Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
وكذلك الحرب أيضًا إنما يجوز فيها المعاريض والإيهام بألفاظ
تحتمل وجهين فيؤدي بها عن أحد المعنيين ليغر السامع بأحدهما عن
الآخر، وليس حقيقة الإخبار عن الشيء بخلافه وضده، ونحو ذلك
ما روي عن الرسول وسلم أنه مازح عجوزًا فقال: ((إن العجز لا يدخلن
الجنة))(١) فأوهمها في ظاهر الأمر أنهن لا يدخلن أصلًا، وإنما أراد
أن لا يدخلن الجنة إلا شبابًا. فهذا وشبهه من المعاريض التي فيها
مندوحة عن الكذب، وإن لم يصلح المصلح شيئًا فله أن يعد بخير،
ولا يقول سمعت، وهو لم يسمع ونحوه.
قال الطبري: والصواب في ذلك قول من قال: الكذب الذي أذن فيه
الشارع هو ما كان تعريضًا ينحو به نحو الصدق، نحو ما روي عن إبراهيم
النخعي أن (امرأة)(٢) عاتبته في جارية وفي يده مروحة، فجعل إبراهيم
النخعي يقول: أشهدوا أنها لها ويشير بالمروحة، فلما قامت امرأته،
قال: على أي شيء أشهدتكم؟ قالوا: أشهدتنا على أنها لها. قال:
ألم تروني أشير بالمروحة(٣).
قلت: ومثله قوله للظالم: فلان يدعو لك، وينوي قوله: اللهم اغفر
للمسلمين، ويعد زوجته، ونيته في ذلك إن قدر الله أو إلى مدة، وكذلك
الإصلاح بين الناس.
(١) رواه الترمذي في ((الشمائل)) ص ١٠٥ (٢٤١)، والطبراني في ((الأوسط)) ٥٪
٣٥٧ (٥٥٤٥)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي وَلّ) ص٧٨، وأبو نعيم في
((صفة الجنة)) ٢٢٣/٢ (٣٩١)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) ص١٩٩ - ٢٠٠
(٣٧٩، ٣٨٢) من حديث عائة رضي الله عنها.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٩٨٧) وأطال الكلام عليه.
(٢) كذا بالأصل، والصواب (امرأته)
(٣) ((تهذيب الآثار)) مسند علي ص١٤٨.

٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وحديث المرأة زوجها يحتمل أنه فيما يحدث به أحدهما الآخر من
ود له واغتباط، والكذب في الحرب: أن يضمر في نفسه مدة، ويتحدث
بما يشحذ به بصيرة أصحابه، ويكيد به عدوه، فالحرب خدعة.
وسيأتي في الأدب في باب: المعاريض مندوحة عن الكذب
ما يوضح هذا.
وأما صريح الكذب فهو غير جائز لأحد كما قال ابن مسعود(١) لما
روي عن رسول الله وَ﴾ من تحريمه، والوعيد عليه.
وأما قول حذيفة(٢): فإنه خارج عن معاني الكذب الذي روي عن
رسول الله ﴿ أنه أذن فيها، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه
عند الخوف، كالذي يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي
نفسه، وكذلك الحالف له أن يخلص نفسه ببعض ما حرم الله عليه وله
أن يحلف على ذلك، ولا حرج عليه ولا إثم(٣).
قال القاضي عياض: وأما المخادعة، ومنع حق عليه أو عليها،
أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بالإجماع(٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) (تهذيب الآثار)) مسند علي ص١٤٩ - ١٥٠ بتصرف.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٨/ ٧٨ بتصرف.

٢٣
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
٣ - باب قَوْلِ الإِمَامِ لأَصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
٢٦٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَوَيْسِيُّ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ الفَزْوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدِ رضى الله عنه أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ آقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِّ
بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ)). [انظر: ٦٨٤ - فتح: ٣٠٠/٥]
ذكر فيه حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ أَقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا
بِالْحِجَارَةِ، فَأَخْبِرَ رَسُولُ اللهِ وََّ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ
بَيْنَهُمْ)).
الشرح :
يشبه كما قال ابن بطال: أن يكون في هذه القصة نزلت: ﴿وَإِن
طَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] لا في قصة عبد الله بن أبي
كما سلف(١).
روي عن الحسن أن قومًا من المسلمين كان بينهم تنازع حتى
أضطربوا بالجريد والنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم الآية.
قال قتادة: كان بينهما حق فتنازعا فيه فقال أحدهما: لآخذنه عنوة.
وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله وَّل. فتنازعا حتى كان بينهما ضرب
بالأيدي والنعال(٢). وقال قتادة في تأويل هذه الآية: قال الأوس
والخزرج اقتتلوا بالعصى بينهم، وقد سلف كل ذلك واضحًا(٣).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٨٣/٨.
(٢) ((تفسير الطبري)) ٣٨٨/١١ (٣١٧٠٨).
(٣) السابق ١١ / ٣٨٨ (٣١٧٠٦).

٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: خروج الإمام مع أصحابه للإصلاح بين الناس عند تفاقم
أمورهم وشدة تنازعهم، وقد سلف أيضًا.
وفيه: ما كان عليه القليل من التواضع والخضوع والحرص على قطع
الخلاف وحسم دواعي الفرقة عن أمته كما وصفه الله تعالى.

٢٥
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
٤ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى:
(أَنْ يَضَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)(١) [النساء: ٢٨)
٢٦٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِیهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا﴾ [النساء:
١٢٨] قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرىُ مِنِ أَمْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ، فَيُرِيدُ فِرَاقَهَا فَتَقُولُ:
أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ: فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا. [انظر: ٢٤٥٠ - مسلم:
٣٠٢١ - فتح: ٣٠١/٥]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾
قَالَتْ: هُوَ الرَّجُلُ يَرىْ مِنِ امْرَأَتِهِ مَا لَا يُعْجِبُهُ، كِبَرًا أَوْ غَيْرَهُ(٢)، فَيُرِيدُ
فِرَاقَهَا فَتَقُولُ: أَمْسِكْنِي، وَاقْسِمْ لِي مَا شِئْتَ. قَالَتْ: فَلَا بَأْسَ إِذَا تَرَاضَيَا.
هذا قول عائشة في تفسير الآية، وقال عليٍّ: هي المرأة تكون عند
الرجل، وهي دميمة أو عجوز تكره مفارقته، فيصطلحا على أن يجيئها
يومًا من ثلاثة أو أربعة(٣)، وقيل: نزلت في رافع بن خديج طلق
زوجته واحدة، وتزوج شابة، فلما قاربت أنقضاء العدة قالت:
أصالحك على بعض الأيام، فراجعها، ثم لم يسمح فطلقها أخرى،
ثم سألته ذلك فراجعها، فنزلت هذه الآية (٤).
(١) كذا قرأها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بفتح الياء والتشديد وبألف بعد
الصاد، وقرأها عاصم وحمزة والكسائي ﴿يُصْلِحَا﴾ بضم الياء والتخفيف. أنظر:
((الحجة للقراء السبع)) ١٨٣/٣، ((الكشف عن وجوه القراءات السبع)) ٣٩٨/١.
(٢) ((المجمل)) ص(٨٦٩) مادة: (نشز).
(٣) (تفسير الطبري)) ٣٠٧/٤، ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٩٧/٧.
(٤) (تفسير الطبري)) ٣٠٧/٤، ((المستدرك)) ٣٠٨/٢، ((سنن البيهقي الكبرى)) ٢٩٦/٧.

٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والتُّشُوز: أصله الارتفاع، وإذا أساء عشرتها ومنعها نفسه والنفقة
فهو نشوز، وقال ابن فارس: نشز بعلها إذا ضربها وجفاها (١).
وقوله: ( ((والصلح خير))) أي: من الفرقة، حُذف لعلم السامع وقرأ
الكوفيون: ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨] بضم الياء، وقرأ الجحدري: (أَنْ
يَصَّلِحا) والمعنى: يصطلحا، ثم أدغم(٢).
ولا شك أن الصلح في كل شيء خير من التمادي على الخلاف
والشحناء والمباغضة التي هي قواعد الشر، والصلح وإن كان فيه صبر
مؤلم فعاقبته جميلة، وأمرُّ منه وشرٌّ عاقبة العداوة والبغضاء، وقد قال
الكلية في البغضة أنها الحالقة يعنى: حالقة الدين لا الشعر (٣).
أراد الشارع أن يطلق سودة لسن كان بها فأحست منه ذلك، فقالت
له: قد وهبت يومي لعائشة، ولا حاجة لي بالرجال وإنما أريد أن أحشر
في نسائك، فلم يطلقها واصطلحا على ذلك.
ودل هذا أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض
لا يجوز إلا بإذن المفضلة ورضاها، ويدخل في هذا المعنى جميع
(١) أنظر: ((مختصر شواذ القرآن)) ص٣٦، ((المحتسب)) ٢٠١/١.
(٢) قطعة من حديث إفشاء السلام وفيه: ((إياكم والبغضة)) فذكره وقد روي عن أبي
هريرة والزبير بن العوام وابنه، فأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري في ((الأدب
المفرد)) (٢٦٠)، وقال الألباني في ((الإرواء)) ٢٣٧/٣: إسناده صحيح وأما حديث
الزبير فرواه الترمذي (٢٥١٠)، وأحمد ١٦٥/١، وغيرهم من طرق عن مولى لآل
الزبير وفي بعض الطرق سقط مولى آل الزبير من الإسناد.
وأما حديث ابن الزبير فرواه البزار في ((مسنده)) ١٩٢/٦، وقال الهيثمي في
((المجمع)) ٣٧/٨: رواه البزار بإسناد جيد. وحسنه الألباني في ((صحيح الترمذي))
(٢٠٣٨) بمجموع طرقه.
(٣) ((المدونة)) ١٩٢/٢.

٢٧
= ڪِتَابُ الضُّلْحِ
ما يقع عليه بين الرجل والمرأة في مال أو وطء أو غير ذلك، وكل
ما تراضيا عليه من الصلح فهو حلال للرجل من زوجته لهذه الآية.
ونقل الداودي عن مالك أنها إذا رضيت بالبقاء بترك القسم لها
أو الإنفاق عليها ثم سألت العدل كان ذلك لها، والذي قاله في
(المدونة))(١) ذكره في القسمة لها، وأما النفقة فيلزمها ذلك إذا تركته.
والفرق أن الغيرة لا تملك بخلاف النفقة.
(١) في هامش الأصل: وقوله: (كِبَرًا أو غيره)، قال في ((المطالع)) كذا قيده الأصيلي،
وضبطه غيره (كِبْرًا أو غيره ... ).

٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ـ
٥ - باب إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَهو مَرْدُودٌّ
٢٦٩٥، ٢٦٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ
ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيّ رضى الله عنهما قَالَا: جَاءَ أَغْرَابِيٌّ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ. فَقَامَ خَصْمُهُ فَقَالَ: صَدَقَ، أَقْضِ بَيْنَنَا
بِكِتَابِ اللهِ. فَقَالَ الأَغْرَابِيُّ: إِنَّ ابني كَانَ عَسِيفًا عَلَى هذا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَقَالُوا: لي
عَلَى ابنكَ الرَّجْمُ. فَقَدَيْتُ ابني مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الغَنَم وَوَلِيدَةٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ،
فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابنكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَّا
بِكِتَابِ اللهِ، أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنَكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ
عَامِ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ - لِرَجُلٍ - فَاغْدُ عَلَى أَمْرَأَةِ هذا فَارْجُمْهَا)). فَغَدَا عَلَيْهَا
أُنَيْسَّ فَرَجَمَهَا. [انظر: ٢٣١٤، ٢٣١٥ - مسلم: ١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح: ٣٠١/٥]
٢٦٩٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَغدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا
لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌ)). رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ المَخْرَمِيُّ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَبِ عَوْنٍ عَنْ
سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. [مسلم: ١٧١٨ - فتح: ٣٠١/٥]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ في قصة العسيف.
وقد سلف بعضه في الوكالة(١).
وحديث عَائِشَةَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هذا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدِّ).
رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ المَخْرَمِيُّ، وَعَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدِ
ابْنِ إِبْرَاهِيمَ. يعني: عن القاسم عنها(٢).
(١) سلف برقم (٢٣١٤ - ٢٣١٥) باب: الوكالة في الحدود.
(٢) ورد في الأصل أسفلها: من توضيح المصنف.

٢٩
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
أما الحديث الأول فالكلام عليه من وجوه :
أحدها: العسيف فيه: الأجير وجمعه: عسفاء، ذكره الأزهري(١)،
وعسفه على غير قياس، ذكره ابن سيده، وهو الأجير المستهان منه،
وقيل: هو المملوك المستهان به. وقيل: كل خادم عسيف(٢).
ثانيها: قوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْم) يؤخذ منه سؤال المفضول مع
وجود الفاضل إذ لم ينكره العليا، قيل: والذين كانوا يفتون في عصره القائل:
الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل،
وزيد بن ثابت.
ثالثها: قوله: ( ((لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ)) ) أي: إنك الجدير بأن
تقضي به، أو فإنك لم تزل تقضي به، أو فإنك القاضي به، ومثله قوله
تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَحْكُ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] والمراد بكتاب الله أي:
بحكمه؛ إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى
الفرض.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
ج
اَلْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: فرض، وقال: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
ويحتمل أن یکون فُرض أولًا بالنص ثم نسخ لفظه دون حکمه على ما روي
عن عمر أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة (٣)، وقيل: الرجم متلو في القرآن
غير منسوخ لفظه، وهو قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]
(١) ((تهذيب اللغة)) ٣/ ٤٣٥ مادة: (عسف).
(٢) ((المحكم)) ١/ ٣١٠ مادة (عسف).
(٣) رواه النسائي في ((الكبرى)) ٢٧٠/٤ (٧١٤٦)، وابن ماجه (٢٥٥٣)، ومالك في
((الموطأ)) ص٥١٤ - ٥١٥.

٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وهو الرجم في بيانه التَّ رجم ماعزِ (١)، أو قيل: ليس فيه، وإنما هو في السنة
وهى تنسخ القرآن إذا كانت متواترة وقالوا: معنى ((بكتاب الله)) بوحيه
لا بالمتلو، والذي عليه أكثر أصحاب مالك أن القرآن لا ينسخ
بالسنة، وإنما هي تبينه، وإنما ينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة،
وقد أوضحت ذلك في ((شرح منهاج الأصول)) فراجعه.
وقيل: المراد نقض صلحهما الباطل على الغنم والوليدة، ويروى:
كل صلح خالف الشرع فهو باطل مردود.
رابعها: لم يسأله عن كيفية الزنا؛ لأنه مبين في قصة ماعز، وهذا
صحيح إن ثبت تأخير هذا الخبر عن خبر ماعز، فيحمل على أن
الابن كان بكرًا، وعلى أنه أعترف وإلا فإقرار الأب عليه غير مقبول
أن يكون هذا إفتاءً. أي: إن كان كذا فكذا.
خامسها: قوله: ( ((أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌ عَلَيك)) ) فيه: أن الصلح
الفاسد ينقض، كذا قاله جماعة. وفيه نظر؛ لأنه صالح على ما لا يملك،
ولا يصح الصلح عنه. ومن أجاز الفاسد إذا وقع لا يقول بجواز هذا،
ولا يلزمه القول به.
وقوله: ( ((وتغريب عام)) ) هو حجة علي أبي حنيفة في إنكاره
التغريب؛ لأنه ليس مذكورًا في القرآن، والزيادة على النص نسخ،
وهو بخبر الواحد غير جائز.
وفيه: إثبات الرجم، ولا خلاف فيه، ولا يلتفت إلى ما يحكى عن
الخوارج وقد خالفوا السنن.
(١) سيأتي برقم (٦٨٢٤) كتاب: الحدود، باب: هل يقول الإمام للمقرأ لعلك لمست
أو غمزت.

٣١
كِتَابُ الصُّلْحِ
=
فائدة: أنيس هذا، قيل: إنه ابن الضحاك الأسلمي، وقال الداودي:
أنيس أسم الرجل، قال غيره: هو تصغير أنس بن مالك خادم رسول الله
وَالر، ذكره كله ابن التين.
وقوله: ( ((فَاغْد)) ) أئتها غدوة، قاله ابن التين، ثم قال: قيل: فيه
تأخير الحكم إلى الغد، وهذا يصح إذا ثبت أن هذا كان بالأصيل،
وقال غيره: ليس معناه: أمض إليها بكرة كما هو موضعها، وكذا
قوله: فغدا إليها أي مشى إليها.
وفيه: بعث الإمام لمن ذُكر عنه الزنا يسأله عن ذلك. وقيل: إنه نُسخ
بحديث ماعز، وقيل: إنما بعث إليها ليعلمها بالقذف فبإقرارها يسقط عنه
الحد. وقد روي ((وامض))، فعليه ليس فيه تأخير الحكم. قيل: فيه أن
الإمام يقضي إلى آخر النهار.
وفيه: الوكالة في إقامة الحد، وقد ترجم عليه هناك، وأسلفناه.
سادسها: قوله: ( ((فإن أعترفت فارجمها)) ) فيه أحكام:
أحدها: إثبات الرجم كما مضى.
ثانيها: سقوط الجلد مع الرجم خلافًا لمسروق وأهل الظاهر في
إيجابهم الجمع بينهما ولو كان واجبًا لأمر به.
ثالثها: الجلد يجب باعتراف الزنا مرة لقوله: ((فإن أعترفت
فارجمها))، ولم يقل أربعًا، وبه قال مالك(١) والشافعي(٢)، وقال ابن
أبي ليلى وأحمد: لا يجب إلا باعتراف أربع مرات. زاد أبو حنيفة:
في أربعة مجالس(٣).
(١) ((المدونة)) ٣٨٣/٤.
(٢) ((الأم)) ١١٩/٦.
(٣) أنظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ١٣/٢، ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٨٣/٣.

٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
رابعها: قد استدل به أهل الظاهر على أن المقر بالزنا لا يقبل
رجوعه عنه، وليس في الحديث التعرض للرجوع(١).
وقال مالك وأصحابه: يقبل منه إن رجع إلى شبهه (٢). فإن رجع إلى
غيرها فخلاف.
خامسها: أنَّ الرجم ليس من شرطه حضور الإمام، خلافًا لأبي
حنيفة، وذكر عنه أنه يجب على الشهود الحضور كما مر(٣).
سادسها: أنه لا يحفر للمرأة، وهو قول مالك وأبي حنيفة (٤)، وقال
الشافعي وأشهب: يحفر لها.
سابعها: الوكالة على إقامة الحد، وقد سلف.
ثامنها: إرسال الواحد في تنفيذ الحكم.
تاسعها: أن المنفذ لا يعذر فيه.
عاشرها: أن الحاكم يحكم بعلمه؛ لأنه لم يقل لأنيس خذ معك
أحدًا، وروي في بعض طرقه: فغدا أنيس ورجلان معه. قلت: كذا
استنبطه ابن التين، وليس هذا من الحكم بالعلم، بل بالأعراف.
الحادي عشر: أنَّ للإمام أن يسأل المقذوف، فإن أعترف حذَّه، وإن
لم يعترف وطالب القاذف أخذ له بحده، وقيل: يحدُّه وإن لم يطالب
المقذوف إذا سمعه ثبتة غير الإمام وكانوا معه.
(١) قال ابن حزم في ((المحلى)) ٨/ ٢٥٠: إن أقر إقرارًا تامًّا ولم يصله بما يفسده فقد
لزمه ولا رجوع له بعد ذلك ..
(٢) ((المدونة)) ٣٨٣/٤.
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٠٨/٣.
(٤) أنظر: ((المدونة)) ٤٠٠/٤، ((مختصر اختلاف العلماء)» ٢٨٧/٣.

٣٣
كِتَابُ الصُّلْحِ
=
الثاني عشر: أنَّ على الإمام أن يبعث إلى المقذوف يعرِّفه أنَّ له
حقًّا، وقد بوَّب عليه البخاري: إذا رمى أمرأته، أو أمرأة غيره بالزنا
عند الحاكم والناس، هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها بما
رمیت به(١).
الثالث عشر: أن الرجم إذا وجد أقيم ولا يؤخر، اللهم إلا أن يكون
الحر الشديد أو البرد الشديد؛ لقوله: «فإن اعترفت فارجمها» ولم يفصل.
الرابع عشر: فيه إقامة الحد في حرم المدينة.
سابعها: فيه قول الإمام: والذي نفسي بيده. وحلف الصادق، نبه
عليه الداودي.
ثامنها: ذكر البخاري فيما سيأتي في رواية: وكان أفقههما (٢). أي:
في هذه القضية، ويحتمل أن يكون الاستئذانه، وحذره من الوقوع في
النهي في قوله: (لا تقدموا) بخلاف الأول لخفائه.
وفيه: أن الفقيه قد يكون منه الخطأ، ولم يذكر هنا اعترافها، وذكر
في المحاربين(٣): فاعترفت فرجمها (٤).
(١) سيأتي في الحدود قبل حديث (٦٨٤٢).
(٢) سيأتي (٦٦٣٣ - ٦٦٣٤) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي وَسعر.
(٣) كذا بالأصل، ويرجح صنيع المؤلف هنا إلى أنه وقع في بعض النسخ، باب
المحاربين من أهل الكفر والردة، وعليه فإنه داخل تحت كتاب: الحدود. ووقع في
بعض النسخ الأخرى: كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة، وعليه فإن أبواب
المحاربين وما بعدها تحت كتاب المحاربين، وتنفصل عن الحدود، فلهذا كتب
الناسخ الحدود ثم ضبب عليها، وكان من المفترض أن في نسخته أنها كتاب:
المحاربين وليس: باب المحاربين، لكنه - رحمه الله- لما شرح هذا الباب لم
يجعله كتابًا مستقلًا عن الحدود ولم يشر إليه فلم يتبين سبب صنيعه. ولمزيد من
التفصيل في هذا الإشكال يراجع ((فتح الباري)) لابن حجر ١٠٩/١٢ .
(٤) سيأتي برقم (٦٨٢٧)، (٦٨٢٨).

٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
تاسعها: قال ابن بطال: أما قضاؤه الطَّ بكتاب الله وهو رد الغنم
والجارية الذين أخذا بالباطل، وقد نهى الله تعالى عباده عن ذلك
بقوله ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ولم يجز هذا
الصلح لاشتراء حدود الله ببعض عرض الدنيا، وحدود الله لا تسقط،
ولا تباع، ولا تشترى، وقام الإجماع على أن الصلح المنعقد على
غير السنة لا يجوز، وأنه منتقض ألا ترى أنه ردَّ الغنم والوليدة،
وألزم ابنه من الحدِّ ما ألزمه الله تعالى، فقال: ((من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو ردِّ) وبذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى
الأشعري في رسالته إليه يعلمه القضاء فقال: والصلح جائز بين
المسلمين، إلَّا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا. قلت: ونطق
بذلك رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام (١). وذهب مالك وابن
القاسم إلى أن الصلح كالبيع لا يجوز فيه المكروه، ولا الغرر.
وذكر ابن حبيب عن مطرف قال: كل ما وقع من الصلح من الأشياء
المكروهة التي ليست بحرام صراح فالصلح بها جائز.
وقال ابن الماجشون: إن غرَّ عليهم بحدثانه فسخ، وإن طال أمره
مضى.
وقال أصبغ: إن وقع الصلح بالحرام والمكروه مضى. ولم يرد، وإن
عسر عليه بحدثان ذلك؛ لأنه كالهبة، ألا ترى أنه لو صالحه من دعواه
لينتقض لم يكن فيه شفعة؛ لأنه كالهبة، وقد حدثنا سفيان بن عيينة: أن
علي بن أبي طالب أتي بصلح فقرأه، فقال: هذا حرام، ولولا أنه صلح
لفسخته. قال ابن حبيب: وقول ابن مطرف(٢)، وابن الماجشون أحب
(١) رواه عن عمرو بن عوف المزني مرفوعًا الترمذي (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣).
(٢) كذا بالأصل: ابن مطرف، والصواب مطرف كما سبق النقل عنه.

٣٥
= ڪِتَابُ الصُّلْحِ
لموافقته قوله في الحديث: ((إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا))(١).
وقال ابن المنير: الصلح على الجور قد يكون من الجانبين ومن
أحدهما، كأن يدعي عليه دينًا فيجحده ويصالحه على بعضه، فهذا
يقول الدافع أنه جور، ولا يرد بل يمضي، وقد يتفقان على أنه جور
كما يظن الدافع أن الدعوى لو ثبتت لزمه منها حق فيكشف العيب
لهما أن حكم الشرع أن هذِه الدعوى لو أعترف بها أو ثبتت بيّنته لم
يلزم فيها حق، وأنه غير موجهه إلى مال الصلح ولا بعضه فهذا جور
يرد (في مثله، وفيه)(٢) خلاف عند مالك، قيل: يرد أتباعًا للحديث
وقيل: يلزم؛ لقوله الَّه ((المؤمنون عند شروطهم))(٣)، وقد فرط الدافع
فكأنّه تطوع، والتطوع يلزم على (أصله) (٤) بالشروع فيه (٥).
قلت: كلُّ ذلك على مذهبه، وعندنا لا صلح مع إنكار.
(الحادي عشر)(٦): في رواية لم يذكرها هنا: أنشدك الله. هو بفتح
الهمزة وضم الشين. قال ثعلب: نشدتك وأنا أنشدك الله. قال القزاز:
معناه: سألتك بالله، وفي ((أمالي ثعلب)): ذكرتك الله، زاد ابن طريف:
مستحلفًا، وعند اللحياني: أنشدك بالله، وقال القرطبي: أقسم عليك
رافعًا نشيدتي (٧) وهو صوتي، ففيه جواز قول الحاكم ذلك وقسمه كان
للتأکید.
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٠٦/٧ - ١٠٩، ((شرح ابن بطال)) ٨٥/٨ - ٨٦.
(٢) كذا بالأصل، وفي ((المتواري)): (في مثله).
(٣) سبق معلقًا في كتاب: الإجارة، باب: أجرة السمسرة قبل حديث (٢٢٧٤).
(٤) كذا بالأصل، وفي ((المتواري)): (أهله).
(٥) ((المتواري)» ص٣١٢.
(٦) كذا في الأصل ولعله سهو من الناسخ؛ لأنه لم يذكر العاشر.
(٧) ((المفهم)) ١٠٤/٥.

٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قيل: فيه رد على المعتزلة أن الأفعال من خلق بني آدم وقد ينفصلون
عنه بأن المراد إماته النفس وذلك لله تعالى قطعًا.
وفيه: أن الحدود التي هي محضة لحق الله لا يصلح الصلح فيها.
واختلف في حد القذف هل يصح الصلح فيها أم لا؟ ولم يختلف في
كراهته؛ لأنه ثمن عرض ولا خلاف في جوازه قبل رفعه، وأما حقوق
الأبدان من الجراح وحقوق الأموال فلا خلاف في جوازه مع
الإقرار، واختلف في الصلح مع الإنكار. فأجازه مالك ومنعه الشافعي
كما أسلفناه.
وفيه: أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها
الأحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها، فإن إحصان المرأة كان معلومًا
عندهم، وبما في نفس الحديث، وعلى هذا يحمل حديث الغامدية(١)
إذ لو لم تكن محصنة لم يجز رجمها إجماعًا.
وفيه: إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود من غير شهادة عليه،
وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ولا يجوز ذلك عند مالك إلا بعد
الشهادة عليه، والفصل عن ذلك أنه ليس في الحديث ما ينص على
أنه لم يسمع إقرارها إلا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأن مثل هذه
القضية لا تكون في خلوة ولا ينفرد بها الآحاد، بل لابد من حضور
جمع كثير ولابد من إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحد كما قال
تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وهذا كله مبني
على أن أنيسًا كان حاكمًا، ويحتمل أن يكون رسولًا (يستفصلها)(٢)
(١) رواه مسلم (١٦٩٥) كتاب: الحدود، باب: من أعترف على نفسه بالزنا.
(٢) كذا في الأصل وفي ((القاموس المحيط)) مادة: (فصل): الفصل: القضاء بين الحق
والباطل.

٣٧
كِتَابُ الصُّلّحِ
=
ويعضده قوله في آخر الحديث في بعض الروايات: فاعترفت، فأمر بها
رسول الله فرجمت، فهذا يدل أن أنيسًا إنما سمع إقرارها، وأن تنفيذ
الحكم إنما كان من رسول الله وَ له وحينئذ يتوجه إشكال آخر وهو أن
يقال: كيف أكتفي في ذلك بشاهد واحد وقد اختلف في الشهادة على
الإقرار بالزنا هل يكتفى باثنين أم لا بد من أربعة؟ على قولين، ولم
يذهب أحد من المسلمين إلى الاكتفاء بواحد.
والجواب: أن هذا اللفظ الذي سقناه من رواية الليث عن
الزهري، ورواه عن الزهري مالك بلفظ: (فاعترفت فرجمها) (١)، ولم
يذكر: فأمر بها فرجمت. وعند التعارض فحديث مالك أولى لما يعلم
من حفظ مالك وضبطه وخصوصًا في حديث الزهري فإنه من أعرف
الناس به.
وقال الداودي في الأول: ما أراه بمحفوظ، ويُحتمل أن يكون الأمر
الأول، وظاهر الحديث خلافه؛ لقوله: (فاعترفت، فأمر بها فرجمت)
وقد ترجم عليه البخاري: باب من أمر غير الإمام بإقامة الحد غائبًا
(٢)
عنه(٢).
يريد أن أنيسًا رجمها لما اعترفت عنده.
والظاهر أن أنيسًا كان حاكمًا، فلا إشكال إذن.
ولو سلمنا أنه كان رسولًا فليس فيه ما ينص على أنفراده بالشهادة،
ويكون غيره قد شهد عليها عند رسول الله صلي بذلك.
(١) ستأتي رواية مالك عن الزهري برقم (٦٦٣٣) كتاب: الأيمان والنذور، باب:
كيف كانت يمين النبي وقليلة.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٣٥، ٦٨٣٦).

٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ويعضد هذا أن القضية اشتهرت وانتشرت فيبعدُ أن ينفرد بها واحد
سلمناه، لكنه خبر لا شهادة، فلا يشترط العدد فيه، وحينئذٍ يستدل به
على قبول أخبار الآحاد، والعمل بها في الدعاء وغيرها.
وقال النووي: بعث أنيس عند علماء أصحابنا يعلم المرأة، بأن هذا
الرجل قذفك، ولك عنده حق القذف، فتطلب به أو تعفو، إلا أن تعترف
بالزنا فلا يجب عليه شيء، فلما ذهب إليها اعترفت، فأمر بها رسول الله
وَل﴾ فرجمت. قال: ولابد من هذا التأويل(١).
وفيه: من الأحكام أن زنا المرأة لا يفسخ نكاحها من زوجها.
وأما حديث عائشة فسيأتي الكلام عليه في موضعه.
وشيخه فيه يعقوب، ثنا إبراهيم بن سعد. قيل: إنه يعقوب بن إبراهيم
الدورقي، وقيل بزيادة ابن سعد (ع)، وقيل: ابن حُميد (خ) بن كاسب
وقيل: ابن محمد (ق) بن عيسى الزهري(٢)، كذا ذكره ابن السكن وأنكره
الحاكم، وزعم أبو نعيم أنه يعقوب بن إبراهيم، وذكر الكلاباذي
والحاكم أبو عبد الله، أنه يعقوب بن حميد، والله أعلم.
(١) ((شرح مسلم)) ١١/ ٢٠٧.
(٢) ورد بهامش الأصل: الزهري يعقوب بن محمد بن عيسى العوفي، لم يرو عنه
البخاري، لكن قال الذهبي: قال البخاري في ((الصحيح)): ثنا يعقوب، ثنا
إبراهيم بن سعد. فلعله العوفي.

٣٩
كِتَابُ الصُّلْحِ
٦ - باب كَيْفَ يُكْتَبُ:
هذا مَا صَالَحَ فُلَانُ بْنُ فُلانٍ، وَفُلَانُ بْنُ فُلانٍ،
وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى قَبِيلَتِهِ أَوْ نَسَبِهِ؟
٢٦٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ
قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَهْلَ
الْحَدَيْبِيَةِ كَتَبَ عَلَيَّ بَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ نُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَّهِ. فَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَا
تَكْتُبْ: يُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ لِعَلِيٍّ: ((امْحُهُ)). فَقَالَ عَلِيٍّ:
مَا أَنَا بِالَّذِي أَنْحَاهُ. فَمَحَاهُ رَسُولُ اللهِ وََّ بِيَدِهِ، وَصَالَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ
وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلُوهَا إِلَّ بِجُلُبَّانِ السّلَاحِ، فَسَأَلُوهُ: مَا جُلُبَّانُ السَّلَاحِ؟
فَقَالَ: القِرَابُ بِمَا فِيهِ. [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٣٠٣/٥]
٢٦٩٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ
رضي الله عنه قَالَ: أَغْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌ََّ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ
مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ كَتَبُوا: هذا مَا
قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وََّ. فَقَالُوا: لَا نُقِزُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا
مَنَغْنَاكَ، لكن أَنْتَ نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: ((أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ
اللهِ). ثُمَّ قَالَ لِعَلِّ: ((امْحُ رَسُولُ اللهِ). قَالَ: لَا، وَالله لَا أَنْحُوكَ أَبَدًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ
وَِّ الكِتَابَ، فَكَتَبَ: هذا مَا قَاضَى عَلَيْهِ نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إِلَّ
في القِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّبِعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ
أَصْحَابِهِ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا. فَلَمَّا دَخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ أَتَوْا عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ
أَخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَتَبِعَتْهُمُ ابنةُ حَمْزَةَ: يَا عَمِّ يَا عَمِّ.
فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٍّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: عَلَيْهَا السَّلَامُ: دُونَكِ ابنةَ عَمِّكِ. حَمَلَتْهَا.
فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلَّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ عَلِيَّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا وَهْيَ ابنةُ عَمِّي. وَقَالَ جَعْفَرَّ:
١

٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
ابنةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي. وَقَالَ زَيْدٌ: ابنةُ أَخِي. فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ◌َلَّ ◌ِخَلَتِهَا وَقَالَ:
((الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِ)). وَقَالَ لِعَلِيٍّ: ((أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ)). وَقَالَ لَجَعْفَرِ: (أَشْبَهْتَ
خَلْقِي وَخُلُقِي)). وَقَالَ لِزَيْدِ: ((أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا)). [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ -
فتح: ٣٠٣/٥]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ النبيِ نَّ أَهْلَ الحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ
عَلِيُّ بن أبي طالب كِتَابًا، فَكَتَبَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ المُشْرِكُونَ:
لَا تَكْتُبْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ.
الحديث بطوله من طريقيه، وسيأتي قريبًا في الشروط بنحوه من
حديث المسور ومروان يخبران عن رسول الله وع الية(١).
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها :
الحديبية مخففة الياء، وتشدد: اسم بئر هناك، وفي كونها من الحرم
قولان: قال مالك: نعم، وخالفه الشافعي.
ولا بأس عند مالك أن ينحر هدي العمرة في الحرم، وعندنا الأفضل
له المروة والحاج منى، وكانت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة ست،
وصالح قريشًا على سنتين وقيل: ثلاث، قاله ابن جريج. وقيل:
أربع، قاله عروة. وقيل: عشر، قاله ابن إسحاق. وأقام بالحديبية شهرًا
ونصفًا. وقيل: خمسين ليلة.
الثاني :
أصل هذا الباب أن يُكتب في أسم الرجل من تعريفه ما لا يشكل
على أحد فإن كان اسمه واسم أبيه مشهورين شهرة ترفع الإشكال لم
(١) سيأتي برقم (٢٧١١ - ٢٧١٢) باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام.