Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
٥٢ - باب مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْهِ فِي الحَرْبِ
٢٨٦٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ
رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ لّهِ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ:
لكن رَسُولَ اللهِ وَ لَمْ يَفِرَ، إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمَا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ
فَانْهَزَّمُوا، فَأَقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَلَمْ
يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آَخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ ◌َ
يَقُولُ:
((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ))
[٢٨٧٤، ٢٩٣٠، ٣٠٤٢، ٤٣١٥، ٤٣١٦، ٤٣١٧ - مسلم: ١٧٧٦ - فتح: ٦٩/٦]
ذكر فيه حديث أَبِي إِسْحَاقَ قال: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَفَرَرْتُمْ
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ لَهِ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ: لكن رَسُولَ اللهِ وَهلَمْ يَفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ
كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ
المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائِمِ، وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِنَّهِ فَلَمْ
يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَّلَىْ بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا،
وَالنَّبِيُّ وَّهِ يَقُولُ:
((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابنِ عَبْدِ المُطَّلِبْ))
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ: كنا والله إذا أحمر
البأس نتقي به(١) .
وذكره البخاري في موضع آخر: فنزل واستنصر (٢).
(١) مسلم (٧٩/١٧٧٦) كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين.
(٢) سيأتي برقم (٢٩٣٠) باب من صف أصحابه عند الهزيمة.

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي موضع آخر: قال إسرائيل وزهير: نزل رسول الله وَلول عن
بغلته (١)، وفي رواية قال البراء: رجل من قيس (٢).
ثم الكلام علیه من وجوه:
أحدها: (حنین) بالحاء المهملة: وادٍ بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب
الطائف قاله الواقدي.
وقال البكري: بضعة عشر ميلًا، والأغلب فيه التذكير، لأنه اسم
ماء، وربما أنثته العرب جعلته أسمًا للبقعة، وهو وراء عرفات، سمي
بحنين بن قانية بن مهلاييل(٣).
وقال الزمخشري: هو إلىْ جَنْبِ ذِي المَجَازِ، وتأتي في الغزوات،
وكانت سنة ثمان، وسببها أنه لما أجمع التعليق على الخروج من مكة لنصرة
خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم، فاستعدوا للحرب حتى أتوا
سوق ذي المجاز فسار القيا حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة
الأحد، ثم صابحهم يوم الأحد نصف شوال.
ثانيها: قوله: (ولكن رسول الله وَلّ لم يفر) هذا معلوم من حاله
وحال الأنبياء؛ لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله في رغبتهم
في الشهادة ولقائه، ولم يثبت عن واحد منهم -والعياذ بالله- أنه فر،
ومن قال ذلك في رسول الله وَل قتل، ولم يستتب عند مالك؛ لأنه
صار بمنزلة من قال: إنه كان أسودَ أو أعجميًّا؛ لإنكاره ما علم من
وصفه قطعًا وذلك كُفْرٌ.
(١) سيأتي برقم (٤٣١٧) كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيّنٍ إِذْ
أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٣١٧).
(٣) «معجم ما استعجم)) ٤٧١/٢ -٤٧٢.

٥٤٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قال القرطبي: وحُكِيَ عن بعض أصحابنا الإجماعُ على قتل من
أضاف إليه نقصًا أو عيبًا، وقيل: يستتاب فإن تاب وإلا قتل(١).
وقال ابن بطال: من زعم أنه أنهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله
بالعصمة من الناس، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه كافر إن لم يتأول ويعذر
بتأويله، وستكون لنا عودة إليه قريبًا في باب: من صف أصحابه عند
الهزيمة(٢).
والذين فروا يومئذ إنما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة
الفتح المؤلفة ومشركيها، والذين لم يكونوا أسلموا، والذين خرجوا
لأجل الغنيمة، وإنما كانت هزيمتهم فجأة.
ثالثها: ركوبه يومئذ بغلتَهُ البيضاءَ هو النهاية في الشجاعة والثبات،
لاسيما في نزوله عنها وتقدمه يركض على بغلته إلى جمع المشركين حين
فر الناس، وليس معه إلا اثنا عشر نفرًا، وكان العباس وأبو سفيان - كما
ذكر هنا، وهو ابن الحارث كما سيأتي- آخذين بلجامها يمنعانها، ففي
مسلم: كانت بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة(٣)، وفي لفظ: كانت
(٤)
شهباء (٤).
وعند ابن سعد: كان راكبا دلدل التي أهداها له المقوقس(٥).
(١) ((المفهم)) ٦٢١/٣.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦٩/٥.
(٣) مسلم (١٧٧٥) كتاب الجهاد، باب في غزوة حنين، من حديث العباس بن
عبدالمطلب.
(٤) رواه أحمد ٢٠٧/١، والنسائي في ((الكبرى)) ١٩٤/٥ (٨٦٤٧)، من حديث
العباس.
(٥) ((الطبقات الكبرى)) ٤٩١/١.

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فيجوز أن یکون رکوبه متعددًا بعد أن نزل.
رابعها: قوله: ( ((أنا النبي لا كذب)) ) كان بعض العلماء يرويه
((لا كذبَ)) بنصب الباء ليخرجه عن وزن الشعر، حكاه ابن التين، وقد
قيل: إنما قيل: أنت النبي لا كذب، أنت ابن عبد المطلب فقال
حكاية قولهم ((أنا النبي لا كذب)).
وفيه: إثبات النبوة، أي: أنا ليس بكاذب فيما أقول، فيجوز عليّ
الآنهزام، وإنما ينهزم من ليس على يقين من النصرة وهو على خوف
من الموت، والشارع على يقين من النصرة بما أوحى الله إليه في
كتابه وأعلمه أنه لا بد له من كمال هذا الأمر، فمن زعم بعد هذا أنه
أنهزم فقد رماه بأنه كذب وحي الله أن الله يعصمه، وقد سلف حكمه.
خامسها: إن قلت: نهى عن الافتخار بالآباء وقال هنا ما قال،
قلت: عنه قولان :
أحدهما: أنه أشار بذلك إلى رؤية رآها عبد المطلب دالة على نبوته
مشهورة عند العرب فأخبر بها قريشًا، فعبرت بأن سيكون له ولد يسود
الناس ويهلك أعداؤه على يديه، وكان أمر تلك الرؤيا مشهورة في
قريش، فذكرهم بقوله هذا أمر تلك الرؤيا؛ ليقوى بذلك من أنهزم من
أصحابه فيرجعوا وليثقن بأن الظفر لهم.
ثانيها: أنه أشار بذلك إلى خبر نقل عن سيف بن ذي يزن أنه أخبر
عبد المطلب وقت وجوده، وأنه في جماعة قريش وهو أن يكون في ولده.
وعنه: جواب ثالث: لشهرة جده فإنها أكبر من شهرة والده؛ لأنه
توفي شابًّا في حياة أبيه، وكان كثيرا ما ينسب إليه عملًا بالعادة في
الشهرة؛ ولهذا قال ضمام بن ثعلبة لما وفد عليه قال: أيكم ابن

٥٤٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
عبد المطلب(١)؟
سادسها: فيه: خدمة السلطان في الحرب، وسياسة دوابه الأشراف
الناس من قرابته وغيرهم.
وفيه: جواز الانتماء في الحرب، وإنما كره من ذلك ما كان على
وجه الافتخار في غير الحرب؛ لأنه رخص في الخيلاء فيه مع نهيه
عنهما في عرفنا، وفي الترمذي محسنًا عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم
حنين وإن الفئتين موليتين وما مع رسول الله وَله إلا مائة رجل(٢).
ولعله عند البلاء حق كما قال ابن إسحاق، وعند الزبير ممن ثبت
منهم يومئذ عتبة ومعتب ابنا أبي لهب. ولابن إسحاق: وجعفر بن أبي
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأبو بكر وعمر وعلي والفضل بن
العباس وأسامة وقثم بن العباس وأيمن بن أم أيمن- وقتل يومئذ-
وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب(٣)، وعقيل بن أبي طالب فيما
ذكره ابن الأثير (٤)، وأم سليم أم أنس بن مالك. قال العباس:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من قد فر عنه وأقشعوا
لما مسه في الله لا يتوجع
وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه
ويروى: سبعة وثامننا.
وقال العباس -فيما رواه ابن أبي عاصم في ((الجهاد))- شهد النبي
* يوم حنين وما معه إلا أنا وأبو سفيان(٥).
(١) سلف برقم (٦٣) كتاب العلم، باب ما جاء في العلم.
(٢) الترمذي (١٦٨٩).
(٣) ((سيرة ابن هشام)) ٤/ ٧٢.
(٤) ((أسد الغابة)) ٤/ ٦٤.
(٥) لم أجده في ((الجهاد))، ورواه أحمد ٢٠٧/١.

٥٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فإن قلتَ: كيف فر القوم، وهو كبيرة؟
قلتُ: ذاك أن ينوي عدم العود عند وجدان القوة، وأما من تحيز إلى
فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو أو نوى العود إذا أمكنه فلا محذور فيه
ولا داخل في الوعيد، ولقد قال تعالى في حق هؤلاء: ﴿ثُمَّ أَزَلَ اللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦].
وفيه: جواز الأخذ بالشدة، والتعرض للهلكة في سبيل الله؛ لأن
الناس فروا عن رسول الله وَله ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا،
والمشركون في أضعافهم عددًا جرارًا كثيرًا فلزموا مكانهم ومصافهم،
ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار.
وفيه: ركوب البغال في الحرب للإمام كما سلف؛ ليكون أثبت له؛
ولئلا يظن به الاستعداد للفرار والتولي، وهو من باب السياسة لنفوس
الأتباع؛ لأنه إذا ثَبَتَ ثَبَتَ أتباعه، وإذا رئي منه العزم على الثبات
عزم معه علیه.

٥٤٧
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٥٣ - باب الرِّكَابِ وَالْغَرْزِ لِلدَّابَّةِ
٢٨٦٥ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ بَّ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَزْزِ
وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧،
١٢٦٧ - فتح: ٦ /٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عمر أن النبي ◌ََّ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الغَرْزِ
وَاسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدٍ ذِي الحُلَيْفَةِ. وقد سلف في
الحج(١).
والغرز للرحل بمنزلة الركاب للسرج؛ ليستعين به الراكب عند ركوبه
ويعتمد عليه وهو شيء قدیم معروف عندهم، وهذا يفسر ما جاء عن عمر
- أنه قال: أقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبًا (٢) - أنه لم يرد بذلك منع
إيجاد الركب أصلًا وإنما أراد به تمرينهم وتدريبهم على ركوب الخيل؛
حتى يسهل عليهم ذلك من غير استعانة بالركب، لا أنه أراد منع الركب
البتة؛ لأنه العملية أتخذها واستعان بها في ركوبه.
(١) سلف برقم (١٥١٤) باب قول الله تعالى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾.
(٢) رواه عبدالرزاق في ((جامع معمر)) ٨٥/١١ (١٩٩٩٤)، وابن أبي شيبة ١٧١/٥
(٢٤٨٥٩)، وأبو يعلى ١٨٩/١ (٢١٣)، والبيهقي ١٤/١٠؛ كلهم بلفظ: وانزوا
على الخيل نزوا.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥٤ - باب رُكُوبِ الفَرَسِ العُرْي
٢٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ عَهُ: أَسْتَقْبَلَهُمُ
النَّبِيُّ ◌َّهَ عَلَى فَرَسِ عُزِيٍ، مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ. [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم:
٢٣٠٧ - فتح: ٦ / ٧٠]
ذكر فيه حديث أنس: اسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ وَِّ عَلَى فَرَسِ عُرْيٍ، مَا عَلَيْهِ
سَرْجٌ، وفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ.
ثم ترجم :

٥٤٩
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٥٥ - باب الفَرَسِ القَطُوفِ
٢٨٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى بْنُ حَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ◌َ﴾ أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَرَسًا لِأَبِي
طَلْحَةً كَانَ يَقْطِفُ - أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ - فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: ((وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هذا
بَحْرًا)). فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارِىُ. [انظر: ٢٦٢٧ - مسلم: ٢٣٠٧ - فتح ٦ / ٧٠]
وساق فيه حديث أنس أيضًا أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ
رسول الله ﴿ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ كَانَ يَقْطِفُ - أَوْ كَانَ فِيهِ قِطَافٌ- فَلَمَّا
رَجَعَ قَالَ: ((وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هذا بَحْرًا)). فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارى. وقد
سلف.
وركوبه الفرس عريًا من باب التواضع.
وفيه: رياضة وتدريب للفروسية، ولا يفعله إلا من أحكم الركوب.
وفيه: أنه يجب على الفارس أن يتعهد صنعته، ویروض طباعه عليها
لئلا يثقل إذا احتاج إلى نفسه عند الشدائد.
وفيه: تعليق السيف في العنق.
ومعنى (يقطف): يقارب الخطو في سرعته، ودابة قطوف: بينة
القطاف، وهو ضد الوساع، يقال: قطفت الدابة: أبطأت السير مع
تقارب الخطو فهي قطوف.
وفيه: أن الإمام لا بأس أن يركب دون الدواب ليروضها ويؤدبها
حتى تمرن على تأديبه، وذلك من التواضع.
وفيه: بركة الشارع؛ لأن ركوب الفرس أزال عنه أسم البطء
والقطاف وسار لا يجارى بعد ذلك أي: لا يسابق لشدة سرعته، فهذه
من علامات نبوته.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٦ - باب السَّبْقِ بَيْنْ الخَيْلِ
٢٨٦٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما قَالَ: أَجْرِى النَّبِيُّ وَِّ مَا ضُمِّرَ مِنَ الَخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ
الوَدَاعِ، وَأَجْرىُ مَا لَمْ يُضَمَّزْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقِ. قَالَ ابن عُمَرَ: وَكُنْتُ
فِيمَنْ أَجْرىُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَ
الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ، وَبَيْنَ ثَنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَنْقٍ مِيلٌ.
[انظر: ٤٢٠ - مسلم: ١٨٧٠ - فتح: ٦/ ٧١]
ذكر فيه حديث ابن عمر من ثلاثة طرق في ثلاثة أبواب: حَدَّثَنَا
قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله
عنهما قَالَ: أَجْرِى النَّبِيُّ نَّهِ مَا ضُمِّرَ مِنَ الْخَيْلِ مِنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ
الوَدَاعِ، وَأَجْرىُ مَا لَمْ يُضَمَّرْ مِنَ الثَِّيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ. وقَالَ ابن
عُمَرَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ أَجْرِىٌ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: عن سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ
اللهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَيْنَ الحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِنَّةٌ،
وَبَيْنَ الثَّنيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ.
هذا الحديث سبق في أحكام المساجد في باب هل يقال: مسجد
بني فلان، ثم ترجم عليه هنا :

٥٥١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
٥٧ - باب إِضْمَارِ الخَيْلِ لِلسَّبْقِ
٢٨٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ الهِ ◌َُّ أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّهِ سَابَقَ بَيْنَ الَخَيْلِ التِي لَمْ تُضَمَّرْ، وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي
زُرَيْقِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ سَابَقَ بِهَا. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَمَدًا: غَايَةً (فَطَالَ عَلَيْهِمُ
الأَمْدُ ([ الحديد: ١٦]. [انظر: ٤٢٠ - مسلم: ١٨٧٠ - فتح: ٦ / ٧١]
ثم ساق عن أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ ابن عمر أَنه
وَِّ سَابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ التِي لَمْ تُضَمَّرْ، وَكَانَ أَمَدُهَا مِنَ النَِّيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي
زُرَيْقٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ سَابَقَ بِهَا.
ثم ترجم عليه :

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٥٨ - باب غَايَةِ الشَّبْقِ لِلْخَيْلِ المُضَمَّرَةِ
٢٨٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى
بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَابَقَ رَسُولُ اللهِوَّ بَيْنَ الَخَيْلِ
التِي قَدْ أُضْمِرَتْ فَأَزْسَلَهَا مِنَ الحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ - فَقُلْتُ لُوسَى: فَكَمْ
كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ - وَسَابَقَ بَيْنَ الَخَيْلِ التِي لَمْ تُضَمَّرْ، فَأَرْسَلَهَا مِنْ
ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ، وَكَانَ أَمَدُهَا مَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ. قُلْتُ: فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ.
وَكَانَ ابن عُمَرَ مِمَّنْ سَابَقَ فِيهَا. [انظر: ٤٢٠ - مسلم: ١٨٧٠ - فتح: ٦ / ٧٢]
ثم ساقه: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ
مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ. فذكره، قال ابن عقبة في
الأول: بين ذلك ستة أميال، أو سبعة، وتضمير الخيل أن تدخل في
بيت وينقص من علفه ويخلل حتى يكثر عرقه فينقص لحمه، فيكون
أقوى لجريه، وقيل: ينقص علفه ويخلل بخل مبلول.
وفيه: تجويع البهائم على وجه الإصلاح عند الحاجة إلى ذلك،
وإنما سابق العفيه ليعلم الناس إجراء الخيل لملاقاة العدو، وجعل
بعضهم المسابقة سنة، وبعضهم أباحه.
وفيه: جواز المسابقة بينها وذلك مما خص به، وخرج من باب
القمار بالسنة، وكذلك هو خارج من باب تعذيب البهائم؛ لأن
الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها وتدريبها.
وفيه: رياضة الخيل المعدة للجهاد، ومسابقة الأميال، والميل من
الأرض: قدر مد البصر. كما قال ابن فارس(١)، والأمد الغاية التي
ينتهى إليها من موضع أو وقت.
(١) ((مجمل اللغة)) ٨٢/٢ مادة: (ميل).

٥٥٣
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
و(الحفياء) بالحاء المهملة، ثم فاء، ثم ياء: موضع خارج المدينة.
و(الثنية): الجبل وترى عن بعد.
و(بنو زريق) -بتقديم الزاي على الراء- قبيل من الأنصار.
و(ثنية الوداع) مما يلي من طريق مكة (١) وهو خارج المدينة.
وبوب إضمار الخيل للسبق ولم يأت في الباب بذكر الإضمار،
ويجاب بأنه أشار بطرق من الحديث إلى بقيته، وأحال على سائره؛
لأن تمام الحديث: سابق بين الخيل التي ضمرت وبين الخيل التي لم
تضمر؛ وذلك كله موجود في حديث واحد فلا حرج عليه في تبويبه.
قال ابن المنير: البخاري يترجم على الشيء من الجهة العامة، فقد
يكون بائنًا وقد يكون متفهمًا، فمعنى الترجمة أنه هل هو شرط أم لا؟
فبين أنه ليس بشرط؛ لأنه التَّه سابق بها مضمرة وغير مضمرة، وهذا
أقعد بمقاصد البخاري(٢).
قال الأخفش: كان أهل المدينة يوادعون الحاج إليها، أي: إلى ثنية
الوداع، فإن أراد أن ذلك كان في الجاهلية فهو كما قال، وإلا فليس
كذلك؛ لأنه لما قدم التلّ مهاجرًا إلى المدينة تلقته الأنصار يرتجزون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وفيه: أن المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمدادها معلومًا، وأن
تكون الخيل متساوية الأحوال أو متقاربة، وأن لا يسابق المضمر مع
(١) في هامش الأصل: المعروف المشهور أنها من طريق الجائي من الشام، وقد نبهت
على ذلك في تعليقي على ((صحيح البخاري)).
(٢) ((المتواري)» ص١٥٥.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
غيره، وهذا إجماع من العلماء؛ لأن صبر الفرس المضمر المجوع في
الجري أكثر من صبر المعلوف؛ ولذلك جعلت غاية المضمرة ستة
أميال أو سبعة وجعلت غاية المعلوفة ميلًا واحدًا.
واختلف العلماء في صفة المسابقة، فقال سعيد بن المسيب: ليس
بِرِهان الخيل بأسٌ إذا أدخل فيها محلل لا يأمنان أن يسبق، فإن سبق أخذ
السبق، وإن سُبق لم يكن عليه شيء(١).
وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق قالوا: إذا
أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن من أن يسبق فهو قمار لا يجوز.
وقال مالك: ليس عليه العمل، وفسر العلماء قول سعيد أن معنى
دخول المحلل بينهم؛ للخروج عن معنى القمار المحرم فيجعل عنده
كل واحد من المتراهنين سبقا فمن سبق منهما أخذ السبقين جميعًا،
وكذلك إن سَبَق المحلل أخذهما، وإن سُبِقَ لم يؤخذ منه شيء،
ولا يقول مالك بالسبق بالمحلل، وإنما يجوز عنده أن يجعل الرجل
سبقه ولا يرجع إليه بكل حال كسبق الإمام، فمن سبق كان له، وإن
أجرى جاعل السبق معه فسبق هو كان للمصلي، وهو الذي يليه إن
كانت خيلًا كثيرة، وإن كانا فرسين فسبق جاعل السبق فهو طعمة لمن
حضر، وإن سبق الآخر أخذه، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وروى
ابن وهب عن مالك أنه أجاز أن يشترط واضع السبق أخذ السبق،
وإن سبق هذا أخذ سبقه، وبه أخذ أصبغ وابن وهب. قال ابن
المواز: وكراهة مالك المحلل إنما هو على قوله أنه يجب إخراج
السبق بكل حال، وفي قياس قوله الآخر أنه جائز، وبه أقول، وهو
(١) رواه مالك في ص ٢٩٠، وابن أبي شيبة ٦/ ٥٣١ (٣٣٥٤٠)، والبيهقي ٢٠/١٠.

٥٥
=ِ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قول ابن المسيب وابن شهاب، وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي:
الإسباق على (مالك)(١) أربابها، وهم فيها على شروطهم، ولا يجوز
أن يملك السبق إلا بالشرط المشروط فيه، فإن لم يكن ذلك أنصرف
السبق إلى من جعله.
وقال محمد بن الحسن في أصحابه: إذا جعل السبق واحد فقال: إن
سبقتني فلك كذا، ولم يقل: إن سبقتك فعليك كذا فلا بأس به، ويكره أن
يقول: إن سبقتك فعليك كذا، وإلا فعلي كذا، هذا لا خير فيه، وإن قال
رجل غيرهما: أينما سبق فله كذا، فلا بأس به، وإن كان بينهما محلل إن
سُبق لم يغرم، وإن سَبَق أخذ فلا بأس به، وذلك إذا كان يَسبق ويُسبق.
قالوا: وما عدا هُذِه الأشياء فهي قمار(٢).
(١) في (ص١): (ملك).
(٢) انظر: ((التمهيد)» ٨٦/١٤-٨٨

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٥٩ - باب نَاقَةِ النّبِيّ
قَالَ ابن عُمَرَ أَرْدَفَ النَّبِيُّ وَلّهِ أُسَامَةَ عَلَى القَصْوَاءِ. وَقَالَ
المِسْوَرُ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا خَلَأَّتِ القَصْوَاءُ)).
٢٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ هُمَيْدٍ
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَا نَّهِ يَقُولُ: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ وَ يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ. [٢٨٧٢ - فتح:
٧٣/٦]
٢٨٧٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ رَلُهُ قَالَ:
كَانَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ نَاقَةٌ تُسَمَّى العَضْبَاءَ لَا تُسْبَقُ - قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ - فَجَاءَ
أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: ((حَقٌّ عَلَى
اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَىءٍ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ)). طَوَّلَهُ مُوسَى، عَنْ حَمَّادٍ عَنْ ثَابِتٍ،
. [انظر: ٢٨٧١ - فتح: ٦ / ٧٣].
صَلى له
عَنْ أَنْس، عَنِ النَّبِىّ
وَسَّله
ثم ساق حديث أنس: كَانَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ وَلِ يُقَالُ لَهَا: العَضْبَاءُ.
وعنه قَالَ: كَانَ لِلنَِّّ وَهِ نَاقَةٌ تُسَمَّى العَصْبَاءَ لَا تُسْبَقُ - قَالَ حُمَيْدٌ:
أَوْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى
المُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ، فَقَالَ: ((حَقُّ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَىءٌ مِنَ
الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ)). طَوَّلَهُ مُوسَىُ، عَنْ حَمَّدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ.
الشرح :
التعليق الأول أخرجه ابن منده أبو زكريا يحيى من طريق عاصم بن
عبد الله، عن سالم، عن أبيه، فذكره من غير ذكر القصواء. والثاني
سلف، وحديث أنس من أفراده، وأخرجه أبو داود في الأدب(١).
و( ((القصواء))) بفتح القاف وبالمد، قال ابن التين: ضبطت بالضم
(١) أبو داود (٤٨٢٠).

٥٥٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
والقصر، وهي عند أهل اللغة بالفتح والمد. قال الداودي: سميت
بذلك؛ لأنها كانت غايةً في الجَرْي، قال: وآخر كل شيء أقصاه.
والذي عند أهل اللغة أنها المقطوعة الأذن. قال صاحب ((المطالع)):
هي المقطوعة ربع الأذن، والقَصْرُ خطأٌ، وهي التي هاجر عليها القليل
ويقال لها: العضباء، أبتاعها الصديق من نعم بني الحريش.
والجدعاء: وكانت شهباء، وكان لا يحمله إذا نزل عليه الوحي
غيرها، وتسمى أيضًا الحناء والسمراء والعريس والسعدية والبغوم
واليسيرة والرياء(١) وبردة والمروة والجعدة ومهرة والشقراء. قال
أبو العباس في كتاب ((المعجمين)) عن أنس: خطبنا النبي ◌ُّ على
ناقته العضباء وليست بالجدعاء، وذکر حدیثا.
وفي ((المحكم)) العضباء: حذف في طرف أذن الناقة والشاة، وهو
أن يقطع منه شيء قليل، وقد قصاها قَصْوًا وقَصَّاهًا، وناقة قصواء
ومقصوة وجمل مقصو وأقصى. وأنكر بعضهم أقصى، وقال اللحياني:
بعير أقصى ومقصى ومقصوة، وناقة قصواء ومقصاة ومقصوة: مقطوعة
طرف الأذن، والقصية من الإبل: الكريمة التي لا تجهد في حلب
ولا حمل. وقيل: القصية من الإبل رذالتها(٢). عن ثعلب.
وقال الجوهري: كانت ناقة لم تكن مقطوعة الأذن(٣).
وجزم ابن بطال بأن القصواء من النوق التي في أذنها حذف، يقال
منه: ناقة قصواء وبعير مقصى، ولا يقال: بعير أقصى. قال: وذكر
الأصمعي في الناقة أنه يقال منها قصوة (٤).
(١) ورد بهامش الأصل: لعله سقط ما صورته: وكان له من اللقاح وتسمى غلظ.
(٣) ((الصحاح)) ٦/ ٢٤٦٣.
(٢) ((المحكم)) ٣٢١/٦.
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٧٤/٥.

٥٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
والقعود من الإبل: ما يقتعده الإنسان للركوب والحمل. وعبارة ابن
بطال أنه الجمل المسن(١)، قال الأزهري: ولا يكون إلا المذكر،
ولا يقال للأنثى قعودة. قال: وأخبرني المنذري أنه قرأ بخط أبي
الهيثم ذكر الكسائي، (أنه)(٢) سمع من يقول: قعودة للقلوص، والذكر
قعود. قال: وهما عند الكسائي من نوادر الكلام الذي سمعه من
بعضهم، وكلام أكثر العرب على غيره(٣).
وجمع القعود: قعدان، والقعادين جمع الجمع. وقال صاحب
((الموعب)) عن صاحب ((العين)) في غير هذا الموضع أن القعود
لا يكون إلا ذكرًا، ولا يقال للأنثى قعودة.
وقال ابن سيده في ((المحكم)): القُعدة والقَعودة والقَعُود من الإبل:
ما أتخذه الراعي للركوب، والجمع (قِعْدة) (٤) وقُعَد وقعديد(٥). وقال
الجوهري: هو بالفارسية: رخت لش(٦)، (وبتصغيره جاء)(٧) المثل:
اتخذوه قُعْيد الحاجات. إذا أمتهنوا الرحل في حوائجهم(٨)، وهو حين
يركب، وأدنى ذلك أن يأتي عليه سنتان إلى أن يثني، أي: دخل في
الثالثة، فإذا أثنى سمي جملًا.
وقوله: ( ((ما خلأت)) ) أي: ما حزنت.
(١) المصدر السابق.
(٢) كذا في الأصل، والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٣٠٠٦/٣.
(٤) في الأصل: أقعدة، والمثبت من مصدر التخريج.
(٥) ((المحكم)) ١/ ٩٥؛ وفيه: (قعدان وقعائد) بدل (قعديد).
(٦) ورد بالهامش: في ((الصحاح)) رخت. فقط.
جاء فى الأصل: وبتصغيرها. والمثبت من مصدر التخريج.
(٧)
(٨) ((الصحاح)) ٢/ ٥٢٥.

٥٥٩
-- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
و(العضباء) قال الداودي: أحسب أنها إنما قيل لها ذلك لقطع كان
في بعض أطرافها، إما طرف الذنب أو شيء من الأذن. وقال ابن فارس:
إنما كان ذلك لقبًا لها. وقاله أبو عبيد (١)، قال: والعضباء: المشقوقة
الأذن(٢).
وظاهر الحديث -كما قال ابن فارس- أنه لقب لها؛ لقوله: (تسمى
العضباء) لو كانت عضباء لما قال ذلك. والعضباء من الشاة: المكسورة
القرن الداخل، وهو المشاش.
وقال صاحب ((العين)): ناقة عضباء: مشقوقة الأذن، وشاة عضباء:
مكسورة القرن، وقد عَضِبَ عَضَبًا. والعَضْب: القَطْعُ، ومنه قيل للسيف
القاطع: عَضْب، وقد عَضَب يَعْضِب: إذا قطع(٣).
وفيه: أتخاذ الأمراء والأئمة الإبل للركوب، وجواز الارتداف
للعلماء والصالحين.
والتزهيد في الدنيا، والتقليل لأمورها؛ لإخباره أن كل شيء يرتفع
من الدنيا فحق على الله أن يضعه، وبه نطق القرآن، قال تعالى: ﴿قُلّ مَنَعُ
الذُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] وما وصفه الله تعالى بأنه قليل فقد وضعه وصغر
قدره، وقال تعالى تسليةً عن متاع الدنيا: ﴿ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾
[النساء: ٧٧] وقال: ﴿وللأخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً﴾ [الإسراء:
٢١] إرشادًا لعباده وتنبيهًا لهم على طلب الأفضل.
(١) ((غريب الحديث)) ٣٢١/١.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٦٧٣/٢.
(٣) ((العين)) ٢٨٣/١.

٥٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
[٦٠ - باب الغزو على الحمير](١)
٦١ - باب بَغْلَةِ النَّبِيِّ وَِّ البَيْضَاءِ
قَالَهُ أَنَسٌُّ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : أَهْدِىْ مَلِكُ أَيْلَةَ إلى النبي
صلىالله
وَسِلهم
بَغْلَةً بَيْضَاءَ.
٢٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَذَّثَنَا يَجْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو
إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الَحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ وَّ إِلَّ بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ
وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. [انظر: ٢٧٣٩ - فتح: ٦ / ٧٥]
٢٨٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ:
حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ ﴾، قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ؟
قَالَ: لَا، والله مَا وَلَّى النَّبِيُّ رَِّ ولكن وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ، فَلَقِيَهُمْ هَوَازِنُ بِالنَّبْلِ
وَالنَّبِيُّ ◌ََّ عَلَى بَغْلَتِهِ البَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الَحَارِثِ آَخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ
صَلى الله
وَسِلم
يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابن عَبْدِ المُطَّلِبْ)). [انظر: ٢٨٦٤ - مسلم: ١٧٧٦ -
فتح: ٧٥/٦]
ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ: مَا تَرَكَ رسول الله وَّهِ إِلَّ بَعْلَتَهُ
البَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا تَرَكَهَا صَدَقَةً. وقد سلف.
وحديث البراء: قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنِ؟ قَالَ:
لَا، والله مَا وَلَّى النَّبِيُّ نَّه ولكن وَلَّى سَرَعَانُ النَّاسِ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا في باب: من قاد دابة غيره في الحرب.
(١) في هامش اليونينية ٣٢/٤ رمز لأبي ذر والمستملي. وكتب مصححها: كذا هو في
الترجمة بدون حديثه للمستملي وحده، ورواية النسفي: (باب الغزو على الحمير
وبغلة النبي ◌َّليّ) .. إلخ.