Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
=
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
حقيقتها من العنب(١)، ولها عدة أسماء نحو المائتين عددتها على حروف
المعجم في ((لغات المنهاج)) فراجعها منه.
ثانیھا :
(الفضيخ) بفاء مفتوحة، ثم ضاد وخاء معجمتين. قال أبو حنيفة عن
الأعراب: هو ما أعتصر من العنب اعتصارًا فهو الفضيخ؛ لأنه يفتضخ،
وكذلك فضیخ البسر.
قال ابن سيده: وهو شراب يتخذ من البسر المفضوخ(٢) - يعني:
المشدوخ - زاد الجوهري: من غير أن تمسه النار(٣).
وقال ابن فارس: يشدخ وينبذ (٤)، وفي ((مجمع الغرائب)): ويروى
عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوح.
وقال بعضهم: هو شراب يتخذ من البسر المشدوخ، فهو فضيخ
أو فضوح؛ لأنه من البسر المشدوخ. أي: لأنه يسكر صاحبه فيفضحه(٥).
وقال الداودي: يهشم البسر ويجعل معه الماء، وقاله الليث،
وسيأتي إيضاحه في الأشربة أيضًا.
ثالثها :
كان تحريم الخمر في السنة الثالثة (٦) من بعد غزوة أحد، قاله ابن
سعد.
(١) ((المحكم)) ١٤٤/٥.
(٢) ((المحكم)) ٢٨/٥.
(٣) ((الصحاح)) ٤٢٩/١.
(٤) ((مجمل اللغة)) ٧٢٣/٣.
(٥) انظر: ((تهذيب اللغة)) ٢٧٩٨/٣.
(٦) ورد بهامش الأصل: حرم في أول الرابعة في ربيع الأول بعد أحد.

٦٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (فأمر مناديًا ينادي) وفي رواية: (وأتاهم آت)، يعني: أن
الآتي أخبرهم بالنداء، والنداء عن الآمر يتنزل في العمل به منزلة
سماع قوله، قاله الداودي. والظاهر كما قال ابن التين أنهما مختلفان،
وفيه الإشهار بالنداء.
والسكك: الطرق، جمع سكة.
وقوله: (كنت ساقي القوم) لأنه ربيب أبي طلحة، والذين سقاهم
أبو طلحة وأبو عبيدة وأبي بن كعب وغيرهم كما سلف.
وقوله: (اخرج فأهرقها) قال ابن التين: الهاء زائدة ليست أصلية؛
لأن فاءه راء، وإنما دخلت الهاء لأنها دخلت في مستقبله وثبتت فيه
بخلاف غيره لإبدالها هاء، وكذا أرقتُ الماء فأنا أهريقه، بدلت من
الهمزة لقرب الهاء منها، والأمر من المستقبل.
وقوله: (فهرقتها) بدلت أيضًا من الهمزة، وليست من أصل الفعل.
أعني: الهمزة والهاء.
رابعها :
كان هذا في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، وأما الآن
فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق، نبه عليه ابن التين، وعلَّلَهُ بخوف
أذى المسلمين.
قال: وقد منع سحنون أن يصب ماء من بئر وقعت فيه فأرة في
الطريق، وأيضًا فكان صبها في الطريق أشهر؛ لبيان تحريمها
وإظهاره، وكذا قال المهلب: إنما جاز هرقها في الطرق للسمعة
بذلك، والتشنيع والإيثار الله في رفضها، والإعلان بنبذها، ولولاه
ما حسن هرقها في الطرق من أجل أذى الناس في ممشاهم، ونحن

٦٤٣
= ڪِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
نمنع من إراقة الماء الطاهر في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم،
فكيف الخمر(١)!
واستدل لابن حزم على طهارتها بهذا الحديث؛ لأن الصحابة كان
أکثرهم یمشي حافيًا فما یصیب قدمه لا ینجس به.
خامسها :
فيه: قبول خبر الواحد.
سادسها :
حرمة إمساكها، ونقل النووي أتفاق الجمهور عليه(٢).
سابعها :
قول من قال: (قتل قوم وهي في بطونهم) صدر عن غلبة خوف
وشفقة أو عن غفلة عن المعنى؛ لأن الخمر كانت مباحة أولًا، ومن
فعل ما أبيح له لم يكن له ولا عليه شيء؛ لأن المباح مستوي الطرفين
بالنسبة إلى الشرع.
(١) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٥٨٨/٦.
(٢) (شرح مسلم)) ١٣/ ١٥٠.

٦٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٢ - باب أَقْنِيَةِ الدُّورِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا
وَالْجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنَىْ أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، يُصَلِّي
فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ
فَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ ◌َهِ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. [انظر: ٤٧٦]
٢٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَذَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَقْصُ بنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيدِ بْنِ
أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
(إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطَّرُقَاتِ)). فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدُّ، إِنَّمَا هِيَ تَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ
فِيهَا. قَالَ: ((فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّ المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا)) قَالُوا: وَمَا حَقُّ
الطَّرِيقِ؟ قَالَ: ((غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذِى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ،
وَنَّهْيٌّ عَنِ المُنْكَرِ)). [٦٢٢٩ - مسلم: ٢١٢١ - فتح ١١٢/٥]
وهذا مختصر من خروجه إلى الحبشة، وقد سلف في الصلاة.
ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وَاهـ
قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطَّرُقَاتِ)). فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدُّ، إِنَّمَا هِيَ
مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: ((فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّ المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطُّرُقَ
حَقَّهَا)) قَالُوا: وَمَا حَقُّ الْظُرُقِ؟ قَالَ: ((غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذِى، وَرَدُ
السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ)).
الشرح: عند أبي داود من حديث أبي هريرة: ((وإرشاد السبيل))(١)،
وعن إسحاق بن سويد، عن ابن حجير العدوي، عن عمر مرفوعًا في هذِه
القصة ((وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال))(٢).
(١) (سنن أبي داود)) (٤٨١٦).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٤٨١٧).

٦٤٥
= ڪِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده إلا جرير بن حازم عن إسحاق بن
سويد. ولا رواه عن جرير مسندًا إلا ابن المبارك، ويروي هذا الحديث
حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد مرسلاً(١).
إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
الفناء بكسر الفاء وبالمد. قال ابن ولاد(٢): هو حريم الدار.
والصعدات -بضمتين -: الطرقات واحدها: صعيد، وهو أحسنُ ممَّن
ضبطه بفتح العين، كما نبه عليه ابن التين؛ لأنه جمع صعد، وصعد
جمع صعيد مثل طريق وطرق وطرقات والصعيد وجه الأرض.
ثانیھا :
نهيه العليم عن الجلوس فيها؛ لئلا يضعفَ الجالس عن الشروط التي
ذكرها الشارع، فلما ذكروا أنهم لا يجدون منه بدًّا. قال لهم: ((أعطوا
الطريق حقها)) ووصف لهم الأشياء التي وصفها، وذلك مثل نهيه عن
الآنتباذ في الأوعية، فلما قالوا: لابد لهم من ذلك، أباح لهم الأنتباذ
فيها إلا أن يسكر، والذي فهمه العلماء أن هذا النهي ليس على وجه
التحريم، وإنما هو من باب سد الذرائع والإرشاد إلى الأصلح.
وفي رواية: ((وحسن الكلام))(٣) من رد الجواب يريد من جلس على
الطريق، فقد تعرض لكلام الناس، فليحسن لهم كلامه ويصلح شأنه.
(١) ((مسند البزار)) ١/ ٤٧٣.
(٢) ((المقصور والممدود)) ص٨٦.
(٣) رواه مسلم (٢١٦١) كتاب: السلام، باب: من حق الجلوس على الطريق رد
السلام. من حديث أبي طلحة،

٦٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
روى هشام بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال: المجالس حلق
الشيطان إن رأوا حقًّا لا يقومون به، وإن يروا باطلًا فلا يدفعونه.
وقال عامر: كان الناس يجلسون في مساجدهم، فلما قتل عثمان
خرجوا إلى الطريق يسألون عن الأخبار .
قال سلمان: لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج
منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته(١).
وقال: السوق مبيض الشيطان ومفرخه(٢) .
وقد ترخص في الجلوس بالأفنية والطرق والأسواق قوم من أهل
الفضل والعلم ولعلهم إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم قاموا بما عليهم فيه .
وقال طلحة بن عبيد الله: مجلس الرجل ببابه مروءة. وقال ابن
عوف: مررت بعامر وهو جالس بفنائه. وقال ابن أبي خالد: رأيت
الشعبي جالسًا في الطريق.
ثالثها :
فيه: وجوب غض البصر عن النظر إلى عورة مؤمن ومؤمنة، وعن
جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة منه. وقد قال القيّه لعلي:
((لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وعليك الآخرة)»(٣).
وفيه: وجوب رد السلام على من سلم عليه، ولزوم الأمر بالمعروف،
والنهي عن المنكر، وكف الأذى.
(١) رواه مسلم (٢٤٥١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم سلمة رضي الله عنها.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١٣٨/٧ (٣٤٦٦٤).
(٣) رواه أبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧)، وأحمد ٣٥١/٥، من حديث
بريدة بن الحصيب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من
حدیث شريك.

٦٤٧
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
وفيه: قطع الذرائع؛ لأن الجلوس ذريعة تسليط البصر وقلة القيام
بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلذلك نهى عنه. قال المهلب:
وإنما يلزم المؤمن النفير والإغاثة والعون ما وقعت الحضرة إليه وليس
عليه طلب ذلك، إنما عليه ما حضر منها.
وفيه: الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من
رؤية ما يكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، وما يجب عليه
إنكاره، ومن معاونة مستغيث يلزمه إغاثته، وذلك أنه الكلئلا إنما أذن في
الجلوس بالأفنية والطرق بعد نهيه عنه إذا كان من يقوم بالمعاني التي
ذكرها، وإذا كان ذلك كذلك، فالأسواق التي تجمع المعاني التي أمر
الشارع الجالس بالطرق باجتنابها مع الأمور التي هي أوجب منها
وألزم من ترك الكذب، والحلف بالباطل، وتحسين السلع بما ليس
فيها، وغش المسلم، وغير ذلك من المعاني التي لا يطيق القيام بما
يلزمه فيها إلا من عصمه الله أحق وأولى بترك الجلوس فيها من
الأفنية والطرق، وقد روي نحو هذا عن جماعة من أهل العلم، ونقل
ابن التين عن بعض العلماء: إذا كان كارهو المنكر الثلث وفاعلوه
الثلثين وجب على كارهيه قتالهم لقوله تعالى: ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ مِّْئَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنٍ﴾ [الأنفال: ٦٦].

٦٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٣ - باب الآبَارِ عَلَى الطَّرُقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذّ بِهَا
٢٤٦٦ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَى -مَؤْلَى أَبِي بَكْرٍ - عَنْ
أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ
بِطَرِيقٍ، أُشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُرُ، فَوَجَدَ بِتْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ
يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرِى مِنَ العَطَشرِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هذا الكَلْبَ مِنَ
العَطَشِ مِثْلُ الذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَتَزَلَ البِتْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الكَلْبَ،
فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: ((فِي
كُلِّ ذَاتٍ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)). [انظر: ١٧٣ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح ١١٣/٥]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف قريبًا في باب: سقي الماء (١)،
وفيه: ((فَوَجَدَ بِثْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ))(٢). وساقه
بطوله.
قال المهلب: هذا يدل أن حفر الآبار بحيث يجوز للحافر حفرها من
أرض مباحة أو مملوكة له جائز، ولم يمنع ذلك لما فيه من البركة وتلافي
العطشان، وكذلك لم يكن ضامنًا؛ لأنه قد يجوز مع الانتفاع بها أن
يستضر بها ساقط بليل أو تقع فيها ماشية، لكنه لما كان ذلك نادرًا
كان المنفعة بها أكثر، غلب حال الانتفاع على حال الاستضرار،
فكانت جُبَارًا لا دية لمن هلك فيها.
وقوله: (وإن لنا في البهائم لأجرًا؟) قال الداودي: كل نفس يقال
لها : بهيمة.
(١) سلف برقم (٢٣٦٣) كتاب: المساقاة.
(٢) ورد بهامش الأصل: وجه مطابقة الترجمة للحديث: أن في بعض طرقه: بينما
رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا .. فذكر الحديث.

٦٤٩
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
٢٤ - باب إِمَاطَةِ الأَذى
وَقَالَ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وََّ: «يُمِيطُ الأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)). [انظر: ٢٧٠٧ - فتح ١١٤/٥]
وهذا الحديث أسنده في باب: من أخذ بالركاب(١) وغيره. وأورده
ابن بطال من قول أبي هريرة، ثم قال: ليس هو من رأيه؛ لأن الفضائل
لا تدرك بقياس، وإنما تؤخذ توقيفًا عن رسول الله وَ له، قال: وقد أسند
مالك معناه من حديث أبي هريرة، عن رسول الله بالقول أنه قال: ((بينما
رجل يمشي إذ وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر
له))(٢).
وهذا عجيب منه، فالذي وجدناه في الأصول رفعه كما ذكرناه، ثم
عزوه ما ذكره من طريق مالك هو في البخاري من هذا الوجه بعد وترجم
عليه باب: من أخذ الغصن كما سيأتي (٣).
ثم قال: فإن قلت: كيف تكون إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟
قيل: معنى الصدقة إيصال النفع إلى المتصدق عليه، فأما إماطة
الأذى عن الطريق فقد تسببت إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك
الأذى، فكأنه قد تصدق علیه بالسلامة منه، فكان له على ذلك أجر
الصدقة وهذا كما جعل الإمساك عن الشر صدقة على نفسه، وإماطة
الأذى وكل ما أشبهه حث على الاستكثار من الخير، وأن لا يُستقل
منه شيء. وقد قال التَّ لأبي تميمة الهُجَيْمي:
(١) سيأتي برقم (٢٩٨٩) كتاب: الجهاد والسير.
(٢) («الموطأ)) ص١٠١ (٦).
(٣) سيأتي برقم (٢٤٧٢).

٦٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
((لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تضع من دلوك في إناء
المستقي))(١).
قلت: أبو تميمة الهجيمي تابعي.
فائدة: معنى ((يميط الأذى)): ينخِّيه. قال أبو عبيد عن الكسائي:
مطت عنه الأذى، وأمطت: نحيت، وكذلك مط غيري وأمطته، وأنكر
الأصمعي ذلك وقال: مطت أنا وأمطت غيري.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٥٩١/٦-٥٩٢. وحديث أبي تميمة رواه أحمد ٦٤/٥ من طريق
عُبيدة الهجيمي، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر بن سليم مرفوعًا. وقوله: (عن
جابر بن سليم) سقط من الطبعة الميمنية لـ ((المسند)) وأثبته الحافظ في ((أطراف
المسند» ٦٧٤/١ (١٣٥٩).

٦٥١
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
٢٥ - باب الغُرْفَةِ وَالْعُلِّيَّةِ المُشْرِفَةِ وَغَيْرِ المُشْرِفَةِ
في الشُّطُوحِ وَغَيْهَا
٢٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ،
عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ وََّ عَلَى أَطُم مِنْ آَطَامِ
المَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرى؟ [إِنِّي أَرى) مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَاَلَ بُيُوتِكُمْ
كَمَوَاقِعِ القَطْرِ)). [انظر: ١٨٧٨ - مسلم: ٢٨٨٥ - فتح ١١٤/٥]
٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثِرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِيِ ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:
لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ رضي الله عنه عَنِ المَزْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َّ
اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿ إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ
مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ
فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ المَزْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َِّ اللَّتَانِ قَالَ [اللهِ وَّ]
لَهُمَا: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]؟ فَقَالَ: وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابن عَبَّاسٍ، عَائِشَةُ،
وَحَقْصَةُ. ثُمَّ أَسْتَقْبَلَ عُمَرُ الَحَدِيثَ يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنّ كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنَّصَارِ فِي
بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهْيَ مِنْ عَوَالِيِ المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ،
فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرٍ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ
فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَغْشَرَ قُرَيْشِ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنَّصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ
تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَبِ نِسَاءِ الْأَنَّصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى أَمْرَأَتٍ،
فَرَاجْعَتْنِي، فَأَنْكَزْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ
النَّبِيِّ وَِّ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِخِدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ. فَأَفْزَعَنِي، فَقُلْتُ:
خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمِ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَّابِي، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَنْ
حَقْصَةُ، أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟! فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ:
خَابَتْ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ بَّهِ فَتَهْلِكِينَ؟ لَا تَسْتَكْثِرِي

٦٥٢
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
عَلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ، وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِيْنِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا
يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ - يُرِيدُ عَائِشَةَ -
وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَّلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً،
فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا وَقَالَ: أَنَّائِمٌ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ. وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ
عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ
وَالَِّ نِسَاءَهُ. قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَقْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هذا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ،
فَجَمَعْتُ عَلَّ ثِيَّابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ
فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي. قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ
أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ وَلِ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ. فَخَرَجْتُ، فَجِثْتُ المِنْبَرَ،
فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطْ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِثْتُ
المَشْرُبَةَ التِي هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلَامِ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبِيّ ◌َلـ
ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ
اِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ - فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ اِنْبَرِ،
ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الغُلَامَ فَقُلْتُ: أَسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ - فَلَمَّا وَلَّيْتُ
مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلامُ يَدْعُونِي قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ وََّ. فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ
مُضْطَجِعْ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشْ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئٌ
عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَم حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ
نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ فَقَالَ: ((لَ)). ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ
رَأَيْتَنِي وَكُنَّ مَغْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمِ تَغْلِيُهُمْ نِسَاؤُهُمْ.
فَذَكَرَهُ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ◌ََّ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَقْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا
يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ - يُرِيدُ عَائِشَةَ -
فَتَبَشَمَ أُخْرِىُ، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ
فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ فَلْيُوَسِّغْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ

٦٥٣
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
وَالزُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ مُتَّكِثًا. فَقَالَ: ((أَوَفِي
شَكَ أَنْتَ يَا ابنِ الخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيَِّاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ
الدُّنْيَا)). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْتَغْفِرْ لِي. فَاغْتَزَلَ النَّبِيُّ ◌َ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ
حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: (مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا)). مِنْ
شِدَّةِ مَوْجَدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ. فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعْ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ
فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِيَشْعِ
وَعِشْرِينَ لَيْلَةٌ، أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ وَرَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)). وَكَانَ ذَلِكَ
الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْبِيِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ آَمْرَأَةٍ، فَقَالَ:
((إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًّا، وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ)). قَالَتْ: قَدْ
أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانٍِ بِفِرَاقِكَ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ قُل
لِأَزْوَجِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩])). قُلْتُ: أَفي هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟
فَإِّ أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ.
[انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح ١١٤/٥]
٢٤٦٩ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ حَدَّثَنَا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله
عنه، قَالَ آَلَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ أَنْفَكَّتْ قَدَمُهُ فَجَلَسَ فِي عِلِّيَّةِ
لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ: ((لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا)). فَمَكُثَ
تِشْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ.
ذكر فيه حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِىُّ وَّرْ عَلَىْ أُظُمٍ مِنْ
آَطَامِ المَدِينَةِ .. الحديث.
وقد سلف في باب مفرد في أواخر الحج فيما يتعلق بالمدينة
-شرفها الله تعالى- والأَطُمُ: بضم الهمزة والطاء: الحصن المبني
بالحجارة، وجمعه آطام.
وقوله: ( ((خلال بيوتكم)) ) أي: بينها.

٦٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: ( ((كمواقع القطر)))؛ لكثرتها، وهو من أعلام نبوته،
والرؤية فيه بمعنى العلم مثل: ﴿أَلَمّ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ الْفِيلِ
[الفيل: ١]، ويحتمل أن تكون الفتن مثلت له حتى كأنه ينظر
إليها، وخيل إليه أن أصحابه يرونها. ولذلك قال لهم: ((هل ترون
ما أرى؟)).
وحديث ابن عباس: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ المَرْأَتَيْنِ
مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَِّهِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فذكره بطوله، وفيه: فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ التِي هُوَ
فيها .. وساق الحديث.
وحديث أَنَسِ آَلَى رَسُولُ اللهِ لَّهِ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ
قَدَمُهُ فَجَلَسَ فِي عِلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ:
(لَا ، وَلَكِنِّي أَلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا)). فَمَكُثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ
عَلَى نِسَائِهِ.
فهذِه ثلاثة أحاديث دالة على ما ترجم له.
والغرف والسطوح وغيرها مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد
وعورة له. و(المشرُبة): الغرفة؛ بضم الراء وفتحها، ذكرهما ابن قتيبة
وقال: هي كالصُّفَّة بين يدي الغرفة(١).
وقال ابن فارس: هي الغرفة(٢). وسلف ذلك.
وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة .
(١) ((غريب الحديث)) ٢١٦/٢، وقوله: (هي كالصفة .. ) ذكره في (المسربة) بالسين
المهملة.
(٢) ((مجمل اللغة)) ٥٢٨/٢.

٦٥٥
كِتَّابُ المَظَّالِم والغَصْبِ
=
وقال ابن بطال في النكاح: المشربة: الخزانة التي يكون فيها طعامه
وشرابه. وقيل لها: مشربة - فيما أرى- لأنهم كانوا يتخذون فيها
شرابهم، كما قيل للمكان الذي تطلع عليه الشمس وتشرق فيه:
ضاحية مشرقة(١).
وفي حديث ابن عباس: الحرص على العلم سنة وتفسيرًا. قال
طاوس: أبى ذلك البحر. يعني: ابن عباس، وقد دعا له التقرير بالتفقه
في الدين(٢)، كما سلف، فكان كما دعا له. قيل له: بم نلت هذا؟
قال: بلسان سئول وقلب عقول.
وفيه: خدمة الرجل الشريف للسلطان والعالم وأنه لا ضعة عليه في
خدمته.
وفيه: الكلام في العلم على كل حال في المشي والطرق والخلوات.
وقوله: (واعجبًا لك) عجب من حرصه على سؤاله عما لا يتنبه عليه
إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا محكم فيه من القرآن.
وقوله: (استقبل عمر الحديث) فيه: أن المحدث قد يأتي بالحديث
على وجهه ولا يختصره؛ لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن
المرأتين بما أخبره (منه)(٣) من قول عائشة وحفصة.
وقوله: (كنا نغلب النساء) يريد أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛
لأنه العَّ سار بسيرة الأنصار فيهن وترك سيرة قومه قريش.
وفيه: موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها.
(١) (شرح ابن بطال)) ٣١٥/٧.
(٢) سلف برقم (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء.
(٣) هكذا في الأصل، وفي ((شرح ابن بطال)) ٦ / ٥٩٦ (به).

٦٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفيه: الحزن والبكاء لأمور رسول الله صل* وما يكرهه والاهتمام بما
يهمه.
وفيه: الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال
أو لم یکن.
وفيه: الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه.
ومن هذا الحدیث قال بعض العلماء: إن السكوت یحکم به كما
حكم عمر بسكوت رسول الله وآخر عن صرفه له.
وفيه: التکریر بالاستئذان.
وفيه: أن للسطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف.
وفيه: تقلله من الدنيا وصبره على مضض ذلك، وكانت له فيه
مندوحة.
وفيه: أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته،
وفي قوله لعمر: ((لا)) رد لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم
يخبر عمر بما أخبر به الأنصاري ولا شكاه؛ لعلمه أنه لم يقصد
الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وَهَمُ جری علیه.
وفي قوله: (أستأنس) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه
بالحديث وأخذ إذنه في الكلام، وفي تبسمه لعمر حين ذكر غلبة قريش
لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم دليل أن المعنيين ليسا محرمين.
وفيه: الجلوس بين يدي السلطان وإن لم يأمر به إذا أُستؤنس منه إلى
أنبساط خلق.
وفيه: أنه لا يحب أن يسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له، ولا يستحقر
نعمة الله عنده ولا سابق قضائه؛ لأنه يخاف عليه ضعف نفسه.

٦٥٧
= ڪِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
وفيه: أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال من
تعجلها في الدنيا الفانية والمتعجل لها أقرب إلى السفه.
وفيه: الاستغفار من التسخط وقلة الرضى.
وفيه: سؤال الشارع الاستغفار، وكذلك يجب أن يسأل أهل الفضل
والخير الدعاء والاستغفار.
وفيه: أن المرأة تُعاقب على إفشاء سرّ زوجها وعلى التحيل عليه
بالأذى، والمنع من مرافقه وشهواته بالتوبيخ لها بالقول كما وبخ الله
تعالى أزواج نبيه على تظاهرهما عليه وإفشاء سره، وعاقبهن الشارع
بالإيلاء والاعتزال والهجران، كما قال تعالى: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى
اٌلْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
وفيه: أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وإنما يجري فيه على
الأهلة التي جعلها الله تعالى مواقيت للناس في آجالهم.
وفيه: أن الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن
شاء منهن، وأنه ليس عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج، وفي نقض
رتبة الدوران وابتدائه من حيث بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها
توسعة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآِ﴾.
الآية [النساء: ١٢٩]، ومن أبيح له بعض الميل، فقد رخص له في
التقصير عن العدل في القسمة،
وفيه: أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها وذوي الرأي من
أهلها في أمر نفسها ومالها؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها، وإن كان
الشارع أمر بالمساعدة في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، فهي في
المال أولى بالمشاورة، لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة

٦٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
كعائشة، وليس على من تبين له رشد رأيه أن يشاور ويسقط عنه الندب
فيه.
وقوله: (مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر
الرمال بجنبه) قال أبو عبيدة: رملتُ الحصير رملًا وأرملته: إذا
نسجته، ومعنى (أثر بجنبه): جعلت فيه خططًا.
وقوله: (عن المرأتين اللتين) كذا هو في الأصول وذكره ابن التين
بلفظ (التي) ثم قال: وصوابه اللتين، ومعنى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالت
إلى الحق ورجعت.
و قوله: (فحججت معه) فیه: ذكر العمل الصالح، ولیآتي بالحديث
على هيئته، ومعنى (تبرَّزَ): قضى حاجته.
وقوله: (فسكبت على يديه) أي: صببت، وفيه: الاستعانة في
الوضوء إذ هو الظاهر من قوله (فتوضأ) قال ابن التين: ويحتمل
الآ ستنجاء، وذلك أن يصب الماء على يده اليمنى، ثم يرسله حيث شاء.
وقوله: (فقلت: من المرأتان؟)، وفي رواية أخرى: (لي سنة أتحين
أن أسألك عن شيء) وفيه: هيبة عمر.
وقوله: (واعجبًا لك) أي: على حرصك لم تعلم هذا إلى الآن؟!
وقوله: (إني كنت وجار لي)، فيه: العطف على الضمير المرفوع من
غير أن يؤكد، والأحسن توكيده، قال تعالى: ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾
[الأعراف: ١٩] ومعنى: (نتناوب) نتداول أنا مرة وهو أخرى، ومنه
قيل: نابت فلانًا نائبة: إذا حدثت به حادثة، والنوب عند العرب:
القرب.
وقوله: (كنا معشر قريش) أي: جمع قریش.

٦٥٩
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
وقوله: (فطفق نساؤنا) أي: ظلوا، وطفق بكسر الفاء وفتحها، قال
تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ [طه: ١٢١] أي: أخذا في ذلك، وفيه لغة
ثالثة: طبق بالباء بدل الفاء.
وقوله: (فصحت على امرأتي) کذا هنا. وقال في النكاح: (فصخبت
على امرأتي)(١)، أي: صحت كما هو في بعض النسخ.
وقوله: (وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). قال الداودي: يومًا
من الأيام أجمع.
وقوله: (فجمعت عليَّ ثيابي) أي: لبستها.
وقوله: (أفتأمن) إلى قوله: (فتهلكن)(٢). فيه: رد الخطاب إلى
الجمع، قاله الداودي، ويجوز أن يكون عائدًا إلى إحداكن؛ لأنه
قال: (خابت وخسرت، أفتأمن) فالكلام راجع إلى أحد و(جارتك)
أي: عائشة ضرتها (أوضأ) أي: أحسن وأجمل من الوضاءة وهو
الجمال.
و(غسان) رهط من قحطان نزلوا حين تفرقوا من مأرب بماء يقال له:
غسان المشلل، فسموا به فسكنوا بطرف الشام، ومعنى (تُنْعِل النعال):
تصنع الحديد لأجل حوافر الخيل.
وقوله: (فرجع عشاء) أي: بعد عشاء الآخرة أو بعدها شيئا.
وقوله: (أعظم منه وأطول) يريد: أعظم منه وأطول حزنًا، ظنوا أنه
طلق نساءه؛ لاعتزالهن. قال الفراء في قوله تعالى: (عَرَف بعضه)
بتخفيف الراء ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]: جازى على ذلك
(١) سيأتي برقم (٥١٩١) باب: موعظة الرجل ابنته ..
(٢) كذا بالأصل، وفي ((اليونينة)): فتهلكين.

=
٦٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وغضب منه، کما تقول لمن أساء إليك: قد عرفت ذلك لك، وقد جازى
حفصة بالطلاق(١). و(يوشك) بكسر الشين: أي: يسرع كونه.
وسلف الاختلاف في الرهط هل يطلق على ما فوق العشرة. وقيل:
هو كالبضع من الثلاث إلى العشرة.
وقوله: (فقلت لغلام أسود: أستأذن) كان أكثر شأنه الكلية، أنه
لا بواب له، ويحتمل جلوس هذا؛ لئلا يكثر الناس عليه ويخبرهم
بإذنه ومنعه، وصمته التليف ولم يأذن له لعله لشدة غضبه إذًا.
وقوله: (على رمال حصير) يعني: ما شدته من أحبله، يقال: رملت
الحصير: نسجته، وحصير مرمول: منسوج، والرمل: هو النسج،
والراملة: الناسجة، وفي رواية أخرى: على رمال سرير(٢).
وقوله: (من أدم). قال الداودي: أي: من جلد، وأهل اللغة
يقولون: أدم جمع أدیم.
وقوله: (فتبسم رسول الله (ص1) هو شأنه؛ إذ ضحكه التبسم؛ إكرامًا
لمن يضحك إليه. قال جرير: ما رآني رسول الله ولو منذ أسلمت
(٣)
إلا تبسم (٣).
وقوله: (أهَبَة) هو بفتحهما جمع إهاب على غير قياس، وضبط أيضًا
بضمهما وهو الجلد مطلقًا .
وقال قوم: إنه الجلد قبل أن يدبغ، وبه جزم ابن بطال، فقال في
(١) (معاني القرآن)) ١٦٦/٣.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٩٤) كتاب: فرض الخمس، عن مالك بن أوس، أنه دخل على
عمر، فإذا هو جالس على رمال سرير.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٠٠ (٣٢٣٣٠)، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ٥٩٣/٢
(١٦١١)، من حديث جرير بن عبد الله البجلي.