Indexed OCR Text
Pages 461-480
C ٥٢- كَابُ السَّهَادَاتِ الشهادة: الإخبار بما شوهد، مأخوذ من الشهود والحضور أو من الإعلام. وهذا الكتاب أخره ابن بطال إلى ما بعد النفقات(١)، وقدم عليه الأنكحة والذي في الأصول والشروح، كشرح ابن التين وشيوخنا ما فعلناه. ١ - باب مَا جَاءَ في البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقَوْل الله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. [فتح: ٢٤٧/٥] معنى ﴿تَدَايَنتُمْ﴾: تعاملتم، ﴿فَكْتُبُوهُ﴾: أمر ندب، وقيل: فرض ﴿وَلْيَكْتُب﴾: هو فرض كفاية على الكاتب، أو واجب في حال فراغه، أو ندب، أو فَرْض نسخ بقوله: ﴿وَلَا يُضَارِّ كَاتِبٌ﴾ أقوال. (١) ((شرح ابن بطال)) ٥/٨. ٤٦٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ﴿وَلَا يَبْخَسْ﴾: لا ينقص ﴿سَفِيهًا﴾: لا يعرف الصواب في إملاء ما عليه أو الطفل أو المرأة أو الصبي أو المبذر لماله المفسد لدينه أو ضعيفًا أحمق أو عاجز عن الإملاء لعياء أو خرس ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ﴾: لعيه وخرسه أو لجنونه أو لحبسه أو غيبته. ﴿وَلِيُّهُ﴾ ولي الحق أو ولي من عليه الدين و﴿وَأَسْتَشْهِدُوا﴾: ندب أو فرض كفاية. ﴿تَرْضَوْنَ﴾ الأحرار المسلمون العدول، أو المسلمون العدول، وإن كانوا أرقاء. ﴿تَذْكُرُ﴾: من الذكر، أو يجعلها كذكر من الرجال. ﴿دُعُواْ﴾: لعملها أو كتابتها أو لأدائها أو لهما، وذلك ندب أو فرض كفاية أو عين. ﴿وَلَا تَسْمُواْ﴾: لا تملوا ﴿صَغِيرًا﴾: لا يراد به التافه الحقير كالدانق بخروجه عن العرف ﴿أَقْسَطُ﴾: أعدل وأقوم وأصح، من الاستقامة. ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾: فرض أو ندب ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ بأن يكتب ما لم يملل ولا يشهد الشاهد بما لم يستشهد، ويمنع الكاتب أن يكتب والشاهد أن يشهد، أو يدعيان وهما مشغولان ﴿فُسُوقَ﴾ معصية أو كذب. وأما الآية الثانية: فالقسط: العدل، ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ ناطق ولو على أنفسكم بالإقرار، ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى﴾. اختصم إلى رسول الله وَّل غني وفقير، فكان ◌َّيّ مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت، أو نزلت في الشهادة لهم وعليهم(١). (١) ((أسباب النزول)) للواحدي ص١٨٨ سورة النساء. ٤٦٣ ڪِتَابُ الشَّهَادَاتِ = ﴿وَإِن تَلْوُوا﴾ أمور الناس: تتركوا خطاب الولاة والحكام ﴿تَلْوُرأْ﴾: من لي اللسان بالشهادة، فيكون الخطاب للشهود أو للمنافقين. قال إسماعيل: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يدل أن القول قول من عليه الشيء. قال غيره: لأن الله تعالى حين أمره بالإملاء أقتضى تصديقه فيما يمليه، فإذا كان مصدقًا فالبينة على مدعي تكذيبه. وأما الآية الأخرى: فوجه الدلالة منها أن الله قد أخذ عليه أن يقر بالحق على نفسه وأقربائه لمن أدعاه عليهم، فدل أن القول قول المدعى عليه، فإن أكذبه المدعي كان على المدعي إقامة البينة، والإجماع قائم على ذلك أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه في الأموال، إلا ما خصت به القسامة. وسيأتي من حديث ابن عباس: ((البينة على المدعي واليمين على من أدعي عليه))، وهو من المتفق عليه(١). واختلفوا في صفة يمين المدعى عليه في الحدود والنكاح والطلاق والعتق على ما يأتي بعد هذا في بابه إن شاء الله. قال ابن المنير: وجه الاستدلال بالآية على الترجمة أن المدعي لو كان مصدقًا بلا بينة لم تكن حاجة إلى الإشهاد ولا إلى كتابة الحقوق وإملائها، فالإرشاد على ذلك يدل على إيجاب البينة(٢). (١) سيأتي برقم (٤٥٥٢) كتاب: التفسير، باب: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم، ورواه مسلم (١٧١١) كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه. (٢) ((المتواري)) ٣٠٣. ٤٦٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٢ - باب إِذَا عَذَّلَ رجلٌ رجلًا فَقَالَ: لَ نَعْلَمُ إِلََّّ خَيَّا أَوْ: مَا عَلِمْتُ إِلَّ خَيْرًّا ٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَثِرِيُّ حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَبِي عُزْوَةُ، وَابْنُ المُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها - وَبَغْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَغْضًا - حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ،َـَ عَلِيًّا وَأُسَامَةً حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّ خَيْرًا. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِيْنِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَةِ: (مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي، فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا)). [انظر: ٢٥٩٣ - مسلم: ٢٧٧٠ - فتح: ٢٤٨/٥] ساق حديث الإفك حيثُ قال النَّبي ◌َّةِ الأُسَامَةَ، فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا. وَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رَجُلِ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا». وقد اختلف العلماء في قول المسئول عن التزكية: ما أعلمُ إلا خيرًا. فذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان إذا أنعم مدح الرجل قال: ما علمنا إلا خيرًا. وذكر الطحاوي، عن أبي يوسف أنه إذا قال ذلك قبلت شهادته ولم يذكر خلافًا عن الكوفيين(١)، واحتجوا بالحديث. (١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٣٢/٣. ٤٦٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وقال محمد بن سعيد الترمذي: سألني عبد الرحمن بن إسحاق عن رجل شهد عنده فزكيته له فقال لي: هل تعلم منه إلا خيرًا؛ فقلت: اللهم غَفْرًا، قد أعلم منه غير الخير، ولا تسقط بذلك عدالته. يُلْقِي كناسَتُهُ في الطريق، وليس ذلك من الخير. فسكت. وروى ابن القاسم عن مالك أنه أنكر أن يكون قوله: (لا أعلمُ إلا خيرًا) تزكية. وقال: لا يكون تزكية؛ حتى يقول: رضي وأراه عدلًا(١). وذكر المزني عن الشافعي قال: لا يقبل في التعديل إلا أن يقول: عدل على ولي(٢). ثم لا يقبله حتى يسأله عن معرفته، فإن كانت باطنة متقدمة وإلا لم يقبل ذلك. قلت: الأصح عندنا أنه يكفي هو عدل، ولا يشترط علي ولي(٣). حجة مالك أنه قد لا يعلم منه إلا الخير ويعلم غيره منه غير الخير، مما يجب رد شهادته فيجب أن يقول: أعلمه عدلًا رضَى؛ لأن الوصف الذي أمر الله بقبول شهادة الشاهد معه بقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فيجب أن يجمع الشاهد العدالة والرضا. وأما قول أسامة السالف، فإنه كان في عصره القيا الذين شهد الله لهم بأنهم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فكانت الجرحة فيهم شاذة نادرة؛ لأنهم كانوا كلهم على العدالة، فتعديلهم أن يقال: لا أعلم إلا خيرًا. (١) أنظر: ((المنتقى)) ١٩٦/٥. (٣) أنظر: ((العزيز)) ١٢ / ٥٠٧. (٢) ((مختصر المزني)) ٢٤٣/٥. ٤٦٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == نَّه عليه المهلب قال: وأما اليوم فالجرحة أعم في الناس، فليست لهم شهادة من كتاب الله ولا سنة رسوله بعدالة مستولية على جميعهم فافترقا(١). وقال ابن التين: وقع ذلك في الحديث؛ لبراءة عائشة، وأنهم لم يعلموا سوءًا، فلا يجزئ ذلك التعديل. فائدة: (أَغْمِصُهُ) في قول بريرة، وفيه دليل على من أتهم في دينه بأمر أنه يطلب في سائر أحواله نظير ما أتهم به، فإن لم يوجد له نظير لم يصدق عليه ما أتهم فيه، وإن وجد كذلك نظير قويت الشبهة وحكم عليه بالتهمة في أغلب الحال لا في (العبث)(٢). (١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٨/ ٧. (٢) كذا في الأصل، والذي في ابن بطال ٧/٨: الغيب. ٤٦٧ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = ٣ - باب شَهَادَةِ المُخْتَبِي وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الفَاجِرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيْءٍ، ولكني سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا. ٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالَمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَنْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ وَأُبُّ بْنُ كَغْبٍ الأَنَّصَارِيُّ يَؤْمَّانِ النَّخْلَ التِي فِيهَا ابن صَيَّدٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ إِلَ طَفِقَ رَسُولُ اللهِ نَّه يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابنِ صَيَّدٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّدٍ مُضْطَجِعْ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ - أَوْ زَمْزَمَةٌ - فَرَأَتْ أُّ ابن صَيَّدِ النَّبِيَّ ◌ََّ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لائْنِ صَيَّادِ: أَيْ صَافِ، هذا مُحَمَّدٌ. فَتَنَاهَى ابن صَيَّادٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((لَوْ تَرَكَتْهُ بَّنَ)). [انظر: ١٣٥٥ - مسلم: ٢٩٣١ - فتح: ٢٤٩/٥] ٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: جَاءَتِ أَمْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ النَّبِيَّ وَلَ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي فَأَبَثَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُذْبَةٍ الثَّوْبِ. فَقَالَ: ((أَتْرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ)). وَأَبُو بَكْرِ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِه مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ؟ [٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤ - مسلم: ١٤٣٣ - فتح: ٢٤٩/٥] ثم ذكر حديث ابن عمر في قصة ابن صيَّاد: وطَفِقَ رَسُولُ اللهِ وَله يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ ٤٦٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - يَرَاهُ، .. الحديث. وقد سلف في الجنائز(١)، وعلقه في الاحتيال من كتاب الجهاد(٢). وحديث عائشة في أمْرَأَةِ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ، وفي آخره: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هُذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رسولِ اللهِ وَ؟. والتعليق الأول رواه البيهقي من حديث سعيد بن منصور: ثنا هشيم أنا الشيباني عن محمد بن عبد الله الثقفي أن عمرو بن حريث كان يجيز شهادته، يعني: المختبي ويقول: كذا يفعل بالخائن والفاجر (٣). وتعليق الشعبي رواه ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مطرف عنه، وعن عبيدة عن إبراهيم قالا(٤): شهادة السمع جائزة. وحدثنا عبيدة، عن بيان بن بشر قال: كان الشعبي لا يجيز شهادة المختبئ. وأثر الحسن: رواه ابن أبي شيبة، عن حاتم بن وردان، عن يونس، عن الحسن قال: لو أن رجلًا سمع من قوم شيئًا فإنه يأتي القاضي، فيقول: لم يشهدوني ولكني سمعت كذا وكذا. وفي رواية الحسن بن فرات، عن أبيه أن شريحًا أجازها، وفي رواية الشيباني، عن الشعبي عنه أنه كان لا يجيزها(٥). وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٦). - (١) برقم (١٣٥٥). (٢) سيأتي برقم (٣٠٣٣). (٣) ((السنن الكبرى)) ٢٥١/١٠. (٤) أي الشعبي وإبراهيم. (٥) أنظر هذه الآثار في ابن أبي شيبة ٤١٣/٤-٤٣٢. (٦) مسلم برقم (١٤٣٣) كتاب: الطلاق، باب: لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره .. ٤٦٩ = كِتَابُ الشَّهَادَاتِ إذا تقرر ذلك: فاختلف العلماء في شهادة المختبي، فروي عن شريح والشعبي(١) والنخعي أنهم كانوا لا يجيزونها وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختبأ ممن يشهد عليه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي أي: في القديم دون الجديد(٢). وذكر الطحاوي في ((المختصر)) قال: جائز للرجل أن يشهد بما سمع؛ إذا كان معاينًا لمن سمعه منه وإن لم يشهده على ذلك(٣)، قال الشافعيُّ في ((الكتاب الكبير)) للمزني: العلم من وجوه ثلاثة: ما عاينه فشهد به، وما تظاهرت به الأخبار وثبت موقعه في القلوب، وشهادة ما أثبته سمعا إثبات بصر من المشهود عليه؛ لذلك قلنا: لا تجوز شهادة الأعمى (٤). وأجاز شهادة المختبئ ابن أبي ليلى ومالك وأحمد وإسحاق، إلا أن مالكًا لا يجيزها إلا على صحةِ ألا يكون المقر مختدعًا ومقررًا على حق، لا يقوله بالبراءة والمخرج منه ومثله من وجوه الحيل(٥)، فروى ابن وهب، عن مالك في رجل أدخل رجلين بيتًا وأمرهما أن يحفظا ما سمعا، وقعد برجل من وراء البيت حتى أقر له بما له عليه، فشهدا عليه بذلك فقال: أما الرجل الضعيف أو الخائف أو المخدوع الذي يخاف أن يستجهل أو يستضعف إذا شهد عليه، فلا أرى ذلك يثبت عليه، وليحلف أنه ما أقر له بذلك، إلا لما يذكر. (١) رواهما عبد الرزاق ٣٥٥/٨-٣٥٦، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٣٢ (٢١٧٧٠، ٢١٧٧١). (٢) أنظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٣٤٥/١٤. (٣) ((مختصر الطحاوي)) ص٣٣٦. (٤) ((مختصر المزني)) ٢٤٩/٥. (٥) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٩/٨، ((المغني)) ٢١١/١٤. ٤٧٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وأما الرجلُ الذي ليس على ما وصفت وعسى أن يقول في خلوته: أنا أقر لك خاليًا ولا أقر لك عند البينة، فإنه يثبت ذلك عليه(١). وهذا معنى قول ابن حريث: (وكذلك يفعل بالفاجر الخائن)، وقال ابن التين: المذهب أنه إن أقر آمنًا غير خائف جازت شهادة المختبئ، وإن كان خائفًا لم تجز، وقيل: لا تجوز شهادته في غير المذهب. واحتج مالك في ((العتبية)) بشهادة المختبئ قال: إذا شهد الرجل على المرأة من وراء الستر وعرفها وعرف صوتها وأثبتها قبل ذلك، فشهادته جائزة عليها، قال: وقد كان الناسُ يدخلونَ على أُمهاتِ المؤمنين وبينهم حجاب، فيسمعونَ منهن، ويحدِّثون عنهنَّ(٢). وقد سأل أبو بكر بن عبد الرحمن وأبوه عائشة وأم سلمة من وراء حجاب، ثم أخبرا عنهما. قال المهلب: وفي حديث ابن عمر من الفقه: جواز الاحتيال على المشتهرين بالفسق وجحود الحقوق، بأن يختفي لهم حتى يسمع منهم ما يستسرون به من الحق ويحكم به عليهم، ولكن بعد أن يفهم عنهم فهمًا حسنًا لقوله وَّهِ: (لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). وهذا حجة لمالك، وكذا في حديث رفاعة جواز الشهادة على غير الحاضر من وراء الباب والستر؛ لأن خالد بن سعيد سمع قولها عند رسول الله ◌َلل وهو من وراء الباب، ثم أنكره عليها بحضرته وحضرة أبي بكر حين دخل إليهما، ولم ينكر ذلك عليه. (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥٨/٨. (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥٩/٨. ٤٧١ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = ومن الحجة أيضًا في ذلك: أن المعرفة بصوت زيد تقع كما تقع بشخصه، وذلك إذا كان قد عرف صوته وتكرر، فجائز له أن يشهد كما يجوز للأعمى أن يشهد على الصوت الذي يسمعه إذا عرفه. قال المهلب: وفيه إنكار الهجر من القول، إلا أن يكون في حق لابد له من البيان عند الحاكم، وفي الحكم بين الزوجين، فحينئذ يجوز أن یتکلم به. تنبيهات : أحدها: قول الشعبي وغيره: (السمع شهادة). قد فسره ابن أبي ليلى قال: السمع سمعان إذا قال: سمعت فلانًا يقر على نفسه بكذا، أجزته، وإذا قال: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا، لم أجزه(١). وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق والجمهور، وليس معنى [ذلك](٢) أن شهادة المختبئ جائزة؛ لأن القائلين ذلك لا يجيزونها. وقال ابن المنذر: قال النخعي والشعبي: السمع شهادة. وأبيا أن (٣) يجيزا شهادة المختبئ . قال الداودي: ما ذكره الشعبي وغيره صواب. وقد قال مالك في الرجل يسمع الرجلين يتكلمان في الشيء أنه لا يشهد، قال ابن القاسم: إلا أن يعلم أول الكلام وآخره. وقال: إلا أن يكون قذفًا فليشهد إن سمعه معه غيره(٤). (١) أنظر ((المدونة)) ٨٨/٤. (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠/٨. (٤) انظر: ((المدونة)) ٨٨/٤ ٤٧٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقال أشهب: هُذِه الرواية فيها وهم، وليشهد بما سمع من إقرار، أو غصب، أو حد، ولا يكتمها، فإن لم يعلم من هي فعليه أن يعلمه(١). وقول أشهب هذا مثل قول الحسن يقول: لم يشهدوني ولكني سمعت کذا. ثانيها: أسلفنا شرح حديث ابن صياد في باب إذا أسلم الصبي، من (٢) الجنائز(٢). وقوله: (له فيها رمرمة). قال ثابت: يقال: ترمرم الرجل إذا حرك فاه للكلام ولم يتكلم. وقال الخطابي: قد يكون ترمرم: تحركت مرمته بالصوت(٣). وقال صاحب ((الأفعال)): الزمزمة: كلام لا يفهم(٤). وقال أبو حنيفة: الزمزمة: الرعد ما لم يعل أو يفصح، فقد زمزم السحاب، وهو سحاب زمزام إذا كثرت زمزمته. (يؤمان النخل): يقصدانها والختل: الخدع، فكأنه ينختل أنه يسمع كلامه، وهو لا يشعر. ثالثها: حديث رِفاعة، أخرنا الكلام عليه للنكاح، فإنه موضعه. وقولها: (فطلقني فَأَبَتَّ طلاقي). كذا بخط الدمياطي(٥) والذي (١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥٦/٨-٢٥٧. (٢) سلف برقم (١٣٥٥). (٣) ((أعلام الحديث)) ٧٠٨/١-٧٠٩. (٤) ((الأفعال)) لابن القطاع ١١١/٢ مادة: (زمزم). (٥) ورد في هامش الأصل: (وكما في أصل الدمياطي في نسختي: وهي لغة يقال معه : بتها وأبتها، كذا في ((المطالع)) وقد صرح بهما الزجاج في كتاب: ((فعلتُ وأفعلتُ)). ٤٧٣ = كِتَابُ الشّهَادَاتِ نحفظه: فبتَّ، والزبير: بفتح الزاي، وهُذْبَة الثَّوْبِ: طرفه. والعُسَيلة: تصغير العسل، يريد الوطء وحلاوة سلك الفرج في الفرج ليس ألما. قال الداودي: صغرها؛ لشدة شبهها به. وقيل: العرب إذا صغرت الشيء أدخلت لها التأنيث، كما قالوا: دريهمات. وقيل: إنه مؤنث. وقال الأزهري: العرب تؤنث العسل وتذكره(١). كذا قال ابن سيده والجوهري وغيرهم (٢)، ولم يذكر القزاز وصاحب ((الموعب)) غير التأنيث قالا: وتحسب أن التذكير فيه لغة. وعن أبي زيد: العُسيلة: ماء الرجل، والنطفة تسمى العُسيلة. قال الأزهري: والصواب ما قاله الشافعي أنه حلاوة الجماع الذي يكون بتغييب الحشفة في الفرج، وأنَّث العُسيلة؛ لأنه شبهها بقطعة من (٣) العسل (٣). قلت: وفي حديث عائشة أنه التّه قال: ((الْعُسَيْلَةُ الجِمَاعُ)). رواه الدار قطني (٤)، وقيل: إدخالها إشارة إلى أنها إلمامة واحدة، وقيل فيه (١) ((تهذيب اللغة)) ٣/ ٢٤٣٧. (٢) ((المحكم)) ٣٠١/١ مادة: (عسل)، ((الصحاح)) ١٧٦٢/٥. (٣) ((تهذيب اللغة)) ٢٤٣٧/٣. (٤) ((السنن)) ٢٥١/٣ (٣٥٦٣). وفي هامش الأصل: (وما عزاه للدارقطني هو في ((المسند))، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، أبنا أَبُو عَبْدِ المَلِكِ المَكِّيُّ، ثَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىِّ ◌ِيهَ قَالَ ((الْعُسَيْلَةُ الجِمَاعُ)). مروان هو ابن معاوية قد روى له الجماعة وأبو عبد الملك لا أعلمه، وابن أبي مليكة أخرج له الجماعة أيضا) أنتهى قلت: ((المسند)) ٦/ ٦٢. ٤٧٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = دليلٌ على أنه لا خيار لامرأة الخصي إذا بقي له ما يقع به الوطء وإن كان ضعيفًا قاله الخطابي(١)، ومذهب مالك: لها الخيار. وقوله: (ألا تسمع هذِه ما تجهر به عند رسول الله وَل﴿) كأنه استعظم لفظها بذلك. ورواه الداودي: تهجر. قال: أي: تأتي بالكلام القبيح. ومن تراجم البخاري عليه من أجاز الطلاق الثلاث، وتعلق بقولها : (أبتَّ طلاقي). لكنه ذكر في باب التبسم والضحك، عنها: إن رفاعة طلقني آخر ثلاث تطليقات(٢). ورفاعة: هو ابن سموأل(٣)، طلق امرأته تميمة بنت وهب، قاله أبو عمر (٤). ولأبي موسى المديني: رِفاعة بن وَهْب بن عتيك، روى بكر بن معروف عن مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] الآية نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري، كانت تحت رفاعة يعنى: ابن وهب، وهو ابن عمها فتزوجها ابن الزبير ثم طلقها، فأتت رسول الله وَيقول الحديث. (١) ((أعلام الحديث)) ١٢٩٩/٢. (٢) سيأتي برقم (٦٠٨٤). (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال النووي: هي بالمهملة مفتوحة. (٤) ((التمهيد)) ٢٢١/١٣. وفي هامش الأصل بخط سبط وبعض الكلمات غير واضحة وبعضها صعب القراءة: (وقيل ابن رفاعة خال .. الذهبي في تجريده بالمطلقة واسمها تميمة بنت وهب، قال أنها المطلقة في .. العُسيلة، وذكر في ترجمة ابن .. أنه قيل عنه ذلك وذكر ما .. زوج رفاعة في ترجمتها ... مكثرة قال أمرأة .. تميمة، وقال في ترجمة ابن .. عبد الرحمن بن الزبير إلى قال الأصل الهدبة). ٤٧٥ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وفيه: أن في الأول اعترفت أنه لم يمسها، ثم جاءت ثانيًا فاعترفت بالمسيس فقال: ((كذبت في الأولى فلم أصدقك في الأخرى)» فلبثت، فلما قبض رسول الله صل أتت الصديق فاعترفت بالمسيس فردَّها، فلما قُبِضَ جاءت عمر فقال لها: لئن أتيتني بعد مرتك هذِه لأرجمنك(١). قال: وقيل: اسم المرأة أيضًا سهمة. وقيل: الغميصاء، وقيل: الرميضاء. ولابن وهب في ((مسنده)) أنه أعترض عنها فلم يستطع أن يمسها، ولأبي نعيم من حديث أبي صالح، عن ابن عباس: كانت أميمة بنت الحارث عند عبد الرحمن بن الزبير فطلقها ثلاثًا. الحديث(٢). وذكره ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، وسماها تميمة بنت وهب بن أبي عبيد(٣)، وللنسائي أن الرميصاء أو الغميصاء، فذكرته، وأنه لا يصل إليها (٤). وكلام الترمذي يقتضي أنها غير المرأة التي تزوجت بأبي الزبير، فإنه لما ذكر حديثها قال: وفي الباب عن ابن عمر وأنس والرميصاء أو الغميصاء(٥). (١) عزاه في (الدر المنثور)) ٥٠٥/١ إلى ابن المنذر. وعزاه ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٣٣/٢ لأبي موسى قال أورد هذه القصة أبو عبد الله بن منده في رفاعة بن سموأل. (٢) ((معرفة الصحابة)) ٦/ ٣٢٦٤ (٣٧٨٠). (٣) أخرجه أبو نعيم في ((المعرفة)) بسنده إلى ابن إسحاق ٣٢٨١/٦ (٣٨٠٧). (٤) ((الكبرى)) ٣٥٣/٣ (٥٦٠٦) كتاب: الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا. (٥) الترمذي عقب حديث (١١١٨). ٤٧٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ورواه الطبراني من حديث عائشة أنه وَّ قال للغميصاء: (لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ))(١) ولأبي نعيم من هذا الوجه أنَّ عمرو بن حزم طلَّقَ الغميصاء. وأخرجه ابن منده في ترجمة أم سليم أم أنس ظنًّا منه أنها هي المذكورة في هذا الحديث، وليس كما ذكره؛ لأن أم سليم تزوجت بأبي طلحة إلى أن ماتا من غير بينونة بينهما. رابعها: في حديث ابن صياد أنَّ الإمامَ إذا أشكل عليه أمرٌ من جهة الشهادات عنده أن يليَ ذلك بنفسه؛ ليتضح له صحة ما قيل أو بطلانه. (١) ((المعجم الكبير)) ٣٥١/٤ (٨٦٩) ولفظه: ((حتى يذوق عسيلتك وتذوقي من عسیلته)). ٤٧٧ كِتَابُ الشّهَادَاتِ = ٤ - باب إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَيء، فَقَالَ آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذَلِك؛ يُحْكَمُ بِقَوْلٍ مَنْ شَهِدَ قَالَ الحُمَيْدِيُّ: هُذا كَمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ صَلَّى فِي الکَعْبَةِ. وَقَالَ الفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ. كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى قُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَم وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ. ٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّنُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِ حُسَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَبِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابنةً لأَبِي إِهَابٍ بْنِ عَزِيزِ، فَأَتَتْهُ أَمْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَغْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ. فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَزْضَغْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِي. فَأَزْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا. فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ◌ََّ بِالْدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَثَةِ: ((كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!)). فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. [انظر: ٨٨ - فتح: ٢٥١/٥] ذكر فيه حديث عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ وفي آخره: ((كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!)). فَفَارَقَهَا، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. وقد سلف(١)، ولا شك أنه إذا شهد شهود بشيء، وقال آخرون: ما علمنا بذلك. فليس هذا شهادة؛ لأن من لم يعلم الشيء فليس بحجة على من علمه. ولهذا المعنى أتفقوا أنه إذا شهد شاهدان بألف واثنان كذلك واثنان بألف وخمسمائة، أنه يقضى بالزيادة، ولا خلاف أن البينتين إذا شهدت إحداهما بإثبات شيء والأخرى بنفيه وتكافآً في العدالة، أنه يؤخذ بقول (١) سلف برقم (٨٨)، (٢٠٥٢). ٤٧٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == من أثبت دون من نفى؛ لأن المثبت علم ما جهل النافي، والقول قول من علم. وليس حديث عقبة مخالفًا لهذا الأصل؛ لأن الشارع لم يحكم بشهادة المرأة ولا غلب قولها على قول عقبة، وقول من نفى الرضاع من ظهور الإيجاب، وإنما أشار التقنية إلى أن قول المرأة يصلح للتورع والتنزه للزوج عن زوجته من أجلها. يوضحه أتفاق أئمة الفتوى على أنه لا تجوز شهادة امرأة واحدة في الرضاع إذا شهدت بذلك بعد النكاح. ومن هذا الباب ما إذا شهد قوم بعدالة الشاهد وشهد آخرون بتجريحه، فالقول للثاني إذا تكافأت البينتان؛ لأن العدالة علم ظاهر والجرح باطن، فهو زيادة على ما علم الشاهد بالعدالة، هذا قول مالك في ((المدونة)) والشافعي وجمهور العلماء(١)، ولمالك في ((العتبية))(٢) خلافه وسيأتي. وما ذكرته من اتفاق أئمة الفتوى هو ما ادعاه ابن بطال(٣)، وقد أجاز بعض أهل العلم شهادة المرأة الواحدة في الرضاع. قال ابن حزم: صح عن ابن عباس وعثمان وعلي وابن عمر والحسن والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وأبي الزناد والنخعي وشريح وطاوس والشعبي (الحكم)(٤). (١) انظر: ((المغني)) ١٤/ ٤٧. (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٨٧/٨. (٣) ((شرح ابن بطال)) ١٢/٨. (٤) في الأصل: (والحكم)، والمثبت من ((المحلى)) ٩/ ٤٠٠ ونصه : ..... وطاوس والشعبي الحُكم في الرضاع بشهادة أمرأة واحدة اهـ ٤٧٩ كِتَابُ الشَّهَادَاتِ = وفرق عثمان بشهادتها بين رجال ونسائهم، وذكر الشعبي ذلك عن القضاة جملة، وعن الأوزاعي: أقضي بشهادة امرأة واحدة قبل النكاح لا بعده. وعن الشافعي وأبي سليمان وأصحابنا: يقبل في الرضاع أمرأة واحدة. وعن بعضهم: يجوز مع يمينها. قاله ابن عباس، وبعضهم قال: لا يجوز في الحكم ويفارقها في الورع. وأما شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، فقال الزُّهري: مضت به السنة(١). وبنحوه قال الشعبي وعطاء وأبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب(٢)، قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني وأبي حنيفة (و)(٣) حماد (قالا)(٤): تجوز شهادة قابلة واحدة. قال: أحدهما وإن كانت يهودية(٥). تنبيهات : أحدها: قصة بلال والفضل، سلف بيانها واضحًا في الصلاة. (١) بهامش الأصل بخط سبط: (قول التابعي من السنة كذا)، أنه موقوف، بل نُقل نص أن الصحابي إذا قال هذِه العبارة أيضا موقوفًا. والصحيح عند المحدثين أنه من قول الصحابي لا التابعي). (٢) ((المحلى)) ٣٩٩/٩-٤٠٠ بتصرف. (٣) كذا في الأصل، وفي ابن أبي شيبة ٣٣٥/٤ (عن). (٤) ورد فوق هذِه الكلمة كلمة (كذا)، وكأن الناسخ يستنكرها، ولكنه وجدها كذلك. (٥) ((المصنف)) ٣٣٥/٤ (٢٠٧٠٩). ٤٨٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ثانيها: قوله كذلك: (إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ... ) إلى آخره، قال الداودي: هو قول مالك، وحجته أن الشهود قد سمع ما سمعه بالألف ولم يسمعه بعضهم، وهذا إذا كان عن مجلس واحد، وقال مالك مرة أخرى: هو يكاذب بعض البينتين إذا أدعى المطلوب الأقل، فإن أنكر وقام الطالب بهما لم ينفعه واحدة منهما ولا يكون له شيء، وإن أدعى إحداهما أخذ بها، وقد أبى ذلك بعض الناس إذا قالت واحدة: ألف، والأخرى: مائة، ورآه تكاذبًا؛ لأن اللفظين مختلفان، وليس هذا بقول مالك، وأن ذلك قول بعض الناس ولو كان لفظًا متفقًا، فقال سحنون في شاهدين شهد أحدهما بأربعين والآخر بخمسة وأربعين فهما إن أدياها لم يجزها الحاكم، وذلك رأيه، قيل: هل يسع الشاهد أن يسقط [خمسة](١) ويشهد بأربعين؛ ليجيز الشهادة؟ قال: لا بأس به. قيل: فإن وجد الطالب من يشهد له بخمسة هل يسع الشاهد الذي أسقطها أن يشهد بها مع هذا؟ قال: نعم (٢)، وإن كانت الشهادتان عن مجلس أستحق الزيادة، وهي الخمس فإنه مع ما سلف. الثالث: حديث عقبة احتج به غير واحد من المالكية على أن الرضاع لا توقيت فيه؛ لأنه لم يذكر فيه توقيتا. (١) زيادة يقتضيها السياق، من ((النوادر والزيادات)). (٢) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٢٥٤/٨.