Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
= ڪِتَابُ الشَّرِكَةِ
فكفئت، وعلى قول ابن السكيت في ((إصلاحه)) عن ابن الأعرابي وأبي
عبيد وغيرهما يقال: أكفئت(١).
وقال ابن التين: صوابه كفئت بغير ألف من كفأت الإناء مهموز،
واختلف في إمالة الإناء، فيقال فيها: كفأت أو أكفأت، وكذلك
اختلف في أكفأت الشيء لوجهه .
وقد اختلف في سبب أمره بإكفاء القدور، فقيل: إنهم أنتهبوها
متملكين لها من غير قسمة، ولا على وجه الحاجة إلى أكلها، يشهد
له قوله في رواية: (فانتهبناها)(٢)، قلت: قد أسلفنا في باب النهبى
قول الراوي: فأصابتنا مجاعة. فهو بيان لوجه الحاجة، وفيه أيضًا
(قبل أن تقسم)(٣) وقيل: إنما كان لتركهم الشارع في أخريات القوم،
واستعجالهم ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم الشارع
ما أستعجلوه عقوبة لهم بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من
الميراث، حكاه القرطبي(٤)، ويؤيده رواية أبي داود: وتقدم سرعان
الناس فتعجلوا فأصابوا الغنائم ورسول الله صل في آخر الناس(٥).
وقال النووي: إنما أمرهم بذلك؛ لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار
الإسلام والمحل الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة،
فإن الأكل منها قبل القسم إنما يباح في دار الحرب، والمأمور به من
الإراقة إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل
(١) ((إصلاح المنطق)) كما في ترتيبه ((المشوف المعلم)) ٦٧٨/٢.
(٢) رواها ابن ماجه (٣٩٣٨) من حديث ثعلبة بن الحكم.
(٣) رواه ابن ماجه (٣١٣٧).
(٤) ((المفهم)) ٣٧٥/٥.
(٥) أبو داود (٢٨٢١).

٦٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه؛ لأنه مال
الغانمين، ولأنه التَّ نهى عن إضاعة المال، فإن قلت: لم ينقل أنهم
حملوه إلى القسمة، فالجواب: ولا نقل أيضًا أنهم أخرجوه
ولا أتلفوه، فوجب تأويله على وفق القواعد الشرعية، بخلاف لحم
الحمر الأهلية يوم خيبر؛ لأنها صارت نجسة (١).
وأجاز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم مالك. والكوفيون
وأبو ثور إذا كان ذلك على التراضي. وقال الشافعي: لا يجوز قسم
شيء من الحيوان بغير تقويم، حجة من أجاز ذلك أنه وَل* قسم
الغنائم وكانت أكثر غنائم خيبر الإبل والغنم، ولم يذكر في شيء من
ذلك تقويم .
قالوا: وتعديل الغنم بالغنم والبقر بالبقر، والإبل بالإبل جائز على
التراضي في القسمة، ولا ربا يدخلها؛ لأنه يجوز فيها التفاضل يدًا بيد،
ومن حجة الشافعي أن قسمته وَّر الغنم مع الإبل إنما كانت على طريق
القيمة، ألا ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير! وهذا هو معنى
التقويم(٢). قال القرطبي: وهُذِه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل
والغنم، ولو كان فيها غير ذلك لقوَّم جميعها وقسمه على القيمة (٣)
والإبل والغنم لا واحد لهما من لفظهما، وإنما واحد الإبل جمل
وناقة، وواحد الغنم كبش وشاة.
وقوله: (ندّ) أي: ذهب على وجهه، وقد أسلفنا أن معناه هرب،
يقال: ندّ ندًّا أو ندودًا، و(أهوى إليه رجل بسهم) أي: ردَّ يده إليه
(١) ((شرح صحيح مسلم)) ١٢٦/١٣-١٢٧.
(٢) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٩/٧.
(٣) ((المفهم)) ٣٧٥/٥.

٦٣
كِتَابُ الشّرِكَةِ
=
ليأخذه، والأوابد جمع آبدة بالمد، وكسر الباء المخففة، يقال: منه
أبدت تأبد بضم الباء وكسرها، وهي النافرة من الإنس، وتوحشت
كما أسلفناه. وقال الداودي: يعني النفار، أبد يأبد أبودًا، وتأبد تأييدًا
إذا توحش ونفر. وقال القزاز: مأخوذة من الأبد وهو الدهر؛ لطول
بقائها. وقال أبو عبيد: أخذت من تأبدت الدار تأبدًا، وأبدت تأبد
أُبُودًا إذا خلا منها أهلها(١).
وقوله: ( ((فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا)) ) ظاهره أن ما ندّ من
الإنسي، ولم يقدر عليه جاز أن يذكى بما يذكى به الصيد. وبه قال
أبو حنيفة والشافعي وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر
وطاوس وعطاء والشعبي والحسن والأسود بن يزيد والنخعي والحكم
وحماد والثوري وأحمد والمزني وداود، وحكاه النووي عن الجمهور(٢)
ذاهبين إلى حديث أبي العشراء الدارمي(٣)، عن أبيه قلت: يا رسول
الله، أما تكون الذكاة إلا في اللبة والحلق. قال: ((لو طعنت في
فخذها لأجزأ عنك)).
قال الترمذي: قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة(٤).
(١) ((غريب الحديث)) ٢٣٨/١.
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) ١٢٦/١٣.
(٣) أبو العُشراء الدارمي: اختلف في اسمه، وقال أحمد: ما أعرف أنه يروى عن أبي
العشراء حديث غير هذا، يعني الحديث المذكور، وقال البخاري: في حديثه
واسمه وسماعه من أبيه نظر، وقال الذهبي: لا يُدْرى من هو، ولا مَن أبوه، أنفرد
عنه حماد بن سلمة، انظر: ((تهذيب الكمال)) ٨٥/٣٤ (٧٥١٤)، ((ميزان الاعتدال)»
٢٢٥/٦ (١٠٤١٩)، ((تهذيب التهذيب)) ٥٥٦/٤.
(٤) الترمذي (١٤٨١)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن
سلمة، ولا نعرفه لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث.

٦٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقال أبو داود: لا يصلح هذا إلا في المتردية والمتوحشة(١). وقال
مالك: لا تؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر أو الذبح استصحابًا لمشروعية
أصل ذكاته، وأنه وإن كان قد لحق بالوحشي في الامتناع، فلم يلتحق بها
لا في النوع ولا في الحكم، ألا ترى أن ملك مالكه باق عليه! وهو قول
ابن المسيب وربيعة والليث .
قال مالك: ليس في الحديث أن السهم قتله، وإنما قال: حبسه ثم
بعد أن حبسه صار مقدورًا عليه، فلا يؤكل إلا بالذبح، ولا فرق بين أن
يكون وحشيًّا أو إنسيًّا، وخالف مالكًا ابن حبيب في البقر خاصة؛ لأن
لها أصلًا في التوحش، وألزمه بعضهم كل الإنسية قياسًا على قوله فيها:
إذا سقطت في بئر، ولم يقدر على ذبحها ولا نحرها، إنما تطعن في
الجنب. قال: وكذلك إذا ندّت .
قال أبو الحسن في معنى الحديث: إنما ذلك؛ لأنه حبسه بجرح ولم
يصب مقاتله. والشارع إنما نهى عن تعذيب الحيوان وهو رميها وجرحها.
قال: فهذا معناه عندي، لأنه منفوذ المقاتل، كما تأوله من احتج به لما
تقدم.
وقوله: (فاصنعوا به هكذا). قال مالك: نقول بموجبه، أي: برميه
وبحبسه فإن أدركناه حيًّا ذكيناه، وإن تلف بالرمي فهل يأكله أو لا؟ وليس
في الحديث تعين أحدهما، فلحق بالمجملات ولا تنهض حجة. قالوا في
حديث أبي العشراء: ليس بصحيح؛ لأن الترمذي قال فيه: غريب
لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف عن أبي العشراء
عن أبيه غيره .
(١) أبو داود (٢٨٢٥).

٦٥
- كِتَابُ الشّرِكَةِ
قلت: قد ذكر أبو موسى المديني مسندًا لأبي العشراء عن أبيه،
فبلغت أحاديثه نحو ثمانية عشر حديثًا، وتفرُّدُ حماد غير قادح فيه لثقته
وأمانته. قالوا: ولو سلمنا صحته لما كان فيه حجة، إذ مقتضاه جواز
الذكاة في أي عضو كان مطلقًا في المقدور على تذكيته وغيره،
ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره ليس مرادًا.
و(المدى) جمع مدية وهي السكين.
وقوله: (أفنذبح بالقصب؟) وفي مسلم بالليط(١) - بلام مكسورة، ثم
مثناة تحت ساكنة، ثم طاء مهملة- وهي قطع القصب، قاله القرطبي(٢).
وقال النووي: قشوره، الواحدة ليطة (٣)، وفي أبي داود: أنذكي
بالمروة(٤)؟ ولعلهما قتلا فأجابهم بجواب جامع لما سألوا ولغيره نفيًا
وإثباتًا. فقال: ((ما أنهر الدم ... )) إلى آخره(٥)، ومعنى هذا السؤال أنهم
كانوا عازمين على قتال العدو، وأنهم صانوا سيوفهم وأسنتهم وغيرها
عن استعمالها؛ لأن ذلك يفسد الآلة أو يعيبها، ولم يكن لهم سكاكين
صغار معدة للذبح.
وقوله: (إنا نرجو أو نخاف العدو غدًا). قال ابن التين: هما سواء.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] أي: يخافه، ومعنى
((أنهر)) (٦): أسال -كما سلف- أساله وصبه بكثرة، وهو مشبه بجري
(١) مسلم (٢٢/١٩٦٨) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم.
(٣) ((شرح مسلم)) ١٣/ ١٢٧.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٧/٥.
(٤) أبو داود (٢٨٢١) بلفظ: (أفنذبح).
(٥) ((شرح صحيح مسلم)) ١٣/ ١٢٧.
(٦) ورد بهامش الأصل: في ((المطالع)) أنهر كذا الرواية في الأمهات ووقع للأصيلي
نهر، قال: وليس بشيء، قال: وجاء في باب إذا ند بعير: (أنهر أو نهر) على
الشك وتأخيره الحكم مقاربته.

٦٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الماء في النهر، وروي بالزاي، كما سلف، والنهر: الدفع، وهو غريب،
وشرط في الذكاة سيلان الدم؛ ليتميز بذلك حلها من حرمتها، فإن الميتة
لا دم لها. والظفر يدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات وسواء
المتصل والمنفصل، والطاهر والنجس، ويلتحق به سائر العظام من كل
حيوان مطلقًا، وكل ما صدق عليه أسم العظم فلا يجوز الذكاة بشيء
منها، وهو قول النخعي والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحاق
وأبي ثور وداود .
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين ويجوز
بالمنفصلتين، وعن مالك روايات:
أشهرها: جوازه بالعظم دون السن، كيف كانا.
والثانية: كمذهبنا.
والثالثة: كأبي حنيفة.
والرابعة: يجوز بكل شيء بالسن والظفر، وعن ابن جريج جوازها
بعظم الحمار دون القرد، وأجيب عن الحديث بحمله على الكراهة،
أو على سن وعظم لا يصح القطع بهما دون ما إذا كانا عريضين.
وقوله: ( ((أما السن فعظم)) ) معناه: لا تذبحوا لئلا ينجس بالدم،
وقد نهيتم عن الاستنجاء به لئلا تنجس؛ لكونها زاد الجن. وقال ابن
الجوزي: يدل على أنه مقدر في عرفهم أن لا تذبحوا بعظم؛ لأنه
لا يقطع العروق، وإنما يزهق النفس خنقًا لا ذبحًا؛ لغرز أظفارهم في
الحلق. وقيل: لأن الحبشة كفار، وقد نهيتكم عن التشبه بالكفار،
وهذا من شعارهم، وحمله القرطبي على الظفر المتصل(١).
(١) ((المفهم)) ٣٦٩/٥.

٦٧
كِتَابُ الشّرِكَةِ
=
قال الخطابي: ظاهره يوهم أن مدى الحبشة لا يقع بها ذكاة،
ولا خلاف في صحة ذلك، وإنما معناه أنهم (يدمون)(١) مذابح الشاة
بأظفارهم، ثم يدعونها فتذهب النفس خنقًا وتعذيبًا ويحلونها محل
الذكاة، فلذلك ضرب المثل به(٢).
وقوله: ( ((وذكر اسم الله)) ) مقتضاه شرطيتها؛ لأنه قرنها بالذكاة
المشترطة، وعلق الإباحة عليها، فقد صار كل واحد منهما شرطًا
أو جزء شرط، والخلاف فيه شهير عمدًا ونسيانًا.
وقوله: ( ((أعجل))) ضبط في بعض النسخ بضم الهمزة، وفي بعضها
بالفتح وكسر الجيم. قال أبو الحسن: وهو وصف للرجل بالعجلة.
وقوله: (أرن) أي: هات، وهي لفظة تترد في كلام بعضهم، فيكون
معنى الحديث اسمع وافهم. قال الخطابي: إنما هو (وأرني -مهموز-
على وزن، وعر)(٣) أي: خف واعجل على الذبيحة، وأصله من أرن
يأرن إذا نشط وخف (٤)، فعلى هذا يقرأ بهمزة ساكنة.
ومن فوائده: عجلهم على وجه التأويل، وسقوط الإثم عنهم،
والغرم على المتأول وعقوبتهم بالإكفاء.
وفيه: جمع الإبل والغنم في القسمة ومالك لا يراه.
وفيه: أنهما يقسمان في القسمة ولا يقوله مالك ولا يعارض هذا
بالجواب الذي في الحديث الآخر لوجوه:
(١) في الأصل: (يديمون)، والمثبت من ((أعلام الحديث)).
(٢) ((أعلام الحديث)) ١٢٤٦/٢ -١٢٤٧.
(٣) هكذا في الأصل، وفي ((أعلام الحديث)): وَأُرَنْ -مهموزًا- على وزن وغْرًا.
(٤) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٢٥٥ -١٢٥٦

٦٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
منها: أن ذلك كان في خيبر سنة ست، وهُذِه نازلة حنين سنة ثمان،
والآخر لا ينسخه الأول.
ومنها: أنه قضية في عين.
ومنها: أنه صار إليه بعطية من رسول الله وعَ ظله

٦٩
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
٤ - باب القِرَانِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشّرَكَاءِ
حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ
٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْم قَالَ:
سَمِعْتُ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ نَهَى النَّبِيُّ وَ أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ الثَّمْرَتَيْنِ
جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. [انظر: ٢٤٥٥ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح: ١٣١/٥]
٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ قَالَ: كُنَّا بِالَمّدِينَةِ فَأَصَابَتْنَا
سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا الثَّمْرَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُزُّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا تَقْرُنُوا فَإِنَّ النَّبِيَّ
وَّ نَّهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [انظر: ٢٤٥٥ - مسلم: ٢٠٤٥ -
فتح: ١٣١/٥]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: نَهَى رسول الله وَّهِ أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ
التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ.
وحديث جَبَلَةَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا
التَّمْرَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا تَقْرُنُوا فَإِنَّ النَّبِيَّي ◌ِِّ نَهَى عَنِ
الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ.
وقد سلف واضحًا، والنهي عن القران فيه عند العلماء من باب
حسن الأدب في الأكل؛ لأن القوم الذين وضع بين أيديهم هم
كالمتساوين في أكله، فإن استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له
ذلك، ومن هذا الباب جعل أهل العلم النهي عن النهبة في طعام النثر
في الأعراس وغيرها لما فيه من سوء الأدب والاستئثار بما لا تطيب
عليه نفس صاحب الطعام.

٧٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال أهل الظاهر: إن النهي عنه على (التحريم)(١) وفاعله عاص إذا
كان عالمًا بالنهي، ولا نقول: إنه أكل حرامًا؛ لأن أصله الإباحة جملة،
ودليل الجمهور إنما وضع بين أيدي الناس للأكل، فإنما سبيله سبيل
المكارمة لا على التشاح؛ لاختلاف الناس في الأكل فبعضهم يكفيه
اليسير وبعضهم لا يكفيه أضعافه، ولو كانت سهمانهم سواء لما ساغ
لمن لا يشبعه اليسير أن يأكل أكثر من مثل نصيب من يشبعه اليسير،
ولما لم يتشاعَّ الناس في هذا المقدار علم أن سبيل هذِه المكارمة
ليس على معنى الوجوب.
(١) ورد في الأصل (الوجوب) وفوقها (التحريم) فأثبتناها لأنها الأصوب.

٧١
كِتَابُ الشّرِكَةِ
٥- باب تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ
بَيْنَ الشّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ
٢٤٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بَثله: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ
عَبْدٍ - أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ،
وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)). قَالَ: لَا أَدْرِي قَوْلُهُ: ((عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)). قَوْلٌ مِنْ نَافِعِ أَوْ
في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلَ. [٢٥٠٣، ٢٥٢١، ٢٥٢٢، ٢٥٢٣، ٢٥٢٤، ٢٥٢٥، ٢٥٥٣ - مسلم: ١٥٠١
- فتح: ١٣٢/٥]
٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ
النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ أَسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)). [٢٥٠٤،
٢٥٢٦، ٢٥٢٧ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ١٣٢/٥]
ذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَعْتَقَ
شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ - أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ
العَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)). قَالَ: لَا أَدْرِي قَوْلُهُ: ((عَتَقَ
مِنْهُ مَا عَتَقَ)). قَوْلٌ مِنْ نَافِعِ أَوْ فِي الحَدِيثِ عَنِ رسول الله وَّهِ.
وحديث عبد الله عن سعيد بن أبي عروبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّصْرِ بْنِ
أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ
شَقِيْصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُولُكُ
قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ أَسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
٠٠

٧٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الشرح:
الحديثان في مسلم(١).
وقوله: (قال) هو أيوب، وكذا صرح به الطرقي وهو أيوب بن أبي
تميمة، وكذا صرح به الإسماعيلي. قال: وفي رواية المعلى عن حماد،
عن أيوب، قاله (نافع)(٢)، وله: ((لا وكس ولا شطط))، وفي لفظ: ((قوم
عليه بأعلى القيمة))، قال: وهذا ليس بمضبوط.
قال ابن عبد البر: ورواه يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر
مرفوعًا: ((كلف عتق ما بقي منه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال،
فقد جاز بما صنع))(٣).
وقال الشافعي: لا أحسب عالمًا بالحديث يشك أن مالكًا أحفظ
لحديث نافع من أيوب؛ لأنه ألزم له من أيوب. ورواه عن نافع من
غير شك(٤).
قال البيهقي: وتابع مالكًا عبيد الله بن عمر (٥).
وفي ((الأفراد)) للدار قطني: ((وَرَقَّ منه ما رق)). وقال: تفرد به
إسماعيل بن مرزوق، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن
نافع، عنه(٦).
(١) برقم: (١٥٠١، ١٥٠٢) كتاب: العتق، باب: ذكر سعاية العبد ..
(٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: أنه مجهول.
(٣) ((التمهيد)) ٢٧١/١٤-٢٧٢.
(٤) ((اختلاف الحديث)) ص٢١٩.
(٥) ((السنن الكبرى) ٢٧٨/١٠.
(٦) ((الأفراد)) كما في ((أطراف الغرائب)) ٤٨١/٣-٤٨٢ (١، ٣٣).

٧٣
كِتَابُ الشّرِكَةِ
=
وقال ابن حزم: هي زيادة موضوعة(١).
ولابن أبي شيبة: إن كان موسرًا ضمن، وإن كان معسرًا عتق منه
ما عتق (٢).
وفي رواية الحجاج، عن نافع قال ابن عمر إثر الحديث: إن لم يكن
له مال سعى العبد.
وللحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن ابن المسيب قال: كان ثلاثون
من الصحابة يضمنون الرجل يعتق العبد بينه وبين الرجل إن كان موسرًا.
وقال الخطيب في حديث أبي هريرة: رواه يزيد بن هارون، عن
سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس بلفظ: ((من أعتق نصيبًا له من
عبد، ولم يكن له مال استسعي العبد في ثمن رقبته غير مشقوق عليه)).
هكذا رواه يزيد، قصر عن بعض الألفاظ التي ذكرها عبد الله بن بكر،
عن ابن أبي عروبة، وقد رواه عن سعيد بن المبارك، ويزيد بن زريع،
ومحمد بن بشر العبدي، ويحيى القطان، ومحمد بن أبي عدي،
فأحسنوا سياقه واستوفوا ألفاظه.
وكذلك رواه أبان بن يزيد، وجرير بن حازم، وموسى بن خلف،
عن قتادة.
ورواه شعبة، عن قتادة فلم يذكر استسعاء العبد، وكذلك رواه
روح بن عبادة ومعاذ بن هشام كلاهما عن هشام الدستوائي، عن
قتادة إلا أن معاذًا لم يذكر في إسناده النضر، إنما قال عن قتادة، عن
بشیر.
(١) ((المحلى)) ٣٣٢/١٠.
(٢) ((المصنف)) ٤٣٩/٤ (٢١٨٥٢).

٧٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ورواه محمد بن كثير العبدي، عن همام، عن قتادة مثل رواية روح
عن هشام، عن قتادة. وروى (أبو)(١) عبد الرحمن عبد الله بن يزيد
المقري، عن همام معنى ذلك، إلا أنه زاد فيه ذكر الاستسعاء،
وجعله من قول قتادة، وميزه من كلام رسول الله وَله، فقال: وكان
قتادة يقول: إن لم يكن له مال أستسعى(٢).
وللإسماعيلي: أن رجلًا أعتق شقصًا من مملوكه، فغرمه رسول الله
وَخّر بقية ثمنه، ثم قال: إن كان الاستسعاء على ما يذهب إليه الكوفي،
فقد جمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة، وهما متدافعان وجعلهما
صحيحين، وهذا بعيد جدًّا، والقول في ذلك أحد قولين: أحدهما:
قوله: (استسعى العبد) ليس في الخبر المسند، وإنما هو قول لقتادة
مدرج في الخبر على ما رواه همام عن قتادة، وإما أن يكون أستسعاء
العبد السيد يستسعيه في قوته غير مشقوق عليه أن العتق لم يكمل فيه،
فإنه لم يبين في الخبر من يستسعيه، وبيَّن أن المعتق لم ينفذ فيه فصار
سيده هو الذي يستسعيه، وللنسائي عن ابن عمر وجابر مرفوعًا: ((من
أعتق عبدًا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر، ويضمن نصيب شركائه
بقيمته لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيءٍ))(٣).
ولأبي داود: عن ملقام بن التلب (٤) عن أبيه أن رجلًا أعتق نصيبًا من
(١) في الأصل: ابنه، وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في ((الفصل للوصل)).
(٢) ((الفصل للوصل المدرج في النقل)) ٣٧٩/١.
(٣) («السنن الكبرى)) ١٨٥/٣ (٤٩٦١).
(٤) ورد بهامش الأصل: التلب بالمثناة فوق ... وغيره يقوله بالمثلثة (وهو ملقام ويقال:
هلقام بن التلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، بصري، روى عنه: أبيه،
وروى عنه: ابن أخيه غالب بن حجرة، وابنته أم عبد الله بنت ملقام، روى له
أبو داود، أنظر: ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٢٨/ ٤٨٣].

٧٥
كِتَابُ الشّرِكَةِ
=
مملوك، فلم يضمنه رسول الله وَاليوم (١).
وروى عبد الرزاق، عن عمر بن حوشب (٢)، أخبرني إسماعيل بن
أمية، عن أبيه، عن جده، قال: كان لهم غلام يقال له: طهمان
أو ذكوان، فأعتق جده نصيبه من العبد، فأتى رسول الله وَلّ فسأله:
فقال: ((تعتق في عتقِكَ وترق في رِقك))(٣).
وروى أيضًا مرسلًا أن بني سعيد بن العاص كان لهم غلام فأعتقوه
كلهم إلا رجل واحد، فذهب العبد إلى رسول الله وَل يستشفع به إلى
الرجل، فوهب الرجل نصيبه (لرسول)(٤) الله وَل فأعتقه(٥).
إذا تقرر ذلك، فاختلف العلماء في قسمة الرقيق على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز قسمته، إلا بعد التقويم، وهو قول أبي حنيفة
والشافعي واحتجا بحديثي الباب، فأجاز تقويمه في البيع للعتق، وكذلك
تقويمه في القسمة.
وثانيهما: يجوز بغير تقويم إذا تراضوا على ذلك، وهو قول مالك
وأبي يوسف ومحمد، واحتجوا بأنه التَّيْئا قسم غنائم حنين، وكان أكثرها
السبي والماشية ولا فرق بين الرقيق وسائر الحيوانات، ولم يذكر في
شيء من السبي تقويم(٦).
(١) أبو داود (٣٩٤٨).
(٢) هو عمر بن حوشب الصنعاني، روى عن إسماعيل بن أمية، وروى عنه
عبد الرزاق، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، روى له أبو داود في كتاب ((المراسيل))
حديثًا. انظر: ((تهذيب التهذيب)) ٣/ ٢٢٠.
(٣) ((المصنف)) ١٤٨/٩-١٤٩ (١٦٧٠٥).
(٤) في الأصل: من رسول، والمثبت هو الصواب.
(٥) ((المصنف)) ١٥٥/٩-١٥٦ (١٦٧٣٣).
(٦) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٧/ ١١.

٧٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن بطال: وتناقض أبو حنيفة، فأجاز قسمة الإبل والبقر والغنم
بغير تقويم، وزعم أن الفرق بين الرقيق وسائر الحيوان أن اختلاف
الحيوان متفاوت، وهذا ليس بشيء؛ لأن القسمة بيع من البيوع، وكل
بيع صحيح جائز إذا انعقد على التراضي، ولا خلاف بين العلماء أن
قسمة العُروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائز، وإنما اختلفوا في
قسمتها بغير تقويم، فأجازه مالك والكوفيون وأبو ثور إذا كان ذلك
على سبيل التراضي. ومنع من ذلك الشافعي، وقال: لا يجوز قسم
شيء من ذلك إلا بعد التقويم قياسًا على حديث ابن عمر في تقويم
العبد(١).
تنبيهات :
أحدها: قوله: ((شقيصًا)) وفي رواية: ((شقصًا))(٢) مثل: نصف
ونصيف. قال ابن دريد: هو العدل من كل شيء (٣).
وقال القزاز: لا يكون إلا القليل من الكثير. وقال في ((الجامع)):
الشقص النصيب والسهم تقول: لي (في هذا) (٤) المال شقص -أي:
نصيب قليل - والجمع: أشقاص وقد شقصت الشيء إذا جزأته. وقال
ابن سيده: وقيل: هو الحظ، وجمعه: شِقاص(٥). قال الداودي:
الشقص والنصيب والسهم والحظ كله واحد.
ثانيها: خالف البتي وربيعة هذا الخبر، فقالا: لا يُقَوَّم عليه نصيب
(١) (شرح ابن بطال)) ٧/ ١١.
(٢) ستأتي برقم (٢٥٠٤) باب: الشركة في الرقيق.
(٣) في ((الجمهرة)) ٢/ ٨٦٥: شقيص: قليل من كثير.
(٤) في الأصل: هُذا في، والمثبت هو الصواب.
(٥) ((المحكم)) ٦/ ٩٥.

٧٧
كِتَابُ الشّرِكَةِ
شريكه، حكاه ابن التين عنهما قال: واختلفا هل يمضي عتق نصيبه،
فأباه ربيعة(١)؛ لأنه لا يضر بغيره. وقال عثمان البتي: يعتق نصيبه
خاصة(٢)، كأنه أشار إلى رواية عبد الرزاق السالفة، وعند أبي حنيفة
شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه أو يستسعي العبد في قيمة نصيبه
ويعتق، وبين أن يُقَوَّمه على المعتق(٣)، وسيأتي إيضاح ذلك في موضعه.
ثالثها: قوله: ( ((وإلا فقد عَتق منه ما عتق)) ) هو بفتح العين على
الأول ويجوز فتحها في الثاني وضمها، قاله الداودي وتعقبه ابن
التين، فقال: هذا لم يقله غيره ولا يعرف عتق بالضم؛ لأن الفعل
لازم غير متعد، وإن كان سيبويه أجازه على أنه أقام المصدر مقام
ما لم يسم فاعله.
وقوله: ( ((فهو عتيق))) بمعنى: معتق.
رابعها: السعاية أن يستخدم لمالكه، ولهذا قال: ((غير مشقوق عليه))
إذ لا يُحَمَّل من الخدمة فوق ما يلزمه بحصة الرق. وقال أبو عبد الله: غير
مشقوق عليه: غير مكاتب، وسيأتي له تتمة في باب إذا أعتق عبد بين
أثنين (٤)، وبالسعاية قال الأوزاعي(٥)، وقال أبو يوسف ومحمد بن
الحسن: يعتق جميع العبد في الحال، وإن كان المعتق معسرًا
فلشريكه أن يستسعي العبد وهو حر في قيمة نصيبه منه(٦).
(١) أنظر: ((التمهيد)) ٢٨٤/١٤، ((إكمال المعلم)) ١٠٠/٥.
(٢) أنظر: ((الإشراف)) لابن المنذر ١٧٤/٣.
(٣) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٧٠.
(٤) برقم (٢٥٢١-٢٥٢٥) كتاب: العتق.
(٥) أنظر: ((إكمال المعلم)) ١٠٢/٥.
(٦) أنظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٣٧٠.

٧٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال مالك والشافعي: يصير نصيب الشريك رقيقًا(١)، واحتج لأبي
حنيفة بهذا الحديث ولا دلالة فيه؛ لأنه قال: إن أختار السيد وليس فيه
ذكر خيار، وقد أسلفنا أن الاستسعاء من قول قتادة، وقال بعضهم:
لا يستعلي عليه في الثمن(٢).
وقوله: ( ((قيمة عدل)) ) يدل على أنه عبد كله، ولا يقوم بعيب
العتق، قاله أصبغ وغيره(٣). وقال ابن أبي لبابة: يقوم على أنه مسه العتق.
وفيه دليل على أن من أتلف عرضًا عليه قيمته، وسلف.
(١) أنظر: للمالكية: ((المدونة)) ٣٧٩/٢، ((عيون المجالس)) ١٨٤٧/٤، والشافعية:
(الأم)) ٧/ ١٢٣، ((التهذيب)) ٣٦١/٨، ((كفاية الأخيار)) ص٨٠٩.
(٢) هو قول ابن التين، قاله الحافظ في ((الفتح)) ١٥٧/٥.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٣٢٣/١٢.

٧٩
كِتَابُ الشَّرِكَةِ
=
٦- باب هَلْ يُقْرَعُ في القِسْمَةِ؟ وَالإِسْتِهَامِ فِيهِ
٢٤٩٣- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ
النُّغْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِّ ◌َّ قَالَ: ((مَثَلُ القَائِم عَلَى حُدُودِ اللهِ
وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْم أَسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا
وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا أَسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ
فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذٍ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ
وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)).
[٢٦٨٦ - فتح: ١٣٢/٥]
ذكر حديث عامر: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
((مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ أَسْتَهَمُوا عَلَى
سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهَّمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ أَلَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا
إِذَا أَسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي
نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا،
وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)).
هذا الحديث ذكره البخاري، فيما سيأتي ((مثل المدهن))، وقال فيه :
((فأخذ فأسًا، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه .. )) الحديث(١).
وللترمذي: ((مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها))(٢).
ولا شك أن القرعة سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء،
والفقهاء متفقون على القول بها، وخالفهم بعض الكوفيين وَرُدَّت
الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنه لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام
(١) سيأتي برقم (٢٦٨٦) كتاب: الشهادات، باب: القرعة في المشكلات.
(٢) ((جامع الترمذي)) (٢١٧٣).

٨٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
التي نهى الله عنها.
وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها، وقال: القرعة في
القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة.
وقال إسماعيل بن إسحاق: ليس في القرعة إبطال شيء من الحق
كما زعم الكوفيون، وإذا وجبت القسمة بين الشركاء في دار أو أرض،
فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يستهموا، ويصير لكل واحد منهم ما وقع
له بالقرعة مجتمعًا مما كان له في الملك مشاعًا، ويضم في موضع بعينه
ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه؛ لأن مقادير ذلك قد عدل
بالقيمة، وإنما منعت القرعة أن يختار كل واحد منهم موضعًا معينًا،
وهذا إنما يكون فيما يتشابه من الدور والأرضين والعروض وما يستوي
فيه الناس في كل موضع مما يقرع عليه(١) .
وفي قوله الَّها: ((كمثل قوم استهموا على سفينه)) جواز الاقتراع؛
لإقراره الشّ لها، وأنه لم يذم المستهمين في السفينة، ولا أبطل
فعلهم، بل رضيَه وضربه مثلًا لمن نجته نفسه من الهلكة في دينه، وقد
ذكر البخاري أحاديث كثيرة في القرعة في آخر الشهادات وترجم له
باب: القرعة في المشكلات(٢)، وذكر حديث عائشة في الإفك: كان
إذا خرج أقرع بين نسائه(٣).
قال البخاري: وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل
[الصافات: ١٤١].
عمران: ٤٤] وقال: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ
وفي حديث أم العلاء أن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في
(١) أنظر: ما سبق في ((شرح ابن بطال)) ١٢/٧-١٣، و((طرح التثريب)) ٤٨/٨.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٨٦-٢٦٨٩).
(٣) سيأتي برقم (٢٦٦١) باب: تعديل النساء بعضهن بعض.