Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ = ڪِتَابُ الشَّهَادَاتِ أقل من ربع دينار وذلك (ثلاث)(١) دراهم(٢). وأما الحديث المعلق فقد سلف قريبًا مسندًا(٣). قال الإسماعيلي: إذا لم يمنع من تغليظها بأن يكون بعد العصر للخبر الذي رواه فكذا لم يمنع من تغليظها بأن تكون عند المنبر؛ لقوله القَّها: ((من حَلَفَ على منبري -أو عند منبري - كاذبًا ولو على قضيبٍ من أراك، وجبت له النار))(٤) أو كما قال، وحديث ابن مسعود سلف قريبًا. واختلف العلماء في هذا الباب، فجملة مذهب مالك فيه، كما قال أبو عمر: إن اليمين لا تكون عند المنبر من كل جامع ولا في الجامع، حيث كان إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا، وما دون ذلك حلف فيه في مجلس الحاكم أو حيث شاء من المواضع في السوق أو غيرها، وليس عليه التوجه إلى القبلة. وفي رواية ابن الماجشون عنه: يحلف قائمًا مستقبل القبلة، قال: ولا يعرف مالك [اليمين عند](٥) المنبر إلا منبر المدينة فقط، ومن أبى أن يحلف عنده فهو كالناكل عن اليمين، ويحلف في أيمان القسامة عند مالك إلى مكة - شرفها الله- كل من كان من عملها يحلف بين الركن والمقام، وكذلك المدينة يحلف عند المنبر. (١) فوق هذه الكلمة كتب الناسخ لفظة (كذا) دلالة على أن المصنف كتبها على ذلك في أصله، وأيضا على مرجوحية الوجه الإعرابي للكلمة، إذ حقها التأنيث. (٢) (الموطأ)) روایة یحیی ص٤٥٣ -٤٥٤. (٣) سلف برقم (٢٣٥٦). (٤) رواه أبو داود (٣٢٤٦)، وابن ماجه (٢٣٢٥)، ومالك في ((الموطأ)) برواية يحيى ٤٥٣، وأحمد ٣٤٤/٣، وابن حبان ٢١٠/١٠ (٤٣٦٨) من حديث جابر بن عبد الله. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٢٠٥). (٥) زيادة يقتضيها السياق من ((الاستذكار)) ٨٨/٢٢. ٦٤٢ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وحكى أبو عبيد أن عمر بن عبد العزيز حمل قومًا آتهمهم بفلسطين إلى الصخرة، فحلفوا عندها، قال: وذهب الشافعي إلى نحو قول مالك، إلا أنه لا يرى اليمين عند منبر المدينة، ولا بين الركن والمقام بمكة إلا في عشرين دينارًا فصاعدًا. قال الشافعي: وقد عاب قولنا هذا عائب ترك فيه موضع حجتنا لسنة رسول الله وَّة والآثار بعده عن أصحابه. وزعم أن زيد بن ثابت: كان لا يرى اليمين على المنبر، وإنا روينا ذلك عنه وخالفناه إلى قول مروان بغیر حجة، قال: وهذا مروان يقول لزيد وهو أحظى أهل زمانه وأرفعهم لديه منزلة: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق قال: فما منع زيد بن ثابت (لو يعلم)(١) أن اليمين على المنبر حق أن يقول: مقاطع الحقوق مجلس الحكم كما قال أبو حنيفة وأصحابه: ما كان زيد ليمتنع أن يقول لمروان ما هو أعظم من هذا حيث قال له: أتحل الربا؟ قال: أعوذ بالله. قال: إن الناس يبتاعون الصكوك قبل أن يقبضوها، فبعث مروان الحرس ينتزعونها من أيدي الناس. فإذا كان مروان لا ينكر على زيد هذا، فكيف ينكر عليه في نفسه أن يلزمه اليمين على المنبر؟ لقد كان زيد من أعظم أهل المدينة في عين مروان، ولكن زيدًا علم أن ما قضى به مروان هو الحق، وكره أن تصبر يمينه عند المنبر. قال الشافعي: وهذا الأمر الذي لا أختلاف فيه عندنا والذي نقل الحديث فيه كأنه تكلف: لاجتماعنا على اليمين عند المنبر (٢). (١) في الأصل: لو لم يعلم، وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في ((الاستذكار)) ٩٠/٢٢. (٢) ((الأم)) ٣٣/٧-٣٤ بتصرف. ٦٤٣ - كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب استحلاف أحد عند منبر المدينة ولا بين الركن والمقام في قليل الأشياء ولا في كثيرها ولا في الدماء ولا غيرها، لكن الحكام يحلفون من وجبت عليه اليمن في مجالسهم(١). وإلى هذا القول ذهب البخاري، ونقل ابن بطال عن مالك أنه لا يحلف عند منبر إلا منبر المدينة، واعتبر القطع، واعتبر الشافعي الزكاة، وكذا عند منبر كل مسجد. وروى ابن جريج عن عكرمة قال: أبصر عبد الرحمن بن عوف قومًا يحلفون بين المقام والبيت فقال: أعلى دم؟ فقيل: لا. فقال: أفعلى عظيم من المال؟ قال: لا. قال: لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المقام. قال: ومنبر النبي ◌ّ في التعظيم مثل ذلك؛ لما ورد فيه من الوعيد على من حلف عنده بيمين كاذبة. واحتج أبو حنيفة بأنا روينا عن زيد بن ثابت أنه لم يحلف عند المنبر وخالفتموه إلى قول مروان بغير حجة قال: وليس قوله القديمة: ((من حلف على منبري هذا .. )) يوجب أن الاستحلاف لم يجب، واحتج عليه الشافعي فقال: لو يعلم زيد أن اليمين عند المنبر غير سنة لأنكر ذلك على مروان. وقال: (والله لا أحلف إلا في مجلسك .. ) إلى آخر ما أسلفناه عنه. قال ابن بطال: واليمين عند المنبر بمكة والمدينة لا خلاف فيه في قديم ولا حديث، وإن نقل الحديث فيه تكلف لاجتماع السلف عليه، ولقد بلغني أن عمر حلف عند المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل. (١) ((الاستذكار)) ٨٧/٢٢-٩٢. ٦٤٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وأن عثمان ردت عليه اليمين عند المنبر فافتدى منها. وقال: أخاف أن توافق قدرًا فیقال: إنه بیمینه. قال المهلب: وإنما أمر أن يحلف في أعظم موضع من المسجد؛ ليرتدع أهل الباطل. وهذا مستنبط من قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فاشتراط بعد الصلاة؛ تعظيمًا للوقت وإرهابًا؛ لشهود الملائكة ذلك الوقت، فخصوصية وقت التعظيم كخصوصية موضعه، ألا ترى ما ظهر من تهيب زيد بن ثابت للموضع، فمن هو دون ذلك من أهل المعاصي والخائفين من العقوبات أولى أن يرهبوا المكان العظيم (١). وقال ابن التين: التغليظ بالمكان قاله مالك والشافعي؛ لقوله القائلا : ((من حلف عند منبري هذا على يمين؛ ليقتطع بها مال مسلم .. )) الحديث. ولا حجة فيه؛ لأنه لم يتكلم على موجب ذلك وصفته في الدنيا، وأيضًا فإن مروان قال لزيد: والله ما يحلف إلا عند مقاطع الحقوق. ولم ينكر عليه زيد، ولو قال له زيد: ما هذا. على ما خالفه مروان. وروي أن مروان قضى على زيد حين نكل عن اليمين عند المنبر، وقاله مالك، قال: فإنما كره زيد يمين الصبر. يعني: اليمين التي يقام صاحبها بحضرة الناس حتى يحلف. وقد اختلف في عشر مسائل : الأولى: ما الذي يغلظ فيه من الحقوق، وقد سلف عن مالك ربع دينار فأكثر، وعن الشافعي في عشرين دينارًا فأكثر، ونقل القاضي في (معونته)) عن بعض المتأخرين أنه تُغَلّظ في القليل والكثير (٢). (١) ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٦٣ -٦٥. (٢) ((المعونة)) ٤٧٩/٢. ٦٤٥ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = وقال ابن الجلاب: يحلف على أقل من ربع دينار في سائر المساجد. الثانية: في حلفه قائمًا، وبه قال مالك فيما حكاه ابن القاسم إلا من به علة، وقال عنه ابن كنانة: لا يلزمه أن يحلف قائمًا(١). الثالثة: قال ابن القاسم: لا يستقبل القبلة. وخالفه مطرف وابن الماجشون(٢). الرابعة: هل يحلف في دبر صلاة وحين اجتماع الناس إذا كان المال كثيرًا. قال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وأصبغ: ليس ذلك علیه. وقال ابن كنانة، عن مالك: يتحرى به الساعات التي يحضر الناس فيها المساجد ويجتمعون للصلاة(٣). الخامسة: في صفة ما يحلف به، فقال مالك: بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد عليه. وقال ابن كنانة عنه: يحلف في ربع دينار فأكثر. يزيد على [ما](٤) تقدم عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم(٥). وقال الشافعي: يزيد: الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية(٦). (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٦/٨. (٢) انظر: ((المدونة)) ٧١/٤، و((النوادر والزيادات)) ١٥٦/٨. (٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٦/٨. (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٢/٨-١٥٣. (٦) ((مختصر المزني)) ٢٥٥/٥. ٦٤٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وقال سحنون: يحلف بالله وبالمصحف(١). ذكره عنه الداودي. السادسة: هل تخرج المرأة في ربع دينار؛ ظاهر ((المدونة)) المنع(٢)، وخالفه ابن حبيب. السابعة: هل يحلف بحضرة المصحف؛ أباه مالك، وألزمه ذلك بعض المكيين في عشرين دينارًا فأكثر(٣)، وذكر عن ابن المنذر أنه حكى عن الشافعي أنه قال: رأيت مطرفًا بصنعاء يُحلِّف بحضرة المصحف. الثامنة: هل تحلف المرأة في أقرب المساجد إليها، قاله سحنون. أو في الجامع، قاله الجماعة(٤). التاسعة: في صفة يمين أهل الكتاب والمجوس: ففي ((المدونة)): لا يُحلفهم إلا بالله(٥). وقال مطرف وابن الماجشون: يحلفون كالمسلمين(٦). وروى الواقدي، عن مالك: يحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وقاله (٧) الشافعي(٧). (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٤/٨. (٢) أنظر: ((المدونة)) ٧١/٤. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٤/٨-١٥٥. (٤) السابق ٨/ ١٥٧. (٥) ((المدونة)) ٤/ ٧٢. (٦) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٥٣/٨. (٧) ((الأم)) ٣٢/٧. ٦٤٧ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وقال ابن شعبان: كان بعض أصحابنا يحلف اليهود: لا والذي على العرش استوى قال: وهو حسن. وقال شريح: يجعل الإنجيل على مذبح النصراني إذا استحلفه(١)، وفي السبت قولان: نعم. وقيل: لا. بخلاف النصراني يوم الأحد. العاشرة: تغلظ بالموضع خلافًا لأبي حنيفة. (١) لم أقف عليه من قول شريح، بل من قول كعب بن سوار كما في ((مصنف عبد الرزاق)) ٦/ ١٣٠ (١٠٢٣٥)، ٣٦١/٨ (١٥٥٤٣). ٦٤٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢٤ - باب إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌّ في اليَمِينِ ٢٦٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ وََّ عَرَضَ عَلَى قَوْمِ اليَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَخْلِفُ. [فتح: ٢٨٥/٥] ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ بَّهِ عَرَضَ عَلَى قَوْمِ اليَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. هذا الحديث لما رواه أبو نعيم عن أبي أحمد: ثنا ابن شيرويه، ثنا إسحاق، ثنا عبد الرزاق. وذكره بلفظ البخاري قال: وهم شيخنا في لفظ الحديث، والذي حدثهم ابن شيرويه عن إسحاق يخالف هذا الحديث، فإني رأيت في أصل كتاب إسحاق إذا أكره أثنان على اليمين فاستحباها فلیستهما علیه. وعند أبي داود من حديث قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة. وفيه: فقال ◌َّ: ((استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها». وفي حديث معمر، عن همام: ((إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فیستهمان علیھا». وفي لفظ: ((إذا أكره الاثنان على اليمين)). وفي لفظ: أختصما في دابة وليست لهما تباريا فأمرهما أن يستهما على اليمين(١). (١) ((سنن أبي داود)) (٣٦١٦، ٣٦١٧، ٣٦١٨). ٦٤٩ = - كِتَابُ الشّهَادَاتِ وللنسائي من حديث قتادة عن خلاس أن رجلين تداريا في بيع وليس بينهما بينة، وفي حديث معمر، عن همام: عرض على قوم اليمين فأسرع الفريقان جميعًا على اليمين، وأمر بأن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف(١)، وللإسماعيلي من حديث الحسن بن يحيى وغيره، عن عبد الرزاق: إذا أكره الأثنان على اليمين فاستحباها أقرع بينهما. وفي لفظ: إذا أكره الأثنان على اليمين أو استحباها فليستهما (٢) علیھا قال الإسماعيلي: الصحيح: أو استحباها. قال الخطابي: إنما يقول هذا إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق، مثل أن يكون الشيء في يد أثنين كل واحد منهما يدعيه كله، فيريد أحدهما أن يحلف عليه ويستحقه، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه (٣). وقال الداودي: في حديث آخر: أقرع بينهم أيهم يحلف أولًا. وهذا حديث لم يؤت فيه على جميع القصة؛ لأن الناس إنما يأبى بعضهم أن يحلف، أو كان المحفوظ أنه إنما أمر باليمين أحدهم، فلعل هُذا كان الحكم قبل أن يؤمر بالشاهد ويمين المدعى عليه قال: والحديث مشكل المعنى. وقول أبي سليمان فيمن يتداعيان شيئًا فيقرعان أيهما يحلف ويستحقه جمیعه. (١) ((السنن الكبرى)) ٤٨٧/٣ (٦٠٠٠، ٦٠٠١). (٢) سبق تخريجه. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٣١٢/٢. ٦٥٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قال ابن التين: ليس هذا الحكم، وإنما هو أن يتحالفا ويقسماه نصفين، إن أدعى كل واحدٍ منهما جميعه. وقال ابن بطال: إنما كره الشارع تسارعهم في اليمين - والله أعلم- لئلا تقع أيمانهم معًا؛ فلا يستوفي الذي له الحق أيمانهم، على معنى دعواه، ومن حقه أن يستوفي يمين كل واحد منهم على حدته، وإذا استوى قومٌ في حقٍ من الحقوق لم يبدأ أحدٌ منهم قبل صاحبه في أخذ ما يأخذ أو دفع ما يدفع عن نفسه إلا بالقرعة، والقرعة سنة في مثل هذا؛ ألا ترى أنه الظّ أقرع بين نسائه عند سفره، وكن قد أستوين في الحرمة والعصمة، ولم تكن واحدة أولى بالسفر من صاحبتها(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٦٦/٨. ٦٥١ كِتَابُ الشّهَادَاتِ ٢٥ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: لا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] ٢٦٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بِنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا العَوَّامُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما يَقُولُ: أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ باللهِ لَقَدْ أَعْطِى بِهَا مَا لَمْ يُغْطِهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ وَقَالَ ابْن أَبِي أَوْفَى: النَّاحِشُ آكِلُ رِبَا خَائِنٌ. [انظر: ٢٠٨٨ - فتح: ٢٨٦/٥] ٢٦٧٦، ٢٦٧٧ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَ مَالَ رَجُلِ - أَوْ قَالَ: أَخِيهِ - لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). وَأَنْزَلَ اللهُ [َا تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي القُرْآنِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّاً قَلِيلًا﴾ الآيَةَ. فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللهِ اليَوْمَ؟ قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٢٨٦/٥] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْن أَبِي أَوْفَى: أَقَامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ فَحَلَفَ باللهِ لَقَدْ أَعْطِى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾ وَقَالَ ابن أَبِي أَوْفَى (١): النَّاحِشُ آكِلُ رِبًّا خَائِنٌ. ثم ذكر حديث عبد الله هو ابن مسعود السالف في البيوع(٢). (١) فوق كلمة (قال) كتب الناسخ لفظه (معلق) وأردفها في الهامش حاشية نصها : وهذا التعليق عن ابن أبي أوفى ذكره البخاري أيضًا في ( ... ) بسنده المصنف به. (٢) بل سلف في المساقاة برقم (٢٣٥٦-٢٣٥٧)، في الخصومات (٢٤١٦)، في الرهن (٢٥١٥). ٦٥٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقوله فيه: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قال الجياني: لم أجد إسحاق هذا منسوبًا لأحدٍ من شيوخنا. وقد صرح البخاري بنسبه في باب شهود الملائكة بدرًا(١)، فقال: أخبرنا إِسْحَاقُ بن مَنْصور: أنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ(٢). وأما أبو نعيم الحافظ فقال في (مستخرجه)): حدثنا أبو أحمد: ثنا عبد الله بن محمد -هو ابن شيرويه -: أنا إسحاق بن إبراهيم: أنا يزيد ابن هارون. فذكر الحديث ثم قال: رواه -يعني: البخاري- عن إسحاق، عن یزید بن هارون. وحقيقة النجش في قول ابن أبي أوفى: أن يزيد في اليمين؛ لا لرغبة بل ليخدع غيره، وأصله: الخَتْل أو الإطراء والمدح، أو التنفير: من تنفير الوحش إلى موضع آخر. والأصح عندنا أنه لا خيار فيه(٣). وقال ابن التين: يفسخ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. (١) كتب ناسخ الأصل فوق هذه الجملة: أي في هذا الكتاب، وهو في الحديث الأول. (٢) ((تقييد المهمل)) ٩٧٨/٣. (٣) أنظر: (البيان)) ٣٤٦/٥، ((روضة الطالبين)) ٤١٤/٣. ٦٥٣ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ٢٦ - باب كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ؟ وَقَوْلُ اللهِ: ﴿ثُمَّ جَاءُوَكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلََّ إِحْسَنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢]، ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ) [التوبة: ٥٦]، و﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، ﴿ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَنْنَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، يُقَالُ: باللهِ، وَتَاللَّهِ، وَوَاللَّهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((وَرَجُلٌ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِبًا بَعْدَ العَصْرِ)) [انظر: ٢٣٥٨]. ٢٦٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُهُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)). فَقَالَ: هَلْ عَلَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطََّّعَ)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ: ((وَصِيَامُ رَمَضَانَ)). قَالَ: هَلْ عَلَّيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)). قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وََّ الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)). فَأَذْبَرَ الرَّجُلُ وَهْوَ يَقُولُ: والله لَا أَزِيدُ عَلَى هذا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)). [انظر: ٤٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٢٨٧/٥] ٢٦٧٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ قَالَ: ذَكَرَ نَافِعْ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)). [٣٨٣٦، ٦١٠٨، ٦٦٤٦، ٦٦٤٧، ٦٦٤٨ - مسلم: ١٦٤٦ - فتح: ٢٨٧/٥] وقد سلف مسندًا (١) ولا يحلف بغير الله، ثم ساق حديث طلحة بن عُبيد الله، وفي آخره: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)) وقد سلف. (١) سلف برقم (٢٣٦٩) كتاب: المساقاة، باب: من رأى أن صاحب الحوض ... ولفظه: ((ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر)). ٦٥٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح : وحديث جويرية قال: ذَكَرَ نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: (مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)). اختلف العلماء في كيفية اليمين التي يجب أن يحلف بها، وقد أسلفناه قريبًا، ونقل ابن المنذر عن طائفة أنه لا يزيد على أن يحلف بالله. وعن مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ماله عنده حق وما أدَّعَيْتَ عليَّ إلا باطلًا. وعن الكوفي: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، فإن أتهمه القاضي غلظ عليه اليمين، فيحلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال ابن المنذر: وبأي ذلك أستحلفه الحاكم يجزئ(١). وكل ما أورده البخاري من آيات القرآن ومن الأحاديث في هذا الباب حجة لمن أقتصر على الحلف بالله ولم يزد عليه قال عثمان لابن عمر: يحلف بالله لقد بعته وما تعلم به داء(٢). وأجمعوا أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق أو العتاق أو الحج أو المصحف، كما حكاه ابن بطال(٣). وقوله: ( ((من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت)) ) دالٌّ على المنع من الحلف بغير الله. (١) ((الإشراف)) ١٥٤/٣. (٢) ((الموطأ)) رواية يحيى ص٣٧٩، وعبد الرزاق ١٦٣/٨ (١٤٢٢) من طريقه. (٣) ((شرح ابن بطال)) ٦٨/٨. ٦٥٥ = كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ولا شك في أنعقاد اليمين باسم الذات والصفات العليّة، وألْحَقَ أحْمَدُ بالله رسوله(١). وفي غيرهما ممنوع، وهل هو منع تحريم أو تنزيه؟ ولا شك في التحريم فيما إذا حلف بالأنصاب والأزلام واللات والعزى، فإن قصد تعظيمها فكفر. وفيه أربعة أدلة على عدم الوتر: أحدها: أن سؤاله عن الإسلام يقتضي السؤال عما يجب عليه فقال: (خمس صلوات)) ثانيها: أن الأعرابي أعاد السؤال بلفظٍ أعم من الأول فقال: هل عليَّ غيرها؟ فقال: ((لا)) ولو كان واجبًا لذكره. ثالثها: إخباره بأن ما زاد على ذلك تطوع. رابعها: يمين الأعرابي، وقوله: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ)). وقد تقدم. (١) انظر: ((المغني)) ٤٧٢/١٣، وفيه: روي عنه أنه قال: إذا حلف بحق رسول الله الجهل فحَنِثَ فعليه الكفارة. اهـ. قلت: الإمام أحمد يوجب الكفارة على من حلف بالرسول ولا يوجبها على من حلف بغيره، لا كما يُتَوَهَّم من كلام المصنف أنه يجيز الحلف بالرسول وَله. والله أعلم. ٦٥٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ٢٧ - باب مَنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ بَعْدَ اليَمِينِ وَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: (لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ)). [انظر: ٢٤٥٨] وَقَالَ طَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُرَيْحُ: البَيِّنَةُ العَاَدِّلَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الفَاجِرَةِ. ٢٦٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذْهَا)). [انظر: ٢٤٥٨ - مسلم: ١٧١٣ - فتح: ٢٨٨/٥] ثم ساق حديث أم سلمة: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ .. )) إلى آخرِه. الشرح : التعليق الأول هو حديث أم سلمة، الذي أسنده بعد، وقد سلف أيضًا في المظالم(١). وأثر شريح أنبأنا به غير واحد عن الفخر بن البخاري: أنا ابن طيرزد: أنا ابن الأنماطي: أنا الصريفيني عبد الله بن محمد، أنا ابن خبابة: أنا البغوي: أنا علي بن الجعد: أنا شريك، عن عاصم، عن محمد بن سيرين، عن شريح قال: من أدعى قضائي فهو عليه حتى يأتي ببينة؛ الحق أحق من قضائي، الحق أحق من يمين فاجرة. وأنكر الإسماعيلي دخول حديث أم سلمة هنا. وبينه ابن المنير حيث قال: لم يجعل العليقة اليمين الكاذبة مفيدة حلّا ولا قطعًا بحق المحق، بل نهاه بعد يمينه عن القبض وساوى بين حالتيه بعد اليمين وقبلها في (١) سلف برقم (٢٤٥٨) باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلم. ٦٥٧ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = التحريم، فيؤذن ذلك ببقاء حق صاحب الحق على ما كان عليه، فإذا ظفر في حقه ببينة فهو باقٍ على القيام، ما لم يسقط أصل حقه من ذمته مقتطعة [باليمين)](١). وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب جمهورهم إلى أنه إذا استحلف المدعى عليه ثم أقام بينة قبلت بينته، وقضي له بها على ما ذكره البخاري عن شريح وطاوس والنخعي، وهو قول الثوري والكوفيين والليث والشافعي وأحمد وإسحاق(٢). وقال مالك في ((المدونة)): إن أستحلفه ولا علم له بالبينة ثم علم بها قضي له بها، وإن استحلفه ورضي بيمينه تاركًا للبينة وهي حاضرة أو غائبة، فلا حق له إذا شهدت له، قاله مطرف وابن الماجشون(٣)، وقال ابن أبي ليلى: لا تقبل بينته بعد استحلاف المدعى عليه (٤). وبه قال أبو عبيد وأهل الظاهر، وذكر أبو عبيد في كتاب ((القضاء)) قول شريح السالف، ثم ذكر من طريق منقطعة عنه أنه أجاز الشهادة بعد الجحود، أو قال: بعد الشهود. قال عبد الرحمن : -يعني: ابن مهدي- فسره سفيان أنه الرجل يدعى عليه المال فيجحد ويحلف فيقيم الطالب البينة عليه بحقه، ثم يقيم المطلوب البينة بعد ذلك، يقتضي ذلك الحق منه، فأجاز شريح بينة المطلوب على الطالب. قال سفيان: وكان ابن أبي ليلى لا يجيز هذا ويرد الشهادة ويقول: قد أكذبهم حين أقاموا الشهادة بعد الجحود. (١) ((المتواري)) ص٣١١، وما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق من ((المتواري)). (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٨/٣. (٣) أنظر: ((المدونة)) ٩١/٤، ((النوادر والزيادات)) ١٧٠/٨. (٤) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٦٨/٣. ٦٥٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال أبو عبيد: وكان ابن عيينة يفسره على معنى الحديث الأول: البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، وهو أشبه عندي بتأويل الحديث من القول الآخر. فإن كان كما قال ابن عيينة فإنه حكم قد اختلف فيه أهل الحجاز والعراق، فقال مالك وأهل المدينة: لا يقيمها إلا أن يعلمها ثم عَلَّمَها. وهو قول ابن أبي ليلى، فأما غيره من أهل العراق فيقبلون البينة، ويتبعون فيه قول شريح الذي ذكرناه، وحكي عن مالك أيضًا. وهذا قول عندي محمول على غير تأويله؛ لأن شريحًا لم يقل: أحق من اليمين فقط، إنما قيد الفاجرة خاصة، وليس في إقامة البينة بعد اليمين دليل فجورها؛ لأن الحق قد يكون للرجل على صاحبه بالبينة ثم يخرج إليه منه، وهم غيب عنه لا يشعرون بذلك، فيكونون إذا أقاموها قد شهدوا بحق فيكون المطلوب حالفًا على حق، وليس يعلم فجور اليمين إلا أن تقوم بينة على إقرار المطلوب بذلك الحق بعينه وإكذابه به تفسير بعد أن حلف بها، فالآن حين صح فجورها وجازت عليه الشهادة، وإياه أراد شريح فيما نرى بالمقالة السالفة، فالأمر عندي على هذا أنه لا بينة بعد اليمين ثم برهن له. ثم إنهم جعلوا إباء اليمين إقرارًا، ولم يجعلوا أداءها براءة، وما أعلم ذا القول إلا حجة لمن ذهب إلى أن النكول لا يثبت حقًّا، وهو قول شنيع وينبغي أن يخبره في ذلك بين الصبر إلى حضورها أو يحلفه حالًا ولا يقبلها بعد، فيكون هو المختار لنفسه. وأما الذي فسره ابن عيينة عن شريح، وخلاف ابن أبي ليلى إياه، فإنا نأخذ بهما معًا، وبه يأخذ أهل العراق. ٦٥٩ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وروى ابن أبي ليلى عن الحكم، عن حنش أن عليًّا كان يرى الحلف مع البينة(١). قال البيهقي: وكذا رواه ابن أبي ليلى(٢). وقد روينا من وجه آخر عن حنش، عن علي أنه إنما رآه عند تعارض البينتين. وروى سعيد بن منصور، عن ابن سيرين وأبي مالك الأشجعي أن شريحًا أستحلف بعد قيام البينة. وعن عبد الله بن عتبة مثل ذلك(٣). واحتج لابن أبي ليلى بأن الشارع لما حكم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر، كان المدعي لا يستحق المال بدعواه، والمنكر لا يبرأ من حق المدعي بجحوده، فإذا أقام المدعي البينة أخذ المال، وإذا حلف المدعى عليه برئ فلا سبيل إليه. واحتج الأولون بقوله وَله: ((فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ من حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)). فدل أن يمين المدعى عليه لا تسقط الحق، وقطعه لا يوجب له ملكه فهو كقاطع الطريق لا يملك ما قطعه؛ ألا ترى أنه التَّها قد نهاه عن أخذه بقوله: ((فَلَا يَأْخُذْه)). وذكر ابن حبيب عن عمر أنه تخاصم إليه يهودي ورجل من المسلمين. فقال عمر: بينتك؟ فقال: ما يحضرني اليوم فأحلف عمر المدعى عليه، ثم أتى اليهودي بعد ذلك بالبينة فقضى له عمر ببينته وقال: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة (٤). وعن ابن الماجشون: القضاء بها وإن كان عالمًا بها على قول عمر. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٥٢/٤ (٢٣٠٥٠). (٢) ((السنن الكبرى)) ٢٦١/٤٠. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٥٢ (٢٣٠٥٤). (٤) ذكره ابن أبي زيد في ((النوادر والزيادات)) ١٦٩/٨ وعزاه لكتاب ابن سحنون من رواية ابن وهب. ٦٦٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وقد اختلف عن مالك إذا أقام الطالب شاهدًا واحدًا، وأبى أن يحلف معه فحلف المطلوب، ثم وجد الطالب شاهدًا آخر، هل نضيفه إلى الشاهد الأول أم لا؟ ففي إضافته إلى الأول قولان عن مالك والمنع قول ابن القاسم(١). وقال ابن التين: قول طاوس ومن بعده يحتمل أن يكون ممن لم يعلم ببينته، وقد اختلف قول مالك إذا كان عالمًا بها قادرًا عليها، فحلفه، ثم أراد إقامتها. وبالمنع قال ابن القاسم وصاحب ((التلقين))، وبالجواز قال ابن وهب وأشهب. ومعنى: ألحن -في الحديث -: أفطن، واللحن محرك: الفطنة، يقال: لحن -بكسر الحاء- إذا فطن(٢). وقيل: أنطق، وبسكونها إزالة الإعراب عن جهته. وقوله: ( (فإنما أقطع له قطعة من النار)) ) دال أن حكم الحاكم لا يُحِلُّ حرامًا ولا يُحَرِّمُ حلالًا، كما سلف. وسواء فيه المال وغيره من الحقوق، وقد أتفق العلماء على تحريم ذلك في الأموال، وقال أبو حنيفة: حكمه في الطلاق والنكاح والنسب يحتمل الأمور عما هي عليه في الباب بخلاف الأموال(٣). وفيه: أن القاضي يحكم بعلمه، وهو مذهب عبد الملك وسحنون (٤)، والشافعي يقول: يحكم به إلا في الحدود(٥). (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤١٧/٨. (٢) انظر: ((لسان العرب)) ٣٨٢/١٣، مادة: (لحن). (٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٥٠. (٤) أنظر: ((المنتقى)) ١٨٦/٥. (٥) ((الأم)) ٢٢٣/٦.