Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ كِتَابُ الشّهَادَاتِ - وإنما فهم مَّ الجور في ذلك بقولها: (لا أرضى حتى تشهد رسول الله ◌َيِّ) مع علمه بميله إليها، وتجشم مسرتها. ففيه: دليل أن الحاكم يحكم بما يفهم من المسائل، كما فهم الشارع أنه يطلب رضاها وتفضيل ولدها على إخوته، فهذا هو الجور. وفي قوله: ((إني لا أشهد على جور)) ألا يضع أحد أسمه على وثيقة لا تجوز، ومن العلماء من رأى أن يضع اسمه في وثيقة الجور؛ ليكون شاهدًا عليه بأنه فعل ما لا يجوز له؛ ليرد فعله وإن تعمد ذلك كان في الشهادة عليه جرحة تسقط شهادته، والقول الأول الذي يوافق الحديث أولى. وفي حديث عمران تعديل القرون الثلاثة على منازل متفاضلة، وشمول التجريح لمن يأتي بعدهم، وصفة من لا تُقبل شهادته ممن يشهد على ما لم يشهد عليه، ويخون فيما أؤتمن، ولا يفي بما حلف عليه، فهذِه صفات الجرحة. ومعنى: ((يَظْهَرُ فِيهِمُ السَّمَنُ)» أنه ليس لهم في الدنيا إلا كثرة الأكل واتباع اللذات، ولا رغبة لهم في أسباب الآخرة؛ لغلبة شهوات الدنيا عليهم، ولا شك في ذم السمن للرجال لمن استعمله وأحبه، دون من طبع عليه. وقوله: ((وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ)) قال الخطابي: قد يكون هذا في (اتخاذ)(١) الشهادة في الزور من غير استشهاد أو إشهاد. وفيه: دلالة على أن من شهد لرجل أو عليه عند الحاكم من غير استشهاد، كانت شهادته هدرًا لا توجب حكمًا (٢). (١) في ((أعلام الحديث)) ١٣٠٦/٢ (إعارة). (٢) ((أعلام الحديث)) ١٣٠٥/٢-١٣٠٦. ٥٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم، وأن المراد به شاهد الزور، واحتج بحديث عمر: يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد (١). والمراد بحديث زيد بن خالد الآتي الشاهد على الشيء فيؤدي شهادته ولا يمتنع من إقامتها. قال الخطابي: وقد يحتمل ذلك الشهادة على المغيب من أمر الخلق؛ فيشهد على قوم أنهم في النار ولقوم آخرين بغير ذلك على مذاهب أهل الأهواء في مثل هذا (٢). وفي أفراد مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني أن النبي ◌َّ قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها))(٣) وليس مخالفًا لذلك، وإنما وجه الحديث أنه لا يزال مستعدًّا لأدائها أو هي أمانة عنده، فهو يتعرض لها أبدًا متى يقيمها ويؤدي الحق فيها. وقد قيل: إنما جاء فيمن يكون عنده شهادة نسيها صاحب الحق فيسألها صاحبها، فأما إذا كان عالمًا بها فهو من الشهداء. وقيل: الخبر فيما إذا مات ويترك أطفالًا ولهم على الناس حقوق ولا علم للوصي بها فيجيء من عنده الشهادة فيخبرهم بذلك، ويبذل شهادته لهم فيحصل بذلك حقهم. وقال الطحاوي: احتج قوم بالنهي فقالوا: لا يجوز قبل أن يسألها وهو مذموم. (١) الترمذي (٢٣٠٢). (٢) ((أعلام الحديث)) ١٣٠٦/٢. (٣) مسلم (١٧١٩) كتاب: الأقضية، باب: بيان خير الشهود. ٥٢٣ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا : بل هو محمود مأجور على ذلك. واحتجوا بأنه إنما ذكر ذلك في تغير الزمن فقال: ((يفشو الكذب؛ حتى يشهد الرجل على الشهادة ولا يسألها، وحتى يحلف على الیمین، لا يستحلف))(١). فمعنى ذلك أن يشهد كاذبًا لقوله: ثم يفشو الكذب. وإلا فلا معنى لذكره ذلك، وأيضًا فإن هذِه الشهادة المذمومة لم يرد بها الشهادة على الحقوق، وإنما أريد بها الشهادة في الأيمان، يدل على ذلك قول النخعي في آخر الحديث وهو الذي رواه، قال: (وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد). فدل هذا من قول إبراهيم أن الشهادة المذمومة هي قول الرجل: أشهد بالله ما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الحلف؛ لأنه يكره للرجل الإكثار منه وإن كان صادقًا فنهى عن الشهادة التي هي حلف بها، كما نهى عن اليمين إلا أن يستحلف فیکون حينئذٍ معذورًا(٢). واليمين قد يسمى شهادة قال تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرَبَعُ شَهَدَتِ بِاللهِ﴾ أي: أربع أيمان. وحديث زيد فيه تفضيل الشاهد المبتدئ بها، وفسره مالك بعد أن رواه فقال: الرجل يكون عنده الشهادة في الحق لمن لا يعلمها فيخبر بشهادته ويرفعها إلى السلطان(٣). (١) رواه الترمذي (٢١٦٥)، وابن ماجه (٢٣٦٣) قال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.اهـ (٢) ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٥٠، ١٥٢. (٣) أنظر: ((التمهيد)) ٢٩٥/١٧. ٥٢٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح قال الطحاوي: فهذا الشارع قد مدحه وجعله خير الشهداء، فأولى بنا أن نحمل الأخبار على هذا التأويل حتى لا تتضاد ولا تختلف فتكون أحاديث هذا الباب على هذا المعنى الذي ذكرناه، ويكون حديث زيد بن خالد على تفضيل المبتدئ بالشهادة لمن هي [له] (١) أو المخبر بها الإمام، وقد فعل ذلك الصحابة وشهدوا ابتداءً، شهد أبو بكرة ومن معه على المغيرة بن شعبة، ورأوا ذلك لأنفسهم لازمًا، ولم يعنفهم على أبتدائهم بها، بل سمع شهادتهم، ولو كانوا في ذلك مذمومين لذمهم وقال: من سألكم عن هذا؟ ألا قعدتم حتى تسألوا، ولما لم ينكر عليهم عمر ولا أحد ممن كان بحضرته دلّ على أنّ فرضهم (ذلك)(٢) وابتداءهم لا عن مسألة محمود(٣). وهو قول مالك والكوفيين. قال الطحاوي: وفي قوله: ((وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ)) حجة لابن شبرمة في قوله: إنه من سمع رجلًا يقول لفلان: عندي كذا وكذا ولم يشهده الذي عليه لذلك على نفسه فلا يقبل؛ لأنه لعله أن يكون ذلك وديعة عنده، فليس بشيء، فأما أن يناقله الكلام فيقول: يا فلان ألا تعطيني كذا الذي [لي](٤) عندك: فقال: بل أنا معطيك فأنظرني. فيجوز أن یشهد علیه. والحجة عليه قوله: (((ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته)) قال إبراهيم: وكانوا ينهوننا ونحن غلمان أن نحلف بالشهادة والعهد). (١) زيادة يقتضيها السياق. (٢) في الأصل: (كذلك) والمثبت هو الصواب. (٣) ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٥٢-١٥٣. (٤) زيادة يقتضيها السياق. ٥٢٥ كِتَابُ الشِّهَادَاتِ === فدل أن الشهادة المذمومة هي المحلوف بها التي يجعلها الإنسان عادته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ولا خلاف بين العلماء أن من رأى رجلاً يقتل رجلًا أو يغصبه مالًا أنه يجوز أن يشهد به وإن لم يشهده الجاني بذلك على نفسه (١). فإن قلت فقوله: ( ((تسبق شهادة أحدهم .. ))) إلى آخره، يدل أن الشهادة والحلف عليها يبطلها؛ لأنه تهمة. قيل: لا خلاف بين العلماء أنه تجوز الشهادة والحلف عليها، وهو في كتاب الله في ثلاثة مواضع: ﴿وَيَسْتَنْغُونَكَ أَحَُّّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقٌ﴾ [يونس: ٥٣]، وقال: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَن لَّنْ يُعَثُواْ قُلْ بَى وَرَبِّ لَنُعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِى لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] إلا ما ذكره ابن شعبان في ((زاهيه)) قال: إذا شهد وحلف تسقط شهادته، ومن قال: أشهد بالله لفلان على كذا لم تقبل شهادته؛ لأنه حالف وليس بشاهد، والمعروف عن مالك غيره(٢)، وقال ابن التين: (قول إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد). يريد بذلك باليمين مع شهادته، وذلك على وجه الأدب. وعن ابن شعبان: إذا شهد وحلف تسقط شهادته؛ لأنه متهم إذا حلف. وقد تقدم، وزاد في باب: فضل أصحاب رسول الله وَّل عن إبراهيم. ونحن صغار(٣) أي: لم نبلغ حد النفقة، وإن كانوا بلغوا. وقيل: معناه إذا حلفنا بالعهد والشهادة لما لهما من تعظيم الحنث من الحلف بهما في القرآن في قوله: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةً قُلِ اللّهُ﴾. (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٥٨/٣، ٣٥٩. (٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣١/٨. (٣) سيأتي برقم (٣٦٥١) كتاب: المناقب. ٥٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اَللَّهَ﴾ .. ذكره ابن التين هناك. وقال ابن الجوزي في سبق شهادة أحدهم يمينه، معناه: أنهم لا يتورعون من أقوالهم، ويستهينون بالشهادة واليمين. تنبيهات : أحدها: هذه القرون أفضل من بعدها إلى يوم القيامة، وهي في أنفسها أيضًا متفاضلة على رتبة الحديث. وقال ابن الأنباري: معناه: خير الناس أهل قرني، حذف المضاف. وقد يسمى أهل العصر قرنًا؛ لاقترانهم في الوجود. قال القرطبي: وهو من الناس أهل زمن واحد، وهو ساكن الراء (١). ثانيها: وردت أحاديث ظاهرها يقضي لآخر هذِه الآمة على أولها، منها: حديث أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ عن النبيِ نَّهَ. فذكَرَ حديثًا فيه: ((فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصابر فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَى الجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرٍ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((لَا بَلْ أَجْرُ خَمْسِینَ رجلًا مِنْكُمْ)). أخرجه الترمذي، ثم قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ(٢). ومنها: ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: قال رسول الله وَالآن: ((ليدركنَّ المسيح من هذه الأمة أقوامًا إنَّهم لمثلكم أو خير ثلاث مرات، (١) ((المفهم)) ٦/ ٤٨٥-٤٨٦. (٢) الترمذي (٢٢٦٠)، والحاكم ٣٥٨/٤، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٩٥٧). ٥٢٧ كِتَابُ الشِّهَادَاتِ = ولن يُخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها))(١). ومنها: ما أخرجه أبو نعيم الحافظ من حديث حوشب بن عبد الكريم: ثنا حماد بن زيد، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله وَ له: وذكر آخر الزمان «المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر وأجره کأجر خَمْسِينَ)) قالوا: منا أو منهم يا رسول الله؟ قال: ((بَلْ مِنْكُمْ)). ومنها: ما أخرجه الحكيم الترمذي عن الفضل بن محمد الواسطي: ثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة الدمشقي: ثنا أبي: ثنا عبد الملك بن عقبة الأفريقي، عن أبي يونس -مولى أبي هريرة- عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله وَلّه: ((مثل أَمَّتي مثل حديقة قام عليها صاحبُها فأطعمت عامًا فوجًا ثم عامًا فوجًا، ولعلَّ آخرها ما يكون أجودها قنوًا وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق ليجدن ابن مريم في أمتي خلفًا مِنْ حواريه))(٢). ومنها: ما ذكره أبو نصر الوايلي في كتابه ((الإبانة)) من حديث رشدين عن عقيل، عن الزهري، عن كعب الحبر قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل على موسى أن في آخر الزمان بالإسكندرية شهداء يستشهدون في بطحائها، خيرَ من مضى وخير من بقي، وهم الذين يباهي الله بهم شهداء بدر. ومنها: ما ذكره أبو بكر التاريخي (٣) عن عبد الله بن أيوب المخرمي: (١) (مصنفه)) ٢١٢/٤ (١٩٣٣٧)، ٤١٤/٧ (٣٦٩٦٠). (٢) ((نوادر الأصول)) ص١٥٦. (٣) هو أبو بكر محمد بن عبد الملك التاريخي السراج البغدادي، كان فاضلا أديبًا، ولقب بالتاريخي لأنه كان يعنى بالتواريخ وجمعها. انظر: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٠٤/١. ٥٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثنا أبو سفيان الواسطي سعيد بن يحيى الحميدي: ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن ثور بن بريد قال: قال رسول الله وَله: ((خيرُ أمتي أولها وآخرها، وبين ذلك ثبج أعوج ليسوا منِّي ولستُ منهم)). وأما حديث: ((مثل أُمَّتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أو آخره)) فهو ضعيف، أخرجه أبو يعلى من رواية يوسف الصفار عن ثابت عن أنس مرفوعًا، ويوسف ضعيف بالاتفاق، كثير الوهم، منكر الحديث(١). قال النووي: ولو صح لكان معناه أن هذا يقع بعد نزول عيسى حتى تظهر البركة ويكثر الخير ويظهر الدين، بحيث يتشكك الرائي هل هؤلاء أفضل من أوائل الأمة أم الأوائل أفضل؟ وهذا مما يظهر للرائي، وإلا فأول الأمة أفضل في نفس الأمر، وهو قريب الشبه من قول الشاعر: أيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاء بين جلاجلِ وبين النَّقا هل أنتِ أمْ أمّ عامِر(٢)؟ معناه: لتقاربهما تشككت فيهما وإن كانت الظبية مخالفة لأم عامر، فحصل أنه لو صح لم يكن مخالفًا لحديث الباب، وحديث: ((ما من عام إلا والذي بعده شر منه))(٣). قلت: وقيل للزمان تقسيمات فربما وقع في أثنائه فاضلًا. (١) ((مسند أبي يعلى)) ٦/ ٣٨٠ (٣٧١٧). (٢) وقع في الأصل (أم سالم) وكتب فوقها عامر. والبيت لذي الرُّمَّة، وصوابه أم سالم كما في ((أدب الكاتب)) ص١٨٩، (الأغاني)) ٩/١٨، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) ص٣٥١. وورد في حاشية الأصل بخط سبط: (جلاجل بالفتح موضع، ويُروى بحاء يعني: بمهملة مضمومة). (٣) سيأتي برقم (٧٠٦٨) كتاب: الفتن، باب: لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه. ٥٢٩ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = ١٠ - باب مَا قِيلَ في شَهَادَةِ الزَّورِ لِقَوْلِهِ وَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةً وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ وَ ءَائِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ﴿تَلْوُرأْ﴾ [النساء: ١٣٥] أَلْسِنَكُمْ بِالشَّهَادَةِ. ٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ الَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ونَ عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ)). تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةً. [٥٩٧٧، ٦٨٧١ - مسلم: ٨٨ - فتح: ٢٦١/٥] ٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَلَا أَنَبِّكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟)). ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِثًا فَقَالَ: ((أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ)). قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجَرَئِرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ. [٥٩٧٦، ٦٢٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩ - مسلم: ٨٧ - فتح: ٢٦١/٥] ثم ساق بإسناده فقال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ المَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنَسٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ بَّهَ عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: ((الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ)). تَابَعَهُ غُنْدَرٌ وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ. ٥٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، ثَنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَِّيُّ ◌َرِ: ((أَا أُنَبَتْكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟». ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَىْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((الإِشْرَاُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ)). وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: ((أَا وَقَوْلُ الزُّورِ)). قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ثَنَا الجُرَيْرِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. الشرح : فيه عظم شهادة الزور، وأنها من أكبر الكبائر، وعبارة ابن بطال في حديث أبي بكرة أنها أكبر الكبائر، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله، وقرأ عبد الله: ﴿فَاجْتَكِبُواْ الْرّحْسَ مِنَ اُلْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾(١) [الحج: ٣٠]. واختلف في شاهد الزور إذا تاب، فقال مالك: يقبل الله توبته وشهادته، كشارب الخمر. وعن عبد الملك: لا يقبل كالزنديق. وقال أشهب: إنْ أَقَرَّ بذلك لم تُقْبل توبته أبدًا. وعند أبي حنيفة: إذا ظهرت توبتُهُ يجب قَبول شهادته إذا أتى على ذلك مدة يظهر في مثلها توبته (٢). وهو قول الشافعي وأبي ثور، وعن مالك أيضًا: كيف يؤمن هذا، لا والله. (١) (مصنف عبد الرزاق)) ٣٢٧/٨ (١٥٣٩٥)، ((مصنف بن أبي شيبة)) ٥٥٠/٤ (٢٣٠٢٨) وانظر: (٢) انظر: ((المبسوط)) ١٧٨/١٦، ((الجوهرة النيرة)) ٢٣٦/٢-٢٣٧. ٥٣١ = ڪِتَابُ الشّهَادَاتِ قال ابن المنذر: وقول أبي حنيفة ومن تبعه أصح. وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه لا تقبل شهادته أبدًا، وإن تاب وحسنت توبته؛ أتباعًا لعمر(١). واختلف هل يؤدب إذا أقر، فعن عمر بن الخطاب بسند ضعيف، أخرجه ابن أبي شيبة أنه أقام شاهد الزور عشية في إزار ينكت نفسه (٢). وفي لفظ بإسناد جيد: ألا يؤسرنَّ أحد في الإسلام بشهود الزور؛ فإنَّا لا نقبل إلا بالعدول(٣). وعن شريح أنه كان يبعث بشاهد الزور إلى قومِهِ أو إلى سُوقِهِ إن كان مولى: إنَّا قد زيفنا شهادة هذا، ويكتب اسمه عنده، ويضربه خفقات، وينزع عمامته عن رأسه (٤). وعن الجعد بن ذكوان، أن شريحًا ضرب شاهد الزور عشرين سوطًا، ذكره التاريخي، وعن عمر بن عبد العزيز أنه أتهم قومًا على هلال رمضان فضربهم سبعينَ سَوْطًا وأبطل شهادتهم، وعن الزهري: شاهد الزور يعزر. وقال الحسن: یضرب شيئًا ویقال للناس: إن هذا شاهد زور. وقال الشعبي: يضرب ما دون الأربعين: خمسة وثلاثين، سبعة وثلاثين سوطًا (٥). (١) أنظر: ((المدونة)) ٧٤/٤. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٥٥٠ (٢٣٠٣٣). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٥٥٠ (٢٣٠٣٠). (٤) عبارة المصنف منتزعة من ثلاثة آثار رواها ابن أبي شيبة ٤/ ٥٥٠ (٢٣٠٣٤- ٢٣٠٣٦). (٥) أنظر هذه الآثار في ابن أبي شيبة ٤/ ٥٥٠-٥٥١. ٥٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وفي ابن بطال عنه: يشهر ولا يعزر. قال: وهو قول أبي حنيفة(١). وفي كتاب ((القضاء)) لأبي عبيد القاسم بن سلام، عن معمر أن رسول الله ◌َ﴾ رد شهادة رجل في كذبة كذبها. وأسنده أبو سعيد النقاش محمد بن علي في كتاب ((الشهود)) عن عبد الرحمن بن محمد السجزي: ثنا علي بن محمد الجوهري: ثنا أحمد بن سعيد الهاشمي: ثنا عمرو بن زياد: ثنا نوح بن أبي مريم، عن إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره بلفظ: كذبة (٢) واحدة كذبها(٢). ومن حديث معمر عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وفي ((الإشراف)) كان سوار يأمر به يُلَبَّبُ بثوبه ويقول لبعض أعوانه: اذهبوا به إلى مسجد الجامع فدوروا به على الخلق، وهو ينادي: من رآني فلا يشهد بزور. وكان النعمان يرى أن يُبعث به إلى سوقه إن كان سوقيًّا أو إلى مسجد قومه. ويقول: القاضي يُقرئكم السلام، ويقول: إنَّا وجدنا هذا شاهدَ زورٍ فاحذَروه وحذَّرُوه الناسَ، ولا يرىُ عليه تعزیرًا. وعن مالك: أرى أن يفضح ويعلن به ويوقف، وأرى أن يضرب (٣) ويشار به (٣). (١) ((شرح ابن بطال)) ٣٢/٨. (٢) ورد بهامش الأصل: وروى هذا الحديث ابن أبي الدنيا في ((الصمت)) من رواية موسى بن شيبة مرسلا، وموسی روی معمر عنه مناکیر، قاله أحمد بن حنبل.انتھی. قلت: هو في کتاب (الصمت)) ص٢٤٢. (٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٨٩/٨. ٥٣٣ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وقال أحمد وإسحاق: يقام للناس ويغل ويؤدب(١). وقال أبو ثور: يعاقب. وقال الشافعي: يعزر ولا يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا، ويشهر (٢) بأمره(٢). وعن عمر بن الخطاب أنه حبسه يومًا وخلى عنه(٣) . وذكر عبد الرزاق عن مكحول، عن الوليد بن أبي مالك أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله بالشام فيه أن يجلد أربعين ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه. ورواية أخرى عنه أنه أمر أن يُسَخّم وجهه وتلقى عمامته في عنقه ويطاف عليه في القبائل ويقال: شاهد زور ولا تقبل شهادته أبدًا. وروى ابن وهب عن مالك أنه يجلد ويطاف ويشنع به(٤)، وقال ابن أبي ليلى: يعزره. وفي رواية عنه: يضرب خمسة وسبعين سوطًا ولا يبعث به. وعن الأوزاعي: إذا كانا أثنين وشهدا على طلاق ففرق بينهما ثم أكذبا أنفسهما أنهما يضربان مائة مائة ويغرمان للزوج الصداق، وعن القاسم وسالم: شاهد الزور يحبس ويخفق سبع خفقات بعد العصر وینادی عليه. (١) ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) ٣٨٥/٢ (٢٨٩٦). (٢) ((مختصر المزني)) ٢٤٦/٥. (٣) ((مسند ابن الجعد)) ٣٣١/١ (٢٢٦٩)، البيهقي ١٤١/١٠ (٢٠٤٩١)، وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٨١/٤: عاصم فيه لين. (٤) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٨٩/٨. ٥٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وعن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنه أمر بحلق أنصاف رءوسهم وتسخيم وجوههم ويطاف بهم في الأسواق(١). ونقل ابن بطال التعزير عن أبي يوسف ومحمد (٢)، وقال الطحاوي: شهادة الزور فسق ومن فسق، رجلًا عذر، فوجود الفسق منه أولى أن يستحق به التعزير، ولا يختلف أن من فسق بغير شهادة الزور أن توبته مقبولة، وشهادته بعدها كذلك شاهد زور(٣). (١) أنظر: ((المغني)) ١٤/ ٢٦١. (٢) ((شرح ابن بطال)) ٣٢/٨. (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٦٠/٣. ٥٣٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ١١ - باب شَهَادَةِ الأَعْمَى، وَأَمْرِهِ، وَنِكَاحِهِ، وَإِنْكَاحِهِ، وَمُبَايَعَتِهِ، وَقَبُولِهِ في التَّأْذِينِ وَغَيْهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِالأَصْوَاتِ وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَقَالَ الحَكَمُ : رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابن عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابن عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًّا، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ أَفْطَرَ، وَيَسْأَلُ عَنِ الفَجْرِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: طَلَعَ. صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي، قَالَتْ: سُلَيْمَانُ، أَدْخُلْ، فَإِنَّكَ مَمْلُوكُ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبِ شَهَادَةَ أَمْرَأَةٍ مُنْتَقِيَةٍ. ٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ وََّ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((رَحِمَهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةٍ كَذَا وَكَذَا)). وَزَادَ عَبَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ◌َّهَ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هذا؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَرْحَمْ عَبَّادًا)). [٥٠٣٧، ٥٠٣٨، ٥٠٤٢، ٦٣٣٥ - مسلم: ٧٨٨ - فتح: ٢٦٤/٥] ٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَة: ((إِنَّ بِلَالاَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ)) أَوْ قَالَ: ((حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ)). ٥٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وَكَانَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ. [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٢٦٤/٥] ٢٦٥٧ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَخْيَى، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ اِشْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ـها الله أَقْبِيَةٌ، فَقَالَ لِي أَبِي ◌َخْرَمَةُ: أَنْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا. فَقَامَ أَبِي عَلَى البَابِ فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ ◌َلّهِ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ نَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولَ: ((خَبَأْتُ هذا لَكَ، خَبَأْتُ هذا لَكَ)). [انظر: ٢٥٩٩ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح: ٢٦٤/٥] ثم ساق ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َِل ء رَجُلًا يَقْرَأُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((رَحِمَهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا)). وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هذا؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَرْحَمْ عَبَّادًا)). ثانيها: حديث ابن عمر: ((إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلِ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ .. )) الحديث وقد سلف في بابه: وَكَانَ ابن أُمِّ مَكْتُوم رَجُلًا أَعْمَىُ، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ. ثالثها: حديث المِسْوَر في القَباءِ، وقد سلف. وفيه: فَعَرَفَ النَّبِيُّ : صَوْتَهُ. وَسَّلم الشرح : التعاليق الأول: خلا عطاء، ذكرها أبو بكر بن أبي شيبة فقال: حدثنا معاذ بن معاذ عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين، قالا : ٥٣٧ كِتَابُ الشّهَادَاتِ شهادة الأعمى جائزة. وحدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري أنه کان یجیز شهادة الأعمى. وحدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد سألتُ الحكم بن عتيبة فقلتُ: إنَّ القاسم بن محمد سُئل عن الأعمى فقال: تجوزُ شهادتُه ويَؤُم القومَ، فقال وما يمنعه أن يؤم ويشهد! وحدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن قال: لا تجوز شهادة الأعمى إلا أن يكون شيئًا قد رآه قبل أن يذهب بصره(١). وقال أبو محمد ابن حزم: صح عن عطاء أنه أجاز شهادة الأعمى (٢). وأثر الشعبي رواه أبو بكر - يعني: ابن أبي شيبة(٣) - عن وكيع عن الحسن بن صالح وإسرائيل عن عيسى بن أبي عزة عنه أنه أجاز (٤) شهادته(٤). وأثر الحكم رواه أيضًا، عن ابن مهدي، عن شعبة، سألت الحكم، عن شهادة الأعمى فقال: رب شيء تجوز فيه. يريد إذا كان شيء يعلم بالصوت أو اللمس أو نحوه، واحتجاج الزهري بابن عباس؛ لأنه كُفَّ بصره في آخر عمره كأبيه وجده، وكذا ابن عمر وأبو قحافة وأبو حميد الساعدي، وغير واحد من التابعين منهم: عبد الله بن عبد الحكم وأبو بكر بن عبد الرحمن، ذكره ابن التين. (١) أنظر هذِه الآثار في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٥٧/٤. (٢) ((المحلى)) ٤٣٣/٩. (٣) كذا في (الأصل) بين الأسطر. (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٣٥٧ (٢٠٩٥٠). ٥٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وتعليق عائشة سلف في المكاتب(١)، وأثر سمرة ورد حديث يخالفه أخرجه ابن منده في كتاب ((الصحابة)) أنه وَ * كلمته أمرأة وهي منتقبة فقال: ((أسفري؛ فإنَّ الإسفار من الإيمان))(٢) وقوله في حديث مخرمة: تَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ بَّهِ صَوْتَهُ فخرج، وقال في رواية أخرى: أمرني أبي فدخلتُ على رسولِ الله وَّر، فلعله دخل ولقي رسول الله وَّ خارجًا لصوت مخرمة. والتهجد: الصلاة بالليل وإن قَلّت، وقيل: إنه السهر (٣). وعباد: هو ابن بشر من كبار الأنصار، وهو أحد صاحبي القضاء، كما نبه عليه ابن التين. واعترض الإِسْمَاعِيلِيّ فقال: ليس في جميع ما ذكره دلالة على قبول شهادة الأعمى فيما يحتاج إلى إثبات الأعيان. فأما ما ذكره في نكاحه فهو ضرورة الأعمى في نفسه لا لغيره فيه، وما رواه في التأذين فقد أخبر أنه كان لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقالُ لَهُ: أَصْبَحْتَ، وكفى بخبر الشارع عنه شاهدًا له بأنه لا يُؤذِّن حتى يُصبح، فلو قال القَيْئل لمن قال: إنه صادق فيما يقول كان مصدقًا. (١) سلف قبل رقم (٢٥٦٤) باب: بيع المكاتب إذا رضي. (٢) رواه ابن منده وأبو نعيم كما في ((أسد الغابة)) ٧/ ٢٧٢ عن قريبة بنت منيعة عن أمها أنها جاءت إلى رسول الله وَ ﴿ فقالت: يا رسول الله: النار النار، فقال: ((ما نجواك؟)) فأخبرته بأمرها وهي منتقبة، فقال: ((يا أمة الله أسفري؛ فإن الإسفار من الإسلام وإن النقاب من الفجور)). قال الألباني في ((الضعيفة)) (٥٣٠١). هذا متن منكر، وإسناد مظلم، قريبة هذِه لم أجد أحدًا ترجمها، بل إن أمها منيعة لا تعرف إلا من طريقها. اهـ (٣) ((الصحاح)) ٢/ ٥٥٥ (هجد). ٥٣٩ - كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وما قاله عن الزهري في ابن عباس فإنما هو تَهْوِيلٌ لا أحتجاج، أترىْ لَوْ شَهِدَ ابن عباس لأبيه أو لابنه أو لمملوكه أكانت تُقْبل شهادتُه؟ وكان أفقه من أن يشهد فيما لا يجوزُ قبول شهادته فيه، وما ذكره من سماعه التّ قراءة رجل بيان أنَّ كلَّ صائتٍ وإن لم يُرَ مصوته يُعرف بصوته؛ لأنه إنما ترخَّمَ عليه، (فإذ كان إِيَّاهُ كان نسي أو أسقط)(١)؛ إلا أنه شهد أنه فلان. وما ذكره من قصةِ مَخْرَمة فإنما يريدُ محاسن الثوب مسًّا لا إبصارًا له بالعين. ثم قال(٢): هذا شيء لا يتعداه إلى غيره؛ لأنه لا ضرر على غيره منه، ومن معرفته ثوب يوهب له أو جهله، والشهادة بشيء احتيج إليها؛ لأجل الحق بها من العين، وهي البصراء، مندوحة عن الأضواء، وما لابد للأعمى منه في نفسه فهو مضطر إليه لا سبيل إلى تكليفه فيه غير الممكن، ومن حيث تعلم قلة اشتباه الأصوات والتباسها علينا في الكثير من الناس، كذلك تعلم قلة الأشتباه من الصوت حيث يلتبس على المبصر إلا نادرًا دليل على الشهادات المأخوذ منها بالتثبت مخالفة لما يجري على السهولة، وقد يأذن الصغير والضرير على الإنسان في داره ثم لا تُقبل شهادة الصغير، وكذلك الضرير. هذا آخر كلامه، وما حكاه البخاري عن جماعات استفتح بهم الباب شاهد له، وكذا معرفة عائشة صوت سليمان؛ لأنها لم تره (حالتئذٍ)(٣)، وابن أم مكتوم وإن كان لا ينادي حتى يقال له: أصبحت. (١) كذا في الأصول، ولم يتضح لنا معناها، والله أعلم. (٢) أي: الإسماعيلي. (٣) رسمت في الأصل: (حالة إذنٍ). ٥٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = فمن سمع بلالًا فقد اعتمد على صوته في الأكل والشرب، وبعث ابن عباس الرجل ظاهر في الاعتماد عليه، واكتفى بخبر الواحد مع قرائن الأحوال، كما نبه عليه ابن المنير، ولعل البخاري يشير بحديث ابن عباس إلى شهادة الأعمى على التعريف أي: تعرف أن هذا فلان فإذا عرف شهد، وشهادة التعريف مختلف فيها عند مالك، وكذلك البصير إذا لم يعرف نسب الشخص يعرفه نسبه من يثق به، فهل يشهد على فلان بن فلان بنسبه أو لا مختلف فيه أيضًا (١). وقد اختلف العلماء في شهادة الأعمى فأجازها سوى من ذكره البخاري مالك والليث، فيما طريقه الصوت، وسواء علم ذلك قبل العمى أو بعده، قال مالك: وإن شهد على زنا حُدّ للقذف ولم تقبل شهادته(٢)، وقال النخعي وابن أبي ليلى: إذا علمه قبل العمى جازت، وما علمه في حال العمى لم يجز، وهو قول أبي يوسف والشافعي (٣). قلتُ: ويجوزُ عندنا فيما إذا قاله في إذنه وتعلَّقَ به وشهد عند قاضٍ، وفي الأستفاضة والترجمة، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تجوزُ شهادتُهُ (٤) بحالٍ (٤). حجةُ المجيزِ: سماعه التَّ صوتَ عبادٍ ودعا له، وسمع صوتَ مَخْرَمة من بيته فعرِفَه، وكذلك عرفان عائشة صوت سليمان. (١) ((المتواري)) ص٣٠٨. (٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٤/٨. (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٦/٣. (٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٦/٣، ((الأم)) ٤٢/٧.