرف تعسه الله، ولكن يقال: تعس (بنفسه)(١) وأتعسه الله، قَالَ:
وقال الفراء: يقال: تعست إذا خاطبت الرجل فإذا صرت إلى أن
تقول: فَعِل قلت: تعس بالكسر، وقال بعض الكلابيين: تعس هو أن
يخطئ حجته إن خاصم، وبغيته إن طلب، وقال الرُّسْتُمِيُّ: التَّعْس:
أن يخر على وجهه، والنكس: أن يخر على رأسه(٢).
وقَالَ الليث: التعس ألا ينتعش من عثرته وأن ينكس في سفال،
والتعس في اللغة: الانحطاط، ذكره الزجاج(٣)، (وقال صاحب
(المحكم)): هو السقوط على أي وجه كان)(٤)، وقال ابن السكيت:
هو أن يخر على وجهه، ومنه: نكست الشيء: نكبته على رأسه، قَالَ
ابن فارس: ويقال: تعسًا له ونكسًا، وقد يضم الثاني(٥).
ثانيها: معنى: ((تعس عبد الدينار والدرهم)): أي: إن طلب ذَلِكَ قد
استعبده وصار عمله كله في طلبها كالعبادة لهما.
وقوله: ( ((إن أعطي رضي)) ) أي: إن أعطي ما له عمل رضي عن
معطيه، وهو خالقه تعالى وإن لم يُعط سخط ما قدر له خالقه، ويسر له
من رزقه، فصح بهذا أنه عبد في طلب هذين، فوجب الدعاء عليه
(١) في (ص١): منه.
(٢) أنظر: ((تاج العروس)) مادة: (تعس).
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٤٣٩/١-٤٤٠.
(٤) من (ص١). وانظر: ((المحكم)) ٢٩٥/١.
(٥) ((مجمل اللغة)) ٨٨٤/٢.

٥٨٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
بالتعس؛ لأنه أوقف عمله على متاع الدنيا الفاني، وترك العمل لأجل
نعيم الآخرة الباقي، والتعس: أن لا ينتعش ولا يفيق من عثرته،
((وانتكس)) أي عاوده المرض كما بدأه، هذا قول الخليل(١).
قَالَ صاحب ((المطالع)): وذكره بعضهم بالشين المعجمة، وفسره
بالرجوع، وجعله دعاء له لا علیه.
وقوله: ( ((وإذا شيك))): أي: أصابته شوكة. وعن المروزي:
(شيب))، وهو خطأ قبيح، ومعنى الأول: إذا أصابته الشوكة في قدمه
فلا يقدر على إخراجها، يقال: أنتقش الرجل إذا سل الشوكة من قدمه
بالمنقاش. قال الخطابي: يقال: نقشت الشوك، إذا استخرجته، وبه
يسمى المنقاش(٢). وقال ابن التين: معناه عند الهروي: لا أخرجه من
الموضع الذي أدخله، وعند الخطابي: لا قدر على إخراجها
ولا استطاعه.
و( ((الخميصة)) ) كساء مربع له أعلام أو خطوط، قاله الخطابي،
وقال ابن فارس: كساء أسود معلم، فإن لم يكن معلمًا فليس
بخميصة(٣). زاد القزاز ويكون من خز أو صوف، قَالَ: ولذلك أمر
الشارع أن يذهب بها إلى أبي جهم، ويأتوا بأنبجانية، وقال الداودي:
هي كساء من صوف.
ثالثها: قوله: ( ((طوبى)) ) هي فعلى من الطيب، أصلها: ◌ُيْبَى،
قُلِبَت ياؤه واوًا لانضمام ما قبلها، وقيل: هي الشجرة التي في الجنة.
(١) ((العين)) ٣١٤/٥.
((أعلام الحديث)) ١٣٨٨/٢.
(٢)
(٣) ((مجمل اللغة)) ٣٠٣/١.

٥٨٥
=
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وقوله: ( ((إن كان في الحراسة))، ((وإن كان في الساقة)) ) يعني: أنه
خامل الذكر لا يقصد السمو فأي موضع أتفق له كان ممن لزم هذه
الطريقة، كان حريًّا إن أستأذن ألا يؤذن له، وإن شفع ألا يشفع.
رابعها: قوله: في حديث عائشة: ( ((ليت رجلاً صالحًا من أصحابي
يحرسني الليلة)) ).
إن قُلتَ: كيف طلب الحراسة مع توكله ويقينه بالقدر؟
قلتُ: له ثلاثة أجوبة نبه عليها ابن الجوزي(١):
أحدها: أنه سن هُذِه الأشياء لا لحاجته إليها، كما ظاهر بين درعين،
ويدل على غنائه أنهم كانوا إذا اشتد البأس قدموه واتقوا به العدو.
ثانيها: الثقة بالله لا تنافي العمل على الأسباب، بدليل ((اعقلها
وتوكل)) وهذا؛ لأن التوكل يخص القلب، والتعرض بالأسباب أفعال
تخص البدن فلا تناقض.
ثالثها: وساوس النفس وحديثها لا يدفع إلا بمراعاة الأسباب، ومنه
قول إبراهيم: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَبِنَ قَلْبِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] ومنه أن سليمان رئي
يحمل طعامًا ويقول: إن النفس إذا أحرزت قوتها أطمأنت.
وأجاب ابن بطال بأن قَالَ: في الحديث دليل أن ذَلِكَ كان قبل أن
[الحجر:
٩٥
تنزل آية العصمة، وقبل نزول: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
٩٥]؛ لأنه جاء في الحديث أنه لما نزلت هذه الآية ترك الاحتراس
بالليل(٢)؛ ولأن في حديث عائشة في بعض الروايات أن ذَلِكَ كان
عند أول قدومه المدينة.
(١) بنحوها في ((تلبيس إبليس)) ص٣٤٢.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٨٢/٥.

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
كان قبله، وزعم القرطبي
٩٥
قلت: نزول: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
أن آية العصمة ليس فيها ما يناقض الحراسة من الناس ولا ما يمنعه، كما
أن إخبار الله عن نصره وإظهار دينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال وإعداد
العدد والعدة والأخذ بالحزم والحذر، وسبب ذَلِكَ أن هذِه أخبار عن
عاقبة الحال ومآله، ولكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد
أو غير سبب، ووجدنا الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن،
وأخذ الحذر من الأعداء، والإعداد لهم، وقد عمل بذلك بَّ وأخذ
به فلا تعارض في ذلك(١).
خامسها: في فوائده:
فيه: كما قَالَ المهلب: التزام السلطان للحذر، والخوف على نفسه
حضرًا وسفرًا، ألا ترى فعله مع ما عرفه الله أنه يستكمل به دينه ويعلي به
كلمته، التزم الحذر خوف فتك الفاتك وأذى المؤذي بالعداوة في الدين
والحسد في الدنيا.
وفيه: أن على الناس أن يحرسوا سلطانهم ويحفوا به خشية الفتك
وانخرام الأمر.
وفيه: أن من شرع بشيء من الخير أن يسمى صالحًا لقوله: ((ليت
رجلًا صالحًا)) أي: يبعثه صلاحه على حراسة سلطانه فكيف بنبيه.
وفيه: أنه متى سمع الإنسان حس سلاح في الليل أن يقول: من
هذا، ويعلم أنه ساهر؛ لئلا يطمع فيه أهل الطلب للغرة والغفلة، فإذا
علموا أنه مستيقظ ردعهم بذلك.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٢٨٠.

٥٨٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وفيه: تأكيد الدعاء بقوله: ((وإذا شيك فلا أنتقش)) أي: إذا أصابته
شوكة فلا أخرجها بمنقاشها، فيمتنع السعي للدينار والدرهم.
وفيه: الحض على الجهاد حيث قَالَ: ((طوبى لعبد ممسك بعنان
فرسه .. )) إلى آخره، فجمع في هذا الذي مدح من العمل خير الدنيا
والآخرة لقوله: ((الخيل معقود في نواصيها الخير الأجر والمغنم))(١)،
ونعيم الآخرة لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١١].
وفيه: ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول، ولزوم
التواضع لله بأن يُجهل المؤمن في الدنيا ولا تعرف عينه، فيشار إليه
بالأصابع وبهذا أوصى ﴿ ابن عمر قَالَ له: ((يا عبد الله، كن في
الدنيا كأنك غريب))(٢)، والغريب مجهول العين غالبًا فلا يؤبه
لصلاحه فيلزم من أجله.
فائدة :
جاء في الحراسة عدة أحاديث:
أحدها: من حديث سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله
ـية
صَلَىاللّه
وسلم
يوم حنين فقال: ((من يحرسنا الليلة؟)) فقال ابن أبي مرثد الغنوي: أنا
يا رسول الله. أخرجه أبو داود (٣).
ثانيها: من حديث عثمان مرفوعًا: ((حَرَسُ ليلة في سبيل الله خير من
ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها)) رواه ابن ماجَهْ(٤).
(١) سلف برقم (٢٨٥٢) باب الجهاد ماض مع البر والفاجر.
(٢) سيأتي برقم (٦٤١٦) كتاب الرقاق، باب قول النبي ◌َّ: ((كن في الدنيا كأنك
غریب)».
(٣) أبو داود (٢٥٠١).
(٤) ابن ماجه (٢٧٦٦)، بنحوه، ورواه بلفظه لأحمد ٦١/١.

٥٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ثالثها: من حديث عقبة بن عامر: ((رحم الله حارس الحرس))(١).
رابعها: من حديث أنس: ((من حرس ليلة على ساحل البحر كان
أفضل من عبادة ألف سنة)) أخرجه ابن ماجَهْ أيضًا(٢).
خامسها: من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: ((من حرس من وراء
المسلمين متطوعًا لا تأخذه ناجزة سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة
القسم)) أخرجه أحمد(٣)، وللطبراني: ((بعث مع النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين)) (٤).
سادسها: من حديث يحيى بن صالح الوحاظي، ثنا جميع بن ثوب،
ثَنَا خالد بن معدان، عن أبي أمامة مرفوعًا: «لأن أحرس ثلاث ليال
مرابطًا من وراء بيضة المسلمين أحب إلي من أن تصيبني ليلة القدر
في مسجد المدينة، أو بيت المقدس))(٥)، رواه ابن عساكر ثم قَالَ:
حديث حسن، وعن قيس بن الحارث مثله. قَالَ الحاكم: (حديث)(٦)
غريب من حديث عمر بن عبد العزيز عن قيس، وهو صحابي معمِّر.
قلتُ: فهذا سابع.
ثامنها: من حديث أبي ريحانة: ((حرمت النار على عين سهرت في
سبيل الله)) رواه النسائي(٧).
(١) رواه ابن ماجه (٢٧٦٩).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٧٧٠)، بنحوه.
(٣) أحمد ٤٣٧/٣-٤٣٨، والطبراني -بلفظ أحمد - ١٨٥/٢٠ (٤٠٢، ٤٠٣).
(٤) ((المعجم الكبير)) ١٨٤/٢٠ (٣٩٩) بلفظ: ((من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم
القيامة مع النبيين .. )).
(٥) رواه البيهقي في ((الشعب)) ٤/ ٤٢- ٤٣ (٤٢٩٢)، عن الحاكم، عن أحمد بن
عبيد، عن إبراهيم بن الحسین، عن یحیی به.
(٦) من (ص١).
(٧) النسائي ٦/ ١٥.

٥٨٩
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
تاسعها: من حديث أبي هريرة: ((حرم الله عينًا سهرت في طاعة الله
على النار)) أخرجه في ((الخلعيات)) من حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي
هريرة(١)، ومن حديث بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده:
(ثلاثة لا ترى أعينهم النار يوم القيامة: عين حرست في سبيل الله))(٢)
الحديث أخرجه أيضًا، ولابن عساكر من حديث إسماعيل بن عياش،
عن ثعلبة بن مسلم، عن أبي عمران الأنصاري: ((ثلاث أعين
لا تحرقهم النار))، فذكر مثله، وللترمذي من حديث عطاء الخراساني
عن (ابن أبي رباح)(٣) عن ابن عباس: ((حرم على عينين أن تنالهما
النار: عين باتت تحرس في سبيل الله)) الحديث(٤)، ولعبد بن حميد
في (مسنده)) من حديث أبي عبد الرحمن عن أبي هريرة مثله(٥)،
ولابن عساكر من حديث الفضل بن عباس وعطية عن أبي سعيد
الخدري وابن عمر نحوه.
(١) رواه البيهقي في ((الشعب)) ٤٨٨/١-٤٨٩ (٧٩٧)، من طريق موسى بن كثير
والثوري وعباد بن کثیر؛ عن سهيل، به.
(٢) رواه الطبراني ٤١٦/١٩ (١٠٠٣)، من طريق أبي حبيب القنوي، عن بهز، به.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: هو عطاء.
(٤) الترمذي (١٦٣٩)، بلفظ: ((عينان لا تمسهما النار .. )) وقال: حديث حسن غريب.
(٥) ((المنتخب)) ٢٠٨/٣ (١٤٤٥).

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
٧١ - باب فَضْلِ الخِدْمَةِ في الغَزْوِ
٢٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ
البُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ظُ قَالَ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي. وَهْوَ
أَكْبَرُ مِنْ أَنَسِ، قَالَ جَرِيرٌ: إِّ رَأَيْتُ الأَنَّصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّ
أَكْرَمْتُهُ. [مسلم: ٢٥١٣ - فتح: ٦ /٨٣]
٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي
عَمْرٍو - مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ - أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّسَ بْنَ مَالِكِ تُهُ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَلَّ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: ((هذا
جَبَلٌ يُحِبَُّ وَنُحِبُّهُ)). ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ
لَابَتَيْهَا كَتَحْرِيم إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِلْك لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا)). [انظر: ٣٧١ -
مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٧٣/٦]
٢٨٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا
عَاصِمٌ، عَنْ مُوَرِّقِ العِجْلِيُّ، عَنْ أَنَسِ عَّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ، أَكْثَرْنَا ظِلّ الذِي
يَسْتَظِلَّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الذِينَ أَقْطَرُوا فَبَعَثُوا
الرَّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَّجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ)).
[مسلم: ١١١٩ - فتح: ٨٤/٦]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: صَحِبْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَكَانَ يَخْدُمُنِي. وَهْوَ
أَكْبَرُ مِنْ أَنَسِ، قَالَ جَرِيْرٌ: إِنِّي رَأَيْتُ الأَنْصَارَ يَصْنَعُونَ شَيْئًا لَا أَجِدُ أَحَدًا
مِنْهُمْ إِلَّا أَكْرَمْتُهُ.
وحديثه أيضًا: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ
النَّبِيُّ نَّهِ رَاجِعًا وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: ((هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ
إِلَى المَدِينَةِ فقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَيْهَا كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةً،
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا)).

٥٩١
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وحديثه أيضًا قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَهِ، (أَكْثَرُنَا)(١) ظِلَّا الذِي يَسْتَظِلُّ
بِكِسَائِهِ، وَأَمَّ الذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الذِينَ أَقْطَرُوا فَبَعَثُوا
الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ
بِالأَجْر».
الشرح :
معنى: (بدا له أحد): ظهر.
ومعنى: ( ((يحبنا ونحبه)) ) حقيقةً لأن الجماداتِ تعقل في بعض
الأحيان قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] أو يحبنا
أهله وَهُمْ سُكَّانُ المدينة، يريد: الثناء على الأنصار كقوله تعالى:
﴿وَسْئَلِ اٌلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقوله: ( ((لابتيها))) يريد الحرتين، واحدهما: لابة، ويجمع على
لوب ويجمع لابات ما بين الثلاث إلى العشر، فإذا كثرت جمعت على
اللاب واللوب، قَالَ الأصمعي: اللابة الأرض ذات الحجارة التي قد
ألبستها حجارة سود، وأصله أن المدينة ما بين لابتين، فحرّم رسول
الله لَّه ما بين لابتيها يقال: ما بين لابتيها أجهل من فلان، يراد:
ما بين طرفيها.
وقوله: ( ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا)) ) أي الطعام الذي يُكال
بهما.
وقوله: (أكثرنا)(٢) ظلًّا من يستظل بكسائه): يريد: لم يكن لهم
أخبية، وذلك لما كانوا عليه من القلة.
(١) في الأصل: أكثر، والمثبت من ((الصحيح)).
(٢) في الأصل: أكثر.

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام إذا كان
(المفطر)(١) أقوى على الجهاد وطلب العلم وسائر الأعمال الفاضلة
من معاونة ضعيف وحمل ما بالمسلمين إلى حمله حاجة.
وفيه: أن التعاون في الجهاد والتفاوض في الخدمة من حل وترحال
واجب على جميع المجاهدين.
وفيه: جواز خدمة الكبير للصغير إذا راعى له شرفًا في قومه أو في
نفسه أو نجابة في علم أو دين أو شبهه، وأما في الغزو فالخادم
المحتسب أفضل أجرًا من المخدوم الحسيب.
(١) في (ص١): المفطرون.

٥٩٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٧٢ - باب فَضْلٍ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ
٢٨٩١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ عُ، عَنِ النَّبِيِّ نَ قَالَ: ((كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ
الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطََّةُ،
وَكُلَّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلَّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)). [انظر: ٢٧٠٧ -
مسلم: ١٠٠٩ - فتح: ٨٥/٦]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ
صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَتِهِ يُحَامِله عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ
صَدَقَةٌ، وَالْكَلِّمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ
الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
الشرح:
يريد بالسلامى كل عظم في البدن، وقال الداودي: هي المفاصل
قَالَ: وأكثر ما يقال ذَلِكَ في صغارها، كعظام الكفين والقدمين،
وأصل السلامى عظم فِرْسن البعير.
وعبارة صاحب ((العين)): السُّلامَى: عِظامُ الأصابع والأكارع(١).
قلتُ: وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا كما ثبت في ((صحيح مسلم)) :
((فمن كبر الله وحمده وهلله في يوم عددها أمسى وقد زحزح نفسه عن
النار))(٢)، كما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي
كثير، عن رجل ذكره عن عائشة مرفوعًا به(٣).
(١) ((العين)) ٢٦٥/٧.
(٢) مسلم (١٠٠٧) كتاب الزكاة، باب بيان أن أسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.
(٣) ((جامع معمر)) برواية عبدالرزاق ٣٧/١١

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
و( ((يحامله عليها)) ) يعينه في الحمل فيحملا بينهما.
و( ((ويرفع))) معناه يحمل ويرفعه، ومنه الحديث أنه وَّهِ مرَّ بقوم
(يربعون)(١) حجرًا؛ فقالوا: هذا حجر الأشد(٢). أي: يرفعون حجرًا
يتداولون حمله بينهم يمتحنون به الشدة والقوة. كذا قاله الخطابي (٣)،
والذي في الأصول ما أوردناه: ((أو يرفع له عليها متاعه)).
و(الخطوة) قَالَ ابن فارس: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً أي: مرة،
والخطوة ما بين الرجلين(٤). وقال في ((أدب الكاتب)): خَطَوْتُ خُطْوَةً
وخَطْوَةً(٥)، وسلف. قَالَ ابن التين: وضبطه (في)(٦) البخاري بالضم.
وقوله: (ودل الطريق) أي: الدلالة عليه، وهذا الحديث فيه الحضُّ
والنَّدْبُ على الصدقة كما أمر الله تعالى المؤمنين بالتعاون والتناصر في
قوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ﴾ [المائدة: ٢] وقال عليه أفضل الصلاة
والسلام: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا))(٧)، ((والله في عون
العبد مادام العبد في عون أخيه))(٨)؛ فهُذِه كلها وما شاكلها من حقوق
المسلمین بعضهم على بعض مندوب إليها.
(١) في الأصل: يرفعون، والمثبت من ((الشعب))، وهو الموافق لمقتضى السياق.
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) ٣٠٦/٦ (٨٢٧٤)، من حديث عبدالرحمن بن عجلان.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١٣٩٢/٢-١٣٩٣.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢٩٥/١.
(٥) ((أدب الكاتب)) ص ٤٣٤.
(٦) من (ص١).
(٧) سلف برقم (٤٨١) كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد ..
(٨) رواه مسلم (٢٦٩٩) كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن.

٥٩٥
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
والمراد بهذا الحديث أن الحامل في السفر لمتاع غيره إنما معناه أن
الدابة للمعان فيؤجر الرجل على عونه لصاحبها في ركوبها، أو في رفع
متاعه عليها، وقد جاء هذا الحديث بينًا بهذا المعنى بعد هذا، وترجم له
باب من أخذ بالركاب ونحوه، وذكر فيه حديث الباب وقال هنا: («فيعين
الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة» فدل قوله: من
أخذ بالركاب ونحوه أنه أراد لدابة غيره، وإذا أجر من فعل (هذا)(١) في
دابة غيره فأجره إذا حمل على دابة نفسه أكثر، (والله أعلم بالصواب)(٢).
(١) في (ص١): ذلك.
(٢) من (ص١).

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٧٣ - باب فَضْلٍ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾
الآيَةِ [آل عمران: ٢٠٠].
٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ
اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ ◌َّهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّ قَالَ:
((رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ
الجَنَّةِ خَيَّرَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ
الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)). [انظر: ٢٧٩٤ - مسلم: ١٨٨١ - فتح: ٨٥/٦]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَةِ قَالَ:
((رِبَاطُ يَوْم فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا (عَلَيْهَا)(١)، وَمَوْضِعُ سَوْطِ
أَحَدِكُمْ مِنَّ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، (وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا العَبْدُ فِي
سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)(٢)).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بدون الزيادة الأخيرة، وفي الآية
أقوال :
أحدها: عن الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك: أَصبروا على
طاعة الله وصابروا أعداءه ورابطوا في سبيله(٣).
ثانيها: عن محمد بن كعب القرظي: أصبروا على دينكم،
وصابروا (وعدي)(٤)، ورابطوا أعداءكم واتقوا الله فيما يبني وبينكم
(١) في الأصل: فيها.
(٢) من (ص١).
(٣) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٣/ ٥٦١-٥٦٢.
(٤) في الأصل: عدوي، وفي هامشه ما نصه: (في الأصل وعدي).
[قلت: ما في الأصل هو الصواب، وهو الموافق لمصدر التخريج].

٥٩٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني(١).
ثالثها: عن زيد بن أسلم: أصبروا على الجهاد وصابروا العدو
ورابطوا الخيل عليه(٢).
رابعها: رابطوا: انتظروا الصلاة بعد الصلاة في المساجد؛ لأنه لم
يكن حينئذ رباط ولا فتحت البلدان التي يكون فيها الرباط(٣).
خامسها: أَصبروا على المصائب وصابروا الصلوات الخمس
ورابطوا أعداء الله وروي عن الحسن (٤).
والرباط ضربان: المقام بالثغر وهو غير الوطن فإن كان وطنه فليس
برباط، قاله مالك فيما نقله ابن حبيب(٥)، والأصل فيه الآية المذكورة
وحديث الباب: ((رباط يوم .. )) إلى آخره.
و﴿رَّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾: أصله من الربط بالحبل والمِقْوَد، فمعنى ربطها
في سبيل الله: اتخاذها لهذا، قَالَ تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
قَالَ ابن قتيبة: أصل الرباط والمرابطة أن يربط هؤلاء خيولهم
وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يُعد لصاحبه (٦)، وإنما صار رباط يوم
في سبيل الله خيرًا من الدنيا وما فيها، لأنه عمل يؤدي إلى الجنة،
(١) رواه الطبري في «تفسيره)) ٥٦٢/٣ (٨٣٩١)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٣/
٨٤٧-٨٤٨، ٨٥١ (٤٦٨٩، ٤٦٩٤، ٤٧١١).
(٢) رواه الطبري في ((تفسيره)) ٥٦٢/٣ (٨٣٩٢).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره)) ٥٦٢/٣ (٨٣٩٤)، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٨٤٨/٣؛ مختصرًا.
(٥) انظر: ((المنتقى)) ١٦١/٣.
(٦) كما في ((القرطين)) ١٠٩/١.

٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وصار موضع سوط في الجنة خيرًا من الدنيا وما فيها من أجل أن الدنيا
فانية، وكل شيء في الجنة باق، وإن صغر في التمثيل قلنا: (وليس)(١)،
لباقيها صغير فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة، فكان الباقي
الدائم خيرًا من المنقطع.
(١) من (ص١).

٥٩٩
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَّرِ
٧٤ - باب مَنْ غَزَا بِصَبِيٌّ لِلْخِدْمَةِ
٢٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ عَمْرِو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾ِهِ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: ((الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ
إِلَى خَيْبَر»َ. فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُزدِفٍِ وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُّمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ
اللهِ نَّهِ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بَِك مِنَ الهَمّ
وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ)).
ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الِحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بْنِ أَخْطَبَ،
وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى
بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسَا فِي نِطَعِ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَهُ: ((آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ)). فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ وَ﴾ْ عَلَى صَفِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا
إِلَى المَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يُجُوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ
فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَزْكَبَ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْتَا
عَلَى المَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: ((هذا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). ثُمَّ نَظَرَ إِلَى المَدِينَةِ
فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِْ
لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ)). [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٨٦/٦]
ذكر فيه حديث أَنَسِ أَنْهِ وَِّ قَالَ لأَبِي طَلْحَةَ: ((الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ
غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ. فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي
وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ وََّ إِذَا نَزَلَ، فذكر
فيه قصة صفية واصطفاءها لنفسه.
وهو حديث ظاهره مشكل، فإن المعروف أنه خدمه قبل ذلك، قَالَ
الداودي في غير هذا الحديث: أتى بي أبو طلحة إلى رسول الله وَلخلقه
فقال: أنس غلام كيس فليخدمك(١).
(١) سلف برقم (٢٧٦٨) كتاب الوصايا، باب استخدام اليتيم في السفر.

٦٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال هنا: (((حتى أخرج إلى خيبر))) وهذا ليس بمحفوظ لأن أنسًا
قَالَ: خدمته عشر سنين، فكان أول خدمته قبل خيبر بست سنين؛ لأن
خيبر سنة ست، ويحتمل أن يكون هذا القول منه حين خروجه إلى
خيبر يخدمه غير أنس بالمدينة حَتَّى يخرج، أو أخذه للسفر فقط. ونقل
ابن بطال عن أبي (عبد)(١) الله أن في حديث هذا وأنا غلام راهقت
الحلم، وفي طريق آخر: وأنا ابن عشر سنين، وكذلك في حديث ابن
عباس: ناهزت الحلم (٢)، وفي طريق آخر: توفي رسول الله وأنا ابن
عشر سنين، وقد حفظت المحكم الذي يدعونه المفصل (٣)، فسمي
أنس وابن عباس ابن عشر سنين مراهقًا.
وفيه: جواز استخدام اليتامى بشبعهم وكسوتهم، وجواز الاستخدام
لهم بغير نفقة ولا كسوة إذا كان في خدمة عالم أو إمام في الدين؛ لأنه لم
يذكر في حديث أنس أن له أجرة الخدمة، وإن كان قد يجوز أن تكون
نفقته من عند رسول الله وَّة، وأما الأجرة فلم يذكرها أنس في
(حديثه)(٤) ولا ذكرها أحد عن رسول الله وَّر، ولا عن أبي طلحة،
ولا عن أم سليم، وهما اللذان أتيا به إلى رسول الله وَله وأسلماه
لخدمته، ولم يشترطا أجرة ولا نفقة ولا غيرها، فجائز على اليتيم
إسلام أمه ووصيه و(ذي)(٥) الرأي من أهله في الصناعات واستئجاره
في المهنة، وذلك لازم (له)(٦) وينعقد عليه.
(١) في الأصل: عبيد. والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) سلف برقم (١٨٥٧) كتاب جزاء الصيد، باب حج الصبيان.
(٣) سيأتي برقم (٥٠٣٥) كتاب فضائل القرآن، باب تعليم الصبيان القرآن.
(٤) في الأصل: خدمة، والمثبت من (ص١).
(٥) في (ص١): ذوي.
(٦) من (ص١).