Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ = ڪِتَابُ الوَصَايَا وقال الضحاك: من مات وله شيء ولم يوص لأقربائه فقد مات عن معصية لله(١). وقال الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى فيما ذكره الطبري: إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه وله أقرباء أعطى الغرباء ثلث المال، ورد الباقي على الأقرباء(٢). قَالَ الطبري: وحكي عن طاوس أن جميع ذَلِكَ ينتزع من الموصى لهم ويدفع لقرابته؛ لأن آية البقرة عندهم محكمة(٣). قَالَ النحاس: فالواجب أن لا يقال: إنها منسوخة؛ لأن حكمها ليس بناف حكم ما فرض الله من الفرائض، فوجب أن يكون ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣](٤). وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] هذا الفرض بإجماع نسخته آيات المواريث التي في النساء، وهذا مجمع عليه. وقال قوم: إن المنسوخ من هذا ما نسخته المواريث، وأمر الوصية في الثلث باق. وهذا ليس بشيء؛ لأن الإجماع أن ثلث الرجل إن شاء أن يوصي فيه بشيء فله، وإن ترك ذَلِكَ فجائز، والآية في قوله: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٠] الوصية منسوخة بإجماع كما وصفنا. وقال الطبري بإسناده إلى جهضم، عن عبد الله بن بدر، عن ابن عمر في قوله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] نسختها آية المواريث. قَالَ ابن يسار: قَالَ ابن مهدي: فسألت جهضمًا عنه فلم يحفظه (٥) . (١) رواه الطبري ١٢١/٢ (٢٦٣٥، ٢٦٣٧). (٢) رواه الطبري ١٢٢/٢ (٢٦٤٤). (٣) رواه الطبري ٢/ ١٢٢ (٢٦٤٦). (٤) ((الناسخ والمنسوخ)) لأبي جعفر النحاس ١/ ٤٨٠ - ٤٨٦. (٥) الطبري ١٢٤/٢ (٢٦٦١). ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ولما ذكر ابن الحصار في ((ناسخه)) قول ابن عباس وابن عمر قَالَ: هُذا إنما هو نقل وتصريح بالنسخ، وليس برأي ولا اجتهاد. وفي ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: ((من مات على وصية مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة، ومات مغفورًا له))(١) ومن حديث أنس مرفوعًا: ((المحروم من حرم وصيته))(٢). وفي المسألة قول ثالث، قاله أبو ثور: إنها ليست واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فواجب أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه؛ لأن الله فرض أداء الأمانات، فمن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس بواجب عليه أن يوصي(٣)، يقويه قوله: ((مَا حَقُّ أَمْرِئٍ مُسْلِم))(٤) فأضاف الحق إليه؛ كقوله: هذا حق زيد فلا ينبغي أن يتركه، فإذا ترکه لم يلزمه . وقد سلف رواية: يريد الوصية، فعلق ذَلِكَ بإرادة الموصي، ولو كانت واجبة لم يعلقها بإرادته، وهو رأي الجماعة. (١) رواه ابن ماجه (٢٧٠١). وقال البوصيري في ((زاوائد ابن ماجه)) ص ٣٦٥: فيه بقية بن الوليد وهو يدلس وشيخه يزيد بن عوف أبي النضير، وقيل: عمرو بن صبيح بن أبي الزبير ولم أر من تكلم فيه، وضعفه الألباني في (ضعيف الجامع)) برقم (٥٨٤٨). (٢) رواه ابن ماجه (٢٧٠٠)، قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٣٦٥: قلت: له شاهد في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن عمر، إسناد حديث أنس بن مالك، فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف، وضعفه الألباني في ((ضعيغ الجامع)) (٥٩١٦). (٣) وهو قول الجمهور والشعبي والنخعي والثوري ومالك والشافعي كما بينه ابن قدامة في ((المغني)) ٣٩٠/٨. (٤) مسلم (١٦٢٧). ١٨٣ كِتَابُ الوَصَايَا = قَالَ ابن بطال: ومما يدل على ذَلِكَ أيضًا أن ابن عمر راوي الحديث لم يوص، ومحال أن يخالف ما رواه لو كان واجبًا، ولكنه عقل منه للاستحباب(١). وقد أسلفنا رد هذا. ثم أعلم أن الحق في اللغة هو الثابت مطلقًا، فإذا أطلق في الشرع فالمراد به ثبوت الحق فيه، ثم الحكم الثابت في الشرع أعم من كونه واجبًا أو مندوبًا أو مباحًا إذ كل واحد منها ثابت وموجود فيه، لكن إطلاق الحق على المباح قلما يقع في الشريعة، وإنما يؤخذ فيه بمعنى الواجب والندب، فإن أقترن به على ما في معناها ظهر فيه قصد الوجوب وإلا فهو محتمل كما جاء في هذا الحديث. وعلى هذا فلا حجة لداود وأتباعه في التمسك به على الوجوب (٢)؛ لأنه لم تقترن به قرينة تزيل إجماله، فإن أبى إلا دعوى ظهوره قابلناه بما قاله بعض أصحابنا في هذا الحق، أنه قد أقترن به ما يدل على الندب، وهو تعلقها على الإرادة، فإقرار مثل هذا يقوي إرادة الندب، ولو أنَّا سلمنا أن ظاهره الوجوب، نقول بموجبه فيمن كان عليه حقوق يخاف ضياعها، أو له حقوق كما قال أبو ثور. والترخيص في الليلتين أو الثلاث رفع الحرج والعسر أو أراد الموصي يتأمل ويقدم في هذِه الليالي ما يريد الوصاة به. وقوله: ( ((مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)) ) فيه: أن الوصية نافذة وإن كانت عند صاحبها، ولم يجعلها عند غيره، وكذلك إن جعلها عند غيره وارتجعها. (١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ١٤٢. (٢) قال بالوجوب أيضًا ابن حزم في ((المحلى)) ٩/ ٣١٢ فقال: الوصية فرض على كل من ترك مالًا. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وفيه: أن الكتاب يكفي من غير إشهاد، وبه قَالَ محمد بن نصر المروزي، وهو ظاهر الحديث، ولولا أنه كاف لما كان لذكره فائدة. وحمله المتأخرون، منهم النووي على أن المراد: إذا أشهد عليه بها لا أنه يقتصر على مجرد الكتابة، بل لا يعمل بها ولا ينتفع إلا إذا كانت بإشهاد، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور (١)، وكذا قَالَ القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة الاستيثاق، فلو كتبها ولم يشهد بها فلم يختلف قول مالك أنه لا يعمل بها إلا فيما يكون فيها من إقرار بحق لمن لا يتهم عليه، يلزمه تنفيذه(٢). وأما حديث عمرو بن الحارث: فقد أسلفته في الكلام على أم الولد وكونه ختنه؛ لأنه أخو جويرية أم المؤمنين، وهذا قول ابن الأعرابي وابن فارس والأصمعي أن الختن من قبل المرأة، والصهر من قبل الزوج. وقال محمد بن الحسن: الختن: الزوج ومن كان من ذوي رحمه، والصهر من قبل المرأة (٣). وقوله: (أَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَة) إنما تصدق بها في صحته وأخبر بالحكم بعد وفاته، وهي: فدك والتي بخيبر، قاله ابن التين وقد أسلفنا هناك أن فيه دلالة على أن أم الولد تعتق بموت السيد، وقال ابن المنير: ووجه دخوله هنا احتمال كون الصدقة هنا موصى بها (٤)، وهو مخالف لما ذكره ابن التين. (١) ((مسلم بشرح النووي)) ١١/ ٧٥ - ٧٦. (٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٤٢. (٣) ((لسان العرب)) ٢/ ١١٠٢، مادة (ختن)، و((مجمل اللغة)) ٣١٣/١ مادة (ختن)، ٥٤٣/١ مادة (صھر). (٤) ((المتواري)» ص٣١٥. ١٨٥ = ڪِتَابُ الوَصَايَا وأما حديث ابن أبي أوفى: فقد سلف الجواب عنه، والمراد فيه أنه لم يوص، إنما أراد الوصية التي زعم بعض الشيعة أنه أوصى بالأمر إلى علي، وقد تبرأ علي من ذَلِكَ حين قَالَ له: أعهد إليك رسول الله بشيء لم يعهده إلى الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذِه الصحيفة(١). وهو راد لما أكثره الشيعة من الكذب على أنه أوصى له بالخلافة(٢). وأما أرضه وسلاحه وبغلته، فلم يوص فيها على جهة ما يوصي الناس في أموالهم؛ لأنه قَالَ: ((لا نورث، ما تركناه صدقة))(٣) ورفع الميراث عن أزواجه وأقاربه، وإنما تجوز الوصية لمن لا يجوز لأهله وراثته. وأما حديث عائشة: فيه: أنه أنخنث. أي: أنثنى. ومنه سمي: المخنث؛ لتثنيه وتكسره. قَالَ صاحب ((العين)): الخنث: السقاء (٤). وخنث: إذا سال. وخنثته أنا. ووصيته بكتاب الله في الحديث الذي قبله غير معنى قول عائشة: بما أوصى؟ وقوله فيه: (أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ). قد فسره علي بقوله: ما عندنا إلا كتاب الله. وكذلك قَالَ عمر: حسبنا كتاب الله حين أراد أن يعهد عند موته(٥). (١) سيأتي برقم (٦٩٠٣). (٢) قلت: وقد تعلق الشيعة أيضًا بحديث يأتي في ((الصحيح)) برقم (٣٧٠٦) وفيه: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) ورد القاضي عياض هذِه الحجة، وفضَّل الكلام في ذلك. أنظر ((إكمال المعلم)) ٧/ ٤١١ - ٤١٢. (٣) تقدم تخريجه. (٥) سيأتي برقم (٥٦٦٩). (٤) ((العين)) ٢٤٨/٤. ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ٢ - باب أَنْ يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَكَفَّفُوا النَّاسَ(١) ٢٧٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ◌َلَ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ التِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: «يَرْحَمُ اللهُ ابن عَفْرَاءَ)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُوْصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: (لَا)). قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: ((لَ)). قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: ((فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللَّقْمَةُ التِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي أَمْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ)). وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ ابنةٌ. [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٣٦٣/٥] ذكر فيه حديث سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وفيه: ((فَالثُّلُثُ، وَالقُّلُثُ كَثِيرٌ)). بطوله، وقد سلف في الجنائز(٢). وقوله: ( ((يَرْحَمُ اللهُ ابن عَفْرَاءَ)) ) قَالَ الداودي: أراه غير محفوظ، والصواب: ابن خولة(٣). كما ذكره البخاري في: الفرائض من حديث الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه (٤)، ولعل الوهم أتى من سعد بن إبراهيم راويه عن عامر، والزهري أحفظ من سعد. (١) في (ص): باب الوصية بالثلث، وأن يترك ورثته أغنياء .. [إلى آخره، فزاد فيها: الوصية بالثلث]. (٢) سلف برقم (١٢٩٥) باب: رثى النبي ◌َّ سعد بن خولة. (٣) نقل الكرماني في ((شرحه)) ١٢/ ٦١ عن التيمي أنه قال: يحتمل أن يكون لأم سعد أسمان خولة وعفراء، وقال الكرماني: ويحتمل أن تكون خولة أسمها، وعفراء صفته أو خولة اسم أبيه وعفراء آسم آمه. (٤) سيأتي برقم (٦٧٣٣)، باب: ميراث البنات. ١٨٧ كِتَابُ الوَصَايَا = واعلم أن الله تعالى ذكر الوصية في كتابه ذكرًا مجملًا، ثم بين رسوله 18 أن الوصايا مقصورة على الثلث؛ لإطلاقه لسعد الوصية بالثلث في هذا الحديث، وليس بجور إذ لو كان جورًا لبيّنه، وأجمع العلماء على القول به، واختلفوا في القدر الذي يستحب أن يوصي به الميت، وسيأتي بعد هذا، إلا أن الأفضل لمن له ورثة أن يقصر في وصيته عن الثلث، غنيًا كان أو فقيرًا؛ لأنه نَّ لما قَالَ لسعد: ((الثُّلُثُ كَثِيرٌ)) أتبعه بقوله: ((إنك إن تذر)) إلى آخره، ولم يكن لسعد يومئذ إلا ابنة واحدة كما ذكر هنا وفيما بعد، فدل أن ترك المال للورثة خير من الصدقة به، وأن النفقة على الأهل من الأعمال الصالحة. وروى ابن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة قَالَ لها رجل: إني أريد أن أوصي. قالت: كم مالك؟ قَالَ: ثلاثة آلاف. قالت: فكم عيالك؟ قَالَ: أربعة. قالت: إن الله يقول: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وإن هذا شيء يسير، فدعه لعيالك، فإنه أفضل(١). وروى حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه ذكر له الوصية في مرضه فقال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أفعل فيه، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك فيها أحد ولدي(٢)، وعن علي أنه دخل على رجل من بني هاشم يعوده وله ثمانمائة درهم وهو يريد أو يوصي، فقال له: يقول الله: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾، ولم تدع خيرًا توصي به (٣). (١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٣٠ (٣٠٩٣٧). (٢) رواه الطبري ١٢٥/٢ (٢٦٦٨)، وعزاه في ((الفتح)) ٣٥٩/٢ إلى ابن المنذر وصحح إسناده. (٣) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٦٢/٩ (١٦٣٥١، ١٦٣٥٢)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢٣٠ (٣٠٩٣٦)، والطبري ١٢٦/٢ (٢٦٨٢). ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وعن ابن عباس: من ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإنه لم يترك خيرًا(١). وقال قتادة في الآية: ألف درهم فما فوقها(٢). قَالَ ابن المنذر: وقد (دلت)(٣) هذِه الآثار على أن من ترك مالا قليلًا، فالاختيار له ترك الوصية، وإبقاؤه للورثة (٤). وقوله: ( ((عَسَى اللهُ أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ)) ) أنتفع به من أدخله الإسلام، وضر به من هو كافر. أو أن ابنه عمر ولاه عبيد الله بن زياد على الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه. وهذا من أعلام نبوته. ووقع كما أخبر. وكيف لا ولا ينطق عن الهوى. وقال ابن بطال: ثبت أن سعدًا أُمِّر على العراق، فأتي بقوم أرتدوا عن الإسلام، فاستتابهم، فأبى بعضهم فقتلهم. ففر أولئك، وتاب بعضهم، فانتفعوا(٥). وعاش سعد بعد حجة الوداع خمسًا وأربعين سنة(٦). وُقوله: ( ((خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ)) ) العالة: جمع عائل، وهو الفقير الذي لا شيء له، ومنه: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَى ﴾﴾ [الضحى: ٨]. (١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٣٠ (٣٠٩٣٤). (٢) رواه الطبري ١٢٦/٢ (٢٦٨١). (٣) في (ص): ذكر. (٤) ((الإقناع)) لابن المنذر ٤١٥/٢. (٥) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٢٢/١٣ (٥٢٢٣). (٦) ((شرح ابن بطال)) ١٤٤/٨ - ١٤٥. وانظر ترجمة سعد بن أبي وقاص في ((الطبقات)) لابن سعد ١٣٧/٣، و((تهذيب الكمال)) ٣٠٩/١٠. و((سير الأعلام)) ١/ ٩٢. ١٨٩ = ڪِتَابُ الوَصَايَا و(يَتَكَفَّفُونَ)): يبسطون أكفهم لمسألتهم. قَالَ صاحب ((العين)): استكف: بسط كفه (١). فرع : أكثر أهل العلم على أن هبة المريض وصدقاته من ثلثه إذا مات منه كسائر الوصايا. واتفق على ذَلِكَ فقهاء الحجاز والعراق. وقالت فرقة: هي من جميع المال كأفعاله، وهو صحيح. حكاه الطحاوي وقال: هذا قول لم نعلم أحدًا من المتقدمين قاله(٢). وأظنه قول أهل الظاهر: إذا قبضت وصية المريض وعطاياه فهي من رأس ماله، لأن ما قبض قبل الموت ليس وصية، وإنما الوصية ما يستحق بموت الموصي. وسواءً قُبضت عند جماعة الفقهاء أو لم تُقبض هي من الثلث. وحديث عائشة في ((الموطأ)) أن أباها نحلها جادَّ عشرين وَسْقًا بالغابة، فلما مرض قَالَ: لو كنت حزتيه كان لك(٣)، وإنما هو اليوم مال الوارث. فأخبر الصديق أنها لو كانت قبضته في الصحة تم لها ملكه، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضًا يتم لها به ملكه، وجعل ذَلِكَ غير جائز كما لا تجوز الوصية لها به، ولم تنكر ذَلِكَ عائشة على والدها، ولا سائر الصحابة، فدل أن مذهبهم جميعًا كان فيه مثل مذهبه. وفي هذا أعظم حجة على من خالف قول جماعة العلماء. وكذلك فعل الشارع في الذي أعتق ستة أعبد له عند الموت لا مال له غيرهم. فأقرع بينهم، وأعتق أثنين، وأرق أربعة، فجعل (١) ((العين)) ٥/ ٢٨٣. (٢) ((شرح معاني الآثار)) ٣٨٠/٤. (٣) ((الموطأ)» ص٤٦٨. ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = العتق في المرض من الثلث. فكذا الهبة والصدقة لاشتراكها في تفويت المال. وقوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّ ابنٌ). حدث له بعد ذَلِكَ خمسة من الولد. واختلف متى عاده وّر. والصواب: في حجة الوداع، وبه قَالَ الزهري(١) . وقال ابن عيينة: في يوم الفتح(٢)، وغلطوه(٣). (١) سلف برقم (١٢٩٥). (٢) رواه الترمذي في ((سننه)) (٢١١٦) من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سعد به. (٣) ذكر ذلك البيهقي في ((السنن)) ٢٦٩/٦ وقال: ((خالف سفيان الجماعة في قوله ((عام الفتح)) والمحفوظ عام حجة الوداع. وبين ذلك المصنف في ((شرح العمدة)) ٨/ ٢٢، ((البدر المنير)) ٢٥٣/٧. وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣٦٣/٥: أتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع إلا ابن عيينة، واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه .. فلعل ابن عيينة أنتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع مرتين مرة عام الفتح ولم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، ومرة في حجة الوداع كانت له ابنة فقط. ١٩١ -- كِتَابُ الوَصَايَا ٣ - باب الوَصِيَّةِ بِالثّلُثِ وَقَالَ الحَسَنُ: لَا يَجُوزُ لِلذِّمِّيِّ وَصِيَّةٌ إِلَّ الثُّلُثُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. ٢٧٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْع؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلاَ قَالَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)) أَوْ ((كَبِيرٌ)). [مسلم: ١٦٢٩ - فتح: ٣٦٩/٥] ٢٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ هَاشِمٍ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنٍ النَّبِيُّ ◌ََّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَدْعُ اللهَ أَنْ لَا يَرُدَّنِي عَلَى عَقِبِي. قَالَ: (لَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا)). قُلْتُ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، وَإِنَّمَا لي ابنةٌ. قُلْتُ: أُوْصِي بِالنّصْفِ؟ قَالَ: ((النّصْفُ كَثِيرٌ)). قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)) أَوْ ((كَبِيرٌ)). قَالَ: فَأَوْصَى النَّاسُ بِالثُّلُثِ، وَجَازَ ذَلِكَ لَهُمْ. [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٣٦٩/٥] ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ لَوْ غَضَّ النَّاسُ إِلَى الرُّبْع؛ لأَنَّ رَسُولَ اللهِ ونَ﴿ قَالَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)). وحديث سعد المذكور قبله. ومعنى (غَضَّ): نقص. يقال: غضضت السقاء إذا (نقصته)(١). وقول سعد: أدعُ الله ألا يردني على عقبي. وفي رواية مالك: أخلف بعد أصحابي (٢). قيل: معناه بمكة، فتخلف لمرضه. وقيل: يعيش بعدهم. وقوله في الحديث السالف: أوصي بمالي؟ قَالَ: (لَا) قلتُ: فالشطر؛ قَالَ: ((لَا)). أحتج به أهل الظاهر في أن من أوصى بأكثر من (١) في الأصل: عنصه، والمثبت من ((المصباح)) ٤٤٩/٢ مادة (غض). (٢) سلف برقم (١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رثى رسول الله وَالر سعد بن خولة. ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثلث ماله أنه لا يجوز، وإن أجازته الورثة؛ لأنه لم يقل: إن أجازه ورثتك جاز. وقام الإجماع على أن الوصية بالثلث جائزة. وأوصى الزبير بالثلث(١). واختلف العلماء في القدر الذي يستحب الوصية به، هل هو الخمس؟ أو السدس؟ أو بالربع؟ فعن أبي بكر أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس (٢). وقال معمر عن قتادة: أوصي بالربع(٣). وذكره البخاري عن ابن عباس، حكاه ابن بطال (٤). وقال إسحاق: السنة الربع(٥)، مثل ابن عباس(٦). وروي عن علي: لأن أوصي بالخمس أحب إليَّ من الربع، ولأن أوصي بالربع أحب إليَّ من الثلث(٧). واختار آخرون السدس. قَالَ إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة، حَتَّى يكون أقل. وكان السدس أحب إليهم من الثلث(٨). واختار آخرون العشر. روي في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قَالَ: بعشر مالك. فلم يزل يناقصني وأناقصه حَتَّى قَالَ: ((أوص بالثُّلُث، وَالقُلُثُ كَثِيرٌ)) (٩). فجرت سنة يأخذ بها الناس إلى اليوم. (١) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٨ (٣٠٩٠٦). (٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٦٦/٩ (١٦٣٦٣)، وابن أبي شيبة ٢٢٨/٦ (٣٠٩٠٩، ٣٠٩١٠)، والبيهقي ٦/ ٢٧٠. (٣) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن عمر ٦٦/٩ - ٦٧ (١٦٣٦٣). (٤) ابن بطال ٨/ ١٤٧. (٥) أنظر ((المغني)) ٣٩٤/٨، و((التمهيد)) ٣٨٢/٨. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٨ (٣٠٩٠٥). (٧) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٦٦/٩ (١٦٣٦١)، والبيهقي ٢٧٠/٦. (٨) رواه عبد الرزاق ٦٦/٩ (١٦٣٦٢)، وابن أبي شيبة ٢١٦/٦ (٣٠٧٨٦). (٩) رواه الطيالسي في ((مسنده)) ١٦٠/١ (١٩١). ١٩٣ = ڪِتَابُ الوَصَايَا قَالَ أبو عبد الرحمن السلمي -الراوي عن سعد -: فمن ينتقص من الثلث لقول رسول الله وَ له: ((وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ)). واختار آخرون لمن كان ماله قليلًا وله وارث ترك الوصية. روي ذَلِكَ عن علي، وابن عباس، وعائشة على ما سلف. وقال رجل للربيع بن خثيم: أوصٍ لي بمصحفك. فنظر إليه ابنه، وقرأ: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾. [الأنفال: ٧٥](١). وقام الإجماع من الفقهاء: أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث، إلا أبا حنيفة وأصحابه، وشريك بن عبد الله فقالوا: إن لم يترك الموصي ورثة فجائز له أن يوصي بماله كله. وقالوا: إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان لأجل أن يدع ورثته أغنياء، ومن لا وارث له فليس ممن عُني بالحديث، وروي هذا القول عن ابن مسعود(٢)، وبه قَالَ عبيدة ومسروق(٣)، وإليه ذهب إسحاق. وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه، وإن لم يكن له وارث، وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حي (٤) والشافعي (٤). قَالَ بعض المالكية فيما حكاه ابن التين: إذا كان بيت المال في يد من يصرفه في وجوهه، واحتجوا بقوله: ((الثَّلُثُ كَثِيرٌ)) وبما رواه آدم بن أبي إياس، ثنا عقبة بن الأصم، نا عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة في (١) رواه ابن أبي شيبة ٢٣٨/٦ (٣١٠١١)، والطبري ١٢٥/٢ (٢٦٦٩). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٧ (٣٠٨٩٤). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٢٧ (٣٠٨٩٥، ٣٠٨٩٦). (٤) أنظر: ((المنتقى)) ١٥٦/٦، ((بدائع الصنائع)) ٣٣٢/٧. ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - أعمالكم))(١) وروى أبو اليمان، نا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدرداء مرفوعًا: ((إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتکم»(٢) ولم يخص من کان له وارث من غيره. وفي المسألة قول شاذ آخر، وهو جوازها بالمال كله وإن كان له وارث. روى الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي قَالَ: أخبرني هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قَالَ: قَالَ عمرو بن العاصي حين حضرته الوفاة: إني قد أردت الوصية. فقلت له: أوص في مالك ومالي. فدعا كاتبًا وأملى عليه. قال عبد الله: حَتَّى قلتُ: ما أراك إلا قد أتيت على مالك ومالي، فلو دعوت إخوتي فاستحللتهم (٣). وعلى هذا القول وقول أبي حنيفة رد البخاري في هذا الباب وكذلك صدر بقول الحسن، ثم حكم الشارع أن الثلث كثير هو الحكم بما أنزل الله، فمن تجاوز ما حده وزاد عليه فقد وقع في النهي، وعصى إذا كان بالنهي عالمًا. قَالَ الشافعي: وقوله: ((الثّلُثُ كَثِيرٌ)) يريد أنه غير قليل، وهذا أولى معانيه، ولو كرهه لقال: غض منه(٤). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ٣/ ٣٢٢ وقال: غريب من حديث عطاء لا أعلم له راويًا غير عقبة. والحديث وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (١٦٤١). (٢) رواه أحمد في «مسنده)) ٦/ ٤٤١، والبزار في ((مسنده)) ٦٩/١٠ وقال: روي عن رسول الله و3 18 من غير وجه، ولا نعلم له طريقًا عن أبي الدرداء غير هذا الطريق وأبو بكر بن أبي مريم وضمرة معروفان بنقل العلم. اهـ. قلت: وله شواهد من حديث معاذ، وأبي هريرة. وقال الحافظ في ((بلوغ المرام)» ص٢٠٢: ٢٠٣ بعد أن ذكر شواهده: كلها ضعيفة لکن يقوي بعضها بعضًا. (٣) لم أقف عليه مسندًا وذكره القرطبي في ((تفسيره)) ٢/ ٢٤٢. (٤) انظر: ((الأم)) ٣٠/٤، وذكره أيضًا الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٣٨٠/٤. ١٩٥ ـ كِتَابُ الوَصَايَا وفي قول سعد: لا يرثني إلا ابنة. إبطال قول من يقول بالرد على الابنة؛ لأنها لا تحيط بالميراث، وقد كان لسعد عَصَبَةٌ يرثونه إذ ذاك، ثم حدث له أولاد كما أسلفنا (١). (١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٥٠/٨. ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٤ - باب قَوْلِ المُوصِي لِوَصِيِّهِ: تَعَاهَدْ وَلَدِي. وَمَا يَجُوزُ لِلْوَصِيّ مِنَ الدَّعْوى ٢٧٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها - زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ََّ- أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عُثْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصِ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِ وَقَّاصٍ أَنَّ ابن وَلِيدَةِ زَمْعَةً مِنِّي، فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا كَانَ عَامُ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ابن أَخِي، قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةٍ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابن أَخِي، كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ ابن زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ)). ثُمَّ قَالَ لِسَؤْدَةً بِنْتِ زَمْعَةَ: ((احْتَجِبِي مِنْهُ)). لَمَا رَأَىُ مِنْ شَبَّهِهِ بِعُثْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ الله. [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٣٧١/٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ في قصة ابن وليدة زمعة. وقد سلف بفوائده في باب: أم الولد(١)، ولا يجوز عند أحد من أهل العلم دعوى أحد لغيره لحي أو ميت إلا بوصية تثبت أو وكالة، فإذا ثبت ذَلِكَ كلف حينئذ ما يكلف المدعي لنفسه إذا أُدعى، ولا بينة عليه. وفيه: ادعاء أخي الميت، وفي ذَلِكَ ثبوت حق على الأب، ولا يستلحق عند جمهور العلماء إلا الأب(٢). (١) سلف برقم (٢٥٣٣) كتاب: العتق. (٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٥٠/٨. ١٩٧ كِتَابُ الوَصَايَا ٥ - باب إِذَا أَوْمَأَ المَرِيضُ بِرَأْسِهِ إِشَارَةً بَيِّئَةً جَازَتْ ٢٧٤٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِ عَبَّدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ تَهُوِدِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ؟ أَقْلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَّهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَغْتَرَفَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ وَّةِ، فَرْضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. [انظر: ٢٤١٣ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح: ٣٧١/٥] ذكر فيه حديث أَنَس السالف في المرضوضة رأسها. وفيه: فأومأت برأسها. وقد اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه إذا ثبتت إشارة المريض على ما يعرف من حضره جازت وصيته، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي أنه إذا سئل المريض عن الشيء فأومأ برأسه أو بيده فليس بشيء حَتَّى يتكلم(١). قَالَ أبو حنيفة: وإنما تجوز إشارة الأخرس ومن مرت عليه سنة لا يتكلم، وأما من اعتقل لسانه، ولم يدم به ذَلِكَ فلا تجوز إشارته. واحتج الطحاوي عليه بحديث الباب حيث أشارت المرضوضة فجعل إشارتها بمنزلة دعواها ذَلِكَ بلسانها من غير اعتبار دوام ذَلِكَ عليها مدة من الزمان، فدل على أن من أعتقل لسانه فهو بمنزلة الأخرس في جواز إقراره بالإيماء والإشارة (٢). وقد ثبت أنه وَ لَّه صلى وهو قاعد، فأشار إليهم أن أقعدوا(٣). (١) أنظر: ((المغني)) لابن قدامة ٢٧١/١٤، و((الشرح الكبير)) ٢٠٢/١٧. (٢) (شرح معاني الآثار)) ١٧٩/٣، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٦٥/٥: ٦٧. (٣) سلف برقم (٦٨٨). ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = واحتج الشافعي بأنه قد أصمتت أمامة بنت أبي العاص، فقيل لها : لفلان كذا، ولفلان كذا؟ فأشارت أن نعم. فنفذت وصيتها(١)، وأصل الإشارة في كتاب الله في قصة مريم: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] يعني: سلوه . ﴿قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِىِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] وقبله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلَّا رَمْزًّا﴾ [آل عمران: ٤١]. (١) ذكره المزني في ((مختصر المزني بهامش الأم)) ١٤٢/٤ وقال المصنف في ((البدر المنير)) ٢٩١/٧: غريب عنها. = كِتَابُ الوَصَايَا ١٩٩ = ٦ - باب لَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ٢٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَزْقَاءَ، عَنِ ابْن أَبِي نَجِيحِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ الله مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأَنَّثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَزْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ. [٤٥٧٨، ٦٧٣٩ - فتح: ٣٧٢/٥] ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسٍ(١) قَالَ: كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظّ الأَنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبْعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّْرَ وَالرُّبُعَ. الشرح : لفظ الترجمة حديث مروي من طرق : أحدها: من طريق أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله وَّه يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)) أخرجه الترمذي من حديث إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة به ثم قَالَ: حسن. وفي بعضها : صحيح (٢). فإن صحت فكأنه صحح رواية إسماعيل عن الشاميين(٣). (١) ورد فوقها: مسندًا. (٢) الترمذي (٢١٢٠). (٣) ورد بهامش الأصل: قال نعيم هو عامة في الشاميين، وقال البخاري: إذا أخذت عن أهل حمص فصحيح، وقال أبو حاتم: لين. ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهو رأي أحمد والبخاري وغيرهما (١). وأخرجه أبو داود وابن ماجه أيضًا(٢). ثانيها: من طريق عمرو بن خارجة مرفوعًا مثله، أخرجه الترمذي أيضًا من حديث شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو به، ثم قَالَ: حسن صحيح(٣). وأخرجه النسائي وابن ماجه (٤). ثالثها: من طريق أنس، أخرجه ابن ماجه من حديث سعيد بن أبي سعید عنه به(٥). رابعها: من طريق جابر، أخرجه الدارقطني وقال: الصواب إرساله(٦). خامسها: من طريق ابن عباس مرفوعًا: ((لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة)) رواه الدارقطني من حديث حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء عنه به(٧). زاد ابن حزم من طريق مرسلة: ((فإن أجازوا فليس لهم أن يرجعوا))(٨). (١) ذكره الترمذي عنهم بعد حديث (٢١٢٠). (٢) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، وابن ماجه (٢٧١٣). (٣) رواه الترمذي (٢١٢١) وتعقب الألباني في ((الإرواء)) (١٦٥٥) قول الترمذي حسن صحيح بقوله: لعل تصحيحه من أجل شواهده الكثيرة وإلا فشهر بن حوشب ضعيف. (٤) رواه النسائي ٢٤٧/٦، وابن ماجه (٢٧١٢). (٥) رواه ابن ماجه (٢٧١٤). (٦) رواه الدارقطني في ((سننه)) ٤/ ٩٧. (٧) رواه الدارقطني في ((سننه)) ٩٧/٤ وانظر تعليق المصنف على الحديث في ((البدر المنير)» ٢٦٣/٧ - ٢٦٩. (٨) ((المحلى)) ٣١٦/٩- ٣١٧.