Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
= كِتَابُ الوَصَايَا
المدينة والبصرة ومكة والشام والشعبي من أهل العراق، وبه قَالَ
أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي. وقَالَ أبو حنيفة وزفر:
الحبس باطل ولا يخرج عن ملك الذي وقفه ويرثه ورثته، ولا يلزم
الوقف عنده إلا أن يحكم به حاكم وينفذه، أو يوصي به بعد موته،
وإذا أوصى به اعتبر من الثلث، فإن جمله الثلث جاز وإلا رد.
وحجة الجماعة قوله بَل﴿ لعمر: ((إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا)) وهذا
يقتضي أن الشيء إذا حبس صار محبوسًا ممنوعًا منه لا يجوز الرجوع
فيه؛ لأن هذا حقيقة الحبس ألا ترى أن عمر لما أراد التقرب بفعل
ذَلِكَ رجع في صفته إلى بيان الشارع، وذلك قوله: (فتصدق بها عمر
أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، وعند المخالف أن هذا
باطل وليس في الشريعة صدقة بهذه الصفة، وأيضًا فإن المسألة إجماع
من الصحابة، وذلك أن الخلفاء الأربعة وعائشة وفاطمة وعمرو بن
العاصي وابن الزبير وجابرًا كلهم وقفوا الوقوف، وأوقافهم بمكة
والمدينة معروفة مشهورة.
واحتجاج أبي حنيفة بما رواه عطاء عن ابن المسيب قَالَ: سألت
شريحًا عن رجل جعل داره حبسًا على الآخِرِ فالآخِرِ من ولده.
وقالوا: لا حبس على فرائض الله قالوا: فهذا شريح قاضي عمر
وعثمان وعلي والخلفاء الراشدين حكم بذلك(١) وبما رواه ابن لهيعة
عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: سمعت رسول الله
لر يقول بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل الله فيها الفرائض:
(١) (شرح معاني الآثار)) ٩٦/٤ (٥٨٧٧)، و((سنن البيهقي)) ١٦٢/٦ وفيه أن السائل
هو عطاء بن السائب.

٢٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
((نهي عن الحبس)) (١)(٢) وفي لفظ: ((لا حبس بعد سورة النساء))(٣)
فلا حجة فيه لضعف ابن لهيعة، -يعني: عبد الله - ونسب إلى الاختلاط،
وأخوه لا يعرف (٤) ووقع في العقيلي: عثمان بدل عيسَى(٥).
ولا حجة أيضًا في قول شريح؛ لأن من تصدق بماله في صحة بدنه
فقد زال ملكه عنه، ومحال أن يقال لمن زال ملكه عنه قبل موته بزمان:
حبسه عن فرائض الله. ولو كان حابسًا عن فرائض الله من أزال ملكه عما
ملكه لم يجز لأحد التصرف في ماله، وفي إجماع الأمة أن ذَلِكَ ليس
كذلك ما ينبئ عن فساد تأويل من تأول قول شريح أنه بمعنى إبطال
الصدقات المحرمات، وثبت أن الحبس عن فرائض الله إنما هو لما
يملكه في حال موته، فبطل حبسه كما قَالَ شريح ويعود ميراثًا بين ورثته.
مثاله أن يحبس مالًا على إنسان بعينه فيجعل له غلته دون رقبته،
أو على قوم بأعيانهم ولا يجعل لحبسه مرجعًا في السبل التي لا يفقد
أهلها بحال، فإن ذَلِكَ يكون حبسًا (عن)(٦) فرائض الله.
(١) ((شرح معاني الآثار)) ٩٦/٤ - ٩٧ (٥٨٧٨).
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٤/٨ - ١٩٥.
(٣) الطبراني ١١/ ٣٦٥ ((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٦٢/٦ (١١٩٠٦)، (١١٩٠٧).
(٤) ورد بهامش الأصل: وأخوه عيسى ضعفه الدارقطني في ((السنن)) وليس بمجهول
كذا أحفظه من الدار قطني ثم إني رأيت في ((الميزان)) للذهبي ما لفظه: روى ثقتان
عن ابن لهيعة، عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكر ما في الأصل،
ثم عقبه بقوله: قال الدارقطني: ضعيف انتهى. وقد رأيت عيسى في ((ثقات ابن
حبان)) وذكر في ترجمة الحديث المذكور في الأصل.
(٥) ((الضعفاء الكبير)) ٣٩٧/٣ وفيه: عيسى بن لهيعة، وليس عثمان وقد ساق له
العقيلي هذا الحديث قائلاً: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.
(٦) كذا بالأصل وفي المطبوع من ابن بطال (على).

٢٨٣
كِتَابُ الوَصَايَا
وليس في حديث عطاء أن الرجل جعل لحبسه مرجعًا بعد أنقراض
ورثته ولا أخرجها من يده إلى من حبسها عليه ولا إلى (ناقض)(١) حَتَّى
يحدث به الوفاة، فكانت لا شك أن صاحبها هلك وهي في ملكه ولورثته
بعد وفاته، فيكون هذا من الحبس عن فرائض الله إذ كانت الصدقة لا تتم
لمن تصدق بها عليه إلا بقبضه لها، وأما الصدقة التي أمضاها المتصدق
بها في حياته على ما أذن الله به على لسان رسوله وعمل بها الأئمة
الراشدون فليس من الحبس عن فرائض الله.
ولا حجة في قول شريح ولا أحد مع مخالفة السنة وعمل أئمة
الصحابة(٢) الذين هم الحجة على جميع الخلق، ويقال لمن أحتج بقول
شريح في إبطال الصدقات المحرمات في الصحة إن شريحًا لم يقل:
لا حبس عن فرائض الله في الصحة، فكيف وجب أن تكون صدقة
المتصدق في حال الصحة من الحبس عن فرائض الله، ولا يجب أن
تكون صدقته في مرضه الذي يموت فيه أو في وصيته من الحبس عن
فرائض الله، ومعنى الصدقتين واحد، وكما أن في مرضه يتصدق في
ثلثه كيف شاء كذا في صحته في كل ماله، فلما كان ما يفعله في ثلثه
لا يدخل في ((لا حبس)) كذا ما كان في صحته من باب أولى.
وحديث ابن عباس مؤول بأولى من تأويل شريح، وهو أن المراد
نفي ما كانت الجاهلية تفعله من السائبة ونحوها، فإنهم كانوا يحبسون
ما يجعلونه كذلك، ولا يورثونه أحدًا فلما نزلت آية المواريث قَالَ:
(١) كذا بالأصل وفي المطبوع من ابن بطال (فائض).
(٢) ورد بهامش الأصل: قال جابر: ما بقي أحد من الصحابة وله مقدرة إلا وقف.
وقال الشافعي: بلغني أن ثمانين صحابيًا من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات
موقوفات.

٢٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
((لا حبس))(١)(٢) وهو مروي عن مالك، فإن قلت: مقتضاه نفي كل حبس
فعل في الإسلام وكان في الجاهلية. قلتُ: هو نفي لما كانوا يفعلونه وهم
كفار بعد الإسلام، فإن قلت: كيف تخرج من ملك أربابها لا إلى ملك
مالك؟ قلتُ: لا إنكار فيخرج عن ملك مالكه إلى المالك الحقيقي، وهو
الرب جل جلاله بدليل المسجد(٣). قَالَ الطحاوي: وتأوله بعضهم على
ما كان من الأحباس منقطع بانقطاع ما حبس عليه وبموت من حبس
عليه، فيرجع جانبًا من الحبس.
تنبيهات :
أحدها: قوله: (وَجَدَ مَالًا بِخَيْبَرَ). المال هنا هو الأرض المذكورة في
أوله في الرواية الأخرى، وفي الباب بعده. وذكر الطحاوي في كتابه
((اختلاف العلماء)) أن المال كان مائة سهم اشتراها (فاستجمعها) (٤)
وفي ((المحلى)) لابن حزم: وتصدق بمائة وسق حبسها بوادي القرى(٥).
ثانيها: فيه أن خيبر قسمت و(أخذ)(٦) كل أحد ماله. والأنفس:
الأجود. قَالَ الداودي: اشتقاقه أنه يأخذ بالأنفس من جلالته قَالَ:
وفيه: أن مفهوم الخطاب يجري مجرى الخطاب لقوله: كيف تأمرني به؟
ثالثها: الحبس: المنع. وحكى الداودي عن الكوفي وأصحابه
وشريح أن الأحباس تورث، وإنما يجوز ما قبض في حياته، قَالَ:
(١) سبق تخريجه.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٥/٨ - ١٩٧.
(٣) ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ٩٧ - ٩٨.
(٤) في (ص): بأجمعها. ولعله الصواب وانظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٩/٤
وفيه (محبسها).
(٥) ((المحلى)) ١٨٠/٩.
(٦) في (ص): علم.

٢٨٥
ـ كِتَابُ الوَصَايَا
وهم يقولون: يرجع في صدقته ما لم يقبض. والذي حكاه في ((المعونة))
عن الكوفي أنه لا يزول الوقف عن أسم ملك مالكه قبض أو لم يقبض،
ويرجع فيه بالبيع والهبة، ويورث عنه إلا أن يحكم به حاكم أو يكون
الوقف مسجدًا أو سقاية أو يوصي به فيكون في ثلثه(١)، وأتى
أبو (سفيان)(٢) البصرة فذكر له أمر الحبس فأخبر بحديث ابن عمر في
حبس والده عمر وقيل له: أيوب يرويه عن نافع عن ابن عمر. قَالَ:
فمن يحدثنا به عن أيوب؟ فحدثه ابن علية، فرجع وقال: هذا شيء
لم يكن عندنا. وروي عن عيسى بن أبان أن أبا يوسف لما قدم بغداد
من الكوفة كان على رأي أبي حنيفة في بيع الأوقاف، فلما أخبر
بحديث ابن عون عن نافع حديث عمر قَالَ: هذا لا يسع أحدًا خلافه
ولو تناهى إلى أبي حنيفة لقال به، ولما خالفه(٣)، وسمعت بكارًا
أيضًا يقول: قدم أبو يوسف البصرة وهو على مذهب أبي حنيفة في
بيع الوقف، فجعل لا يرى أرضًا نفيسة إلا وجدها وقفًا عن الصحابة،
ثم صار إلى المدينة فرأى بها أوقافًا كثيرة عن الصحابة وعن رسول
الله ◌َّ، فدفع كلام أبي حنيفة.
(١) ((المعونة)) ٤٨٤/٢.
(٢) بهامش الأصل: لعله أو الثبت: يوسف. كان أبو يوسف رحمه الله يقول أولا بقول
أبي حنيفة في الوقف، ولما حج مع هارون الرشيد، رأى وقوف أصحاب رسول
الله ◌َّ بالمدينة ونواحيها ورجع أيضًا عن تقدير الصاع بثمانية أرطال وعن أذان
الفجر قبل طلوعه، وقد رأيت عن الشبيلى ما لفظه: ووقف الخليل باق إلى وقتنا
هذا، وقد أمرنا بابتیاعه. انتهى.
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٨/٤.

٢٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٠ - باب وَقُفِ الأَرْضِ لِلْمَسْجِدِ
٢٧٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو التََّّاحِ
قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَِّ المَدِينَةَ أَمَرَ
بِالْمُسْجِدِ وَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا)). قَالُوا: لا والله، لَا نَطْلُبُ
ثَنَهُ إِلَّ إِلَى اللهِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٤٠٤/٥]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: لَمَّا قَدِمَ النبيِ نَّهِ المَدِينَةَ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ وَقَالَ:
(يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا)). قَالُوا: لا والله، لَا نَظْلُبُ ثَمَنَهُ
إِلَّا إِلَى اللهِ.
وقد سلف(١) وترجم عليه بعد باب: إذا قَالَ الواقف: لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله فهو جائز(٢)، وهو حجة على أبي حنيفة في إبطاله الأوقاف
والأحباس؛ لأن الأمة مجمعة أن من جعل أرضًا له مسجدًا للمسلمين في
صحته فإنه ليس لورثته ردها ميراثًا بينهم. وقال أبو حنيفة في الرجل
يحبس داره على المساكين يسكنونها: إنها ترجع ميراثًا بين ورثته،
ويجيز ذَلِكَ إن فعله في مرضه أو في وصيته، ويكون في ثلثه، فإن
قَالَ: إن المسجد لا يجوز له ولا لورثته الرجوع فيه بعد أن أخرجه
في صحته وجعله مسجدًا لجماعة المسلمين.
فيقال له: ما الفرق بين جعله مسجدًا أو سقاية أو مقبرة أو مرفقًا
لجماعة المسلمين؟ وهل بينك وبين من عكس هذا عليك فأجاز ما أبطلت
وأبطل ما أجزت فرق من أصل أو قياس؟ فليس تقول في شيء من
(١) سلف برقم (٤٢٨) كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركى الجاهلية ...
(٢) سيأتي برقم (٢٧٧٩).

٢٨٧
ـ كِتَابُ الوَصَايَا
ذَلِكَ قولا إلا ألزم في الآخر مثله، وقد أجاز العلماء أوقاف أهل الذمة
ولم يرو نقضها، فكيف أهل الإسلام؟ وسُئل أبو الحسن علي بن ميسرة
البغدادي عن رجل كان له على نصراني دين، فأفلس النصراني ولا مال
له سوى وقفه على أهل ملته قبل استحداثه الدين، هل يجوز نقض الوقف
وأخذ المسلم له قضاء من دينه أم لا؟ فأجاب: بأن أهل الذمة ليست
أملاكهم مسندة، وإنما لهم شبهة ملك على ما في أيديهم، فإذا
اختاروا رفع أيديهم عن الشبه أرتفعت، ولم يعترض عليهم في نقض
ما عقدوه مما لو كان في شريعتنا لم يجز نقضه؛ لأنهم على ذَلِكَ
صولحوا، ولما جاز إقرارهم على غير دين الحق إذا أعطوا الجزية
وجب ألا يعترض عليهم في نقض وقف ولا غيره مما يتعلق بحق الله
تعالى(١) (٢).
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الثمانين كتبه مؤلفه.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ١٩٢/٨ - ١٩٣.

٢٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣١ - باب وَقْفِ الدَّوَابٌّ وَالْكُرَاعِ وَالْعُرُوضِ وَالصَّامِتِ
وقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدَفَعَهَا
إِلَى غُلَامِ لَهُ تَاجِرٍ يَتجرُ بِهَا، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَةً في
المَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ، هَلْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبْحِ تِلِكَ
الأَلْفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَقَّةً فِي
المَسَاكِينِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا.
٢٧٧٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَجْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنِ
ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسِ لَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَعْطَاهَا رَسُولَ اللهِ
وَثّ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلًا، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَا يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَ أَنْ
يَبْتَاعَهَا، فَقَالَ: ((لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تَرْجِعَنَّ فِي صَدَقَتِكَ)). [انظر: ١٤٨٩ - مسلم: ١٦٢١ -
فتح: ٤٠٥/٥]
ثم ذكر حديث ابن عُمَرَ عن عُمَرَ في قصة حَملِ الفَرَس وأخبر أنها
تباع فقال له التَّهِ: ((لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تعد فِي صَدَقَتِكَ)). وقد سلف(١).
واختلف العلماء في وقف الحيوان والعروض والدنانير والدراهم،
فأجاز ذَلِكَ مالك إلا أنه كره وقف الحيوان أن يكون على العقب، فإن
وقع أمضاه، وأجاز ابن القاسم وأشهب وقف الثياب، وقال ابن التين:
مشهور مذهب مالك جوازه في الحيوان والعروض، ويجوز في الريع قولًا
واحدًا عنده. وأجاز الشافعي(٢) ومحمد بن الحسن وقف الحيوان. وقال
أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز [وقفها، ويجوز أيضًا](٣) وقف
(١) سلف برقم (١٤٨٩). كتاب الزكاة، باب: هل يشتري الرجل صدقته.
(٢) ((الوسيط)) ٣٩٦/٢.
(٣) زيادة من (ص).

٢٨٩
كِتَابُ الوَصَايَا
الحيوان والعروض والدراهم والدنانير وقالوا: إن هذه أعيان لا تبقى
على حالة أبد الدهر فلا يجوز (وقفها)(١)، وأيضًا فإن الوقف يصح
على وجه التأبيد، فمن أجازه فيما لا يتأبد صار كمن وقف وقفًا مؤقتًا
يومًا أو شهرًا أو سنة، ولا يجوز، ولو صح الوقف فيما لا يتأبد لصح
في جميع الأثمان وسائر ما يملك كالهبة والوصية، وحكاه الطحاوي
في ((اختلاف العلماء)) عن زفر والحسن بن زياد أيضًا، قَالَ: وعلى
هذا عامة علماء أهل الكوفة. وقال ابن القصار: الوقف المؤقت يجوز
عند مالك ويجوز في جميع الأنواع مما لا يبقى غالبًا(٢).
وجه من أجاز وقف الحيوان والسلاح حديث عمر في الفرس الذي
حمل عليها في سبيل الله.
وقوله في حق خالد: ((إنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل
الله))(٣)، والأعتاد: الخيل، فأخبر أنه حبس ذَلِكَ في سبيل الله. ولفظ:
حبس يقتضي أن يكون محبوسًا عن جميع المنافع إلا على الوجه
الذي حبس فيه، ولو لم يصح تحبيس ذَلِكَ لم يكونوا ظالمين فيما
طلبوا من ذَلِكَ، ولکان یبطله.
فإن قلت: لا حجة في حديث عمر على جواز وقف الحيوان، لأن
هذا الفرس الذي حمل عليه عمر في سبيل الله إنما كان هبة منه له فلذلك
جاز له بيعه، ولو كان حبسًا لم يجز بيعه. ولذلك قَالَ الشافعي وابن
الماجشون: لا يجوز بيع الفرس الحبس ويترك أبدًا.
(١) في (ص): دفعها.
(٢) (مختصر اختلاف العلماء)) ١٦١/٤ - ١٦٢.
(٣) سلف برقم (١٤٦٨) كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَفِىِ الْرِقَابِ﴾ موصولًا
وقبله في باب: العرض في الزكاة. معلقًا.

٢٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قلتُ: ربيعة ومالك أجازا بيعه إذا لم يبق فيه قوة للغزو، ويجعل ثمنه
في آخر. قَالَ ابن القاسم: فإن لم يبلغ شورك به فيه، وكذلك الثياب إذا
لم يبق فيها منفعة بيعت واشتري بثمنها ما ينتفع به، فإن لم يمكن تصدق
في سبيل الله.
وأما صحة الحجة بحديث عمر في الباب، فلا يخلو أن يكون هذا
الفرس الذي حمل عليه عمر حبسًا أو هبة وتمليكًا، وعليهما فقد جاز
للرجل بيعه ولم يأمره بفسخه حين بلوغه، ونهيه عن شرائه للتنزيه، إذ لو
كان حرامًا لبينه، وقد سلف شيء من ذَلِكَ في باب: إذا حمل على فرس
في سبيل الله فهو كالعمرى والصدقة في آخر أبواب المنحة والهبات.
واختلفوا في وقف الدراهم والدنانير على من تكون زكاتها، فقال
مالك في ((المدونة)): لو أن رجلا حبس مائة دينار موقوفة يسلفها
الناس ويردونها، هل ترى فيها زكاة؟ قَالَ: نعم، الزكاة فيها قائمة كل
عام(١). وخالف في ذَلِكَ ابن القاسم فقال في رجل قَالَ لرجل: هُذِهِ
المائة دينار تتجر فيها ولك ربحها وليس عليك فيها ضمان. فليس
على الذي في يده أن يزكيها ولا على الذي هي له زكاتها حَتَّى
يقبضها، فيزكيها زكاة واحدة. قَالَ سحنون: أراها كالسلف وعليه
ضمانها إن تلفت، بمنزلة الرجل يحبس المال على الرجل فينتقص أنه
ضامن له.
وأما قول الزهري السالف في الرجل يجعل ألف دينار في سبيل الله
أنه لا يأكل من ربحها فإنما ذَلِكَ إذا كان في غنى عنها، وأما إن أحتاج
وافتقر فمباح له الأكل منها ويكون كأحد المساكين. قَالَ ابن حبيب:
(١) ((المدونة الكبرى)) ٢٨٥/١.

٢٩١
= ڪِتَابُ الوَصَايَا
وهذا مالك وجميع أصحابنا يقولون: إنه ينفق على ولد الرجل وولد ولده
من حبسه إذا احتاجوا، وإن لم يكن لهم في ذَلِكَ اسمًا فإذا استغنوا
فلا حق لهم. واستحسن مالك أن لا يرغبوها إذا احتاجوا، وأن يكون
لهم سهم منها جار على الفقراء لئلا يدرس، وقاله ربيعة ويحيى بن
سعيد(١).
تنبيهات :
أحدها: قَالَ الإسماعيلي في الترجمة: وإيراده الحديث إذا كان
أصل الوقف ما ذكره من أرض عمر، وأنها لا تباع إلى آخره، فكيف
جاز أن يباع فرس عمر الموقوف في سبيل الله؟ وكيف لا ينهى بائعه
عنه أو يمنع من بيعه؟ فلعل معناه أن عمر كان جعله صدقة يعطيها من
يرىُ رسول الله وَّه، فأعطاها رجلاً فباعها. قَالَ: وما ذكره في وقف
الصامت خلاف ما ذكره في أصل الوقف؛ لأن الوقف الذي أذن فيه
ما حبس أصله، ولا ينتفع بالصامت إلا بأن يخرج الصامت الموقوف
بعينه إلى شيء غيره، فليس هذا بحبس الأصل وإنما يقع الحبس على
ما يعود البيع من فضله من ثمر أو غلة أو ما يرتفق به والعين قائمة
محبوسة على أصلها لا على ما ينتفع به إلا بإفادة عينه.
ثانيها: الكراع: اسم لجميع الخيل، وأنَّث الفرس هنا بقوله:
أعطاها رسول الله ◌َي ليحمل عليها.
ثالثها: قَالَ ابن حزم: أبطلت طائفة الحبس جملة، وهو قول شریح،
وروي عن أبي حنيفة، وطائفة قالت: لا حبس إلا في سلاح أو كراع.
(١) ((شرح ابن بطال)) ١٩٨/٨ -٢٠٠.
(٢) ((المحلى)) ١٧٥/٩.

٢٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
روي ذَلِكَ عن علي وابن مسعود وابن عباس(١)، ولم يصح عن واحد
منهم، أما من أبطله جملة فإن عبد الملك بن حبيب روى عن الواقدي
أنه قَالَ: ما من أحد من الصحابة إلا وقد وقف وقفًا وحبس أرضًا
إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه كان يكره الحبس (٢) .
ثم ذكر حديث شريح وابن لهيعة السالفين(٣)، وذكر حديث شريح
من طريق ابن عيينة عن عطاء بن السائب عنه ورده بالانقطاع(٤) وقال
في حديث ابن لهيعة: إنه موضوع، ولا خير في ابن لهيعة، وأخوه
مثله. وبيان وضعه أن سورة النساء نزلت أو بعضها بعد أحد، وحبس
الصحابة أذن فيه رسول الله وَ﴾ بعد خيبر، تواتر ذلك عنه، فلو صح
خبر ابن لهيعة لكان منسوخًا (٥).
واحتجوا أيضًا لما رويناه من طريق ابن وهب ثنا ابن عيينة، عن
عمرو بن دينار ومحمد وعبد الله ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم، كلهم عن أبي بكر بن محمد قَالَ: إن عبد الله بن زيد قَالَ:
يا رسول الله، إن حائطي هذا صدقة -وفي لفظ: موقوفة- وهو إلى
الله ورسوله فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله، كان قوام عيشه منه. فرده
رسول الله وَر. وهذا حديث منقطع؛ لأن أبا بكر لم يلق عبد الله بن
زيد قط، وأيضًا فليس لأحد أن يتصدق بقوام عيشه، بل هو منسوخ
إن فعله، قَالَ: ولفظ: موقوفة. أنفرد بها من لا خير فيه(٦).
(١) ((المحلى)) ١٧٦/٩.
(٢) ((المحلى)) ٩/ ١٧٧.
(٣) ((المحلى)) ٩/ ١٧٧.
(٤) ((المحلى)) ٩/ ١٧٧ -١٧٨.
(٥) ((المحلى)) ١٧٨/٩.
.

٢٩٣
كِتَابُ الوَصَايَا
=
قَالَ: وقالوا: لما كانت الصدقات لا تجوز إلا حين تحاز، وكان
الحبس لا مالك له وجب أن يبطل.
قَالَ: ثم تناقضوا فأجازوا تحبيس المسجد والمقبرة وإخراجهما إلى
غير مالك، وأجازوا الحبس بعد الموت في أشهر أقوالهم .
قَالَ: ومن العجائب أحتجاجهم أنه لا ير ساق الهدي بالحديبية
وقلدها، وهذا يقتضي إيجابه لها ثم صرف هذا عما أوجبها له
وجعلها للإحصار، وكذلك أبدلها عامًا ثانيًا، وما أُقتضى ذَلِكَ إيجابه
قط؛ لأنه لم ينص على أنه صار التطوع بذلك واجبًا بل أباح ركوب
البدنة المقلدة (١).
وقولهم: إنه أبدله من قابل. فهذا لم يصح قط، ونقول لهم: أنتم
تقولون له أن يحبس ثم يفسخ. وقستموه على الهدي المذكور، فهل له
الرجوع في الهدي بعد أن يوجبه فيبيعه؟ وجائز أن يحبس على نفسه
وعلى من شاء؛ لقوله وَله: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها)) وهو قول أبي
يوسف(٢).
(١) ((المحلى)) ١٧٩/٩.
(٢) ((المحلى)) ١٧٥/٩ - ١٨٢ بتصرف.

٢٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٣٢ - باب نَفَقَةِ القَيِّم لِلْوَقْفِ
٢٧٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ ﴿ قَالَ: ((لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا
ولا دِرْهَمَّا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَثُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ)). [٣٠٩٦، ٦٧٢٩
- مسلم: ١٧٦٠ - فتح: ٤٠٦/٥]
٢٧٧٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ أَشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وَيُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ
مَالًا. [انظر: ٢٣١٣ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٤٠٦/٥]
وذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي
دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَثُونَةِ عَامِلِي فَهْوَ صَدَقَةٌ)).
وحديث ابن عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ، وَيُوكِلَ
صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا.
وهذا الحديث سلف(١)، وذكره هنا عن قتيبة ثَنَا حمّاد، عن أيوب،
عن نافع، عن ابن عمر به. قَالَ الإسماعيلي: الذي عندنا عن حماد بن
زيد، عن أيوب، عن نافع، أن عمر ليس فيه ابن عمر ثم ساقه كذلك،
وساقه بإسقاط نافع أيضًا قَالَ: ووصله يزيد بن ذريع وابن علية. ثم ساقه
من حديث يزيد بن ذريع بإثباته ثَنَا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال:
أصاب عمر أرضًا.
ورواه أبو نعيم من حديث القواريري عن حماد: سمعت أيوب يذكر
عن نافع قَالَ: أوصى عمر واشترط في وقفه. وساقه البيهقي من حديث
الهيثم بن سهل التستري عن حماد بإثباته ثم قَالَ: وكذا رواه يونس بن
(١) سلف برقم (٢٣١٣)، كتاب الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ..

٢٩٥
= ڪِتَابُ الوَصَايَا
محمد عن حماد(١). ووقع للدار قطني أنه قَالَ في حديث أيوب: لا أعلم
حدث به عن حماد غير يونس(٢). وفي البخاري حدث به عنه قتيبة، وفي
الإسماعيلي: سليمان بن حرب وأبو الربيع وأحمد الموصلي والقواريري
من عند أبي نعيم، والهيثم من عند البيهقي، وقال الحميدي: زعم
أبو مسعود أن البخاري رواه في الوصايا عن قتيبة عن حماد، ولم
أجده(٣). قلتُ: هو موجود في سائر نسخ البخاري كما أسلفناه.
إذا تقرر ذَلِك، فإنما أراد البخاري بالترجمة ليبين أن المراد بقوله:
((مؤنة عاملي)) أنه عامل أرضه التي أفاءها الله عليه من بني النضير وفدك
وسهمه من خيبر، وليس عامله حافر قبره، كما تأوله بعض الفقهاء،
واستشهد على ذَلِكَ البخاري بحديث عمر الذي أردفه بعده أنه شرط
في وقفه أن يأكل من وليه بالمعروف، فبان بهذا أن العامل في الحبس
له منه أجرة عمله وقيامه عليه، وليس ذَلِكَ بتغيير للحبس ولا نقض
لشرط المحبس إذا حبس على قوم بأعيانهم لا غنى عن عامل يعمل
المال.
وفي هذا من الفقه جواز أخذ أجرة القسام من المال المقسوم، وإنما
كره العلماء أجرة القسام؛ لأن على الإمام أن يرزقهم من بيت المال، فإن
لم يفعل فلا غناء بالناس عن قاسم يقسم بينهم، كما لا غنى عن عاملٍ
يعمل في المال، ويشبه هذا المعنى ما رواه ابن القاسم عن مالك في
الإمام يذكر أن له ناحية من عمله كثيرة العشور قليلة المساكين،
وناحية أخرى عكسه، فهل له أن يتكارى ببعض العشور حَتَّى يحملها
(١) ((السنن الكبرى)) ١٥٩/٦.
(٢) ((العلل)) ٤٠/٢- ٤١، وقد رواه في ((سننه)) ١٨٦/٤ من هذِه الطريق.
(٣) ((الجمع بين الصحيحين)) ٢٥٤/٢.

٢٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
إلى الناحية الكثيرة المساکین. فكره ذلك وقال: أرى أن یتکاری علیه من
الفيء أو يبيعه ويشترى هنا طعامًا. وقال ابن القاسم: لا يتكارى عليه من
الفيء ولكن يبيعه ويشتري بثمنه طعامًا (١).
وقوله: ((( مَا تَرَكْتُ))) إلى آخره يبين فساد قول من أبطل الأوقاف
والأحباس من أجل أنها كانت مملوكة قبل الوقف، وأنه لا يجوز أن
يكون ملك مالك ينتقل إلى غير مالك فيقال له: إن أموال بني النضير
وفدك وخيبر لم تنتقل بعد وفاة رسول الله وَل﴿ إلى أحدٍ ملكها، بل
هي صدقة منه ثابتة على الأيام والليالي، تجري عنه في السبل الذي
أجراها فيها منذ قبض، فكذلك حكم الصدقات المحرمة قائمة على
أصولها جارية عليها فيما سبلها فيه، لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يملك.
تنبيهات :
أحدها: قوله: ( ((لَا يَقْتَسِمُ)) ) هو برفع الميم على الخبر، أي: ليس
يقتسم. وفي رواية يحيى بن يحيى الأندلسي ((دنانير))(٢) وتابعه ابن كنانة،
وأما سائر الرواة فيقولون: دينارًا. نبه عليه أبو عمر قَالَ: وهو الصواب؛
لأن الواحد في هذا الموضع أعم عند أهل اللغة، وكذا رواه ورقاء عن
أبي الزناد. وقال ابن عيينة عن أبي الزناد: ((لا يقتسم ورثتي بعد ميراثي))،
وأراد بعامله خادمه في حوائطه، وقيمه، ووكيله، وأجيره (٣). وأبعد من
قَالَ: حافر قبره. كما سلف، وحكاه المنذري أيضًا في ((حواشيه))،
ومما يبعده أنهم لم يكونوا يحفرون بأجرة، فكيف له وَله؟ وقيل:
أراد الخليفة بعده.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٠١/٨ - ٢٠٢.
(٢) ((الموطأ)) ص٦١٤ باب: تركة النبي اَلر.
(٣) ((التمهيد)) ١٨/ ١٧١ - ١٧٢.

٢٩٧
- كِتَابُ الوَصَايَا
وقال الطبري في (تهذيبه)): (يقتسم ورثتي)) ليس بمعنى النهي، لأنه
لم يترك دينارًا ولا درهمًا، فلا يجوز النهي عما لا سبيل إلى فعله،
ومعنى الخبر: ليس يقتسم ورثتي. قال الخطابي: بلغني عن ابن عيينة
أنه كان يقول: أمهات المؤمنين في معنى المعتدات؛ لأنهن لا يجوز
لهن أن ينكحن أبدًا، فجرت لهن النفقة وتركت حجرهن لهن يسكنَّها(١).
ثانيها: إن قلت: كيف يصح هذا الحديث في النهي عن القسمة،
وحديث عائشة: لم يترك دينارًا ولا درهمًا (٢)؟ وكيف ينهي أهله عن
قسمة ما يعلم أنه لم يخلفه؟ وقد أسلفنا أن معناه الخبر لا النهي،
وأجاب القاضي أبو بكر بجوابين:
أحدهما: أنه نهاهم على غير قطع بأنه لا يخلف عينا، بل جوَّز أن
يملك ذَلِكَ قبل موته، فنهاهم عن قسمته.
ثانيهما: أنه علم ذَلِكَ وقال: لا يقتسم. على الخبر برفع الميم. ليس
ينقسم ذَلِكَ لأني لم أخلفهما بعدي.
ثالثها: فإن قلت: الخبر يرده آية الوصية، قاله الشيعة. وأجاب
القاضي بأن الآية وإن كانت عامة فإنها توجب أن يورث رسول الله
وَ ل* ما يملكه، فدلوا على أنه كان بملك سلمناه، ولا دلالة فيها؛
لأنها ليست عندنا. وعند منكري العموم الاستغراق المالكين، وإنما
تنبئ عن أقل الجمع، وما فوقه مجمل فوجب التوقف فيه، وعند كثير
من القائلين بالعموم أن هذا الخطاب وسائر العموم لا يدخل فيها
الشارع؛ لأن شرعه ورد بالتفرقة بينه وبين أمته، ولو ثبت العموم
(١) ((أعلام الحديث)) ١٣٤٨/٢.
(٢) مسلم (١٦٣٥) كتاب: الوصية، باب: ترك الوصية.

٢٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
لوجب تخصيصه، وقد روى أبو بكر وعمر وحذيفة وعائشة أنه وَ ل﴾ قَالَ:
((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة)) (١) وهذا الحديث في نظائر
لهُذِه الأحاديث كلها تنبئ عن معنى واحد، وهو أنه لا يورث، فوجب
تخصيص الآية لهذه الأخبار، ولو كانت خبر آحاد التي لا يقطع
بصحتها، فكيف وقد خرجت عن هذا الحد وصارت من سبيل ما يقطع
بصحته.
(١) سيأتي في كتاب: فرض الخمس، حديث (٣٠٩١) وما بعده.
وحديث عائشة عن أبي بكر سيأتي برقم (٣٠٩٣) وحديث عمر سيأتي برقم
(٣٠٩٤) كتاب فرض الخمس. ورواه مسلم برقم (١٧٥٨) (١٧٥٩) من حديث
عائشة.
وأما حديث حذيفة فرواه الطبراني في ((الأوسط)) ٢/ ٢٢٣ (١٨٠٦) والبيهقي في
((السنن الكبرى» ٦/ ٣٠٢ (١٢٧٤٣).
,٠

٢٩٩
كِتَابُ الوَصَايَا
=
٣٣ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِثْرًا وَاشْتَرَّطَ لِنَفْسِهِ
مِثْلَ دِلَاءِ المُسْلِمِينَ
وَأَوْقَفَ أَنَسُ دَارًا فَكَانَ إِذَا قَدِم نَزَلَهَا. وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ
بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ
وَلَا مُضَرِّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجِ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ. وَجَعَلَ
ابن عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنَّى لِذَوِي الحَاجَةِ مِنْ آلِ
عَبْدِ اللهِ.
٢٧٧٨ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَنِي أَبي، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ
الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ رضي الله عنه حَيْثُ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ [َاللهَ وَلَا
أَنْشُدُ إِلَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَِّ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَّ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ
فَلَهُ الجَنَّةُ)). فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ
الجَنَّةُ)). فَجَهَّزْتُهُمْ؟ قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ. وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ
أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِيِهِ الوَاقِفُ وَغَيْرُهُ فَهُوَ وَاسِعٌ لِكُلِّ. [فتح: ٤٠٦/٥]
وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُثْمَانَ حَين حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ وَلَا
أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ وََّ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَّ قَالَ:
((مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ)). فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ
جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ)). فَجَهَّزْتُهُمْ؟ قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ.
وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِيهِ الوَاقِفُ
وَغَيْرُهُ فَهْوَ وَاسِعٌ للكُلِّ.

٣٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الشرح :
أثر أنس أخرجه البيهقي من حديث ثمامة عنه أنه وقف دارًا بالمدينة،
فكان إذا حج مرَّ بالمدينة فنزل داره (١). وصدقة الزبير أخرجها أيضًا من
حديث أبي عبيد، ثَنَا أبو يوسف، عن هشام، عن أبيه أن الزبير جعل
دوره صدقة إلى آخره. وقال: فلا شيء لها -بدل- فليس لها حق. قَالَ
الأصمعي: المردودة: المطلقة (٢).
وحديث عثمان تقدم في: الشرب (٣).
وأسلفنا عن ابن المنير أنه قَالَ: ليس في حديث عثمان المذكور عنده
مثل دلاء المسلمين. وبينا هناك أن في بعض طرقه ما بوب له. قَالَ: وليس
في الباب بجملته ما يوافق الترجمة إلا وقف أنس خاصة، ووقف عمر
بالطريقة المتقدمة من دخول المخاطب في خطابه. قَالَ: وقد ظهر لي
مقصود البخاري من بقية حديث الباب، فيطابق الترجمة، ووجهها أن
الزبير يكون قصد من تلزمه نفقته من بناته كالتي لم تزوج لصغر مثلًا
والتي تزوجت ثم طلقت قبل الدخول؛ لأن تناول هاتين أو إحداهما
من الوقف إنما يحمل عنه الإنفاق الواجب، فقد دخل في الوقف
الذي وقفه بهذا الاعتبار. قَالَ: ووجه مطابقة الترجمة من قوله:
وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجة من آل
عبد الله، فيقال: كيف يدخل ابن عمر في وقفه؟ فنقول: نعم يدخل،
فإن الآل يطلق على الرجل نفسه، كان الحسن بن أبي الحسن يقول
في الصلاة على رسول الله وَّر: اللَّهُمَّ صل على آل محمد. وقال
(١) ((السنن الكبرى)) ١٦١/٦ (١١٩٠١).
(٢) ((السنن الكبرى)) ١٦٦/٦ - ١٦٧ (١١٩٣٠).
(٣) سلف معلقًا قبل حديث (٢٣٥١) باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء ...