Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
- كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
عن جده، ذكرهم ابن أبي عاصم، وأبي هريرة ذكره أبو بكر بن المقرئ،
وأسماء بنت يزيد ذكره أحمد(١)، وعلي ذكره ابن منده، وابن مسعود
والبراء ذكرهما أبو القاسم البغوي، وحذيفة وسهل بن الحنظلية
ذكرهما ابن عساكر(٢)، وأبي أمامة ذكره أبي طاهر الذهلي، وأبي ذر
ذكره عبد الله بن وهب.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ ففيه الترغيب في الغزو على الخيل أي المعدة للجهاد
بخلاف المعدة للخيلاء، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وفي
الحديث: ((الجهاد ماضٍ منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تبقى من
أمتي تقاتل الدجال))(٣).
وترجم البخاري به على استمراره تحت راية كل بر وفاجر، وفي
رواية أبي الحسن: (على البر والفاجر) وفي رواية أبي ذر وغيره،
وتبويب الإسماعيلي (مع) بدل (على) فعلى الأولى أنه يجب على كل
أحد، وعلى الثاني يجب مع الإمام العدل ومع غير العدل، وأنه
واجب لا يجوز تركه.
(والأجر والمغنم)): هو معنى ما بوب له البخاري، لأن الغنيمة إنما
تَنْشَأُ غالبًا عن الجهاد.
واستدلاله أيضًا: أن الجهاد ماض معهما صحيح من أجل أنه أبقى
الخير في نواصيها إلى يوم القيامة، وقد علم أن من أمته أئمة جور
لا يعدلون ويستأثرون بالمغانم، فأوجب الغزو معهم. ويقوي هذا
(١) أحمد ٦/ ٤٥٥.
(٢) («تاريخ دمشق)) ١٢٤/٦٨.
(٣) رواه أبو داود (٢٥٣٢) من حديث أنس مرفوعا؛ ورواه الطبراني في ((الأوسط)) ٥٪
٩٥-٩٦ (٤٧٥) من حديث علي وجابر مرفوعًا.

٥٠٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
المعنى أمره بالصلاة وراء كل بر وفاجر من السلاطين، وأمره بالسمع
والطاعة ولو كان عبدًا حبشيًا.
وفيه: الحث على أرتباط الخيل في سبيله تعالى يريد أن من
أرتبطهما كان له ثواب ذَلِكَ فهو خير آجل، وما يصيبه على ظهورها
من المغانم وفي بطونها من النتاج خير عاجل.
و(الناصية): قصاص الشعر، وهو المراد بقول الخطابي: إنها الشعر
المسترسل على الجبهة(١). وخص النواصي بالذكر لأن العرب تقول
غالبًا: فلان مبارك الناصية. فيكنى به عن الإنسان. والمراد بالخير
هنا: المال. قَالَ تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٠٨] وقال تعالى في
قوله: ﴿إِنِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] وقد سلف تفسير الخير في
الحديث بالأجر والمغنم.
وفي ((مسند أبي داود الطيالسي)) أيضًا بإسناد على شرط البخاري.
قيل: يا رسول الله، ما الخير؟ قَالَ: ((الأجر والمغنم))(٢) وهو أيضًا
تفسير قوله وَله: ((مع ما نَالَ من أجر أو غنيمة)) أن ((أو)) بمعنى الواو
فكأنه قَالَ: مع ما نال من أجر وغنيمة أو أجر.
(١) ((غريب الحديث)) ٥٧٩/٢.
(٢) ((مسند الطيالسي)) ٢/ ٣٨٤ (١١٥٢).

٥٠٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
٤٥ - باب مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللهِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]
٢٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا ابن المُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدِ
قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا المقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَجَّ: ((مَنِ
أَحْتَبَسَ فَرَسَا فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا باللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْنَهُ
وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [فتح: ٥٧/٦]
وذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رسول الله وَّهِ: ((مَنِ أَحْتَبَسَ فَرَسًا
فِي سَبِيلِ اللهِ إِيمَانًا باللهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْتَهُ وَبَوْلَهُ فِي
مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
الشرح :
هذا الحديث أخرجه البخاري من حديث طلحة بن أبي سعيد عن
المقبري عنه، وفي الباب عن أسماء بنت يزيد وعلي وزيد بن ثابت
وسهل بن الحنظلية وسوادة بن الربيع.
أخرج الأول أحمد بلفظ: ((من أرتبط فرسًا في سبيل الله فأنفق عليه
أحتسابًا كان شبعه وجوعه وريه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة،
ومن أرتبط فرسًا رياء وسمعة كان ذَلِكَ خسرانًا في ميزانه يوم القيامة))(١).
وأخرج الثاني: ابن بنت منيع من حديث الحارث عنه بلفظ: ((من
ارتبط فرسًا في سبيل الله فعلفه وأثره في موازينه يوم القيامة)).
والثالث: عبد بن حميد في ((مسنده)) بإسناد فيه ضعف بلفظ: ((من
حبس فرسًا في سبيل الله كان سترة من النار))(٢).
(١) أحمد ٤٥٨/٦.
(٢) ((المنتخب)) ٢٣٨/١ (٢٥٢).

٥٠٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
والرابع: ابن أبي عاصم من حديث المطعم بن المقدام، عن
الحسن، عن سهل بلفظ: ((من أرتبط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة
عليه كالماد يده بصدقه لا يقبضها)).
والخامس: أخرجه أيضًا بلفظ: ((ارتثوا الخيل))، وأخرج مثله من
حديث يزيد بن غريب المليكي عن أبيه عن جده مرفوعًا، ومن حديث
محمد بن عقبة القاضي عن أبيه عن جده عن تميم الداري مرفوعًا :
((من أرتبط فرسًا في سبيل الله فعالج علفه كان له بكل حبة حسنة)).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالحديث دال على أن الأحباس جائزة في الخيل
(والرباع وغيرها؛ لأنه إذا جاز في الخيل)(١) للمدافعة عن المسلمين
وعن الدين والنفع لهم بجر الغنائم والأموال إليهم، فكذلك تجوز في
الرباع المثمرة لهم، نبه عليه المهلب.
وما وصفه من الروث وغيره إنما يريد ثوابه لا أن الروث هو
الموزون، بل أجره، ولا نقول: إن زنة الأجر زنة الروث، بل أضعافه
إلى ما شاء الله تعالى.
وفيه: أن النية قد يؤجر الإنسان بها كما يؤجر العامل؛ لأن هذا إنما
أحتبس فرسه ليقاتل عليه ويغير، فعوض من أجر العمل المعدوم في ترك
استعماله فيه بعدٍّ نفقاته وأروائه أجرًا له، مع أنه في رباطه نافع؛ لأن
الإرهاب بارتباطه في نفس العدو وسماعهم عنه نافع.
وفيه: أن الأمثال تضرب لصحة المعاني وإن كان فيها بعض
المكروهات الذكر.
(١) من (ص١).

٥٠٠
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
٤٦ - باب اسْمِ الفَرَسِ وَالْحِمَارِ
٢٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِ حَازِمٍ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ، فَتَخَلَّفَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ بَعْضٍ
أَصْحَابِهِ وَهُمْ تُحْرِمُونَ وَهُوَ غَيْرُ يُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ
حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَّهُ يُقَالُ لَهُ الَجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا،
فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَقَدِمُوا فَلَمَّا أَذْرَكُوهُ قَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ
شَيْءٌ؟)). قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َلِّ فَكَلَهَا. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦
(٦٣) - فتح: ٥٨/٦]
٢٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَلِّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أُّ
بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ وَ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ
لَهُ: اللَّحَيْفُ. [فتح: ٦ /٥٨]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ بَغْضُهُم: اللُّخَيْفُ.
٢٨٥٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِرَاهِيمَ، سَمِعَ يَحْيَى بْنَ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأخْوَصِ،
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ ﴾ قَالَ: كُنْتُ رِذْفَ النَّبِيِّ وَ عَلَى
حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ
العِبَادِ عَلَى اللهِ؟)). قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ
يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ
شَيْئًا)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَكِلُوا)).
[٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠، ٧٣٧٣ - مسلم: ٣٠ - فتح: ٥٨/٦]
٢٨٥٧ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا ◌ُنْدَرُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَّ قَالَ: كَانَ فَرَعْ بِالْدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ◌َ فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ:
مَنْدُوبٌ. فَقَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعِ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [انظر: ٢٦٢٧ - فتح: ٦ /
٥٨]

٥٠٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي وأنه كان راكبًا
على فرس يقال له الجرادة. وقد سلف.
ثانيها: حديث أُبي بن العَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
كَانَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: اللَّحَيْفُ. وقال بعضهم:
اللخيف. بالخاء؛ وهو من أفراده.
ثالثها: حديث مُعَاذٍ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ نَّهَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ:
عُفَيْرٌ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ
عَلَى اللهِ؟)). قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ
أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ
لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ:
(لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)).
رابعها: حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ فَزٌَ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ. فَقَالَ: ((مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَع، وَإِنْ
وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)) . وقد سلف.
ثم الكلام من وجوه:
أحدها: شيخ البخاري في الأول (محمد بن أبي بكر)، وهو
الصواب. قَالَ الجياني: وفي نسخة أبي زيد المروزي: محمد بن
بكر، وهو خطأ، والصواب الأول وهو المقدمي، قَالَ: وليس في
شيوخ البخاري محمد بن بكر(١).
ثانيها: اختلف في ضبط اللحيف، فضبطه عامة الشيوخ كما قال
(١) ((تقييد المهمل)) ٦٢٨/٢.

٥٠٧
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
صاحب ((المطالع)): بضم اللام وفتح الحاء المهملة.
قلتُ: وعليه أقتصر الهروي، سمي؛ بذلك لطول ذنبه، فعيل بمعنى
فاعل، فكأنه يلحف الأرض بجريه، يقال: لحفت الرجل باللحاف: إذا
طرحته عليه(١)، قال: وعن ابن سراج: فتح اللام وكسر الحاء على وزن
رغيف. وقال ابن السكيت: سمي اللحيف لكثرة سبائبه: يعني ذنبه. وقال
ابن الجوزي: بنون وحاء مهملة، وقال في ((المغيث)): بلام مفتوحة
وجيم مكسورة. قَالَ أبو موسى: المحفوظ بالحاء، فإن روي بالجيم
فيراد به السرعة؛ لأن اللجيف سهم نصله عريض، قاله صاحب
((التتمة))، وصح عن البخاري أنه قال: إنه بالخاء المعجمة(٢). قَالَ ابن
الأثير: ولم يتحققه، والمعروف الأول(٣).
وهذا الفرس أهداه لرسول الله وَلّ ربيعة بن البراء فأثابه عليه فرائض
من نعم بني كلاب. وقال ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)): أهداه له فروة بن
عمرو الجذامي من أرض البلقاء.
ثالثها: (عُفَير) تصغير أعفر، إلا أنهم أخرجوه عن بناء أصله، كما
قالوا في تصغير أسود: سويد. وهو بعين مهملة على المشهور، وزعم
القاضي عياض: أنه بغين معجمة، وَرُدَّ ذَلِكَ عليه.
قَالَ ابن عَبْدُوس في أسماء خيله ودوابه ◌َّ: كان (أخضر)(٤) أخذ
ذَلِكَ من العفر وهو التراب، وكذا قَالَ الخطابي: سمي بذلك لعفرة لونه،
والعفرة: حمرة يخالطها بياض، يقال له: أعفر ويعفور، وأخضر
(١) كما في ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٣٨/٤.
(٢) ((المجموع المغيث)) ١١٣/٣.
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٤٤/٤.
(٤) كذا بالأصل، ولعلها : أعفر.

٥٠٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ويخضور، وأصفر ويصفور، وأحمر ويحمور(١).
وقال ابن بطال: عفير من العفرة وهو تصغير أعفر (٢). وقال
الدمياطي: إنه شبه في عدوه باليعفور - وهو الظبي - وهذا الحمار
أهداه لرسول الله وَلّ المقوقس، وأهدى له فروة بن عمرو حمارًا يقال
له: يعفور. ويقال: هما واحد، حكاه ابن عبدوس.
قَالَ الواقدي: نَفَقَ يَعْفُور مُنْصَرف رسول الله وَّ من حجة الوداع.
وذكر السهيلي أنه طرح نفسه في بئر يوم مات رسول الله وَالية(٣)، وذكر
ابن عساكر عن أبي منصور: لما فتح رسول الله وَل خيبر أصاب
حمارًا أسود، فقال له وَّ: ((ما اسمك؟)) قَالَ: يزيد بن شهاب
-وعند السهيلي: زياد بن شهاب- أخرج الله من نسل جدي ستين
حمارًا، كلهم لم يركبه إلا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني؛ لأنه
لم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك. فذكر حديثًا طويلًا
فيه: فلما توفي رسول الله ور جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن
التيهان، فترَدىُ فيها جَزَعًا على رسول الله، فصارت قبره(٤).
قَالَ أبو القاسم: هذا حديث غريب، وفي إسناده غير واحد من
المجهول(٥).
وقال ابن حبان في ((ضعفائه)): لا أصل لهذا الحدیث، وإسنادہ لیس
(٦)
بشيء(٦).
(١) ((معالم السنن)) ٢١٦/٢.
(٣) ((الروض الأنف)) ٣/ ٨٤.
(٥) علم عليها في الأصل بـ(كذا).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦٠/٥.
(٤) ((تاريخ دمشق)) ٤/ ٢٣٢.
(٦) ((المجروحين)) ٣٠٩/٢.

٥٠٩
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
فائدة :
روينا في ((الإرداف)) لابن منده أبي زكريا يحيى أنه ◌ّ كان له حمار
آخر أعطاه إياه سعد بن عبادة.
ثانية مهمة: في عدد أفراسه:
عند ابن سعد أول فرس ملكه رسول الله وَلل فرس ابْتَاعه بالمدينة من
رجل من بني فَزَارة بعشرة أواقي، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس،
فسماه رسول الله: السكب، وأول ما غزا عليه أُحدًا، وكان أغر
محجلًا طلق اليمين(١).
وفي ((المنمق)) لمحمد بن حبيب البغدادي: كان كميتًا.
وللطبراني عن ابن عباس: كان أدهم، وله أيضًا السكب(٢)، سمي
بذلك؛ لأن لونه يشبه لون الشقائق. وللواقدي: كان له أيضًا فرس أشقر
يسمى: المرتجز وهو الذي شهد له فيه خزيمة، وكان لأعرابي من بني
مُرَّة.
ولابن أبي عاصم: كان أشقر، سمي المرتجز لحسن صهيله.
وزعم ابن قتيبة أن الذي شهد فيه خزيمة الظرب، وفي رواية:
(٣)
النجيب(٣) .
و(الأعرابي) قيل: هو سواء بن الحارث بن ظالم المزني، وقيل: هو
سواء بن قيس المحاربي.
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٤٨٩/١-٤٩٠.
(٢) ((المعجم الكبير)) ١١١/١١ (١١٢٠٨)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٢/٥ :
وفيه علي بن عروة، وهو متروك
(٣) الذي في ((المعارف)) ص١٤٩: أنه: المرتجز؛ لذلك كتب فوقها الناسخ (كذا).

٥١٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وذكر الرشاطي: أن المرتجز أهداه له عصيم بن الحارث بن ظالم
المحاربي فأثابه وَير ناقة تدعى القرعى.
وعند الواقدي: كان له ﴾﴾ أفراس ثلاث عند سهل بن سعد: لزاز،
والظرب، واللحيف، أهدى الظرب له فروة بن عمرو الجذامي، وفي
((تاريخ ابن عساكر)): أهداه له ربيعة بن أبي البراء(١)، وذكر أبو سعيد
النيسابوري في ((شرف المصطفى)): أنه كان لجنادة بن المعلى المحاربي،
وذكر ابن الجوزي أن لزازًا (أهدى له)(٢) المقوقس. وعند السهيلي:
كان معه في المريسيع، وذكر سليمان بن بنين النحوي المصري(٣):
أنه من هدايا المقوقس، قَالَ: وكان تحته ببدر. وفيه نظر؛ لأن هدايا
المقوقس لم تأت إلا بعد سنة ست.
وعند ابن سعد: کان له فرس يقال له: الورد أهداه له تميم الداري،
فأعطاه عمر، فحمل عليه في سبيل الله فوجده يباع، الحديث(٤).
وعنده أيضًا: المرواح، أهداه له الرُّهَاوِيُّون(٥).
وعند ابن حبيب: وكان له فرس يقال له: ذو اللمة.
(١) ((تاريخ دمشق)) ٢٢٦/٤.
(٢) كذا في الأصل، ولعلها: أهداه له.
ويأتي عند المصنف (في: ثالثا، من باب من قاد دابة غيره في الحرب): ما جاء
عند ابن سعد ٤٩١/١: أن دلدل هي التي أهداها له المقوقس.
(٣) هو سليمان بن بنين بن خلف الدقيقي، تقي الدين، أبو عبدالغني، الأديب،
الفرضي العروضي، توفي بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، وله العديد من
التصانيف، أنظر: ((معجم الأدباء)) لياقوت ٣٩٢/٣ -٣٩٣ (٤٦٢).
(٤) ((الطبقات الكبرى)) ٤٩٠/١.
(٥) ((الطبقات الكبرى)) ٣٤٤/١.

٥١١
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وعند ابن خالويه: والمرتجل والسرحان والعسوب، ذكره قاسم بن
ثابت في ((الدلائل)).
وكذلك اليعسوب والبحر. قَالَ ابن بنين: اشتراه من تجار قدموا به
من الیمن.
والشحاء والسجل، قَالَ ابن الأثير: أخاف أن يكون أحدهما
تصحيف من الآخر.
وملاوح، ذكره في ((شرف المصطفى)) قال: وكان لأبي بردة بن نيار.
ومندوب، ذكره أبو عبد الله محمد بن علي بن حضر بن عسكر
المالقي في ((ذيل التعريف)).
وسبخة، ففي (سنن الدارقطني)) عن أنس: كانت له فرس يقال لها :
سبخة(١).
وذو العقال(٢)، ذكره ابن عساكر.
والسقب، (ففي)(٣) ((الجهاد)) لابن أبي عاصم عن ابن عباس: كان
لرسول الله فرس أدهم يسمى: دلدل، وفي ((المستدرك)): كان له بغلة
يقال لها : دلدل (٤).
وقال الواقدي: عن موسى بن محمد، عن أبيه: هي أول بغلة
(رئيت)(٥) في الإسلام، أهداها له المقوقس وبقيت إلى زمن معاوية.
(١) ((سنن الدارقطني)) ٣٠١/٤.
(٢) في هامش الأصل: ذو العقال: بضم العين المهملة وتشديد القاف، ويقال
بتخفيفها.
(٣) كذا بالأصل، ولعلها: (وفي).
(٤) ((المستدرك)) ٦٠٨/٢.
(٥) في الأصل: رؤية. وفي هامشه: لعلها: رئيت. [قلت: يعني بالتاء المفتوحة على =

٥١٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي ((تاريخ دمشق)): قاتل عليها في خلافته الخوارج(١).
وعند ابن إسحاق: كانت في منزل عبد الله بن جعفر يحش لها
الشعير؛ لأن أسنانها ذهبت، وكانت شهباء. وعند الواقدي: أهداها له
فروة الجذامي. وعند المرزباني: لما أهداها لرسول الله وَاليه- طلبه
الحارث بن أبي شمر الغساني، فلما ظفر به صلبه. وفي مسلم: أهدى
ابن العَلْمَاء -يعني: يوحنا بن رؤبة- له في تبوك بغلة بيضاء، فكتب له
النبي وَ﴿ يجيرهم وأهدى له بردًا (٢). وعند ابن سعد: وأرسل إليه
صاحب دومة بغلة(٣).
وفي الثعلبي - بإسناد فيه ضعف- عن ابن عباس: أهدى كسرى بغلةً
لرسول الله ﴿ فركبها (بجُل) (٤) من شعر وأردفه خلفه. وفيه نظر؛ لأن
کسری مزق کتابه.
وفي ((أخلاقه وَّ)) لأبي الشيخ ابن حَيَّان: عن ابن عباس أن
النجاشي أهدى له وَ ل18 بغلة؛ فكان يركبها(٥)، وهو غريب.
وروى الطبري عن ابن عبد الرحيم البرقي: ثنا عمرو بن أبي سلمة
عن زهير بن محمد قَالَ: اسم راية رسول الله وَله: العقاب، وفرسه:
المرتجز، وناقته: العضباء والجدعاء، والحمار: يعفور، والسيف:
= جادة الرسم، وقد كان بعض العلماء قديما يكتبون التاء المفتوحة في نهاية الكلمة
تاء مربوطة، مثل ما قرئ بخط الجواليقي، وما أثبته سبط ابن العجمي هنا يعد من
أمانته العلمية في نقل النسخة التي يأخذ عنها. أنظر: ((مناهج تحقيق التراث بين
القدامى والمُحْدَثين)) أ.د. رمضان عبدالتواب].
(١) ((تاريخ دمشق)) ٢٣٠/٤.
(٢) مسلم (١١/١٣٩٢) بعد حديث (٢٢٨١) كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي وَلّ.
(٤) كذا بالأصل.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ٧٧/٢.
(٥) ((أخلاق النبي ◌َلْتَ)) ٢/ ٤٦٧ (٤٥٦).

٥١٣
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ذو الفقار، والدرع: ذات الفضول، والرداء: الفتح، والقدح: الغمر.
رابعها: فقه الباب: جوازٌ تسمية الدواب بأسماء تخصها غير أسماء
أجناسها.
وقوله: (((وإن وجدناه لبحرا)) ) أي: واسع الجري. قَالَ
الأصمعي: يقال: فرس بحر وفيض وحث وغمر. وقال نفطويه: معناه
كثير الجري لا يفنى جريه كما لا يفنى ماء البحر، فإذا كان ذَلِكَ من
فعله ◌َ﴿ في أملاكه وكان الرب جل جلاله قد ندب خلقه إلى
الاستنان به والتأسي فيما لم ينْهَهُم عنه، فالصواب لكل من أنعم الله
عليه وخوله رقيقًا أو حيوانًا من البهائم أو الطير أو غير ذَلِكَ أن يسميه
باسم كما فعل ◌َّر، وعلم بذلك أن المولدين لما أدعوا أنساب الخيل
لم يتعدوا في ذلك، إذ كان لها من الأسماء ما لبني آدم تميزوا بها من
أعيانها وأشخاصها، إذ الأسماء إما هي أمارات وعلامات يفصل بها
بين مسمياتها، وذكر هنا في حديث أبي قتادة: أنه وَلّ أخذ منه رجل
الحمار وأكله، وهو حجة على أحد قولي أبي حنيفة وغيره الذين
منعوا المحرم من أكل لحم الصيد وإن لم يصد من أجله.
وفيه: إرداف النبي ولار أفاضل الصحابة. ومعاذ أحد الأربعة الذين
حفظوا القرآن على عهد رسول الله وَل﴿ وزيد بن ثابت وأبي وأبو زيد
الأنصاري، ويقال: إنه يأتي يوم القيامة يقدم العلماء برتوة(١)، مات
ابن ثلاث وستین.
(١) ورد بهامش الأصل: أي برمية سهم. وقيل: بميل. وقيل: مدى البصر، قاله ابن
الأثير؛ وفي ((صحاح الجوهري)): الرتوة: الخطوة، ثم ذكر الحديث، ثم قال:
ويقال بدرجة. انتهى.

٥١٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: جواز الإرداف على الدابة والحمل عليها ما أقلت ولم يضر
بها.
فائدة :
الخيل: جمع لا واحد له وجمعه: خيول، قاله في ((المخصص))،
وكان أبو عبيد يقول: واحدها خايل لاختيالها، فهو على هذا الأسم
للجمع عند سیبویه، وجمع عند أبي الحسن(١).
قَالَ في ((المحكم)): وقول أبي عبيد ليس بمعروف. قَالَ: وقول أبي
ذؤيب:
فتنازلا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بَطَلُ اللقاءِ مُخدَّع
ثناه على قولهم: هما لقاحان أسودان وجمالان، والجمع: أخيال
عن ابن الأعرابي، والأول أشهر(٢).
وقال ابن رضوان أبو عبد الله في ((الاحتفال))(٣): وقد جاء فيه الجمع
أيضًا على أخيل في شعر الحطيئة وإذا صغرت قلتَ: خُيَيْلَة، ولو حذفها
لكان وجهًا، والخول -بالفتح -: جماعة الخيل.
(١) ((المخصص)) ٢/ ٨١.
(٢) ((المحكم)) ١٥٩/٥.
(٣) هو أبو يحيى محمد بن رضوان بن محمد بن إبراهيم بن أرقم، الوادي آشي، تولى
قضاء بلده وبرشانة المتوفى سنة سبع وخمسين وستمائة. من تصانيفه ((الاحتفال في
استيفاء ما للخيل من الأحوال))، ((رسالة في الإسطرلاب الخطي والعمل به))،
((شجرة الأنساب))، ((مختصر إحياء علوم الدين للغزالي))، ((مختصر غريب
المصنف)). أنظر ترجمته في ((بغية الوعاة)) ١٠٤/١ (١٧٢): ((هدية العارفين)) ٢/
١٢٦.

٥١٥
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
٤٧ - باب مَا يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ
٢٨٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالمُ بنُ عَبْدِ
اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّمَا
الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِ الفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ)). [انظر: ٢٠٩٩ - مسلم: ٢٢٢٥ -
فتح: ٦ /٦٠]
٢٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ بَّهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأَةِ
وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنٍ)). [٥٠٩٥ - مسلم: ٢٢٢٦ - فتح: ٦ /٦٠]
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ
اللهِ، عن أبيه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا الشَّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي
الفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ)).
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي
المَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ)».
الشرح:
الحديثان في مسلم أيضًا ويأتيان في النكاح [أيضًا](١).
وفي مسلم عن جابر: ((إن كان في شيء ففي الربع والفرس
والمرأة)»(٢)، يعني: الشؤم. وهو من أفراده.
وروى الترمذي الأول من حديث سفيان عن الزهري، عن سالم
وحمزة عن أبيهما، قَالَ: ورواه مالك، عن الزهري فقال: عن سالم
(١) من (ص١).
(٢) مسلم (٢٢٢٧) كتاب السلام، باب الطيرة والفأل.

٥١٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحمزة (١)، ورواه أبو عمر من طريق معمر، عن الزهري، فقال: عن
سالم أو حمزة أو كليهما -شك معمر - وفي آخره قَالَ: قالت أم
سلمة: والسيف. قَالَ أبو عمر: وقد روى جويرية(٢)، عن مالك، عن
الزهري أن بعض أهل أم سلمة -زوج النبي وسلو - أخبره أن أم سلمة
كانت تزيد: السيف. يعني في حديث الزهري، عن حمزة وسالم في
الشؤم(٣).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالشؤم نقيض اليمن وهو الفحش، وروينا في
(الحلية)) من حديث عائشة مرفوعًا: ((الشؤم سوء الخلق)) قَالَ أبو نعيم:
تفرد به عن حبيب بن عبيد أبو بكر بن أبي مريم (٤)، وكانت عائشة تنكر
الشؤم وتقول: إنما حكاه رسول الله ◌َله عن أهل الجاهلية وأقوالهم.
ثم ذكر بإسناده إلى أبي حسان أن رجلين دخلا عليها فقالا: إن
أبا هريرة يحدث أنه س* قَالَ: ((إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة))
فذكرت كلمة معناها أنه غلط، ولكن كان رسول الله وَ له يقول: ((كان
أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في ذلك))(٥)، ومن طريق أنس مرفوعًا:
((لا طيرة، والطيرة على من تطير، وإن يكن في شيء ففي المرأة والدار
والفرس)»(٦).
(١) الترمذي (٢٨٢٤)، ((الموطأ)» ص٦٠٢ (٢٢).
(٢) علم عليها في الأصل (كذا)، وفي الهامش كتب: كذا هو في أصله، وقد روى
جويرية بن أسماء عن مالك، وهو من أقرانه؛ فيحتمل أن يكون ما في الأصل
صحيحا ويحتمل أن يكون مصحفا، والله أعلم.
(٣) ((التمهيد)) ٢٧٨/٩-٢٧٩.
(٤) ((حلية الأولياء)) ٦/ ١٠٣.
(٥) ((التمهيد)) ٢٨٨/٩-٢٨٩، ورواه أيضا أحمد ٦/ ٢٤٠.
(٦) ((التمهيد)) ٢٨٤/٩، وصححه ابن حبان في ((صحيحه)) ٤٩٢/١٣ (٦١٢٣).

٥١٧
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وتخيل بعضهم أن التطير بهذه الأشياء من قوله: ((لا طيرة)) وأنه
مخصوص بها، فكأنه قَالَ: لا طيرة إلا في هذِه الثلاثة، فمن تشاءم
بشيء منها نزل به ما كره من ذلك، وممن صار إلى ذَلِكَ ابن قتيبة،
وعضده بحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((الطيرة على من تطير)).
وسُئل مالك عن تفسير الشؤم في ذَلِكَ فقال: هو كذلك فيما نرى،
كم من دار سكنها ناس فهلكوا ثم آخرون من بعدهم فهلكوا.
ويعضده حديث يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله
فقالت: يا رسول الله، دار سكناها والعدد كثير والمال وافر، فقل العدد
وذهب المال، فقال: ((دعوها ذميمة)»(١)، أي: عندكم لاعتيادكم ذلك،
فالناس يتطيرون بهُذِه الثلاثة أكثر من سواها، ولا يظن بهذا القول أن
الذي رخص فيه من الطيرة بهذِه الثلاثة الأشياء هو على ما كانت
الجاهلية تعتقد فيها فإنها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله
بوجه، بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإن هذا ظن خطأ، وإنما يعني
بذلك أن هُذِه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها.
فمن وقع في نفسه شيء من ذَلِكَ فقد أباح الشرع له أن يتركه
ويستبدل به غيره مما يغلب به نفسه، ويسكن خاطره له، ولم يلزمه
الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو امرأة يكرهها بل قد فسح الله له
في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله هو الفعال لما يريد. وليس
لشيء من هذِه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكر في
المجذوم.
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص٦٠٢ (٢٣)، عن يحيى بن سعيد مرفوعا، بانقطاع
وصله أبو داود من حديث أنس (٣٩٢٤).

٥١٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
لا يقال: هذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذِه
الثلاثة بالذكر؟
لأن الضرورة في الوجود لابد للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا،
وأكثر ما يقع التشاؤم في الثلاثة، فكذلك خصت بالذكر.
فإن قلتَ: ما الفرق بين الدار وموضع الوباء الذي منع من الخروج
منه؟
قلتُ: الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام، ذكرها بعضهم:
أحدها: ما لا يقع التأذي به ولا أطردت عادة به، فلا يصغى إليه،
وقد أنكر الشارع الالتفات إليه كتلقي الغراب في بعض الأسفار أو صراخ
بومةٍ في داره، فمثل هذا قَالَ: ((لا طيرة ولا تطير)) وسيأتي حديث: (لا
عدوى ولا طيرة)) في الطب(١)، وأخرجه جمع من الصحابة منهم ابن عمر
-وصححه الترمذي- وابن عباس، أخرجه ابن ماجَهْ(٢)، ورواه أيضًا
ثلاثة عشر صحابيًا أُخَرُ، ذكرهم أبو محمد بن عساكر في ((تحقيق
المقال في الطيرة والفال)): وهذا هو الذي كانت العرب تعمل به.
ثانيها: ما يقع به الضرر عامًّا نادرًا كالوباء، فلا يقدم عليه عملًا
بالجزم والاحتياط، ولا يفر منه لاحتمال أن يكون وصل الضرر بها
إلى الضار، فيكون سفره زيادة في محنته وتعجيلًا لهلكة.
ثالثها: سبب يخص ولا يعم ويلحق منه الضرر بطول الملازمة
كالمذكورات في الحديث، فيباح له الأستبدال والتوكل على الله
والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال.
(١) سيأتي برقم (٥٧٠٧) باب الجذام، من حديث أبي هريرة.
(٢) ابن ماجه (٣٥٣٩)، من حديث ابن عباس، وبرقم (٣٥٤٠) من حديث ابن عمر.

٥١٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
وثَمَّ تأويلات أُخَرُ للحديث، منها: أن شؤم الدار: ضيقها وسوء
جيرانها أو أن لا يسمع فيها أذان، وشؤم المرأة: عدم ولادتها،
وسلاطة لسانها، وتعرضها للريبة.
قلتُ: قَالَ عروة: أول شؤمها كثرة مهرها. وشؤم الفرس: ألا يُغزى
عليها، وغلاء ثمنها. وشؤم الخادم: سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض
إلیه.
ووردت هذه الألفاظ على أنحاء في هذا: إن كان الشؤم ففي كذا
الشؤم في كذا، إنما الشؤم في كذا، فالأول: معناه: إن خلقه الله فيما
جرى في بعض العادة به فإنما يخلقه في الغالب في هذِه الثلاثة.
والثاني: حصر للشؤم فيها، وهو حصر عادة لا خلقة، فإن الشؤم قد
يكون بين الأثنين في الصحبة، وقد يكون في السفر، وقد يكون في
الثوب يستجده العبد، ولهذا قَالَ وَّهِ: ((إذا لبسَ أحدكم ثوبًا جديدًا
فليقل: اللَّهُمَّ إني أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره
وشر ما صنع له))(١).
وقال ابن التين في الأولى: قيل: معناه يكون لقوم دون قوم، وذلك
كله (بقدرة)(٢) الله لا على أنها فعالة بنفسها، ولكنها سبب للقضاء
والقدر. وقيل: إن الراوي لم يسمع أول الحديث، وهو: الجاهلية
تقول: الشؤم في ثلاث. فحكى ما سمع.
وقال الخطابي: المراد: إبطال مذهبهم في التطير والسوائح
(١) رواه أبو داود (٤٠٢٠)، والترمذي (١٧٦٧)، من حديث أبي سعيد أنه و لو كان إذا
أستجد ثوبا قال: ((اللهم إني أسألك .. )) الحديث.
(٢) في (ص١): بقدر.

٥٢٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والبوارح، ويكون مجرى الحديث مجرى استثناء الشيء من غير جنسه،
وسبيله سبيل الخروج من شيء إلى غيره(١).
قَالَ بعض العلماء: وقد يكون الشؤم هنا على غير المفهوم من معنى
التطير، لكن بمعنى قلة الموافقة وسوء الطباع كما في الحديث: ((من
سعادة المرءِ ثلاثة: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب
الصالح، ومن شقوته: المرأة السوء والمسكن السوء)).
رواه أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن
أبيه عن جده(٢).
ومن حديث معاوية بن حكيم عن عمه حكيم بن معاوية: سمعت
النبي ◌َّ يقول: ((لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والفرس
والدار))(٣).
وروى يوسف بن موسى القطان: ثَنَا سفيان، عن الزهري، عن
سالم، عن أبيه يرفعه: ((البركة في ثلاثة: في الفرس، والمرأة، والدار)).
وسُئل سالم عن معنى هذا الحديث فقال: قَالَ رسول الله وَلقال: ((إذا
كان الفرس ضروبًا فهو مشئوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجًا قبل
زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشئومة، وإذا كن بغير هذا
الوصف فهن مباركات)).
ويحتمل - (كما)(٤) قَالَ أبو عمر - أن يكون قوله: ((الشؤم في ثلاث))
(١) ((معالم السنن)) ٢١٨/٤.
(٢) أحمد ١٦٨/١.
(٣) رواه الترمذي (٣٢/٢٨٤٤)، وفي ابن ماجه (١٩٩٣) عن حكيم بن معاوية، عن
عمه مِخْمر بن معاوية.
(٤) من (ص١).