Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
= ڪِتَابُ الهِبَةِ
روى عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر، عن أيوب، عن ابن
سيرين: أن سعد بن عبادة قسم ماله بين بنيه في حياته، فولد له بعد
ما مات، فلقي عمر أبا بكر، فقال: ما نمت الليلة من أجل ابن
سعد، هذا المولود لم يُترك له شيء. فقال أبو بكر: وأنا والله. فأتوا
قيس ابن سعد فكلماه. فقال: أما شيء أمضاه سعد، فلا أرده، ولكن
أُشْهِدُكُما أن نصيبي له(١).
قال ابن حزم: فقد زاده قيس على حقه، وإقرار أبي بكر ذلك دليل
على صحة أعتدالها(٢).
قلت: ابن سيرين لم يولد إلا بعد وفاة أبي بكر وعمر وقرب وفاة
عثمان، ولا ذَكَرَ له أحدٌ رواية عن قيس بن سعد؛ لاحتمال أن يكون
سمع ذلك منه(٣).
قال (٤): وأخبرنا ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن القاسم بن
محمد أخبره أن أبا بكر قال لعائشة: إني (نحلتك)(6) من خيبر، وإني
أخاف أن أكون آثرتك على ولدي وإنك لم تحوزيه (فرديه)(٦) على
ولدي فقالت: يا أبتاه لو كانت لي خيبر بجدادها ذهبًا لرددتها(٧).
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٨٩/٩ (١٦٤٩٨)، ورواه الطبراني ٣٤٧/١٨، وقال الهيثمي
في («مجمع الزوائد» ٢٢٥/٤: رواه الطبراني من طرق رجالها كلها ثقات اهـ
(٢) ((المحلى)) ٩/ ١٤٢-١٤٣.
(٣) قال إسماعيل بن علية: كنا نسمع أن ابن سيرين ولد في سنتين بقيتا من إمارة عثمان.
أنظر: ((التاريخ الكبير)) ٩١/١ (٢٥١)، ((تهذيب الكمال)) ٣٥٣/٢٥ (٥٢٨٠).
(٤) يعني: عبد الرزاق.
(٥) في الأصل: (نحلتكم)، والمثبت من ((المصنف)).
(٦) في الأصل: (فرديه فردته)، والمثبت من ((المصنف)).
(٧) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٠١/٩ (١٦٥٠٨).

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال ابن حزم: فهؤلاء أبو بكر وعمر (وعثمان)(١) وقيس بن سعد
وعائشة فعلوا ذلك بحضرة الصحابة أجمعين ولا يعرف لهم منهم
مخالف، وقاله مجاهد وطاوس وعطاء وعروة وابن جريج وإبراهيم
والشعبي وشريح وعبد الله بن شداد بن الهاد وابن شبرمة والثوري
وجميع أصحابنا.
قال: وروينا الإجازة عن القاسم وربيعة وغيرهما، وكرهه أبو حنيفة،
وأجازه إن وقع.
وذكروا من طريق ابن لهيعة عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن
عمر أنه قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض.
قال بكير: وحدثني القاسم أنه كان مع ابن عمر إذ اشترى لرجل من
الأنصار (٢)، ثم قال له ابن عمر: هُذِه الأرض لابْني واقد، فإنه مسكين
نحله إياها دون ولده.
قال ابن وهب: بلغني عن عمرو بن دينار أن عبد الرحمن بن عوف
نحل ابنته من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أربعة آلاف درهم، وله ولد
من غيرها.
وذكروا ما روينا عن ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن
أبي سعيد، عن (محمد بن المنكدر)(٣) أن رسول الله وسلم قال: ((كل ذي
مال أحق بماله))(٤)، وتعللوا في حديث النعمان أن أباه وهبه جميع ماله،
وهو غير جيد لما أسلفناه.
(١) ورد بهامش الأصل: ولم يذكر عثمان في كتابه.
(٢) الذي وقع في ((المحلى)) ١٤٤/٩، و((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٧٨/٦: أرضًا من
رجل من الأنصار.
(٣) ووقع في ((السنن الكبرى)) ١٧٨/٦: عمر بن المنكدر.
(٤) ((المحلى)) ٩/ ١٤٣-١٤٤.

٣٢٣
=ِ كِتَابُ الهِبَةِ
وقوله: (أشهد على هذا غيري) يريد الوعيد لقوله تعالى: ﴿فَإِن
شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ليس على إباحة الشهادة على الجور
والباطل لكن كما قال تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وحاشا
له وَّ ر أن يبيح لأحد الشهادة على ما يخبر هو أنه جور أو أن يمضيه
ولا يرده.
الثالث :
في قوله التكليف: ((اردده)) أن للأب الرجوع فيما وهب لولده وفيه قولان
لأهل العلم:
أحدهما: نعم. قال مالك: له ذلك وإن أقبضها الولد ما لم تتغير في
يد ولده أو يستحدث دينًا أو تتزوج البنت بعد الهبة(١). وقال الشافعي: له
الرجوع مطلقًا(٢)، ولم يعتبر طروء دين أو تزويجًا.
وثانيهما: لا، وبه قال أبو حنيفة (٣)، وحديث النعمان حجة عليه؛
لأنه الَ أمره بالرجوع فيما وهب لابنه.
فإن قلتَ: لم يكن قبضها النعمان، فلذلك جاز الرجوع فيها.
قلتُ: هي تلزم عند مالك بالقول ولا يفتقر في صحتها إلى القبض،
ولو كان الحكم فيها يختلف بين أن تكون مقبوضة أو غير مقبوضة
لاستعلم الشارع الحال، وفضل بينهما.
وأيضًا فإن مجيئه له يُشْهِدُهُ يدل على أنه كان أقبضه، ولو كان لم
يقبضه لما كان لقوله: ((ارْجعه)) معنى؛ لأنه عندكم قبل القبض لا يلزمه
(١) أنظر: ((المدونة)) ٣٣٧/٤.
(٢) أنظر: ((مختصر المزني)) ١٢٢/٣.
(٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٣/٤.

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
شيء رجع فيه، وليس لقوله حكم، حجة مالك أنه لا يرجع إذا استحدث
ابنه دينًا؛ لأن حق الغرماء قد وجب في مال الآبن؛ لأنهم إنما داينوه
على ماله، فليس للأب أن يتلف حقوق غرماء ابنه، وكذلك البنت
إنما تزوجت بمالها؛ لأن الزوج له معونة فيه وجمال في مال زوجته،
وقد قال الكلية: ((تنكح المرأة لمالها))(١) فليس للأب أن يبطل ما وجب
للزوج من الحقوق في مال زوجته بأن يأخذ ذلك منها، وليس لغير
الأب الرجوع عند مالك. وأكثر أهل المدينة، إلا أن عندهم أن الأم
لها الرجوع أيضًا فيما وهبت لولدها إذا كان أبوهم حيًّا، هذا هو
الأشهر عن مالك، وروي عنه المنع ولا يجوز عند أهل المدينة أن
ترجع الأم ما وهبت ليتيم من ولدها؛ لأن الهبة لليتيم على وجه القربة
الله فهي بمنزلة الصدقة عليه، ولا يجوز الرجوع في الصدقة؛ لأنها
شيء لله كما لا يجوز الرجوع في العتق والوقف وأشباهه(٢).
وهذا فيه اضطراب عندنا في الترجيح.
وعندنا لا رجوع إلا للأصول أبًا كان أو أمَّا أو جدًا (٣)، وعن ابن
وهب: إلحاق الجد بالأب (٤).
(١) قطعة من حديث سيأتي برقم (٥٠٩٠) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين،
ورواه مسلم (١٤٦٦) كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.
(٢) انظر: ((الاستذكار)) ٢٩٧/٢٢-٢٩٨ بتصرف.
(٣) أنظر: ((روضة الطالبين)) ٣٧٩/٥.
(٤) لم أقف على هذا القول لابن وهب، بل روى ابن وهب عن مالك في هذِه
المسألة: لا يعتصر، ولا تلزمه النفقة اهـ
وروى أشهب عن مالك، أن الجد والجدة يعتصران كالأبوين اهـ.
انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٩٢/١٢، ((المنتقى)) ١١٧/٦.

٣٢٥
= كِتَابُ الهِبَةِ
وعند الكوفي: لا يرجع فيما وهبه لكل ذي رحم محرم بالنسب
كالابن والأخ والأخت والعم والعمة وكل من لو كان أمرأة لم يحل
له أن يتزوجها؛ لأجل النسب(١).
وقد أسلفنا أنه لا رجوع فيها، وبه قال الحسن وطاوس وأحمد وأبو
ثور(٢)، وقال مالك: يجوز الرجوع مطلقًا وهب لذي رحم أو غيره،
ولا يرجع فيها وهب الله أو لصلة الرحم(٣).
وسيأتي إيضاح ذلك في آخر باب: هبة الرجل لامرأته(٤).
تنبيهات :
أحدها: قول البخاري في الباب: (لم يجز حتى يعدل بينهم) ظاهر
في نفي الجواز.
وقال ابن التين: يصح أن يقال: مراده أن يفسخ إن وقع، مثل قول
عروة وطاوس وسفيان ومن سلف، وقاله مالك مرة: إن كانت الهبة كل
ماله ويصح حمله على الكراهة.
قلت: ويؤيده ما ذكره بعد من قوله في أكله من مال ولده.
ثانيها: سأل أشهب مالكًا عن هذا الحديث فقال: ذلك في رأيي؛
لأنه كان ماله كله(٥). قيل له: أفيرد؛ قال: إن ذلك ليقال ولقد قضى به
بالمدينة فأما إذا كان البعض وأبقى البعض فلا بأس.
(١) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٢/٤.
(٢) أنظر: ((رءوس المسائل)) ٦٦٥/٢، ((المحلى)) ١٤٣/٩.
(٣) أنظر: ((الاستذكار)) ٢٩٨/٢٢.
(٤) الباب التالي برقم (١٤).
(٥) أنظر: ((النوادر)) ٢١٠/١٢، ((الاستذكار)) ٢٩٣/٢٢

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقد نحل أبو بكر عائشة جادّ عشرين وسقًا وقال فيه عمر وعثمان
ما قالا(١)، فلو كان الحديث على البعض ما جهله أبو بكر وعمر
وعثمان، وقال سحنون مثله، وعارض بعضهم هذا وقال: هذا غير
حسن لقوله: ((أكل ولدك نحلته مثل هذا))(٢).
فجعل الرد لعدم المساواة والفضل عن عطية أبي بكر عائشة بأنه كان
أعطى إخوتها مثلها، أو أنه خصوص لها لمحبة الشارع لها، وأن إخوتها
يرضون بذلك، أو حمل عروة الحديث على هذا وقال: لا يجوز بعض
ماله أو کله.
ثالثها: أوَّل ابن القصار: ((أشهد على هذا غيري)). بأنه أمر بالتوثقة
في العطية؛ لأنه هو الإمام ولا يحكم بعلمه وهذا على مذهبه في ذلك.
والجور: هو الميل، من قولهم جار السهم إذا مال. فأخبر أنه ميل
إلى المعطي ولم يرد أنه ظلم.
رابعها: مشهور مذهب مالك كما قال ابن التين أن اليسير يجوز(٣).
قال ابن القاسم: وأخشى عليه الإثم.
ووقع لمالك في ((العتبية)) إن أخرج البنات من حبسه إن تزوجن،
فالحبس باطل (٤).
وقال ابن شعبان: إن من أخرج البنات بطل وقفه(٥)، فقال بعضهم:
هذا من مالك أخذ بحديث النعمان.
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أنظر: ((المنتقى)) ٩٢/٦ -٩٣.
(٣) انظر: ((المعونة)) ٥٠٥/٢، ((الكافي)) لابن عبد البر ص ٥٣٠.
(٤) أنظر: ((النوارد والزيادات)) ٨/١٢.
(٥) أنظر: ((المنتقى)) ١٢٣/٦.

٣٢٧
- كِتَابُ الھِبَةِ
وحمله على الوجوب والصدقة كالحبس، فإن تصدق بكل ماله على
أحد بنيه فقال مالك: لا أراه جائزًا(١).
قال ابن شعبان: ويرد.
قال ابن المواز: ويذكر عن ابن القاسم أن من تصدق بماله کله على
بعض ولده، وتبين أنه حيف وفرار من كتاب الله يرد ذلك في حياته وبعد
موته وقال أصبغ: إذا جیز ذلك جاز على كل حال.
وقد اجتمع أمر القضاة والفقهاء على هذا، وحَرَجُهُ بينه وبين الله قال
محمد : صواب.
وقال ابن القاسم: إنه مكروه وعليه البغاددة(٢).
قال ابن الجلاب: إلا أن يكون ماله يسيرًا.
وحكى الداودي عن ابن القاسم أنه يرتجعه ما لم يمت فيمضي.
وفي ((المختصر الكبير)): وقيل إن الرجل إذا تصدق بالدار على
بعض ولده وهي جل ماله فلا بأس، وغيره أحسن منه (٣).
خامسها: النحل: العطاء، من غير عوض وكذلك النحلة، قيل
النحلة: ما طابت به النفس، ولا يكون ما أكرهت عليه نحلة، قال
الداودي: ناظرت بعض أصحابنا ممن تصدق ببعض ماله على أحد
ولده قال: هو جائز.
قلت: بحديث النعمان فقال لي: أجمعوا على خلافه.
(١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٠/١٢.
(٢) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٠/١٢-٢١١.
(٣) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٢١٠/١٢.

٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فذكرت له قول عروة فقال: إنما في الحديث أنه نحله، قلت له: فقد
ذكر العلة التي (رد ما فعله)(١)، ولم يكن ينهي عن فعل الخير فسكت
وقال: هذا مما أتوقف عن القول فيه؛ للأثر (ولمطابقة)(٢) أصحابنا
على جوازه لغير أثر يخالفه.
وقال سحنون: من أعطى جميع ماله لولد أو غيره لم يجز فعله(٣)؛
لأنه الَفيه لم يقبل من أحد ذلك إلا من أبي بكر نفسه.
قلت: حمله أصحابنا على أن من قوي توكله وصبره على الضير
والإضاقة يلحق به (٤).
(١) كذا بالأصل.
(٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب: ولإطباق.
(٣) أنظر: ((المنتقى)) ٩٣/٦.
(٤) ورد بهامش الأصل: آخر ٩ من ٨ من تجزئه المصنف.
ورد هامش آخر نصه: ثم بلغ في السادس بعد السبعين كتبه مؤلفه.

=
كِتَابُ الهِبَةِ
٣٢٩
١٣ - باب الإِشْهَادِ في الهِبَةِ
٢٥٨٧ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ:
سَمِعْتُ النُّغْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما وَهُوَ عَلَى اِنْبَرِ يَقُولُ: أَغْطَانٍ أَبِ عَطِيَّةً،
فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ. فَأَتَى رَسُولَ اللهِ وَه
فَقَالَ: إِنَّ أَغْطَيْتُ ابني مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ
اللهِ. قَالَ: ((أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدَِ مِثْلَ هذا؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: ((فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا
بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ)). قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. [انظر: ٢٥٨٦ - مسلم: ١٦٢٣ - فتح: ٢١١/٥]
ذكر فيه حديث النعمان المذكور، ولا شك أن الإشهاد ليس من
شرط صحة الهبة والصدقة، وإنما هو ليعلم عزيمة المتصدق على
إنفاذ ما تصدق به أو وهب، ولو أن رجلًا تصدق على أحد بشيء،
وجوزه المتصدق عليه دون إشهاد، ووافق ورثته، فقد بلغت محلها،
وإن كان لم يشهد عليها في الأصل عند مالك وأصحابه(١).
والإشهاد فيها كالإشهاد في البيع والعتق للتوثقة.
وفيه: أن الإمام إذا عرف من الواهب هروبًا من بعض الورثة أن يرد
ذلك؛ لأن قوله: فأمرتني أن أشهدك وأنها لم ترض حتى يشهد رسول الله
وَخير دليل على هروبه من ماله عن سائر بنيه؛ لأن في بعض طرقه: ((لا
أشهد على جور))(٢). كما مضى، وكان معروفًا بالميل إلى تلك المرأة.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٤/٧.
(٢) سبق تخريجه.

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٤- باب هِبَةِ الرَّجُلِ لِمْرَأَتِهِ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: جَائِزَةٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَا يَرْجِعَانِ.
وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ◌َ لِّنِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَقَالَ
النَّبِيُّ وَّهِ: ((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)). وَقَالَ
الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ. ثُمَّ
لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ، قَالَ يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ
كَانَ خَلَبَهَا، وَإِنْ كان أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ
أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ
نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِّيْئًا مَِّيْئًا﴾ [النساء: ٤
٢٥٨٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: لَما تَقُلَ النَّبِيُّ ◌َه فَاشْتَدَّ
وَجَعُهُ أَسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ
الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ العَبَّاسِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَذَكَرْتُ لِابْنِ عَبَّاسِ مَا
قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ:
هُوَ عَلِّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
٢٥٨٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنِ طَاؤُسِ، عَنْ أَبِهِ،
عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((الْعَائِدُ فِي هِيَتِهِ كَالْكَلْبِ
يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)). [ فتح ٢١٦/٥]
ثم ساق حديث عائشة لَمَّا تَقُلَ النَّبِيُّ وَلِهِ واشتد وَجَعُهُ أَسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ
أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، .. الحديث.
وحديث ابن عباس قال: قال النَّبِيُّ وََّ: ((الْعَائِدُ فِي هِيَتِهِ كَالْكَلْبِ
يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)).

٣٣١
كِتَابُ الهِبَةِ
=
الشرح :
تعليق إبراهيم ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عنه(١)،
والطحاوي: وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته(٢).
والثاني: أخرجه عبد الرزاق أيضًا، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن
زياد عنه (٣)، وبه قال عطاء وربيعة فيما ذكره ابن المنذر (٤).
والتعليق الأول: أسنده في الباب، وسلف مسندًا في الطهارة أيضًا (٥).
والثاني: أسنده في الباب، وقد أخرجه مسلم والأربعة(٦)، وعنده
أيضًا فيما سلف عن عمر أنه وَ لّ قال له: ((لا تعد في صدقتك؛ فإن
العائد في صدقته کالكلب يعود في قیته))(٧).
ولعبد الرزاق من حديث ابن سيرين، أنه كان تصدق بفرس أو جمل
فوجد بعض نتاجها يباع فسأل رسول الله وَ ليل فقال: ((دعها حتى يلقاها
وولدها)»(٨)، ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((مثل الذي يعود
في عطائه كمثل الكلب يأكل حتى إذا شبع قام إلى قيئه فأكله))(٩).
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٩/ ١١٣ (١٦٥٥٥).
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٨٤/٤.
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١١/٩ (١٦٥٤٦).
(٤) ((الإشراف)) ٢٢١/٢.
برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب ..
(٥)
(٦) مسلم (١٦٢٢) كتاب: الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، وأبو
داود (٣٥٣٨)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي ٢٦٧/٦، وابن ماجه (٢٣٨٥)،
من حديث ابن عباس.
(٧) سلف برقم (١٤٩٠).
(٨) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١٧/٩ (١٦٥٧٣).
(٩) ابن ماجه (٢٣٨٤) وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (١٩٣١).

٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
وللأربعة من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: ((لا يحل لرجل أنْ
يُعطي عطيةً أو يهب هبةً فيرجع فيها إلا الوالد فيما يُعطي ولده، ومثل
الذي يعطي الهدية ثم يرجعُ فيها كمثل الكلبِ أكل حتى إذا شبع قاءً
ثم عادَ في قَيْئه))(١). وصححه الترمذي وابن حبان(٢) والحاكم(٣) وغيرهم.
واختلف العلماء في المراد بقوله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
هل هو للأزواج عند من جعله للأزواج أو الأولياء عند من رآه لهم.
والهنيء: ما أعقب نفعًا وشفاء، ومنه هنأ البعير لشفائه.
قال ابن عباس: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة (٤).
وعن قتادة: ما طابت به نفسها من غير كره ولا هوان(٥).
إذا تقرر ذلك؛ فاختلف العلماء في الزوجين يهب كل واحد منهما
لصاحبه: فقال جمهور العلماء: ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه
الآخر.
هذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي وعطاء(٦) وربيعة، وبه قال
مالك والليث والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور (٧).
(١) أبو داود (٣٥٣٩)، الترمذي (٢١٣٢)، والنسائي ٢٦٦/٦، وابن ماجه (٢٣٧٧).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١١/ ٥٢٤ (٥١٢٣).
(٣) ((المستدرك)) ٤٦/٢. وقال: صحيح الإسناد.
(٤) رواه عبد بن حميد كما في ((الدر المنثور)) ٢١٢/٢، الطبري ٥٨٤/٣ (٨٥١٩)،
وابن أبي حاتم ٨٦٢/٣ (٤٧٨٠).
(٥) رواه الطبري ٥٨٥/٣ (٨٥٢٣)، وابن أبي حاتم ٨٦١/٣ (٤٧٧٤).
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١٣/٩ (١٦٥٥٤، ١٦٥٥٥، ١٦٥٥٦).
(٧) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٧٧/٤-٨٤، ((شرح ابن بطال)) ١٠٥/٧، ((الإشراف))
٢٢١/٢.

٣٣٣
كِتَابُ الهِبَةِ
وفيه قول ثانٍ: أن لها الرجوع دونه، روي عن شريح(١) والشعبي
والزهري قال: وعليه عمل القضاة(٢).
وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني قال: كتب
عمر: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت
أن ترجع رجعت(٣).
والقول الأول أحسن؛ للآية المذكورة.
وروي عن علي أنه قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة
دراهم ويشتري بها عسلًا ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به فيجمع
هنيئًا مريئًا (٤) وماءً مباركًا(٥).
فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئًا مريئًا؛ ألا ترى ما وهبه أمهات
المؤمنين له من أيامهن ولياليهن وأنه يمرض في بيت عائشة، لم يكن لهن
فيه رجوع؛ لأنه كان عن طيب نفس منهن لا عن عوض.
فرع: لها أن تهب يومها لضرتها؛ لأنه حقها، لكن بشرط رضى
الزوج؛ لأن له حقًّا في الواهبة، ولا يجوز أن تأخذ على هذِه
عوضًا، ويجوز أن تهبها للزوج فيجعلها لمن شاء.
وقيل: يلزمه التوزيع على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة.
والأول أصح، وللواهبة الرجوع متى شاءت في المستقبل دون
الماضي.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١٤/٩ (١٦٥٥٨).
(٢) (مصنف عبد الرزاق)) ١١٤/٩ (١٦٥٥٩).
(٣) (مصنف عبد الرزاق)) ١١٥/٩ (١٦٥٦٢).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: لعله سقط (وشفاءً).
(٥) ((مصنف أبي شيبة)) ٥٨/٥-٥٩ (٢٣٦٧٧).

٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
واختلفوا فيما إذا وهب أحد الزوجين لصاحبه هل يحتاج إلى حيازة
وقبض: فقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: الهبة جائزة وإن لم
يقبضها(١).
وقال النخعي وقتادة: ليس بين الزوجين حيازة(٢).
وقال ابن سيرين وشريح ومسروق والشعبي: لابد في ذلك من
(٣)
القبض(٣).
وهو قول الثوري والكوفيين والشافعي(٤)، ورواية أشهب عن مالك:
قال مالك: إن ما وهبه الرجل لامرأته والمرأة لزوجها وهو في أيديهما
كما كان أنه حوز ضعيف لا يصح(٥).
وعنه من رواية ابن القاسم في ((العتبية)): في الرجل يهب لامرأته
خادمًا ولا يخرجها عن البيت الذي هما فيه، ويهبها دار سكناهما
أو تهب له، أن ذلك جائز للمرأة(٦).
وروى عيسى، عن ابن القاسم: في الرجل يهب لامرأته دار
سكناهما ثم يسكنان بعد ذلك فيها، أو المرأة تفعل مثل ذلك يفرق
بینھما.
وقال: إذا كان الزوج الواهب فالصدقة غير تامة؛ لأن عليه أن يسكن
(١) أما أثر ابن أبي ليلى فرواه عبد الرزاق ١١٦/٩ (١٦٥٧١)، وأما أثر الحسن فذكره
ابن بطال ١٠٦/٧.
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١٦/٩ (١٦٥٦٨، ١٦٥٦٩).
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ١٠٦/٧.
(٤) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٣٧/٤، ((الإشراف)) ٢٢٣/٢.
(٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ١٨١/١٢.
(٦) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٨٠/١٢.

٣٣٥
ـ كِتَابُ الهِبَةِ
زوجته مكانة هو يسكنها، وإذا كانت المرأة الواهبة فالصدقة جائزة؛ لأنه
يسكن ما يحوزه لنفسه (١).
واختلفوا أيضًا في تأويل قوله: ((العائد في هبته)). كما قال ابن
العربي: فمنهم من حمله على التحريم، منهم قتادة وقال: أكل القيء
حرام، ومنهم من حمله على الكراهة؛ لأن المثل مضروب بالكلب
ولا يتعلق به تحريم، ولكنه أمر إذا عاينه أحد من الناس استقبحه من
غير تحريم، كذلك إذا عاد في الهبة كان مستقبحًا(٢).
قال ابن التين: وهذا إذا قبلها المعطي، فإن لم يقبل رجعت إليه من
غير كراهة.
وقد رد الشارع على الصعب بن جثامة هديته(٣)، وردّ علي أبي جهم
(٤)
خمیصته .
خاتمة :
في (مصنف عبد الرزاق)) وابن أبي شيبة: من وهب هبة لذي رحم
فهي جائزة، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يثب
منها قاله عمر (٥).
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ١٢/ ١٨١.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) ٦/ ٣٢.
(٣) سلف من حديثه برقم (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم
حمارًا حيًّا وحشيًّا لم يقبل.
وسيأتي قريبا جدًّا برقم (٢٥٩٦) باب من لم يقبل الهدية بعلة.
(٤) سلف من حديث عائشة (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام
ونظر إلى علمها.
(٥) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٠٦/٩ (١٦٥٢٤)، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٢٤/٤
(٢١٦٩٣).

٣٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال الحاكم: هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه إلا أن يكون
الحمل فيه على شيخنا إسحاق بن محمد الهاشمي(١)، ورفعه
الدارقطني برجال ثقات ثم ادعى وهمه وأن الصواب وقفه، ورواه
أيضًا من حديث أبي هريرة وابن عباس، وفي سندهما ضعف(٢)، وفي
((المصنف)) قال فضالة بن عبيد: إنما يرجع في المواهب النساء وشرار
الأقوام(٣).
وعن علي: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (٤).
وقال ابن عمر: هو أحق بها ما لم يرض منها(٥).
وفي لفظ: من وهب هبة لوجه الثواب فلا بأس أن يرد (٦).
وقال ابن المسيب: من وهب هبة بغير ذي رحم فله أن يرجع ما لم
يثب(٧) .
وقال الشعبي: هو أحق بها ما دامت في يده فإذا أعطاها فقد
جازت (٨).
وقال سفيان بن سعيد: لا رجوع إلا عند القاضي (٩).
(١) ((المستدرك)) ٢/ ٥٢، والذي فيه مرفوع من حديث ابن عمر.
(٢) ((سنن الدارقطني)) ٤٣/٣-٤٤.
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٤٢٤ (٢١٦٩٤).
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٠٧/٩ (١٦٥٢٦١)، ((مصنف ابن أبى شيبة)) ٤٢٤/٤-
٤٢٥ (٢١٦٩٦).
(٥) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٢٥/٤ (٢١٦٩٨).
(٦) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٢٥/٤ (٩٧٠٠)، ((المحلى)) ١٢٩/٩.
(٧) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٢٥/٤ (٢١٧٠١)، ((المحلى)) ١٢٧/٩.
(٨) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٤٢٥ (٢١٧٠٢).
(٩) ((مصنف عبد الرزاق)) ٩/ ١١١ (١٦٥٤٦)، ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣/٥ (٢٣٢٥١).

٣٣٧
= ڪِتَابُ الهِبَةِ
وقال ابن أبي ليلى: يرجع دون القاضي(١).
وقال عمر بن عبد العزيز: يرجع علانية دون سرٍّ(٢).
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الهبة إن كانت لأجنبي فله الرجوع
فيها إلا أن يعوضه عنها، أو يزيده زيادة متصلة، أو يموت أحدهما،
أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن كان لذي رحم محرم منه
فلا رجوع فيها وكذا ما وهبه أحد الزوجين للآخر (٣)، وفي الدارقطني
من حديث الحسن، عن سمرة مرفوعًا: ((إذا كانت الهبة لذي رحم
محرم لم يرجع فيها))(٤). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري (٥)
أي: في أنه سمع منه، كما نقله البخاري في ((تاريخه الكبير)) عن
علي بن المديني، وأنه أخذ بحديثه عنه.
وسيأتي في ((صحيحه)) بإسناده إلى حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن
سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ قال: من سمرة بن
جندب(٦).
وأوَّل الحنفيةُ حديثَ: ((لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد
فيما وهب لولده))(٧). فإنه قد ورد هذا اللفظ في السنة، ولم يرد التحريم
كقوله: ((لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي))(٨) ولم يكن معناه
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٣/٥ (٢٣٢٥١).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) ١١١/٩ (١٦٥٤٥).
(٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص١٣٨-١٣٩، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٥٢/٤.
(٥) ((المستدرك)) ٥٢/٢.
(٤) ((السنن)) ٤٤/٣.
(٦) برقم (٥٤٧٢) كتاب: العقيقة، باب: إماطة الأذى عن الصبي.
(٧) تقدم تخريجه آنفًا.
(٨) رواه النسائي ٩٩/٥، وابن ماجه (١٨٣٩)، وأحمد ٣٨٩/٢، وابن حبان ٨٤/٨
(٣٢٩٠)، وصححه المصنف في ((البدر المنير)) ٧/ ٣٦٢ من حديث أبي هريرة.

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
حرمتها عليه كالأغنياء، ولكنها لا تحل من حيث تحل لغيره من ذوي
الحاجة والزمانة، فإن الزمانة لا تشترط مع الفقر.
وهذا الحديث وصفَ فيه ذلك الرجوع أنه لا يحل؛ تغليظًا للكراهة
كي لا يكون أحد من أمته له مثل السوء، يعني: لا يحل له كما تحل له
الأشياء التي قد أحلها الله لعباده، ولم يجعل لمن فعل فعلًا، مثلًا كمثل
السوء.
ثم أستثنى من ذلك ما وهب الوالد لولده، فذلك على إباحته للوالد
أن يأخذ ما وهب؛ لأنه في وقت حاجة إلى ذلك وفقره إليه؛ لأن ما يجب
للوالد من ذلك ليس يفعل بفعله، فيكون من ذلك رجوعًا منه، يكون
مثله كمثل الكلب الراجع في قيئه، ولكنه شيء أوجبه الله؛ لفقره، كما
روي أن رجلًا وهب لأمه حديقة ثم ماتت من غير وارث غيره فقال له
القَلْ: ((وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك))(١)، ألا ترى أنه الكلي
قد أباح للمصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث ومنع عمر من ابتياع
صدقته.
فثبت بهذين الحديثين إباحة الصدقة الراجعة إلى المصدق بفعل الله
تعالى وكراهة الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه، وكذلك وجوب النفقة
للأب في مال الابن بحاجته وفقره وجبت بإيجاب الله تعالى إياها،
فأباح الشارع ارتجاع هبته وإنفاقها على نفسه، كما رجع إليه
بالميراث، لا كما رجع إليه بالابتياع (٢).
(١) رواه ابن ماجه (٢٣٩٥)، وأحمد ١٨٥/٢ وحسنه الألباني في ((الصحيحة))
(٢٤٠٩).
(٢) انظر: ((شرح معاني الآثار)) ٧٩/٤ -٨٠.

٣٣٩
- ڪِتَابُ الهِبَةِ
فائدة أخرى :
قول الزهري: إن كان خلبها. أي: خدعها، فإذا وقع ذلك فعندما
أعطته طلقها. قال بعضهم: إن أدعت المرأة أنه خدعها أو ضربها حتى
أعطته، صدقت ورجعت في عطيتها.
وقال الداودي: وبه كان بعضهم يقول، وقالت فرقة: عليها البينة أنه
ضربها أو خدعها.
وهو قول مالك وأصحابه، وقال الشافعي: لا ترد شيئًا إذا خالعها
وهو يضربها.
واحتج الزهري بالآية المذكورة، وهي أصل في جواز الخلع،
وكذلك قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٥ - باب هِبَةِ المَرْأَةِ لِغَيْرْ زَوْجِهَا
وَعِنْقُهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَهْوَ جَائِزٌ، إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً،
فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ
السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
٢٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَيْجِ، عَنِ ابْن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ
اللهِ، عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّ مَا أَدْخَلَ
عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: ((تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ)). [انظر: ١٤٣٣ -
مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٢١٧/٥]
٢٥٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَثْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ
عُزْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ
اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْك)). [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٢١٧/٥]
٢٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ بُكَثٍِ، عَنْ كُرَيْبٍ -
مَوْلَى ابن عَبَّاسِ - أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً
وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ ◌َ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ
اللهِ أَنَّ أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: ((أَوَفَعَلْتِ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا
أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِك».
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَثِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ: إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ. [٢٥٩٤
- مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٢١٧/٥]
٢٥٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ
بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ أَمْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا
وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ رََّ، تَبْتَغِي
بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ وَجَ. [٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩،