Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = ١٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ في المَدْحِ، وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ ٢٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُزْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ وََّ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ: ((أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ)). [٦٠٦٠ - مسلم: ٣٠٠١ - فتح: ٢٧٦/٥] ثم ساق حديث أبي موسى: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُظْرِيهِ فِي مَدْحِهِ فَقَالَ: ((أَهْلَكْتُمْ - أَوْ قَطَعْتُمْ - ظَهْرَ الرَّجُلِ)). والمراد بالإطناب: الإكثار والإطراء، والجمع أن يكون النهي محمولًا على المجازفة في المدح والزيادة في الأوصاف، أو على من يخاف عليه فتنة بإعجاب، وأما من لا يخاف عليه ذلك فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل منه مصلحة؛ لازدياد في الخير، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به، كان مستحبًّا. قال المهلب في حديث أبي موسى: إنما قال هذا والله أعلم؛ لئلا يغتر الرجل بكثرة المدح، ويرى أنه عند الناس بتلك المنزلة فيترك الازدياد من الخير ويجد الشيطان إليه سبيلاً، ويوهمه في نفسه؛ حتى يضع التواضع لله. وكان السلف يقولون إذا أثني على أحدهم: اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون واجعلنا خيرًا مما يظنون. وقال يحيى بن معاذ: العاقل لا يدعه ما ستر الله عليه من عيوبه بأن ٦٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = يفرح بما أظهر من محاسنه (١). وقوله: (ولا أزكي على الله أحدًا). أي: لا أقطع له على عاقبة أحد ولا ضميره؛ لأن ذلك مغيب عنا، ولكن يقول: أحسب وأظن بوجود الظاهر المقتضي لذلك وعبر تارة بالعنق وتارة بالظهر. وجاء أمرنا أن نحثو في وجوه المداحين التراب، والمعنى: أهلكتموهم، وهي استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك. فائدة: قول عمر: عسى الغوير أبؤسًا. هو من أمثالهم قال الميداني في ((مجمع الأمثال)): الغوير: تصغير غار. الأبؤس: جمع بؤس، وهو الشدة، وأصل هذا المثل فيما يقال من قول الزِّباء حين قالت لقومها عند رجوع قصير من العراق إليها ومعه الرجال ثم تنكب بهم الطريق المنهج وأخذ على الغوير فسألت عن خبره. فأخبرت بذلك، وقيل: كان الغوير على طريقه، أي: لعل الشر يأتيكم من قبل الغار. وقال ابن الأعرابي: عرض بالرجل، أي: لعلك صاحب هذا اللقيط. قال: ونصب أبؤسًا على معنى: عسى الغوير يصير أبؤسًا، ويجوز أن يقدر: عسى الغوير أن يكون أبؤسًا. وقال أبو علي: جعل عسى بمعنى: كان، ونزله منزلته، يضرب للرجل يقال له: لعل الشر جاء من قبلك(٢). (١) ((شعب الإيمان)) ٢٢٨/٤ (٨٤٧٦). (٢) ((مجمع الأمثال)) ١/ ٤٧٧. ٦٠٣ = ڪِتَابُ الشّهَادَاتِ وذكر الأصمعي: أن أصل هذا المثل أنه کان غار فيه ناس فانهار عليهم أو قال: فأتاهم عدو فقتلهم فيه(١). وقال الكلبي: غوير: ماء لكلب، معروف من ناحية السماوة(٢). وقال ابن الأعرابي: الغوير: طريق كان قوم من العرب يعبرون فيه، وكانوا يتواصون بأن يحرسوه؛ لئلا يؤتوا منه. وروى الحربي، عن عمرو، عن أبيه: أن الغوير نفق في حصن الزّباء، وقال الزهري فيما حكاه الخلال: إنه مثل يضربه أهل المدينة، وقال سفيان: أصله أن ناسًا كان بينهم وبين آخرين حرب، فقالت لهم عجوز: أحذروا واستعدوا من هؤلاء؛ فإنهم لا يألونكم شرًّا، فلم يلبثوا أن جاءهم فزع. فقالت العجوز: عسى الغوير أبؤسًا. تعني: لعله أتاكم الناس من قبل الغوير وهو شعب. وقوله: (عريفي). قال ابن التين: قيل: كان عريفًا على الجماعة كالنقباء وشبههم، وقيل: عريفي الذي عرف بي. والمنبوذ: تطرحه الفاجرة عندما تلده، وهو حر باعتبار الدار ومسلم أيضًا. واختلف إذا كان النصارى في مدينة فيها الأثنان والثلاثة مسلمون. فقال ابن القاسم: هو نصراني. (١) انظر: ((لسان العرب)) ٢٠١/١ مادة (بأس). (٢) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ٢٦١٨/٣ مادة (غار). ٦٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقال أشهب: هو مسلم كالحرية تغليبًا لحكم الإسلام(١) والأصح عندنا: أنه مسلم إن سكنها مسلم ( ... )(٢) أو تأخر. ورأى قومٌ أن المنبوذ عبد، وكان عمر أعتق هذا، وقيل: نقل إليه ولاءه. والأول أبين عملًا بالأصل وهو الحرية. وقوله: (وعلينا نفقته) أي: من بيت المال. فائدة أخرى : ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها ولا يترحم عليه، وويح: لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه (٣). قال الفراء: الأصل في ويل: وي، أي: حزن، كما تقول: وي لفلان، أي حزن له فوصلته العرب باللام، وزاد أنها منه فأعربوها. (١) أنظر ((المنتقى)) ٣/٦. (٢) سقط بالمخطوط. (٣) انظر: ((لسان العرب)) ٤٩٣٧/٨. ٦٠٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = ١٨ - باب بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ وَقَوْلِ اللهِ دَّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنْكُمُ الْخُلُمُ فَلْيَسْتَنْذِنُواْ﴾ [النور: ٥٩]. وَقَالَ مُغِيرَةُ: أَحْتَلَمْتُ وَأَنَا ابن ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَبُلُوغُ النِّسَاءِ فِي الحَيْضِ؛ لِقَوْلِهِ وَّ: ﴿وَالَّتِى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: ٤] وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: أَدْرَكْتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً بِنْتَ إِحْدى وَعِشْرِينَ. ٢٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعْ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌َّهِ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابنِ أَزْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُحِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الَنْدَقِ وَأَنَا ابن خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هذا الَحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هذا لَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا ◌َمِنْ بَلَغَ خْسَ عَشْرَةَ. [٤٠٩٧ - مسلم: ١٨٦٨ - فتح: ٢٧٦/٥] ٢٦٦٥ - حَذَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ رضي الله عنه يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلَّ مُحْتَلِمٍ)). [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢٧٧/٥] ثم ساق حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وَأَنَا ابن خَمْسَ عَشْرَةَ فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هذا الحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هُذا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وحديث أبي سعيد الخدري: ((غُسْلُ يَوْم الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم)). ء ٦٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الشرح: حديث أبي سعيد سلف في الجمعة(١) وحديث ابن عمر في مسلم أيضًا(٢)، زاد ابن حبان في ((صحيحه)) فيه: فلم يجزني ولم يرني بلغت(٣). ووقع عند الحميدي بدل الخندق عام الفتح وهو غلط(٤)، ونقله ابن ناصر عن تعليقة أبي مسعود وخلف ولم يُرَ فيهما، وفي رواية ذكرها ابن التين: عرضت عام الخندق ولي أربع عشرة سنة فأجازني، قال: وقيل: إنما عرض يوم بدر فردَّه وأجازه بأحد. وقال بعضهم: ذكر الخندق وهم، وإنما كانت غزوة ذات الرقاع؛ لأن الخندق سنة خمس وهو قال: أنه كان في أحد ابن أربع عشرة. فعلى هذا تكون غزوة ذات الرقاع هي المراد؛ لأنها كانت في سنة أربع بينها وبين أُحُد سنة، وقد يجاب بأنه يحتمل أن ابن عمر في أُحُد دخل في أول سنة أربع من حين مولده في شوال منها، ثم تكملت له سنة أربع عشرة في شوال من الآتية، ثم دخل في الخامس عشرة إلى شوالها الذي كانت فيه الخندق، فكأنه أراد أنه أخذ في أول الرابعة وفي الخندق في أخر الخامسة. وقد أسلفنا عن موسى بن عقبة وغيره. أن الخندق كانت سنة أربع فلا حاجة إذن إلى ذلك: (١) سلف برقم (٨٥٨) باب: وضوء الصبيان. (٢) مسلم (١٨٦٨) كتاب: الإمارة، باب: بيان سن البلوغ. (٣) ((صحيح ابن حبان)) ٣٠/١١ (٤٧٢٨). (٤) ((الجمع بين الصحيحين)) ٢١٠/٢ (١٣٢٢) وأثبت محققه عام الخندق وأشار إلى أنه ورد في نسختين سماهما (م، ك): عام الفتح. ٦٠٧ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = إذا تقرر ذلك، فقد اختلف العلماء في شهادة الصبيان على قولين: أحدهما: أنه يجوز شهادة بعضهم على بعض. قاله النخعي(١). وعن شريح والحسن والشعبي وعلي مثله بأسانيد جيدة، وعن شريح أنه كان يجيز شهادتهم في السن والموضحة ويأباه فيما سوى ذلك، وفي رواية: أنه أجاز شهادة غلمان في أمة وقضى فيها بأربعة آلاف، وكان عروة يجيز شهادتهم، قال: ويؤخذ بأول قولهم (٢). وقال عبد الله بن الزبير: هُم أحرى إذا سئلوا عما رأوا أن يشهدوا. قال ابن أبي مليكة: رأيت القضاة أخذت بقوله وتركت قول ابن عباس، قال تعالى: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليسوا ممن يرضون. وقال ابن سيرين: تكتب شهادتهم ويستثبتون، وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله. وقال مكحول: إذا بلغ خمس عشرة سنة فأجز شهادته، وقال القاسم وسالم: إذا أنبت، وقال عطاء: حتى يكبر(٣)، وعند ابن المنذر: لا تجوز شهادتهم عند طائفة؛ لأنه ليس ممن يوصي، روي عن ابن عباس والقاسم وسالم وعطاء والشعبي والحسن وابن أبي ليلى والثوري والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبى ثور وأبي عبيد، وعند طائفة: يجوز في الجراح والدم، روي ذلك عن علي وابن الزبير وشريح والنخعي وعروة والزهري وربيعة ومالك (٤). (١) ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٤ (٢١٠٢٥). (٢) روى هذِه الآثار عبد الرزاق ٣٥٠/٨-٣٥١، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٤. (٣) روىُ هُذِه الآثار ابن أبي شيبة ٣٦٤/٤. (٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٧/٣؛ ((شرح ابن بطال)) ٥١/٨-٥٢. ٦٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ويؤخذ بأول قولهم ما لم يخببوا أو يتفرقوا. قال مالك: فإذا تفرقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول قبل أن يتفرقوا، قال أبو الزناد: وهي السُّنة أن تؤخذ بشهادة الصبيان أول ما يسألون عنه ويكون يمين الولي مع ذلك، وإن هم أحدثوا ما يخالف شهادتهم الأولى لم يلتفت إليه، ويؤخذ بالأول من شهادتهم وبذلك كان يقضى عمر بن عبد العزيز(١). وقال الترمذي: الغلام إذا أستكمل خمس عشرة فحكمه كالرجال فإن أحتلم قبلها فكالرجال، والعمل على هذا عند أهل العلم، وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالا(٢) أيضًا: للبلوغ ثلاث منازل: بلوغ خمس عشرة أو الاحتلام؛ وإلا فالإنبات(٣). وأجمع العلماء كما نقله ابن بطال: أن الاحتلام في الرجال والحيض في النساء: هو البلوغ التي تلزم منه العبادات والحدود والاستئذان وغيره، وأن من بلغ بالحلم فأونس منه الرشد جازت شهادته ولزمته الفرائض وأحكام الشريعة؛ لحديث أبي سعيد في الباب: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) فعلق الغسل بالاحتلام، وبلوغ الحلم وإيناس الرشد يجوز دفع ماله إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَنَى حَتّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَذْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وبلوغ النكاح هو: الاحتلام. (١) انظر: ((المدونة)) ٨٤/٤، ٨٥، ((النوادر والزيادات)) ٤٢٦/٨، ٤٣٠. (٢) أي: أحمد وإسحاق. (٣) (سنن الترمذي)) عقب الرواية (١٣٦١) كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة. ٦٠٩ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = واختلفوا فيمن تأخر احتلامه من الرجال أو حيضته من النساء، فروي عن القاسم وسالم، أن الإنبات حد البلوغ، وهو قول الليث، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال مالك: بالإنبات أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ. قال ابن القاسم: وذلك سبع عشرة أو ثماني عشرة سنة وفي المشاهدة الأوصاف أو الحبل، إلا أن مالكًا لا يقيم الحدود بالإنبات إذا زنا أو سرق ما لم يحتلم أو يبلغ من السن ما يعلم أن مثله لا يبلغه حتى يحتلم، فیکون علیه الحد. ولم يعتبر أبو حنيفة الإنبات. وقال: حد البلوغ في الجارية سبع عشرة سنة، وفي الغلام تسع عشرة، وروي ثماني عشرة، وهو قول الثوري(١). ومذهب الشافعي: أن الإنبات علامة على بلوغ ولد الكافر لا المسلم، واعتبر خمس عشرة في الذكور والإناث، وأخذ بحديث ابن عمر في الباب، وهو مذهب الأوزاعي وأبي يوسف ومحمد، وبه قال ابن الماجشون وابن وهب(٢)، واحتج من أعتبر الإنبات بحديث عطية القرظي قال: كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت. رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين(٣). (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٩/٨ - ٥٠. (٢) أنظر: ((الاستذكار)) ١٦٣/٢٣، ((الإشراف)) ٣١٤/٢. (٣) رواه أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والترمذي (١٥٨٤)، وقال: حسن صحيح، والنسائي ١٥٥/٦، وابن ماجه (٢٥٤١)، وابن حبان ١٠٤/١١ (٤٧٨١)، والحاكم ٣٥/٣، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ٦١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === وروى نافع عن أسلم، عن عمر أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا يضربوا الجزية إلا على كل من جرت عليه المواسى(١)، وقال عثمان بن عفان في غلام سرق: إن أخضر مئزره فاقطعوه، وإن لم يخضر فلا تقطعوه (٢)، ووجه من جعل الثماني عشرة وشبهها حد البلوغ وإن لم يكن إنبات ولا احتلام، قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اَلْيَقِيمِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. قال ابن عباس وغيره من المفسرين: ذلك ثماني عشرة سنة، ومثله لا يعرف إلا بالتوقيف، وقد أجمعوا على اعتبار البلوغ في دفع المال إليه، فدل أن البلوغ يتعلق بهذا القدر من السن دون غيره إلا أن يقوم دليل. وتفرقة الشافعي في الإنبات بين ولد المسلم والذمي انتفاء التهمة بالنسبة إلى الذمي؛ لأجل الجزية بخلاف المسلم، وبهذا ظهر الرد على ابن بطال حيث قال: لا معنى لهُذِه التفرقة؛ لأن كل ما جاز أن يكون علامة في البلوغ للكافر جاز أن يكون في المسلم، أصله الحيض للنساء، وأما اعتبار خمس عشرة في حد البلوغ إذا لم يحصل فيها احتلام ولا إنبات فليس في خبر ابن عمر ذكر البلوغ الذي به تتعلق أحكام الشريعة، وإنما فيه ذكر الإجازة في القتال، وهذا المعنى يتعلق بالقوة والجلد، وبه أوله أبو حنيفة، ومن أصل الجميع أن الحكم متى نقل سببه تعلق منه فإنما أجازه للقتال خاصة بهذا السن ومن أجلها عرض، ونحن نجيز قتال الصبي إذا لم يبلغ هذا (١) رواه سعيد بن منصور ٢/ ٢٤٠ (٢٦٣٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٦/ ٤٨٧ (٣٣١٠٩)، والبيهقي ١٩٥/٩- ١٩٦، ولفظ ابن أبي شيبة: لا تقتلوا. (٢) رواه بهذا اللفظ الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢١٧/٣، وبمعناه ابن أبي شيبة ٤٧٧/٥ (٢٨١٤٣، ٢٨١٤٤)، والبيهقي ٥٨/٦. ٦١١ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = السن ويسهم له إذا قاتل، وقد روي عن النبي ◌َّ أنه كان يجيز المراهقين إذا بلغوا حد من يقاتل. قال سمرة بن جندب: عرضت على رسول الله وَلاول في بعض غزواته فلم يجزني وعرض عليه غلام غيري فأجازه، فقلت: يا رسول الله، قبلته ورددتني ولو صارعني لصرعته. فقال: ((صارعه)) فصرعته، ففرض له النبي ◌َليٍّ(١). قلت: ورواية ابن حبان السالفة: (ولم يرني بلغت)(٢) تدل لما قاله الشافعي. قال الطحاوي: ولا ينكر أبو حنيفة أن يفرض للصبيان إذا كانوا يحتملون القتال ويحضرون الحرب، وإن كانوا غير بالغين(٣). وقال ابن التين: قول مغيرة السالف: احتلمت وأنا ابن ثنتي عشرة سنة. لا يعلم أن أحدًا أحتلم من الرجال قبله إلا ما ذكر من أن مولد عمرو بن العاص وابنه قدر كذلك، وقد أثبته ابن بطال في أصل البخاري حيث قال بعد أثر الحسن: وذكر الشافعي أنه رأى باليمن جدة بنت إحدى وعشرين سنة حاضت لتسع وولدت لعشر وعرض مثل هُذا لابنتها. ثم قال: ويذكر أن عمرو بن العاص بينه وبين ابنه أثنتي عشرة سنة (٤) ولم أر هذا في شيء من نسخ البخاري. قال ابن التين: ولا يعلم في النساء من يحمل أقل من تسع، وحديث ابن عمر أحتج به الشافعي في أن خمس عشرة سنة عَلَم على الحمل وهو قول (١) رواه الطحاوي في (شرح معاني الآثار)) ٢١٩/٣، الطبراني في ((الكبير)) ٧/ ١٧٧ (٦٧٤٩)، والحاكم ٦٠/٢-٦١، البيهقي ٩/ ٢٢، وانظر: ((شرح ابن بطال)) ٥١/٨. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ٣٠/١١ (٤٧٢٨). (٣) ((شرح معاني الآثار)) ٢١٩/٣. (٤) (شرح ابن بطال)) ٤٨/٨. ٦١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ابن وهب، وقول مالك وأصحابه: سبع عشرة أو ثماني عشرة أو الإنبات. وانفصلوا عن حديث ابن عمر أنه اختلف فيه كما سلف، قال: ويحتمل أن يكون الحكم تعلق بالبلوغ عند مصادفة هذا السن لا أنها السن والمعنى المؤثر في البلوغ، ونحن لا نمنع أن يكون ابن خمس عشرة سنة قد بلغ، ويوضح ذلك أنه وَ لّ لم يسأله عن سنه، وإنما ذكره من عند نفسه على جهة التاريخ، وأيضًا أكثر ما فيه أنه أجازه في القتال وهي لا تتوقف عندنا على البلوغ إذ للإمام أن يجيز من الصبيان من فيه قوة ونجدة، وقد يوجد في المراهقين من يكون ذلك فيه أكثر همة من البالغين. والوجوب في حديث أبي سعيد محمول على التأكد، وعبارة ابن التين هو عند أكثر العلماء وجوب السنن، وعند بعضهم وجوب الفرائض، واستدل به من أوجب الجمعة على النساء والعبيد. فائدة : الآية التي ذكرها البخاري نزلت في الآيسة ومن لم تحض، وأما ذات الحمل فبوضعه عند سائر الفقهاء، وعند ابن عباس ينتظر أقصى الأجلين(١)، واليتامى لا ينكحن حتى يبلغن، وقال أحمد: من بلغت تسعًا نكحت بإذنها(٢). (١) أنظر: ((التمهيد)) ٣٣/٢٠-٣٤، ((المغني)) ٢٢٧/١١. (٢) انظر: ((مسائل أحمد وإسحاق)) برواية الكوسج ٣٤٢/١ (٨٥١). ٦١٣ = كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ١٩ - باب سُؤَالِ الحَاكِمِ المُدَّعِيَ: هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَبْلَ اليَمِينِ ٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ أَمْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). قَالَ: فَقَالَ الأَشْعَتُ بْنُ قَيْسٍ: فَِّ والله كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضُ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ نَِّّ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟)). قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: ((احْلِفْ)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا يَخْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِيٍ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الَهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى لا آخِرِ الآيَةِ [آل عمران: ٧٧]. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٢٧٩/٥] ذكر فيه حديث عبد الله بن مسعود في الحلف على اليمين الفاجرة، وقد سلف في الشركة (١). وشيخ البخاري فیه محمد عن أبى معاوية هو ابن سلام، صرَّح به في ((الأطراف))(٢). قال الجياني: وكذا نسبه أبو علي بن السكن(٣). قلت: ورواه الإسماعيلي، عن القاسم، عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية، فيجوز أن يكون هو، وإنما يلزم الحاكم أن يسأل المدعي: ألك بينة؟ للإقناع؛ ولأنه جعل البينة على المدعي. (١) سلف برقم (٢٣٥٦، ٢٣٥٧) كتاب: المساقاة، باب: الخصومة فى البئر والقضاء فيها، وليس في كتاب: الشركة. (٢) أنظر: ((تحفة الأشراف)) ٧٦/١ (١٥٨). (٣) ((تقييد المهمل)) ١٠١٧/٣. ٦١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وأجمعت الأمة على القول بذلك وأنه لا يقبل دعوى أحد دون بينة، وقال المهلب: معنى سؤالها قبل اليمين خوفًا أن يحلف له المطلوب ثم يأتي بعد ذلك المدعي ببينة، فيأخذ منه حقه فيكذب في يمينه فيستحق بها العقاب، إن شاء أنفذ عليه الوعيد، ثم يؤخذ المال منه فهو له كالظلم، فإذا سأله: هل لك بينة؟ فقال: لا. لم يكن له الرجوع عليه ببينة إلا أن يحلف أنه ما علم هذا يوم قال: لا. وسيأتي اختلاف العلماء في هذِه المسألة بعد، إن شاء الله تعالى. واختلف العلماء في المدعي يثبت البينة على ما يدعيه: هل للحاكم أن يستحلفه مع بينته أم لا؟ فكان شريح وإبراهيم النخعي يريان أن يُستحلف مع بينته أنها شهدت بحق، وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم، عن حنش: أن عليًّا أستحلف عبيد الله بن الحر مع بينته(١) . وهو قول الأوزاعي والحسن بن حي. وقال إسحاق: إذا أستراب الحاكم أوجب ذلك. وذهب مالك والكوفيون والشافعي وأحمد: أنه لا يمين عليه(٢)، والحجة لهم حديث الباب من حيث أنه سي لم يقل للأشعث: وتحلف مع البينة. فلم يوجب على المدعي غير البينة، وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّةَ﴾، الآية [النور: ٤]، فأبرأه الله من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين. (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٤/ ٥٥٢ (٢٣٠٥٠). (٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٣/٣، ((شرح ابن بطال)) ٥٣/٨. ٦١٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = فائدة : قوله: ( ((من حلف على يمين)) ) أي: بيمين، والفاجر: الكاذب، وأصل الفجور: الميل عن القصد، وقيل: الانبعاث في المعاصي وهو بمعناه(١). وقوله: ( ((ليقتطع بها مال مسلم)) ) خص المسلم؛ لأنه أكثر من يعامل، وإلا فلا فرق. وقوله: (فجحدني)، فيه: أن الخصم يتكلم في خصمه فيما هو شأن الخصوم، ولا يعاقب فيقول: ظلمني وأخذ متاعي ونحوه. (١) أنظر: ((النهاية في غريب الحديث)) ٤١٣/٣. ٦١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢٠ - باب اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ في الأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ وَقَالَ الَّْا: ((شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)). [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧] وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن شُبْرُمَةَ، كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية. قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ المُدَّعِي، فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرِى؟ مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هذِه الأُخرى؟ ٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةً قَالَ: كَتَبَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ وََّ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى المَدَّعَى عَلَيْهِ. [انظر: ٢٥١٤ - مسلم: ١٧١١ - فتح: ٢٨٠/٥] ثم ساق حديث ابن عباس: أنه التَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ. الشرح : التعليق تقدم مسندًا من حديث الأشعث بن قيس(١)، ويأتي بعد في باب (٢)، وذكر الأصيلي في حديث ابن عباس: أن الصواب وقفه عليه، كذا رواه أيوب ونافع الجمحي. (١) سلف برقم (٢٣٥٦ - ٢٣٥٧) كتاب: المساقاة، باب: الخصومة في البئر. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وقوله تقدم، أي: أصل الحديث، وأما لفظ التعليق ( ... ) أشار إليه الشيخ. ٦١٧ = كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وتعليق ابن شبرمة في بعض نسخه: حدثنا قتيبة. قال الإسماعيلي: وليس فيما ذكره ابن شبرمة معنى، فإن الحاجة إلى إذكار إحداهما الأخرى إذا شهدتا، فإن لم يكونا قامت مقامها يمين الطالب التي لو أنفردت ممن عليه حلت محل البينة في الأداء أو الإبراء، فحلت هنا محل المرأتين في الاستحقاق بها مضافة للشاهد الواحد، ولو وجب إسقاط السنة الثابتة في الشاهد واليمين لما ذكره ابن شبرمة فسقط الشاهد والمرأتان؛ لقوله: ((شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)) فنقله عن الشاهدين إلى یمین خصمه بلا ذكر رجل وامرأتين. قلت: وقوله: (فما تحتاج أن تذكر أحدهما الأخرى) يقال: بل تحتاج إليها لإسقاط اليمين عنه، وإنما نزل القرآن على ما يؤمر به الإنسان من التوثق، وليس في الحدود عند مالك يمين خلاف ما ذكره البخاري، واختلف أصحابه في الطلاق إذا أدّعته المرأة على رجل معتاد ليمين الطلاق، فمنعه ابن القاسم وألزمه أشهب. واختلفا أيضًا إذا ادّعى إسقاط دم، هل يحلف ولي الدم؟ فألزمه ذلك ابن القاسم دون أشهب. والفرق عند ابن القاسم: أن هذا لا يتكرر في إسقاط الجعل بخلاف الطلاق والعتق، وقيل: لا يمين عليه. واختلف إذا أدعى العبد على مشتريه أنه دفع له من عنده مالا اشتراه به؛ هل يحلِّفه؟ فقال أصبغ: لا، وخولف، إذ لا تتكرر هذه الدعوى، وقد تتكرر إذا حلفه في تاريخ آخر. وممن ذهب إلى ما ذكره ابن شبرمة: ابن أبي ليلى وعطاء والنخعي والشعبي والكوفيون والأوزاعي والأندلسيون من أصحاب مالك قالوا: لا يجوز القضاء باليمين مع ٦١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = الشاهد. وقال محمد بن الحسن: إن حکم به قاضٍ يُقضی حکمه فهو بدعة(١). وقال الزهري: هو بدعة وأول من حكم به معاوية. ورواه أبو بكر، عن حماد بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عنه(٢)، وهو قول الزهري والليث قالوا: لأنه خلاف القرآن والسنة: أما القرآن، فقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأما السنة، فقوله: ((شَاهِدَالَ أَوْ يَمِينُهُ)). وفي ((المحلى)) عن عطاء: أول من قضى به عبد الملك بن مروان، وأشار إلى إنكاره الحكم. وروي عن عمر بن عبد العزيز الرجوع إلى ترك القضاء به؛ لأنه وجد أهل الشام على خلافه(٣). وذكر الطحاوي كلامًا طويلًا حاصله: أن الأحاديث التي فيها القضاء في يمين مع الشاهد قد دخلها الضعف، قال ذلك إثر ما ذكره من طريق ابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت، وجعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده. قال: فأنتم رويتم هذا: ولم يبين في الحديث كيف سببه؟ ولا من هو المستحلف فقد يجوز أن ذلك على ما ذکرتم، ويجوز أن یکون أرید یمین المدعى عليه إذا أدعى المدعي ولم يقم على دعواه إلا شاهدًا واحدًا فاستحلف له وي المدعى عليه؛ ليعلم الناس أن المدعي يجب له اليمين على المدعى عليه لا بحجة أخرى غير الدعوى، لا يُجب له (١) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٢/٣، ((الاستذكار)) ٥١/٢٢-٥٣. (٢) في ((المصنف)) ٤/٥ (٢٣١٦٦). (٣) ((المحلى)) ٩/ ٤٠٤. ٦١٩ == كِتَابُ الشّهَادَاتِ اليمين إلا هذا، كما قال قوم: إن المدعي لا يجب له اليمين فيما أدعى إلا أن يقيم البينة أنه قد كانت بينه بين المدعى عليه خلطة ولبس، وإن أقام على ذلك بينة أستحلف له وإلا لم يستحلف، فأراد الراوي أن ينفي هذا القول ويثبت اليمين بالدعوى وإن لم يكن مع الدعوى غيرها، قال: وقد يجوز أن يكون ذلك أريد به يمين المدعي مع شاهده الواحد، إلا أن شاهده الواحد كان ممن يحكم بشهادته وحده وهو خزيمة، فإن الشارع كان قد عدل شهادته بشهادة رجلين، فلما كان ذلك الشاهد قد يجوز أن يكون خزيمة، فيكون للمشهود له بشهادته وحده مستحقًّا لما شهد له كما يستحق غيره بالشاهدين ما شهدا له به، فادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إلى المدعي، فاستحلفه رسول الله وَ ال على ذلك، وأريد بنقل هذا الحديث؛ ليعلم أن المدعي إذا أقام البينة على دعواه وادعى المدعى عليه الخروج من ذلك الحق إليه أن عليه اليمين مع بينته، فهذا وجه آخر، فلا ينبغي لأحد أن يأتي إلى خبر قد احتمل هذِه التأويلات فيقطعه على أحدها بلا دليل يدله على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع(١). قلت: وقام الإجماع على استحلاف المدعى عليه في الأموال. واختلفوا في الحدود والطلاق والنكاح والعتق، فذهب الشافعي إلى أن اليمين واجبة على كل مدعى عليه إذا لم يكن للمدعي بينة، وسواء كانت الدعوى في دم أو جراح أو نكاح أو طلاق أو عتق أو غير ذلك، واحتج بحديث الباب: ((شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ)) قال: ولم يخص مدعي مال دون مدعي دم أو غيره بل الواجب أن يحمل على العموم، (١) ((شرح معاني الآثار)) ١٤٤/٤-١٤٧ بتصرف. ٦٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ألا ترى أنه جعل القسامة في دعوى الدم وقال للأنصار: ((تبرئكم يهود بخمسين يمينًا))(١)، والدم أعظم حرمة من المال(٢)؟ وقال الشافعي وأبو ثور: إذا أدعت المرأة على زوجها خلعًا أو طلاقًا وجحد الزوج الطلاق، فالمرأة المدعية عليها البينة، فإن لم يكن استحلف الزوج، وإن أدعى الخلع على مال فأنكرت، فإن أقام البينة لزمها المال، وإلا حلفت ولزم الزوج الفراق؛ لأنه أقرَّ به، وإذا أدعى العبد العتق ولا بينة استحلف السيد، فإن حلف برئ، وإن أدعى السيد أنه أعتق عبده على مال وأنكر العبد، حلف ولزم السيد العتق، وكان سوار يحلف بالطلاق، وكان أبو يوسف ومحمد يريان أن يستحلف على النكاح، فإن أبى ألزم النكاح. وذكر ابن المنذر عن الشعبي والثوري وأصحاب الرأي: أنه لا يستحلف على شيء من الحدود ولا على القذف(٣)، وقالوا: يستحلفه على السرقة، فإن نكل لزمه النكال. وفيه قول آخر: أن لا يمين في النكاح والطلاق والعتق و(الفرية) (٤) إلا أن يقيم المدعي شاهدًا واحدًا، فإذا أقام استحلف المدعى عليه، هذا قول مالك(٥). قال ابن حبيب: إذا أقامت المرأة أو العبد شاهدًا واحدًا على أن (١) سيأتي برقم (٣١٧٣) كتاب: الجزية الموادعة، باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين .. (٢) ((الأم)) ٨٧/٧ بتصرف. (٣) أنظر: ((الإشراف)) ٥٣/٣. (٤) في الأصل: الفرقة، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٥٥/٨. (٥) أنظر: ((المنتقى)) ٢١٦/٥.