Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
ثم ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن مَسْعُودٍ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
ذكره من طريق مَالِك بْنِ مِغْوَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيْزَارِ ذَكَرَ عَنْ أَبِي
عَمْرٍو الشَّيْبَانِيّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ فذكره.
ثانيها: حديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: (لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ
ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ».
ثالثها: حديث عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ،
أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: ((لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجِّ مَبْرُورٌ)).
رابعها: حديث أبي هُرَيْرَةَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: دُلَّنِي
عَلَى عَمَلِ يَعْدِلُ الجِهَادَ. قَالَ: (لَا أَجِدُهُ)) قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ
المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدََ فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟». قَالَ:
وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ
فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ.
الشرح:
هذا الباب مذكور هنا في جميع النسخ والشروح خلا ابن بطال فإنه
ذكره عقيب الحج والصوم قبل البيوع، ولما وصل إلى هنا وصل بكتاب
الأحكام.
وأحاديث الباب تقدمت إلا حديث أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم
والأربعة (١).
(١) رواه مسلم برقم (١٨٧٨) كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله،
والترمذي (١٦١٩)، والنسائي ١٩/٦، ولم أقف عليه عند أبي داود، ولا ابن
ماجه، وانظر: ((تحفة الأشراف)) (١٢٨٤٢)

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأما الآية فهي تمثيل مثل ﴿اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ ولما جوزوا
بالجنة على ذَلِكَ عبر عنه بلفظ الشراء تجوز.
وقوله: ﴿فَيَقْنُلُونَ وَيُقْنَلُونٌَ﴾ فيه بشرى، وهي أن القاتل والمقتول
معًا في الجنة، وقال بعض الصحابة: ما أبالي قتلت في سبيل الله أو قُتلت
وتلا هذِه الآية، وهذا يرد على الشعبي في قوله: إن الغالب في سبيل الله
أعظم أجرًا من المقتول(١).
﴿ التَِّبُونَ﴾ من الذنوب، ﴿الْعَبِدُونَ﴾ بالطاعة، أو بالتوحيد أو بطول
الصلاة، أقوال. وقال الحسن: ﴿التَِّبُونَ﴾ من الشرك ﴿اَلْعَبِدُونَ﴾ لله
وحده(٢). وقال الداودي: كلما كانت منهم غفلة أو سهو أو خطئة
ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم.
﴿اَلْحَمِدُونَ﴾ على السراء والضراء أو على الإسلام(٣).
﴿السَّبِحُونَ﴾ المجاهدون، أو الصائمون واستؤذن ◌َّ في السياحة
فقال: ((سياحة أمتي الجهاد)) (٤)، وفي رواية: ((الصوم)) وصح عن ابن
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢٣٧/٤ (١٩٥٥٩)، من طريق علي بن صالح، عن أبيه، عن
الشعبي، به.
(٢) رواه الطبري في ((التفسير)) ٤٨٣/٦ (١٧٢٩٠، ١٧٢٩٥)، وابن أبي حاتم في
((التفسير)) ١٨٨٨/٦ (١٠٠١٦)، وبنحوه رواه ابن أبي شيبة ٢٠٤/٧ (٣٥٣٠٨).
(٣) هو من تفسير الحسن، رواه عنه الطبري ٦/ ٤٨٣ (١٧٢٩٧، ١٧٢٩٨)، وابن أبي
حاتم ٦/ ١١٨٨٩ (١٠٠٢٥، ١٠٠٢٦).
(٤) روي ذلك عن رسول الله وَالر، كما في ((تفسير الطبري)) ٤٨٤/٦ (١٧٣٠٠)،
و((الشعب)) للبيهقي ٢٩٣/٣ (٣٥٧٨)، كما روى ذلك جمع من الصحابة، منهم:
أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس، وكذلك عن سعيد بن جبير، ومجاهد. أنظر:
(تفسير الطبري)) ٤٨٤/٦-٤٨٦ (١٧٢٩٩-١٧٣٢٧)، و((تفسير ابن أبي حاتم)» ٦/
١٨٨٩-١٨٩٠ (١٠٠٢٧-١٠٠٣٣)، ((الحلية)) لأبي نعيم ٩/ ٤٤.

٣٢٣
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
مسعود أنها الصوم(١)، قيل له سائح؛ لأنه تارك للمفطرات فهو كهو،
وقيل: السائحون: المهاجرون(٢)، وقيل: طلبة العلم(٣).
بِالْمَعْرُوفِ﴾ التوحيد أو الإسلام.
اُلْمُنكَرِ﴾ الشرك، أو الذين لم ينهوا عنه حَتَّى انتهوا عنه (٤).
﴿ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ﴾ القائمون بأمره، والعاملون بأمره ونهيه،
أو بفرائض الله حلاله وحرامه، أو الشرطه في الجهاد(٥).
قَالَ بعض العلماء: إذا كان (الناهون)(٦) عن المنكر الثلثَ،
والعاملون له الثلثين؛ وجب على الناهين جهاد الفاعلين قياسًا على
أهل الكفر(٧).
وقَالَ (ابن)(٨) مجاهد: إنما يكون باليد واللسان لا بالسيف؛ إلا في
(١) رواه أبو داود (٢٤٨٦)، والطبراني ١٨٣/٨ (٧٧٦٠)، والحاكم ٧٣/٢، والبيهقي
في ((السنن)) ١٦١/٩، وفي ((الشعب)) ١٤/٤؛ كلهم من حديث العلاء بن
الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، به. وصححه الحاكم.
وانظر: ((صحيح أبي داود)) (٢٢٤٧).
(٢) رواه عنه الطبري ٤٨٤/٦ (١٧٣٠٣)، وابن أبي حاتم ١٨٨٩/٦ (١٠٠٢٨)،
والطبراني ٢٢٥/٩ (٩٠٩٥)، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٤/٧: فيه عاصم بن
بهدلة، وثقه جماعة وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ (١٠٠٣٣)، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٤) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٠ (١٠٠٣٢).
(٥) رواه الطبري ٤٨٦/٦ (١٧٣٢٩) عن الحسن، ورواه ابن أبي حاتم ١٨٩١/٦
(١٠٠٣٧-١٠٠٣٨)، عن سعيد بن جبير، والحسن.
(٦) في (ص١): النهي.
(٧) رواه الطبري عن ابن عباس والحسن ٤٨٦/٦-٤٨٧ (١٧٣٣٢ -١٧٣٣٥)، ورواه
ابن أبي حاتم ١٨٩٢/٦ (١٠٠٤٣- ١٠٠٤٤)، عن قتادة ومقاتل.
(٨) عليها في الأصل: كذا.

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
المحاربين، وأتى بالواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ وما بعده؛ لأن ما بعد
السبع من النعوت يأتي بالواو ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: المصدقين بما وعدوا
في هذِه الآيات، أو بما ندبوا إليه فيها(١)، فلما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى﴾
جاء رجل من المهاجرين؛ فقال: يا رسول الله، وإن زنا وإن سرق وإن
شرب الخمر؟ فنزلت ﴿الثَِّبُونَ﴾.
وما ذكره عن ابن عباس في تفسير الحدود أنها الطاعة (٢)، ذكره
إسماعيل بن أبي زياد الشامي في (تفسيره)) عنه، وذكر الحاكم في
((إكليله)) أن هذِه الآية الكريمة هي أول آية نزلت في الإذن بالقتال،
وفي ((مستدركه)) عنه على شرطهما أول آية نزلت فيه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَتَلُونَ﴾ الآية(٣).
وحديث ابن مسعود سلف شرحه في الصلاة(٤)، وأن اختلاف
الأحاديث كان لاختلاف السائلين ومقاصدهم.
وجمع الداودي أيضًا بأن لا اختلاف إن أوقع الصلاة في ميقاتها كان
الجهاد مقدمًا على برِّ أبويه وإن أخرها عن وقتها كان بر أبويه مقدمًا على
الجهاد.
وقال الطبري: ومعنى الحديث أن هذِه الخصال أفضل الأعمال بعد
الإيمان بالله ورسوله، وذلك أن من ضيع الصلاة المفروضة حَتَّى خرج
وقتها بغير عذر يعذر منه مع خفة مؤنتها وعظم فضلها فهو لا شك لغيرها
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((التفسير)) ٦/ ١٨٩٢ (١٠٠٤٧).
(٢) ((صحيفة ابن أبي طلحة، عن ابن عباس)) في التفسير ص ٢٧٥ (٦٠٠)، ومن طريق
علي بن أبي طلحة رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٦/ ١٨٩٢ (١٠٠٤٥).
(٣) ((المستدرك)) ٢/ ٣٩٠، وصححه على شرط الشيخين.
(٤) سلف برقم (٥٢٧) باب: فضل الصلاة لوقتها.

٣٢٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
-
من أمر الدين والإسلام أشد تضييعًا، وبه أشد تهاونًا واستخفافًا، وكذلك
من ترك بر والديه وضيع حقوقهما مع عظم حقهما عليه، وتربيتهما إياه،
وتعطفهما عليه، ورفقهما به صغيرًا، وإحسانهما إليه كبيرًا، وخالف أمر
الله ووصيته إياه فيهما فهو لغير ذَلِكَ من حقوق الله أشد تضييعًا.
وكذلك من ترك جهاد أعداء الله تعالى وخالف أمره في قتاله مع
كفرهم بالله، ومناصبتهم أنبياءه وأولياءه للحرب فهو كجهاد من هو
دونه من فساق أهل التوحيد، ومحاربة من سواه من أهل الزيغ
والنفاق أشد تركًا، فهذِه الأمور الثلاثة تجمع المحافظة عليهن الدلالة
لمن حافظهن أنه محافظ على ما سواهن، ويجمع تضييعهن الدلالة
على تضييع ما سواهن من أمر الدين والإسلام؛ فلذلك خصهن وَل
بأنهن أفضل الأعمال(١).
وحديث ابن عباس: ((لا هجرة بعد الفتح)) أسلفنا تأويله(٢)، وقال
ابن التين: (يريد) (٣) لمن لم يكن هاجر؛ دليله الحديث الآخر: ((أذن
للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثًا بعد الصدر)) (٤)، وكذلك في حديث سعد:
أخلف بعد أصحابي فقال: ((اللَّهُمَّ أمض لأصحابي هجرتهم)) (٥).
وقيل: كانت الهجرة (ضربان)(٦):
(١) نقله عن الطبري ابن بطال في ((شرحه)) ٦/٥.
(٢) سلف أصله برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر.
(٣) من (ص١).
(٤) سيأتي برقم (٣٩٣٣) من حديث العلاء بن الحضرمي، كتاب: مناقب الأنصار،
باب: إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه بلفظ: ((ثلاث للمهاجر بعد الصدر)).
(٥) سيأتي برقم (٣٩٣٦) باب: قول النبي وَطّ: ((اللهم أمض لأصحابي هجرتهم)).
(٦) كذا بالأصل، والجادة أن تكتب بالياء؛ إذ إنها خبر كان، وحقه النصب بالياء لأنه
مثنى.
=

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
أحدهما: أن الآحاد من القبائل كانوا إذا أسلموا وأقاموا في ديارهم
بين ظهراني قومهم أوذوا فأمروا بالهجرة؛ ليسلم لهم دينهم.
ثانيهما: أن أهل الدين بالمدينة كانوا في قلة من العدد وضعف من
القوة، فوجب على من أسلم أن يحضر النبي ◌َّ؛ ليستعين به في حدوث
حادثة، وليتفقهوا في الدين ويعلموا قومهم عند رجوعهم، فلما فتحت
مكة (استغنوا)(١) عن ذَلِكَ؛ إذ كان معظم الخوف على المسلمين من
أهل مكة فلما أسلموا أُمر المسلمون أن يغزوا في عقر دراهم، فقيل
لهم: أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد فإن فرضه غير منقطع
مدى الدهر، وكان الجهاد في زمنه فرض كفاية، وقيل: عين. وقيل :
على الأنصار. والخلاف في كونه كان فرض كفاية حكاه المالكية أيضًا.
وقال سحنون: كان في أول الإسلام فرض عين والآن هو مرغب
فیه(٢).
وقال المهلب: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم؛
لقلتهم وحاجتهم إلى الاجتماع والتأليف، فلما فتح الله تعالى مكة دخل
الناس في دينه أفواجا؛ سقط فرض الهجرة وبقي فرض الجهاد والنية
على من قام به، أو نزل به عدو (٣).
وحديث عائشة ضبطه عند أبي ذر (لكن) بضم الكاف على معنى
ضمير جماعة النساء، وعند غيره بكسرها، ويبين الأول حديث: يأتي
= وهي لغة صحيحة لبعض العرب، منهم: خثعم وفزارة وعذرة، يلزمون المثنى
الألف مطلقا، رفعا ونصبا وجرًّا، وقد تقدم الكلام على هذه الظاهرة فيما سبق.
(١) في (ص١): اُستعفوا.
(٢) أنظر: ((المنتقى)) للباجي ١٥٩/٣.
(٣) نقله عن المهلب ابن بطال في ((شرحه)) ٦/٥.

٣٢٧
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
بعد هذا ((جهادكن الحج))(١)، وقد سلف فيه أيضًا(٢).
والمبرور: الذي لا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال، وإنما جعل
الحج أفضل للنساء من الجهاد لقلة (غنائهن)(٣) فيه.
وحديث أبي هريرة فيه أن المجاهد على كل أحواله يكتب له ما كان
يكتب للمتعبد، فالجهاد أفضل من التنفل بالصلاة والصيام
وقول أبي هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله) أي: ليمرح
قَالَه ابن التين (وقال ابن بطال: ليأخذ في السنن على وجه واحد
ماضيًا) (٤) وهو يفتعل من السنن، يقال: فلان سنن الريح والسيل إذا
كان على جهتهما (وممرها)(٥)، وأهل الحجاز يقولون: سُنن بضم
السين(٦).
والطول هنا - بكسر الطاء وفتح الواو -: الحبل تشد به الدابة
ويمسك صاحبها بطرفه ويرسلها (ترعى )(٧)(٨).
وقوله: (دلني على عمل يعدل الجهاد قَالَ: ((لا أجد))) يريد: إذا أتى
المجاهد بالصلاة في (ميقاتها)(٩).
(١) سيأتي برقم (٢٨٧٥) باب: جهاد النساء.
(٢) سلف برقم (١٥٢٠) كتاب: الحج، باب: فضل الحج المبرور.
(٣) في (ص١): (غيابهن).
(٤) من (ص١).
(٥) من (ص١).
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٧/٥.
(٧) في (ص١): تسعى.
(٨) قاله ابن فارس في ((مجمل اللغة)) ٥٩٠/١. مادة: طول.
(٩) في (ص١): أوقاتها.

٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٢ - باب أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنَّ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ
فِي سَبِيلِ اللّهِ محل
وَقَوْلُهُ رَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدْتُكُمْ عَلَى تِجَرَةِ﴾ إلى قوله
اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠-١٢].
٢٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ
حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ
يَزِيدَ اللَّنِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ
أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ فَلَهَ: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ)). قَالُوا: ثُمّ
مَنْ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّه)). [٦٤٩٤
- مسلم: ١٨٨٨ - فتح: ٦/٦]
٢٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِ سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ مِلّه يَقُولُ: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ
-والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ
فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمَّا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)).
[انظر: ٣٦ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ٦/٦]
ثم ذكر فيه حديث عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِي، أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ حَدَّثَهُ
قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مُؤْمِنٌ
يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ)). قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ
مِنَ الشَّعَابِ يَتَّقِ اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَثَلُ
المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ - والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ
الصَّائِمِ القَائِم، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّهُ أَنْ يُدْخِلَّهُ
الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجَعَهُ سَالِمًا مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)).

٣٢٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
الشرح :
في الآية فضل الغنى والحث على الجهاد.
وقوله: ( ((مؤمن يجاهد في سبيل الله)) ) ليس على عمومه، فلا يريد
أنه أفضل الناس؛ لأنه أفضل منه من أوتي منازل الصديقين وحمل الناس
على الشرائع والسنن وقادهم إلى الخير، وسبب لهم أسباب المنفعة دينًا
ودنيا، لكن إنما أراد - والله أعلم- أفضل أحوال عامة الناس؛ لأنه قد
يكون في خاصتهم من أهل الدين والعلم والفضل والضبط للسنن من هو
أفضل منه.
وقوله: ( ((والله أعلم بمن يجاهد في سبيله)) ) يريد والله أعلم بعقد
نيته إن كانت لله خالصة وإعلاء كلمته، فذلك المجاهد في سبيل الله إن
كان في نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر منها فقد شرك في سبيل
الله سبيل الدنيا.
وفي ((المستدرك)) من حديث أبي سعيد(١) على شرطهما: أي
المؤمنين أكمل إيمانًا قَالَ: ((الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه))(٢).
وقوله: ( ((كمثل الصائم القائم))) يدل على أن حركات المجاهد
(ونومه)(٣) ويقظته حسنات، وإنما مثله بالصائم؛ لأنه ممسك لنفسه
عن الأكل والشرب واللذات، وكذلك المجاهد ممسك لنفسه على
محاربة العدو وحابس نفسه على من يقاتله.
(١) في هامش الأصل: ليس في أصله أبي سعيد، وقد راجعت نص ((المستدرك)) فنقلته
إلى هنا.
(٢) ((المستدرك)) ٧١/٢.
(٣) في (ص١): وقوته.

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سد
وقوله: ( ((مع ما نال من أجر أو غنيمة)) ) إنما أدخل (أو) هنا؛ لأنه
قد يرجع مرة بالأجر وحده ومرة به والغنيمة جميعًا، فأدخل (أو) ليدل
على أختلاف الحالين، لا أنه يرجع بغنيمة دون أجر بل أبدا يرجع
بالأجر كانت غنيمة أو لم تكن، نبه عليه ابن بطال(١).
وحكى ابن التين والقرطبي أن (أو) هنا بمعنى الواو الجامعة على
مذهب الكوفيين، وقد سقطت في أبي داود (٢) وفي بعض روايات مسلم.
وذهب بعضهم إلى أنها على بابها وليست بمعنى الواو، أي: أجر
لمن لم يغنم أو غنيمة ولا أجر، وليس صحيح لحديث عبد الله بن عمرو :
((ما من غازية تغزو ويصيبوا ويغنموا إلا تعجلوا ثلثي أجرهم ويبقى الثلث
وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)) أخرجه مسلم (٣)، وهو نص في
حصول المجموع بالوجه الأول(٤).
وقال ابن أبي صفرة: تفاضلهم بالأجر وتساويهم في الغنيمة دليل
قاطع أن الأجر يستحقونه (بنياتهم)(٥)، فيكون أجر كل واحد على
قدر عنائه، وأن الغنيمة لا يستحقونها بذلك لكن بتفضل الله عليهم
ورحمته لهم؛ لما رأى من ضعفهم فلم يكن لأحد فضل على غيره إلا
أن يكون يفضله قاسم الغنيمة فينفله من رأسها، كما نفل أبا قتادة،
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨/٥.
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٤٩٤)، من حديث أبي أمامة الباهلي، وصحح إسناده الحافظ
في ((الفتح)) ٨/٦.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٩٠٦) كتاب: الإمارة، باب: بيان قدر نواب من غزا فغنم ومن
لم یغنم.
(٤) ((المفهم)) ٧٠٦/٣.
(٥) في (ص١): بقتالهم.

٣٣١
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
أو من الخمس كما نفلهم في حديث ابن عمر (١)، والله يؤتي (فضله)(٢)
من يشاء، وإدخاله الجنة يحتمل أن يدخلها إثر وفاته تخصيصًا للشهيد
أو بعد البعث، ويكون فائدة تخصيصه أن ذَلِكَ كفارة لجميع خطايا
المجاهد ولا یوزن مع حسناته، ذكره ابن التين.
وفيه: فضل العزلة والانفراد عن الناس والفرار عنهم ولا سيما في
زمن الفتن وفساد الناس، وإنما جاءت الأحاديث بذكر الشعاب
والجبال؛ لأنها في الأغلب مواضع الخلوة والانفراد، فكل موضع
يبعد عن الناس فهو داخل في هذا المعنى كالمساجد والبيوت، وقد
قَالَ عقبة بن عامر: ما النجاة يا رسول الله؟ قَالَ: ((أمسك عليك
لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك))(٣).
(١) سيأتي برقم (٣١٣٤ -٣١٣٥) كتاب: فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن
الخمس لنوائب المسلمين.
(٢) في (ص١): ملكه.
(٣) رواه الترمذي (٢٤٠٦)، ورواه الطبراني ١٧/ ٢٧٠، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٩/٢،
والبيهقي في ((الشعب)) ٤٩٢/١ (٨٠٥)، وقال الترمذي: حديث حسن. وقال
الألباني في ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٣٣١): صحيح لغيره.

٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣ - باب الدُّعَاءِ بِالْجِهَادِ وَالشّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ ﴾ُ: أَرْزُقْنِ شَهَادَةً فِي سبيلك.
٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ
بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ عَّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَ يَدْخُلُ
عَلَى أُمّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ،
فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ بَهِ ثُمّ
أَسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ
أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى
الأَسِرَّةِ)) أَوْ: ((مِثْلُ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)). شَكَّ إِسْحَاقُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
اللهِ، اَدْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ وَ لاَ ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ
وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا
عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ)). كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ
أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَكِبَتِ البَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي
سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ، فَهَلَكَثْ.
٢٧٨٨ - [٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١ - مسلم: ١٩١٢]
٢٧٨٩ - [٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢ - مسلم: ١٩١٢ - فتح: ٦ / ١٠]
ثم ساق عن أنس دخوله ◌َو على أم حرام ودعاءه لها بالشهادة
بطوله.
وأثر عمر أسنده آخر الحج كما مضى(١)، وأخرجه ابن سعد في
((طبقاته)) أيضًا عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن
سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة أم المؤمنين أنها
(١) سلف برقم (١٨٩٠) باب: كراهية النبي وَيقر أن تعرى المدينة.

٣٣٣
ـ كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
سمعت أباها يقول: اللَّهُمَّ ارزقني قتلًا في سبيلك، ووفاةً في بلد نبيك.
قالت: قلتُ: وأنى ذاك؟ قَالَ: إن الله يأتي بأمره أنى شاء.
وأنا معن بن عيسى، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر كان يقول
في دعائه: اللَّهُمَّ إني أسألك شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك.
وأنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن
عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قَالَ: رأىُ عوف بن
مالك منامًا قصه على عمر بالشام فيها: وإن عمر شهيد مستشهد،
فقال عمر: أنى لي الشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب، ولست
أغزو والناس حولي؟ ثم قَالَ: ويلي! ويلي! يأتي الله ◌ّ بها إن شاء
الله(١)، زاد بعضهم: على يدي عدوك.
وفي ((الموطأ)): اللَّهُمَّ لا تجعل قتلي بيد رجل صلى لك سجدة
واحدة يحاجني بها يوم القيامة عندك(٢).
وجاء - كما قَالَ ابن العربي - مرفوعًا: ((خير الشهداء من قتله أهل
ملته فیأخذ من حسناته)).
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام على حديث الباب من وجوه - وقد أخرجه
مسلم أيضًا(٣).
وذكره في قتال الروم(٤)، والرؤيا أيضًا (٥).
(١) ((الطبقات الكبرى)) ٣٣١/٣.
(٢) ((الموطأ)» ص٢٨٥.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٩١٢) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر.
(٤) سيأتي برقم (٢٩٢٤) باب: ما قيل في قتال الروم، من حديث أم حرام، بنحوه.
(٥) سيأتي برقم (٧٠٠١ - ٧٠٠٢) باب: الرؤيا بالنهار.

٣٣٤
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وأخرجه الأربعة في الجهاد أيضًا(١)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
أحدها: هذا الحديث ذكره (أيضًا)(٢) في باب: ركوب البحر. عن
(أبي)(٣) النعمان، عن حماد، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان،
عن أنس قَالَ: حدثني أم حرام فذكره (٤)، جعله من مسند أم حرام.
وفي حديث عمير بن الأسود العنسي أنه أتى عبادة بن الصامت وهو
نازل في ساحل حمص في بناءٍ له ومعه أم حرام، قَالَ عمير: فحدثتنا أم
حرام عن النبي ◌ُّ بنحوه(٥)، وأخرجه أيضًا في باب: غزو المرأة في
البحر، عن عبد الله بن محمد، ثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا
أبو إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أنس به (٦).
قَالَ الجياني: كذا رويناه من جميع طرق البخاري.
وقال أبو مسعود: سقط بين أبي إسحاق الفَزَاري وبين أبي طوالة
عبد الله بن عبد الرحمن زائدة بن قدامة (٧).
قَالَ الجياني: قابلته في ((مسند أبي إسحاق الفزاري)) فوجدته كما
عند البخاري، وكذا رواه ابن وضاح عن أبي مروان المصيصي، عن
أبي إسحاق.
(١) رواه أبو داود (٢٤٩٠)، والترمذي (١٦٤٥)، والنسائي ٤٠/٦-٤١، وابن ماجه
(٢٧٧٦).
(٢) من (ص١)، وقبلها في الأصل (يعني: البخاري) مكتوبة فوق السطر.
(٣) من هامش الأصل وفوقها: سقط.
(٤) سيأتي قريبا برقم (٢٨٩٤-٢٨٩٤).
(٥) سيأتي برقم (٢٩٢٤) وسلفت الإشارة إليه قريبا.
(٦) سيأتي برقم (٢٨٧٧ -٢٨٧٨).
(٧) ونقله عنه المزي في ((التحفة)) ٧٣/١٣.

٣٣٥
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
قَالَ الجياني: ومع هذا فالحديث محفوظ لزائدة، عن أبي طوالة
رواه عنه حسين بن علي (الجعفي)(١) ومعاوية بن عمرو، ورواه
الإسماعيلي من حديث حسين بن علي، عن زائدة (٢).
وقال الدارقطني: روى بشر بن عمر الزهراني هذا عن مالك، عن
إسحاق عن أنس، عن أم حرام.
ثانيها: في رواية في ((الصحيح)) تأتي قريبًا: ((يركبون هذا البحر
الأخضر))(٣).
وفي رواية: فخرجت مع زوجها غازية أول ما ركب المسلمون البحر
مع معاوية، فلما انصرفوا من غزاتهم قربت لها دابتها (٤)، ولابن حبان:
قبرها في جزيرة في بحر الروم يقال لها: قبرس من المسلمين إليها ثلاثة
أيام(٥). وللدار قطني رواه عنها أيضًا عطاء بن يسار.
ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: أم حرام هذِه خالة أنس، ولا أقف لها على
اسم(٦). وأظنها أرضعت النبي ◌َّ، وأم سليم أرضعته أيضًا إذ لا يشك
مسلم أنها كانت منه بمحرم، وقد أخبرنا غير واحد من شيوخنا، عن أبي
(١) في (ص١): الحنفي.
(٢) انتهى من ((تقييد المهمل)) ٦٢٩/٢- ٦٣٠. بتصرف.
(٣) يأتي قريبا برقم (٢٨٧٧، ٢٨٧٨).
(٤) سيأتي برقم (٢٨٩٤).
(٥) ((صحيح ابن حبان) ٤٦٩/١٠ (٤٦٠٨)، وكانت هُذِه الغزوة في خلافة عثمان بن
عفان ﴾ سنة ثمان وعشرين، كما في «السيرة النبوية وأخبار الخلفاء)» لابن حبان
ص٥٠٥، ((البداية والنهاية)) ١٦٤/٧، وذكر ابن الأثير أقوالا في توقيت هذه
الغزوة كما في ((الكامل)) ٩٥/٣، وقبرس جزيرة في بحر الروم. أنظر: ((معجم
البلدان» ٣٠٥/٤.
(٦) ((الاستيعاب)) ٤٨٤/٤.

٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
محمد بن فطيس، عن يحيى بن إبراهيم بن مُزين قَالَ: إنما استجاز رسول
الله ◌َّ أن تفلي أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل
خالاته؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقَالَ يونس بن
عبد الأعلى: قَالَ لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات رسول الله وَ له
من الرضاعة. قَالَ ابن عبد البر: فأي ذَلِكَ كان فأم حرام محرم منه (١).
ونقل ابن التين، عن ابن وهب أنها كانت خالته ولم يزد، ثم قَالَ:
وقال جماعة غيره: كانت خالته من الرضاعة.
وقال ابن الحذاء: قَالَ لنا أبو القاسم بن الجوهري: وأم حرام هي
إحدى خالاته من الرضاعة، وكذا قاله المهلب.
قَالَ ابن بطال: وقال غيره: إنها كانت خالة لأبيه أو لجده؛ لأن أم
عبد المطلب كانت من بني النجار، وكان يأتيها زائرًا لها والزيارة من
صلة الرحم(٢)، وذكر ابن العربي عن بعض العلماء أن هذا مخصوص
برسول الله (، أو يحمل على أنه كان قبل الحجاب إلا أن (تفلي
رأسه) يضعف هذا(٣).
وزعم ابن الجوزي أنه سمع بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم
أخت آمنة من الرضاعة، وقد أسلفنا كلام الدمياطي في دخوله على أم
سليم.
وقوله: ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بها. فلعل ذاك كان مع
ولد أو خادم أو زوج أو تابع، والعادة تقتضي المخالطة بين المخدوم
وأهل الخادم لاسيما إذا كن مسنات مع ما ثبت له يطلقو من العصمة،
(١) ((التمهيد)) ٢٢٦/١-٢٢٧. بتصرف.
(٣) ((عارضة الأحوذي)) ١٤٦/٧.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠/٥.
٠

٣٣٧
= كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
ولعل هذا قبل الحجاب؛ فإنه كان في سنة خمس وقتل أخيها حرام الذي
کان یرحمها لأجله كان سنة أربع.
رابعها: فيه إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها؛ لأن
الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل.
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها (لعلمها)(١)
أنه كان يُسر بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها. قال ابن بطال(٢)، وقال
ابن العربي: ومن المعلوم أن عبادة وكل المسلمين يسرهم أكل سيدنا
رسول الله وَلال في بيته.
واعترضه القرطبي فقَالَ: حين دخوله ◌ََّ على أم حرام لم تكن
زوجًا لعبادة كما يقتضيه ظاهر اللفظ إنما تزوجته بعد ذَلِكَ بمدة كما
جاء في رواية عند مسلم (٣): فتزوجها عبادة بعد (٤).
خامسها: (تغلي) بفتح التاء وسكون الفاء، وقتل القمل وغيره من
المؤذيات، مستحب.
ونوم القائلة أصله في (معونة)(٥) البدن لقيام الليل، وفرحه القليلا
لما عاين من ظهور أمته أتساع ملكهم حَتَّى يغزوا في البحر وتفتح
البلاد. قال أبو عمر: أراد أنه رأى الغزاة في البحر على الأسرة في
الجنة، ورؤيا الأنبياء وحي، يشهد له قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَآبِكِ مُتَّكُِّونَ﴾
[يس: ٥٦].
(١) في الأصل: (لعلمه)، والمثبت هو الصواب.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٠/٥.
(٣) (صحيح مسلم)) (١٩١٢/ ١٦١) كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر.
(٤) ((المفهم)) ٣/ ٧٥٢.
(٥) في (ص١): تقوية.

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وبه جزم ابن بطال حيث قَالَ: إنما رآهم ملوكًا على الأسرة في الجنة
في رؤياه، ويحتمل كما قال القرطبي: أن يكون خبرًا عن حالهم في
غزوهم أيضًا(١).
سادسها: فيه دلالة على ركوب البحر للغزو، قَالَ ابن المسيب: كان
أصحاب النبي ◌َّ يتجرون في البحر منهم طلحة وسعيد بن زيد (٢)،
وهو قول جمهور العلماء إلا عمر بن الخطاب وابن عبد العزيز فإنهما
منعا من ركوبه مطلقًا، ومنهم من حمله على ركوبه لطلب الدنيا
لا الآخرة، وكره مالك ركوبه للنساء مطلقًا لما يخاف عليهن من أن
يطلع منهن أو يطلعن على عورة، وخصه بعضهم بالسفن الصغار دون
الكبار والحديث يخدش فيه(٣).
وأما حديث ابن عمرو مرفوعًا: ((لا يركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا
أو غازيًا فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا» فأخرجه أبو داود وهو
ضعيف (٤)، ولما ذكره الخلال(٥) من حديث ليث، عن مجاهد، عنه؛
قَالَ ابن معين: هذا عن رسول الله مَّر منكر.
(١) ((التمهيد)) ٢٣٤/١-٢٣٥ بتصرف، (شرح ابن بطال)) ١١/٥، ((المفهم)) ٧٥٣/٣.
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) ٤٢/٢. (١٤٩٣).
(٣) ((التمهيد)) ٢٣٣/١-٢٣٤.
(٤) ((سنن أبي داود)) (٢٤٨٩)، وقال المنذري في ((مختصره)) ٣٥٩/٣: الحديث فيه
اضطراب. وقال المصنف فى ((خلاصة البدر المنير)) ٣٤٤/١: هو ضعيف باتفاق
الأئمة؛ قال البخاري: ليس بصحيح. وقال أحمد: غريب. وقال أبو داود: رواته
مجهولون. وقال الخطابي: ضعفوا إسناده. وقال صاحب ((الإمام)): اختلف في
إسناده. اهـ وانظر: ((تلخيص الحبير)) ٢٢١/٢، وكذا ((الضعيفة)) (٤٧٩).
(٥) رواه الخلال في ((علله)) كما أفاده العيني في ((عمدة القاري)) ٣٢٦/١١، ولم أقف
عليه.

٣٣٩
كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ
=
سابعها: فيه أيضًا إباحة الجهاد للنساء في البحر، وقد ترجم له بذلك
كما ستعلمه(١).
قالت أم عطية: كنا نغزوا مع رسول الله فنداوي الكلمى ونقوم على
المرضى(٢).
ثامنها: فيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحب المنزل بما
يفعله في ماله جاز له فعل ذلك، ومعلوم أن عُبادة كان يسره نزول رسول
الله وَّ في بيته، واختلف العلماء في عطية المرأة من مال زوجها بغير
إذنه، وسيأتي إيضاحه في موضعه وسلف في الزكاة أيضًا(٣).
تاسعها: ثبج -بثاء مثلثة ثم باء موحدة ثم جيم - وهو الظهر، وقال
الخطابي: أعلى متن الشيء ومعظمه، وثبج كل شيء وسطه(٤)، ويؤيد
الأول رواية: ((يركبون ظهر هذا البحر))، والثبج ما بين الكتفين(٥)،
وفي ((أمالي القالي)) ثبج البحر ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: قوته.
وضحكه سرور منه بما يدخله الله على أمته من الأجر وما ينالونه من
الخير كما سلف.
العاشر: فيه أيضًا أنَّ الجهاد تحت راية كل إمام جائر ماضٍ إلى يوم
القيامة؛ لأنه رأى الآخرين ملوكًا على الأسرة كما رأى الأولين ولا نهاية
وَثُلَّةٌ مِنَ
٣٩
للآخرين إلى يوم القيامة، قَالَ تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ
(١) سيأتي برقم (٢٨٧٧-٢٨٧٨) باب: غزو المرأة في البحر.
(٢) سلف برقم (٣٢٤) مطولا، كتاب: الحيض، باب: شهود الحائض العيدين، وفي
نسبة القول إلى أم عطية خلاف، أنظر: ((فتح الباري)) ٤٢٣/١.
(٣) سلف برقم (١٤٢٥) باب: من أمر خادمه بالصدقة، ولم يناول بنفسه.
(٤) ((أعلام الحديث)) ١٣٥٦/٢.
(٥) أنظر: ((مجمل اللغة)) ١٦٦/١، ((الصحاح)) ٣٠١/١، مادة: ثبج.

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
اُلْآَخِرِینَ
[الواقعة: ٣٩- ٤٠](١).
الحادي عشر: قولها: (ادع الله أن يجعلني منهم) فيه تمني الغزو
والشهادة وهو موضع تبويب البخاري الشهادة للرجال والنساء؛ وقال
غيره أيضًا: إن فيه تمني الشهادة وليس في الحديث، وإنما فيه تمني
الغزو لا تمني الشهادة. كذا قاله ابن التين (٢).
وقال ابن المنير: حاصل الدعاء بالشهادة أن يدعو الله أن يمكن منه
كافرًا يعصي الله فيقتله، وهذا مشكل على القواعد؛ إذ مقتضاها ألا
يتمنى معصية الله لا له ولا لغيره، ووجه تخريجه أنَّ الدعاء قصدًا إنما
هو نيل الدرجة المرفوعة المعدة للشهداء، وأما قتل الكافر فليس
مقصود الداعي وإنما هو من ضروريات الوجود؛ لأن الله تعالى أجرى
حكمه ألا ينال تلك الدرجة إلا شهيد (٣).
قلتُ: قد أسلفنا أن عمر ظه تمناها على يد كافر (٤).
الثاني عشر: قيل: إن رؤياه الَّفي الثانية كانت في (شهيد)(٥) البر
فوصف حال البر والبحر بأنهم ملوكٌ على الأسرة، حكاه ابن التين
وغيره، قَالَ: وقيل: يحتمل أن يكون حالهم في الدنيا كالملوك على
الأسرة ولا يبالون بأحد.
الثالث عشر: هذا الحديث من أعلام نبوته وذلك أنه أخبر فيه
(١) ((التمهيد)) ٢٣٤/١.
(٢) رد الحافظ في ((الفتح)) ١١/٦ على ابن التين بقوله: إن الشهادة هي الثمرة العظمى
المطلوبة في الغزو.
(٣) ((المتواري)) ص١٤٩.
(٤) سلف من رواية مالك في ((الموطأ)) ص٢٨٥.
(٥) في (ص١): شهداء.