Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
وقوله: (وَلَهَا ضَرَائِرُ) هو بالألف وهو الصواب؛ لأن كل واحدة
تتضرر من الأخرى بالغيرة وشبهها.
وفي بعض النسخ: (ضرار).
(وَضِيئَةٌ): أي: حسنة جميلة، ومنه أشتق الوضوء (١).
وقال في التفسير: (حسنًا).
وقولها : (إلا أكثرن عليها).
وجاء في التفسير: إلا حسدنها وقيل فيها (٢): وقولها: (لا يرقأ لي
دمع) أي: لا ينقطع مهموز من رقأ الدم إذا أنقطع(٣).
ومعنى: (اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ): أبطأ.
وقوله: (فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ على رسول الله وَّهِ بالذي يعلم من براءة
أهله وبِالَّذِي يَعْلَمُ لهم في نفسِه). وفي مسلم: وبالذي يعلمُ في نفسه لهم
من الود، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ أَهْلُكَ(٤)، وسمى المرأة أهلًا.
قال الداودي: وهو جائز أن يجمع الواحد والواحدة؛ لأن الأهل
یکثرون ويقلون.
وقوله: (أهلك) روي بالنصب أي: أمسِك، وبالرفع أي: هم
أهلك.
وقولها: (يريبك) سلف، واقتصر ابن التين على فتح الياء؛ لأنه
ثلاثي، أي: هل رأيت ما يوجب تهمة.
(١) ((مقاييس اللغة)) ص١٠٥٦ مادة (وضأ).
(٢) سيأتي برقم (٤٧٥٧) باب: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة.
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٢٧١٦/٣.
(٤) مسلم (٢٧٧٠).

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
و(أَغْمِصُهُ): بهمزة مفتوحة، ثم غين معجمة، ثم ميم، ثم صاد
مهملة: أعيبها به، وأطعَنُ عليها، يقال: رجل مغموص عليه في دينه
إذا طعن عليه فيه.
وفي كتاب ((الأفعال)) غمص الناس غمصًا: أحتقرهم وطعن عليهم،
والغمص في العين كالرمض(١).
والدَّاجِنُ: الشاة التي تألف البيت، ولا تخرج إلى المرعى.
وقال ابن التين: قيل: هي الشاة التي تحبس في البيت لدرها،
لا تخرج إلى مرعى.
وقيل: هي ودجاجه أو حمام أو وحش أو طير يألف البيت.
وقال الطبري: الدَّاخِنُ: الشاةُ المعتادة للقيام في المنزل إذا سمنت
للذبح واللبن، ولم تسرح في المسرح، وكل معتاد موضعًا هو به مقیم،
فهو كذلك داجن، يُقال: دجن فلان بمكان كذا وأدجن به: إذا أقام به.
وقولها: (فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ، فقال: ((مَنْ يَعْذِرُنِي؟ .. ))).
أي: طلب من يعذره منه أي: ينصفه منه، تقول: من يعذرني من
فلان؟ ومن عذیري؟
ويتأول على وجوه:
أحدها: من يقوم بعده فيما أوصله إليّ من مكروه.
ثانيها: من یقوم يعذرني إن عاقبته.
ثالثها: مَنْ ينتقم فيَّ منه، ويشهد لهذا جواب سعد: أنا أعذُرك مِنْه،
إِنْ كانَ مِنَ الأوْسِ ضَرَبْنا عُنقه.
(١) ((الأفعال)) لابن القوطية ص ١٩٧ مادة: (غمص).

٥٨٣
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
وهو سعد بن معاذ، وإنما قال ذلك؛ لأن الأوس من قومه، وهم بنو
النجار، ومن آذى رسول الله وَّي وجب قتله ولم يقل كذلك في الخزرج،
لما كان بينهم وبين الخزرج، فبقي فيهم بعض الأنفة أن يحكم بعضهم في
بعض، فإذا أمرهم الشارع امتثلوا أمره، وتكلم سعد بن عبادة وهو سيد
الخزرج وكان من رهط عبد الله بن أبي، وهم بنو ساعدة أنفة أن يحكم
فيهم سعد بن معاذ وليس أنه رضي قول أبي.
وقولها: (فقام سعد بن معاذ) كذا في الأصول وقال ابن التين:
قوله: فقام سعد بن عبادة ليس بصحيح، والأحاديث: سعد بن معاذ،
والذي عارضه ابن عبادة، وفي بعضها سعد بن عبادة.
ووهّم ابن حزم الأول؛ لأن سعد بن معاذ مات إثر بني قريظة بلا
شك، وبنو قريظة كان في آخر ذي القعدة سنة أربع، فبين الغزوتين
نحو سنتين، والوهم لم يَعْرَ منه أحد من البشر(١).
وكذا قال ابن العربي: ذكر سعد بن معاذ هنا وهْمٌ أتفق عليه الرواة.
وقال أبو عمر: وهو وهم وخطأ(٢). وتبعه عليه جماعة وآخرهم القرطبي،
فقال: إن ابن معاذ توفي منصرف رسول الله وّل من قريظة سنة أربع لم
يختلف فيه أحد من الرواة(٣).
وفي البخاري: أنها سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع (٤).
فليس وهمًا مخففًا.
وذكر ابن منده أن ابن معاذ مات سنة خمس من الهجرة.
(١) ((جوامع السيرة)) لابن حزم ص ٢٠٦.
(٢) ((الدرر في اختصار المغازي والسير)) لابن عبد البر ص١٩٠.
(٣) ((المفهم)) ٧/ ٣٨٠.
(٤) كتاب المغازي، باب: غزوة بني المصطلق قبل حديث (٤١٣٨).

٥٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال في المغازي: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل(١).
قلت: وسعد بن معاذ هو ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن
عبد الأشهل بن جشم، أخي حارثة ابني الحارث(٢)، أخي ظفر(٣)،
واسمه كعب بن الخزرج بن عمرو النبيت بن مالك بن الأوس.
وسعد بن عبادة: هو ابن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن
طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر، أخي الأوس،
ابني حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء(٤)، وأم
الأوس والخزرج قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد (هذيم)(٥)، أخي نهد
وجهينة أولاد زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة (٦).
وقولها: (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا) يقول: لم يكن قبل ذلك
يحمى لنفاق.
و(احتملته) بحاء وميم، ولمسلم: (اجتهلته) بجيم وهاء(٧).
وقوله: (كَذَبْتَ لَعَمْرُو اللهِ). أي أن رسول الله وَّ لا يجعل حكمه
إليك، كذا قال الداودي، والظاهر كما قال ابن التين أنه قال له:
كذبت إنك لا تقدر على قتله.
(١) سيأتي برقم (٤١٤١) كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك.
(٢) أي: جشم وحارثة.
(٣) أي: الحارث، واسم ظفر: كعب.
(٤) أنظر: ((جمهرة أنساب العرب)) ص ٣٦٥.
(٥) في الأصول: هذيل، وهو خطأ والمثبت من ((الطبقات الكبرى)) ٤١٩/٣، ((جمهرة
أنساب العرب)) ص٤٤٤.
(٦) أنظر: ((الطبقات الكبرى)) ٤١٩/٣، ((جمهرة أنساب العرب)) ص ٤٤٣، ٤٤٤.
(٧) مسلم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: حديث الإفك.

٥٨٥
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
وقوله: (فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُو اللهِ، والله لَنَقْتُلَنَّهُ).
أي: إنْ أمرنا رسول الله وَل قتلناه.
وقوم أسيد بنو عبد الأشهل، وهؤلاء الثلاثة نقباء.
وقوله: (فَثَارَ الحَيَّانِ). كذا هنا وقال في التفسير: فتثاور، أي:
فتواثب(١).
قال ابن فارس: يقال: ثار ثائره إذا اشتعل غضبًا(٢).
ومعنى: خفضهم تلطفهم حتى سلموا.
ومكث الوحي شهرًا؛ كان ليعلم سيدنا رسول الله وسلّم المتكلم من
غيره.
وقولها: (قد بكيتُ ليلتي ويومي). وفي نسخة: (ويومًا). يعني: اليوم
الماضي والليلة التي بعده.
وقوله: (إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبِ) أي: آتيته، والإلمام: هو النزول
النادر غير متكرر، وقال بعض المفسرين: اللمم: مقارفة الذنب من
غير مواقعة(٣).
وقال الداودي: معناه زنيت. وقيل اللمم: هو الذي يأتي الشيء
وليس له عادة.
وقوله: ( ((فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا أَعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ)) ) دعاها
إلى الاعتراف، ولم يأمرها بالستر كغيرها؛ لأنه لا ينبغي عند الشارع
أمرأة أتت ذنبًا، قاله الداودي.
(١) سيأتي برقم (٤٧٥٠) باب: قوله: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
(٢) ((المجمل)) ١٦٥/١ (ثور).
(٣) الطبري في (تفسيره)) ٥٢٩/١١.

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقولها: (والله مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحْيًا) هو شأن الصالحين
احتقار النفس وملازمة الافتقار.
و(قلص دمعي) أي: ذهب، قاله الداودي وقيل: نقص. يقال: قلص
الدمع: أرتفع وقلص الظل تقلص(١).
وقال ابن السكيت: قلص الماء في البئر إذا ارتفع وهو ماء قليص (٢).
وقال القرطبي: يعني أن الحزن والموجدة أنتهت نهايتها وبلغت
غايتها(٣).
ومنها: أنتهى الأمر إلى ذلك قلص الدمع؛ لفرط حرارة المصيبة.
وقولها : (مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً) هو بضم الهمزة رباعي من أحس يحس
قال تعالى: ﴿هَلْ تُحُِّّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨].
وقولها: (مَا رَامَ مَجْلِسَهُ). أي: ما برح منه ولا قام منه، قاله صاحب
((العين)) يقال: رامه يريمه ريمًا أي: برحه ولازمه(٤)، فأما من طلب
الشيء فرام یروم رومًا.
والبرحاء: فُعَلاء، من البرح - بالمد وضم الباء الموحدة وفتح الراء-
وليست بجمع، وهي مثبتة من البرح، وهي شدة الحمى وغيرها من
الشدائد، وقال في ((العين)): شدة الحر(٥).
وقال الخطابي: شدة الكرب، مأخوذ من قولك: برحت بالرجل إذا
بلغت به غاية الأذى والمشقة ويقال: لقيت منه البرح (٦).
(١) ((المجمل)) ١٧٣١/٢ (قلص).
(٢) ((إصلاح المنطق)) ص ٢٦٤.
(٣)
((المفهم)) ٣٧٤/٧.
(٤) ((العين)) ٢٩٣/٨ مادة (ريم).
(٥) ((العين)) ٢١٦/٣ مادة (برح) وقال فيه: البرحاء: الحمى الشديدة.
(٦) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٣١٠.

٥٨٧
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
وقال الداودي: هي العرق، وهو راجع إلى ما سلف.
والجُمان: بضم الجيم وتخفيف الميم، الدرّ، كذا ذكره ابن المثنى وغيره.
وقال ابن سيده: الجمان: هنوات على أشكال اللؤلؤ من فضة،
فارسي معرب، واحدته جمانة، وربما سميت الدرة جمانة، وقيل:
الجمان خرز يبيض بماء الفضة(١).
وفي ((المغيث)): هو اللؤلؤ الصغار (٢).
وقال الجواليقي: وقد جعل لبيد الدرة جمانة.
وقال ابن التين: الجمان: الدر عند أهل اللغة.
وقال الداودي: هو شيء كاللؤلؤ يصنع من الفضة. وقال مرة: هو
خرز أبيض. قال: وربما صيغ من الفضة كالحمص.
وسُرِّي عنه: مشدد مبني لما لم يسم فاعله أي: ذهب عنه ما يجد.
يقال: سروت الثوب عن بدني، إذا نزعته.
ولابن دحية: نزل عذرها بعد سبع وثلاثين ليلة.
وقولها: (لَا أَقُومُ إِلَيْهِ) إدلالًا وعتبًا؛ لكونهم شكوا في أمرها مع
علمهم بحسن طريقها وجميل حالها.
ومعنى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ [النور: ٢٢] في الآية: لا يحلف، والألية: اليمين،
وقيل: لا يقصرون من قولهم: ما ألوت أن أفعل كذا و﴿اَلْفَضْلَ﴾ [النور: ٢٢]:
المال والسعة في العيش والرزق؛ فإن قلت: ﴿أُوْلُوا﴾ جماعة والمراد هنا
الصديق. قلت: قال الضحاك: أبو بكر وغيره من المسلمين(٣).
(١) ((المحكم)) ٣٢٧/٧ مادة (جمن).
(٢) ((المغيث)) ٣٥٦/١ مادة (جمن).
(٣) أنظر ((تفسير الطبري)) ٩/ ٢٩٠.

٥٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقول أمها: (قومي إليه) بتعزيزه وتوقيره.
وقولها: (والله لا أقوم إليه) من باب الإدلال لا الامتهان.
خاتمة في فوائده مختصرة :
فيه: خروج النساء؛ لحاجة الإنسان، وهي التبرز بغير إذن
أزواجهن، وخدمة الرجال لما يركبنه النساء من الدواب، واحتمالهن
في الهوادج، وترك مكالمتهن ومخاطبتهن في ذلك، وكتم ما يقال في
الإنسان من القبيح عنه؛ كما كتم الناس القول في أم المؤمنين عنها
حتى أعلمتها أم مسطح به، وتشكي الإمام والسلطان ممن يؤذيه في
أهله أو غير ذلك إلى المسلمين والاستغفار منه، ومشاورة الرجل
بطانته في فراق أهله لقول قيل، والكشف والبحث عن الأخبار الواردة
إن كان لها نظائر أم لا؛ لسؤاله بريرة وأسامة وزينب وغيرهم من
بطانته عن عائشة وعن سائر أفعالها وما يغمص عليها، والحكم بما
يظهر من الأفعال على ما قيل.
وقد جاء من حديث عروة، عن عائشة أنه الكلية سأل لها جارية
سوداء، فذكرت العجين، وفي لفظ: جارية نوبية(١). وذكرهما ابن
مردويه في ((تفسيره)).
وأن المرأة لا تخرج إلى دار أبويها إلا بإذن زوجها، وفي رواية أنه
وَلّ أرسل معها غلامًا(٢).
(١) رواه أبو يعلى فى ((مسنده) ٣٣٥/٨-٣٣٦ (٤٩٣١)، الطبراني في ((الكبير))
١٠٦/٢٣ (١٤٩).
(٢) ستأتي برقم (٤٧٥٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ﴾.
ورد بهامش الأصل: وفي رواية: أرسل معها الخادم.

٥٨٩
13
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
وفضيلة من شهد بدرًا من المسلمين، وأن الدعاء عليهم وجفاء
الكلمة فيهم مما يجب أن ينكر، كما أنكرته على أم مسطح في ابنها
مع ما للأبوين من المقال مما ليس لغيرهما، وتوقيف القول فيه على
ما يقال، وأمره بالتوبة إن كان (أذنب)(١)، وأن الاعتراف بما فشا من
الباطل لا يحل ولا يجمل، وأن عاقبة الصبر الجميل فيه الغبطة
والعزة في الدارين.
وأنه ◌َل﴾ ليس كان يأتيه الوحي متى أراد؛ لبقائه شهرًا لا يوحى إليه،
وترك حَدّ من له منعة، والتعرض لما يخشى من تفرق الكلمة وظهور
الفتنة؛ كما ترك # حد عبد الله ابن أبي بن سلول(٢)، وغضب المسلمين
بعرض إمامهم وسلطانهم، وأن العصبية تنقل عن أسم الصلاح، كما
نقلت سعد بن عبادة من الصلاح عصبيته لعبد الله بن أبي عن حاله؛
لقول عائشة (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا).
وأنه قد يسب الرجل أو يرمى بشيء ينسب إليه وإن لم يكن فيه
ما نسب؛ لقول أسيد بن حضير: (كذبت لعمرو الله فإنك منافق تجادل
عن المنافقين) ولم يكن سعد منافقًا لكن؛ لمجادلته عنه أستحل منه
أسيد أن يرميه بالنفاق.
وأن الشبهة تُسقط العقوبة كما تُسقط الحد وتبيح العرض وتسقط
الحرمة.
(١) في الأصل: لم يذنب، والمثبت هو الصواب حتى يستقيم المعنى.
(٢) ورد بهامش الأصل: في مسلم أنه جلد من رمى، وفي أواخر البخاري أنه جلد
الرامين، وفي الطبراني أنه جلد عبد الله بن أبي مائة وستين. قال ابن عمر عقب
الحديث: وهكذا يفعل في كل من قذف زوجة نبي الله، وقد جلد في ذلك حمنة
ومسطح وحسان.

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأن من آذى نبيه في أهله أو عرضه أنه يقتل؛ لقول أسيد بن حضير:
(إن كان من الأوس قتلناه).
ولم يرد عليه شيئًا، فكذلك من سبَّ عائشة بما برأها الله منه أنه
يقتل؛ لتكذيبه القرآن المبرئ لها وتكذيبه الله ورسوله. وقال قوم:
لا يقتل من سبها بغير ما برأها الله منه.
قال المهلب: والنظر عندي يوجب أن يقتل من سب أمهات
المؤمنين بما رميت به عائشة أو بغير ذلك؛ لأن قول أسيد: (إن كان
من الأوس قتلناه) إنما قاله قبل نزول القرآن ولم يرد عليه قوله، ولو
كان قوله غير الصواب لما وسعه السكوت عليه؛ لأنه مفروض عليه
بيان حدود الله، ومن سب أزواجه فقد آذاه وتنقصه، فهو متهم بسوء
العقيدة في إيمانه به، فهو دليل على إبطانه النفاق.
وفيه: معاقبة المؤذي بقطع المعروف عنه والأخذ بالعفو والصفح
عن المسيء، وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب(١).
وفيه: التسبيح تعجبًا.
وفيه: يمين المزكي إذا كان غير متهم؛ لقوله: (ولا نعلم إلا خيرًا).
ثم سماع الغيبة مثل الغيبة؛ لأنه تتميم لقصد القائل وإبلاغه أمله قال
تعالى: ﴿وَلَوْلَآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّآ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ
[النور: ١٦] فإن قلت: أي تسبيح هنا للباري؟
عَظِيمٌ ﴾﴾
قلنا: أعظم تسبيح وتقديس له، وذلك تنزيه فراش نبيه عن المعصية،
وهو تعالى يتقدس أن يدنس فراش رسوله فيجب أن يقول القائل إذا سمع
مثل هذا. هذا قاله ابن العربي في ((سراجه)) ثم قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ
١٧
لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُم ◌ُؤْمِنِينَ
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٩/٨-٤٢.

٥٩١
= ڪِتَابُ الشَّهَادَاتِ
قال بعض المفسرين: تعلق به قوم في أن من بسط لسانه في عائشة
بعد هذا لم يكن مؤمنًا لظاهر الآية؛ ولعمري إن قائله مرتكب كبيرة
ولا يخرج عن الإيمان بذلك، ثم قال: حاشا لله بل هو كافر؛ لأنه
كذب الله الذي برأها، والكافر يكون بوجهين، أحدهما: أن يكذب
الله . والثاني: أن يكذب عليه.
فإن قلت: فقد قال: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾
الآية [التحريم: ٥].
قلت: إنه لو طلق كذلك كان يكون ذلك سبق في علمه عدمه وأنه
ليس هناك خير منهن، فخرج الكلام على التقدير الممكن لا على
ما أخبر به.
وأمر عائشة يبين أنه لا يخلو أحد من البلاء، وربما كان في المحنة
والبلاء من الأصفياء بل هو من أقوى أركانه وأعظم برهانه، فأشد الناس
بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
تنبيهات :
أحدها: قوله: (تساميني) أي: تعاليني فتنازعني الحظوة عند رسول
الله، والمساماة مفاعلة من سما يسمو إذا أرتفع وتطاول، قال صاحب
((الأفعال)): يقال: سما الفحل سماوة: تطاول على من سواه(١).
وروي: تناصيني من المناصاة وهي المساواة، وأصله من الناصية.
وقول زينب: (أحمي سمعي وبصري) أي: لا أكلف فيما سمعت
وأبصرت فيعاقبني الله فيهما لكن أصدق؛ حماية لهما وذبًّا عنهما،
وقيل: أصونها كراهية أن أقول سمعت ما لم أسمع ورأيت ما لم أَرَ.
(١) ((الأفعال)) لابن القوطية ص٧٥.

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثانيها: قول عروة في عبد الله بن أبي أنه كان يشاع ويتحدث عنده
فيقره ويسمعه ویستوشیه.
قال ثابت: يستوشيه: يأتلف عليه ويستدعيه ويستخرجه، كما
يستخرج الفارس جري الفرس بعقبه وبالسوط.
وقال يعقوب: يقال: مر فلان يركض فرسه ويمريه ويَسْتَرُدُّه
ويستوشيه كل ذلك طالب ما عنده (١). وقيل: هو من قولك: وشى
الكذب وشاية.
وقال صاحب ((الأفعال)): وشى النمام يشي وشاية ووشى الحائك
الثوب يشي وشيًا (٢).
ثالثها: قوله: (ما كشف كنف أنثى قط).
قال ثابت: الكنف هنا الثوب الذي يكنفها، أي: يسترها، ومنه
قولهم: هو في حفظ الله وفي كنفه قال أبو حاتم: وبعض العرب
تقول: أنت في كنفي وكنف الطائر: جناحاه، والكنف أيضًا: الجانب
وناحيتا كل شيء كنفاه. وأكناف الجبل والوادي: نواحيه.
قال ابن التين: وهذا يحتمل أن يكون على عمومه، ويحتمل أن
يكون في حرام.
رابعها: قوله: (أشيروا علي في أُنَاسِ أَبَنُوا أهْلِي).
هو بياء موحدة مفتوحة مخففة ومشددة والتخفيف أشهر، كما قاله
النووي(٣)، ومعناه أنَّهَمُوهَا، والأبن: بفتح الهمزة التهمة يقال: أبَنَهُ
(١) ((إصلاح المنطق)) ص ٤٣٣، وفيه: كل ذلك إذ طلب ما عنده ليزيده.
(٢) ((الأفعال)) لابن القوطية ص١٦١.
(٣) ((شرح مسلم)) ١٧/ ١١٤، ١١٥.

٥٩٣
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
يأبُنُّهُ ويَأْبِنُه بالضم والكسر إذا أتهمه ورماه بِخَلَّةِ سَوْءٍ فهو مأبون، قالوا:
وهو مشتق من الأَبَن -بضم الهمزة وفتح الباء- وهي العقد في القسي
تفسدها وتعاب بها.
قال ثابت: التأبين: ذكر الشيء وتتبعه.
وقال الراعي :
فرفع أصحابي المطى وأبَّنُوا هنيدة فاشتاق العيون اللَّوامح
قال ابن السكيت: أبنوا هنيدة: كأنهم جروا بها وذكروها.
ومن روى (أبَنَوا على أهلي) بالتخفيف فمعناه: فرقوها.
قال أبو زيد: يقال: أمر الرجل بالخير وأبن به، فهو مأمور ومأبون،
وهما سواء.
وقال ابن التين: أنبوا مضبوط بالنون قبل الباء.
وعند أبي ذر عكسه، وكذا هو في كتاب ((مسلم)) وكتب أهل اللغة،
قال ابن فارس: أَنَّبْتُ الرجل تأْنِيبًا إذا لمته (١).
خامسها: قولها: (فبقرت (٢) لي الحديث) أي: شرحته وبينته عن
ثابت، وقال الداودي: قصته. وقال صاحب ((العين)): نقر عن الأمر:
بحث عنه.
وفيه أن بريرة أنهرها بعض أصحابه، فقال لها: أَصدقي رسول الله
صَلى الله
حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله والله ما علمت إلا ما يعلم
وَسلم
(١) ((المجمل)) ١٠٤/١، مادة: (أنب).
(٢) ورد بهامش الأصل: قال في ((المطالع)): في الاختلاف في النون مع أتفاق (فنقرت
لي الحديث) أي: استخرجته وبينته، كذا هو بالنون، وكذا رويناه، وبعضهم رواه
بالفاء، وهو خطأ والتنقير الاستخراج للشيء والبحث عنه وأراه بالوجهين في
كتاب الأصيلي، ولا معنى للفاء ههنا.

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الصائغ على تبر الذهب الأحمر (١). كذا في الأصول (لها به) بالباء
الجارة.
وكذا هو في نسخ مسلم وهي رواية الجلودي والهاء في به عائدة
على ما تقدم من أنتهارها وتهديدها.
وفي رواية ابن ماهان: لهاتها بمثناة فوق والجمهور على أن
الصواب الأول والثاني غلط وتصحيف، ومعناه صرحوا لها بالأمر
ولهذا قالت أستعظامًا: سبحان الله، وقيل: أتوا بسقط من القول في
سؤالها وانتهارها يقال: أسقط وسقط في كلامه إذا أتى فيه بساقط،
وقيل: إذا أخطأ فيه وعلى رواية ابن ماهان: إن صحت معناه
أسكتوها، وهو ضعيف؛ لأنها لم تسكت بل قالت: سبحان الله.
قال ابن بطال: ويحتمل أن يكون معنى قولها : حتى أسقطوا لها به
مأخوذ من قولهم: سقط إليّ الخبر إذا علمته، ومن قولهم: فلان يساقط
الحدیث، معناه: یرویه.
ومنه قول بشير بن سعد: كنا نجالس سعدًا فكان يتحدث من حديث
الناس والأخلاق وكان يساقط في ذلك الحديث عن رسول الله وَچ ،
وقوله: يساقط معناه: يروي الحديث في خلال كلامه.
فمعنى: (حتى أسقطوا لها به): أي: ذكروا لها الحديث وبينوه فعند
ذلك قالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على
تبر الذهب الأحمرَ إنكارًا له وإعظامًا أن يُنْطق بمثل هذا القول عمن
أختارها الله زوجًا لأطيب خلقه وأفضلهم وجعلها أحب إليه من نساء
العالمين. ولا يجوز أن تكون إلا طيبة مثله لقوله: ﴿وَالطَّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾،
(١) سيأتي برقم (٤٧٥٠).

٥٩٥
كِتَابُ الشّهَادَاتِ
=
ولذلك جمع براءتها الله في كتابه بما يتكرر تلاوته إلى يوم الدين(١).
وقوله: (وقر في أنفسكم) أي: ثبت.
وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] ليس من الوقار
على الأصح خلافًا لأبي عبيد(٢)، إنما هو من الجلوس، يقال:
وَقَرْتُ أَقِرُّ وقرًا، أي: جلست.
فائدة :
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية
[النور: ٢٣].
قال سعيد بن جبير: إنه خاص بعائشة، وقال ابن عباس والضحاك:
إنه في أمهات المؤمنين خاصة(٣)، وقيل: كان أصله في عائشة، ثم قيل
لكل من رمى المؤمنات. وقيل: خص به أمهات المؤمنين، (ومن قذف
غيرهن (فلا يقال)(٤) ملعون)(٥).
(٥)
(١) ابن بطال ٤٥/٨-٤٦ بتصرف.
(٢) ((مجاز القرآن)) ١٣٧/٢.
(٣) روىُ هُذِه الآثار الطبراني في ((الكبير)) ١٥١/٢٣-١٥٢-١٥٣.
(٤) غير واضحة بالأصل. وهذا ما تبين لي منها.
(٥) ساقط من (ف).

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٦ - باب إِذَا زَكّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ
وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ:
عَسَى الغُوَيْرُ أَبْؤُسًا. كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي، قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ
صَالِحٌ. قَالَ: كَذَاكَ، أُذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
٢٦٦٢ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ بَّ، فَقَالَ:
(وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ)). مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ كَانَ
مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، والله حَسِيبُهُ، وَلَا أَزَكِّي عَلَى
اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ)). [٦٠٦١، ٦١٦٢ - مسلم:
٣٠٠٠ - فتح: ٢٧٤/٥]
ثم ساق حديث أبي بكرة قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َِّ،
فَقَالَ: ((وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ)). مِرَارًا، ثُمَّ
قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، والله
حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ
مِنْهُ)).
الشرح :
الأثر الأول أسنده البخاري مرة(١)، عن إبراهيم بن موسى، نا
هشام، عن معمر، عن الزهري، عن سنين أبي جميلة، وأنه أدرك
النبي ◌َ﴾ وخرج معه عام الفتح(٢) وأنه التَقَطّ منبوذًا فأتى عمر فسأل
(١) ورد بهامش الأصل: يعني في غير ((الصحيح)).
(٢) سيأتي برقم (٤٣٠١) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح.

٥٩٧
-- كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
=
عنه فأثنى عليه خيرًا فأنفق عليه من بيت المال وجعل ولاءه له(١)، وقال
في ((تاريخه)): كان ابن عيينة أو سليمان بن كثير يثقلان سنينا. وكذا قاله
الداودي وغيره، واقتصر عليه ابن التين، والذي قاله عبد الغني
والدارقطني وابن ماكولا (٢)، أنه بالتخفيف.
وتفرد عنه الزهري بالرواية وله إدراك وحج معه القليلا.
وفي ((علل الخلال)): فذكره عريفي لعمر فدعاني العريف عنده فقال
العريف: إنه ليس بالمتهم.
فقال عمر: لم أخذت هذا؟ قلتُ: وجدتُ نفسا مضيعة.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا (ابن عُلية)(٣)، عن الزُّهري أنه سمع سنينًا
أبا جميلة يقول: وجدت منبوذًا فذكره عريفي لعمر، فأتيتُه، فقال: هو
حرٌّ وولاؤه لك ورضاعه علینا.
وحدثنا وكيع: ثنا سفيان، عن عمرو، عن الزهري، عن رجل من
الأنصار أن عمر أعتق لقيطًا.
وحدثنا وكيع، ثنا سفيان، ثنا سليمان الشيباني، عن حَوْط، عن
إبراهيم قال: قال عمر بن الخطاب: هم مملوكون (٤). يعني: اللقيط،
وممن قال هو حر: علي وعمر بن عبد العزيز وإبراهيم والشعبي وعطاء (٥).
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٤٦٠، وابن أبي شيبة ٢٩٨/٦ (٣١٥٦٠)، والطبراني
في ((الكبير)) ١٠٢/٧، والبيهقي في ((السنن)) ٢٩٨/١٠، وصححه الألباني في
(الإرواء)) (١٥٧٣).
(٢) ((الإكمال)) ٤/ ٣٧٧.
(٣) كذا في (س)، وفي ابن أبي شيبة ٤٢٢/٤، ٢٩٨/٦: ابن عيينة.
(٤) ابن أبي شيبة ٤ / ٤٤٢.
(٥) عن علي رواه ابن أبي شيبة بمعناه ٣٣٤/٤ (٢٠٦٦٩) وعنده، عن إبراهيم والشعبي =

٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
إذا تقرر ذلك، فقال الإسماعيلي: ليس في الخبر أن تزكية الواحد
للواحد كفاية، حيث يحتاج إلى التزكية البتة.
فقال ابن المنير: استدلال البخاري على الترجمة بحديث أبي بكرة
ضعيف، فإن غايته أنه وَّه اعتبر تزكية الرجل أخاه إذا اقتصد ولم يَغْلُ
والاعتبار أنه يكون جزء النصاب، وقد يكون لأنه كاف، وهذا
مسكوت عنه (١). وقد تمسك بهذا من يقول: يكتفى في التزكية بواحد
وهو مروي عن أبي حنيفة(٢). ويجيب عن ذلك من لم يكتف بواحد
أن هذا السؤال من عمر، إنما كان على طريق الخبر لا على طريق
الشهادة، فإن القاضي إذا سأل عن أحد في مجلس نظره، فإنه يجتزي
بخبر الواحد وتعديله إذا كان القاضي هو الكاشف لأمره؛ لأن ذلك
بمنزلة علم القاضي إذا علم عدالة الشاهد، ألا ترى قنع عمر بقول
العريف إذ كان خبرًا وأما إذا كلف المشهود له أن يعدل شهوده
فلا يقبل أقل من رجلين كما في القرآن، وهو قول أصبغ(٣)، وقال
ابن التين: بوب عليه: تزكية الرجل الواحد وأنها تكفي، وهي لا تكون
أقل من أثنين إلا أن يكون (مكتفيا)(٤) للقاضي، فيجزي بواحد، على
مشهور مذهب مالك.
وقال المهلب: إنما أنكر التّ في حديث أبي بكرة قطعه بالصلاح
= وعطاء ٢١/٥ (٢٣٣٣٠- ٢٣٣٣٣). أما عن عمر بن عبد العزيز، فلم أقف عليه.
(١) ((المتواري)) ص٣٠٩.
(٢) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٢/٣.
(٣) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٤٧/٨.
(٤) كذا في الأصل وقد وضع فوقها علامة تدل على أن الناسخ أراد أن يوضحها
أو يبدلها.

٥٩٩
- كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
والخير له ولم يَرُدّ العلم في ذلك إلى الله، ألا ترى أنه أمره إذا أثنى أحدٌ
على أحدٍ أن يقول: أحسب، ولا يقطع؛ لأنه لا يعلم السرائر إلا الله،
وهو في معنى الخبر لا في معنى الشهادة.
وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن قول عمر: ما حملك على أخذ
هذِهِ النسمة؟ قال: أتهمه أن يكون ولده أتاه به؛ ليفرض له في بيت
المال(١).
ويحتمل أنه ظن به أنه يريد أن يفرض له ويلي أمره ويأخذ ما يُفْرض
له ويصنع به ما شاء فلما قال له عريفه: إنه رجل صالح، صدقه.
وأما قوله: (وعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ) يعني: رضاعه ومؤنته من بيت المال.
قال عيسى بن دينار: وكان عمر دَوّن الدواوين، وقسم المال أقسامًا
جعل على كل ديوان عريفًا ينظر عليهم، فكان الرجل الذي وجد المنبوذ
من ديوان الرجل الذي زكاه عند عمر(٢).
وفي قول العريف لعمر أنه رجل صالح وتقرير عمر للرجل على ذلك
فقال: نعم. فيه أن مباحًا للإنسان أن يزكي نفسه ويخبر بالصلاح عنها إذا
أحتاج إلى ذلك، وسئل عنه.
وهكذا رواه مالك في ((الموطأ)) فقال عمر: أكذلك؟ قال: نعم (٣).
وهذا الباب موافق لمذهب أبي حنيفة أنه يجوز تعديل رجل واحد
واحتج أصحابه بحديث أبي جميلة في ذلك، وقد سلف اختلاف
العلماء في ذلك في باب تعدیل کم یجوز فراجعه.
(١) أنظر: ((المنتقى)) ٢/٦.
(٢) انظر: ((المنتقى)) ٣/٦.
(٣) ((الموطأ)) ص ٤٦٠.

٦٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما بالمدح في
الوجه، يعارض ظاهرها حديث الباب منها حديث: ((إياكم والمدح؛
فإنه الذبح))(١).
ومنها ما ترجم له بعد.
(١) رواه ابن ماجه (٣٧٤٣)، وأحمد ٩٢/٤، ٩٨، وابن أبي شيبة ٢٩٨/٥
(٢٦٢٥٢)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٧٢/٣ (١٠٢٦)، والطبراني في
((الكبير)) ٣٥٠/١٩ (٨١٥)، والبيهقي في ((الشعب)) ٢٢٦/٤.
قال البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٤٧٢: أصله في الصحيحين وغيرهما من
حديث أبي بكرة، وإسناد حديث معاوية بن أبي سفيان حسن، ومعبد الجهني
مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات. اهـ
وحسنه الألباني في ((الصحيحة)) (١٢٨٤).
وورد في هامش الأصل: ثم بلغ في الحادي بعد الثمانين كتبه مؤلفه.
سمع عبد المؤمن من أول المجلس ( ..... ) والثمانين إلى هنا.