Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
التي يقضى بها على حكم الظاهر، وهي في الباطن على خلاف ذلك،
فيكون حديث الباب على القضاء في الأموال، وأن حديث المتلاعنين
على القضاء بغير الأموال حتى تتفق معاني الأخبار، وقد حكم
الشارع في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أنهما
يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها وتحرم
على المشتري، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى بما قال
الصادق منهما ولم يقض بفسخ بيع، ولا بوجوب حرمة فرج الجارية
المبيعة على المشتري، فلما كان ذلك على ما وصفنا كان ذلك كل
قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في
الظاهر لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن
الحسن، وأجاب ابن رشد عن اللعان بأن الفرقة فيه إنما وقعت؛
عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب.
ومنها: العمل بالظن حيث قال: فأحسب أنه (صادق)(١) وهو أمر لم
يختلف فيه في حق الحاكم، ومنها مخرج الغالب حيث قال: ( ((من حق
أخيه))) فإنه خرج مخرج الغالب؛ لأن مال الذمي والمعاهد والمرتد في
هذا كمال المسلم.
(١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة (صدق).

٦٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٧ - باب إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُغْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ
اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ:
((أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ
مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،
وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)). [انظر: ٣٤ - مسلم: ٥٨ - فتح ١٠٧/٥]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو السالف في الإيمان، وقال هنا:
(وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ)).
والمراد: تعظيم ذنبه وقربه من النفاق لا حقيقة، فيخشى على
مرتكبها ذلك أو أنه منافق في تلك الخصلة دون غيرها مما صح فيه
اعتقاده.
والفجور: الكذب والريبة، وذلك حرام، ألا ترى أنه التلّة قد جعل
ذلك خصلة من النفاق، وأطلق اسم النفاق على صاحب هذه الخصال
وعلى بعضها؛ لأنها تغلب على أحوال المرء وتستولي على أكثر
الأفعال، فاستحق هُذِه التسمية بما غلب عليه من قبيح أفعاله
ومشابهته فيها المنافقين والكفار، فوصف بصفتهم تقبيحًا لحاله،
ولا شيء أقبح على المرء من ملازمته أفعال الكفار ومجانبته أفعال
المؤمنين، أعاذنا الله من ذلك.

٦٢٣
=
= ڪِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
١٨ - باب قِصَاصِ المَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ
وَقَالَ ابن سِيرِينَ: يُقَاصُّهُ. وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ
مَا عُوقِبْتُم بِهِءٌ﴾ [النحل: ١٢٦].
٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُزْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا
سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسْيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجْ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الذِي لَهُ عِيَّالَنَا؟ فَقَالَ: ((لَا حَرَجَ
عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ)). [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح ١٠٧/٥]
٢٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي
الَِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبِيِّ بَّهِ: إِنَّكَ تَبْعَثْنَا فَتَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا
تَرِى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفَ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ
لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضََّّفِ)). [٦١٣٧ - مسلم: ١٧٢٧ - فتح ١٠٧/٥]
ثم ساق حديث عائشة في قصة هند: ((لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ
بِالْمَعْرُوفِ)».
وحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا لرسول الله وَّةِ: إِنَّكَ تَبْعَثْنَا فَتَنْزِلُ
بِقَوْمِ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرِى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْم، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا
يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الْضَّيْفِ)).
الشرح :
أثر ابن سیرین قال به الحسن، وحديث عقبة رواه من حدیث یزید،
عن أبي الخير، عنه، به. أخرجه الترمذي من حديث ابن لهيعة، عن
يزيد، وحسنه. ولفظه: إنا نمر بقوم فلا هم (يضيفونا)(١) ولا هم
(١) في الأصل فوق هذِه الكلمة لفظة: كذا.

٦٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم، فقال العليها: ((إن أبوا
إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا)) ثم قال: معناه أنهم كانوا يخرجون في الغزو،
فيمرون بقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترونه بالثمن؛ فقال القيمة: ((إن
أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا)). قال: هكذا روي في بعض الحديث
مفسرًا. قال: وروي عن عمر أنه كان يأمر بنحو من هذا (١).
واختلف العلماء في الذي يجحد وديعة غيره، ثم المودع يجد له مالًا
هل يأخذه عوضًا من حقه أم لا؟
وفيه خلاف عن مالك أيضًا. فروى ابن القاسم عنه أنه لا يفعل
واحتج بحديث: ((أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))(٢)،
وروي عنه أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله إذا لم يكن فيه شيء
من الزيادة، وهو قول الشافعي، واحتج بحديث هند، وعندنا أن من
له حق على شخص وعجز عن أستيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر
حقه بغير إذنه(٣).
وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا لم يكن على الجاحد للمال دين،
فله أن يأخذ مما يظفر له به من المال حقه، وإن كان على الجاحد للمال
دين فليس له أن يأخذ إلا بمقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء(٤).
وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن
المكيل المكيل، ومن الموزون الموزون، ولا يأخذ غير ذلك. وحكي
(١) الترمذي (١٥٨٩).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، من حديث أبي هريرة، وقال: هذا
حديث حسن غريب.
(٣) ((مختصر المزني)) بهامش ((الأم) ٢٦٧/٥.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٤٥٤/١٠.

٦٢٥
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
-
عنه المنع المطلق. وقال زفر: له أن يأخذ العرض بالقيمة.
وأولى الأقوال في ذلك قول من أجاز الانتصاف من حقه إذا وجد
مال من ظلمه بدلالة الآية، ودلالة حديث هند، ألا ترى أنه أجاز لها أن
تطعم عياله من ماله بالمعروف عوض ما قصر فيه من طعامهم، فدخل في
معنى ذلك كل من وجب عليه حق لم يوفه أو جحده أنه يجوز له
الاقتصاص منه.
وليس حديث ((أدِّ الأمانة)) مخالف لهذا المعنى؛ لأن من أخذ حقه
فلا یسمی خائنا، فمعناه الخصوص، فکأنه قال: أدها إن لم یکن غاصبًا
لمالكَ ولا جاحدًا له، وأما من غصبك حقك وجحدك فليس يدخل فيمن
أُمِرَ بأداء الأمانة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولدلالة حديث هند، وهذا التأويل ينفي التضاد ودليل
القرآن.
وتبويب البخاري دال عليه، وإذا سرق من غريمه فأراد قطع يده
فادعى أنه اقتص من حقه لم يقطع كما قال الخطابي؛ للشبهة فيه إذا
قامت له بينة بما أدعاه من الحق وإلا قطع (١).
وفي ((الهداية)) من له على آخر دراهم فسرق مثلها لم يقطع؛ لأنه
استيفاء لحقه، والحال والمؤجل فيه سواء؛ لأن التأخير لتأخر
المطالبة، وكذا لو سرق زيادة على حقه؛ لأنه بمقدار حقه يصير
شريكًا فيه، وإن سرق عروضًا قطع؛ لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه
إلا بالتراضي، وعن أبي يوسف لا يقطع؛ لأن له أن يأخذه عند بعض
العلماء قضاء من حقه أو رهنًا بحقه(٢).
(١) ((أعلام الحديث)) ١٢٢٣/٢.
(٢) ((الهداية)) ٤١٢/٢.

٦٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال الخبازي(١) في ((حواشيه)): أراد ببعض العلماء الشافعي في
أخذه العروض، وقوله: أو رهنًا عند بشر المريسي.
وأما حديث عقبة، فقال أكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم أنه
كان في أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله
الشيخ: ((جائزته يوم وليلة))(٢)، والجائزة تفضل وليست بواجبة(٣).
وقال ابن التين: قيل: نسخها: ﴿وَلَا تَأْكُوَاْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِ﴾
[البقرة: ١٨٨] قال: وقيل: كان ذلك في أهل العمود والمواطن التي
لا أسواق فيها. وسيأتي مذاهب العلماء في الضيافة في باب: إكرام
الضيف من كتاب الأدب إن شاء الله تعالى.
قال الخطابي: وهؤلاء المبعوثون في حديث عقبة إنما يأخذون ممن
نزلوا بهم بحق الضيافة على معنى أنهم أبناء سبيل، وحق الضيافة من
المعروف الذي يكره تركه ولا يجبر عليها أحد ويقبض من ماله إلا عند
الضرورة ولو كانوا عمالًا كان على المبعوث إليهم طعامهم
وما يصلحهم، وإنما كان يلزم ذلك لمن كان الَّفي يبعثهم في زمانه
وليس إذ ذاك للمسلمين بيت مال، وأما اليوم فيعطون أرزاقهم، فليس
لهم حق في أموال المسلمين، وإلى نحو منه ذهب أبو يوسف فيما
كان شرط من أمر الضيافة على أهل نجران، فزعم أنها كانت خاصًّا
(١) هو جلال الدين، عمر بن محمد بن عمر الخبازي، توفي سنة ٦٩١هـ، عن اثنتين
وستين سنة، وله حاشية على ((الهداية))، وكتاب: ((المغني في أصول الفقه)). انظر:
(تاج التراجم في من صنف من الحنفية)) لابن قطلوبغا ص ١٦٤ (١٨٥).
(٢) سيأتي برقم (٦٠١٨) كتاب: الأدب، باب: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)) من
حديث أبي هريرة.
(٣) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٥٨٥.

٦٢٧
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
=
بأيامه ليس لأحد بعده، وقد كان عمر حين ضرب الجزية على نصارى
الشام جعل عليهم الضيافة لمن نزل بهم، فإذا كانت الضيافة مشروطة
على قوم من أهل الذمة مع الجزية فمنعوها كان للضيف أن يأخذ حقه
من عرض أموالهم(١).
تنبيهات :
أحدها: لما ذكر ابن التين عن الداودي أن المراد بحديث: ((لا تخن
من خانك)) لا تأخذ أكثر من حقك، قال: وهذا أحد قولي مالك؛ لأنه
آئتمنه، فإن لم يكن ائتمنه واختفى فله الأخذ، وأما من ائتمنه ففي
((المدونة)): لا يأخذ، واحتج بهذا الحديث(٢)، والآخر أنه يأخذ قدر
حقه ويحلف ما دفعت لي شيئًا. يعني: يجب عليَّ رده عليك. وقيل:
ينوي إلا ولي عليك مثله، وكأنه كالمكره على اليمين. وقيل: يحرك
لسانه بما تقدم. وقيل: واسع أن لا يحركه. وقيل: إن أمن أن يحلف
جاز له أن يأخذ، ويجزئ الحلف بقوله: مالك عندي حق.
قال: وهذا إذا كان الظالم لا دين عليه، فإن كان عليه دين؛ فقيل:
يأخذ قدر ما يقع له في المخاصمة. وقيل: يأخذ جميع ماله؛ لأنه لم
یفلس بعد، قاله محمد بن عبد الحكم.
ثانيها: معنى (ممسك) وفي نسخة: (مسيك)(٣) في حديث هند هو
بكسر الميم وتشديد السين: بخيل شديد التمسك بما في يديه.
(١) ((أعلام الحدیث)) ١٢٢٤/٢- ١٢٢٥.
(٢) ((المدونة)) ٣٦٠/٤.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال في ((المطالع)) كذا رواية أكثر المحدثين -يعني: ما هو
مبسوط هنا- قال ورواية المتقنين بفتح الميم وتخفيف السين وكذا للمستملي عن أبي
بحر فبالوجهين وجدته على ابن الحسن وكذا ذكره أهل اللغة؛ لأن أمسك لا يبنى منه
فعیل، إنما يبنى من الثلاثي وقد يقال: مسك لغة قليلة. انتهى.

٦٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفعيل: من أبنية المبالغة کشریب وسکیر وخمیر.
وقولها: (من الذي له) أي: من ماله الذي في يدي أو بيدي.
قال الخطابي: وفيه: أن من له حقٌّ على رجل، وفي يده مال له
استوفاه، وإن كان من غير حقه؛ لأن معلومًا أن بيت الرجل الشحيح
لا یجمع کل ما يحتاج إليه عياله على مر الأيام حتى يستغني به عما
سواه(١).
قال ابن التين: وهذا غير ظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون
تحت يدها ما تريد أو تبيع منه ما تشتري ما تحتاج إليه.
قال الشيخ أبو إسحاق في ((زاهيه)): من أصحابنا من منع من ذلك أن
يأخذه أو يبيعه بمثل ما له عليه؛ لأنه لم يوكل في ذلك، وبه أقول.
قال الخطابي: وفيه جواز الحكم على الغائب. قلت: فيه نظر فإنه
كان بالمدينة(٢)، قال: وفيه حكم الحاكم بعلمه(٣).
وفيه: أن السارق إذا سرق من غريمه لا يقطع.
وقوله: ( ((بالمعروف)) )، أي: بقدر حاله وما يجب عليه.
ثالثها: قد أسلفنا نسخ حديث عقبة وقيل: إنه المراد بقوله:
﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨] وحق
الضيف معروف لا يمنعه إلا عند الضرورة.
(١) ((أعلام الحديث)) ١٢٢٣/٢.
(٢) ورد بهامش الأصل -يعني: بمكة -: بل قال السهيلي أنه كان حاضرًا السؤال
فاعلمه، وقد ساقه في ((روضه)) رواية، وذلك في مكة لا في المدينة.
(٣) ((أعلام الحديث)) ١٢٢٣/٢.

٦٢٩
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
=
واختلف هل يؤخذ من مانعه قيمته إذا كان المضطر غير حاضر،
ذكره ابن التين، قال: وأما من بعثهم الإمام، فيجب على المبعوث
إليهم طعامهم إلا أن يكون هناك بيت مال يحمل كلَّهم، وكان
المسلمون يومئذٍ لا بيت مال لهم.
وقولهم: (لم يقرونا) أي: يضيفونا من قريت الضيف إذا جمعته
إليك، وليس قولهم هذا غيبة كما سلف. وقيل: حق الضيف أن يأخذ
ضيافته.

٦٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
١٩ - باب مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ
وَجَلَسَ النَّبِيُّ وَهُ وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةً.
٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ،
وَأَخْبَرَنٍ يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنٍ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ
أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهم قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ بِّهِ: إِنَّ الأَنَّصَارَ اجْتَمَعُوا فِي
سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقُ بِنَا، فَجِثْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةٍ بَنِي سَاعِدَةً.
[٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣ - مسلم: ١٦٩١ - فتح ١٠٩/٥]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِ
يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ ابن
عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ بَّهِ: إِنَّ الأَنْصَارَ
اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَّبِي بَكْرٍ: أَنْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ
فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةً.
وهذا الحديث ذكره مسلم والأربعة (١) مطولًا ومختصرًا وليس فيها
جلوسه الكلية في السقيفة، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي أيضًا.
وقوله: (حدثني ابن وهب، حدثني مالك، وأخبرني يونس) قيل: إن
ابن وهب أول من فرق بين أخبرني وحدثني(٢)(٣).
(١) أبو داود (٤٤١٨)، والترمذي (١٤٣٢)، وابن ماجه (٢٥٥٣)، والنسائي في
«الكبرى» ٢٧٢/٤ (٧١٥٣).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: تقدمه ابن جريج والأوزاعي.
(٣) رواه عن ابن وهب الترمذي ٥/ ٧٥٢ كتاب: العلل، وانظر: ((علوم الحديث)) لابن
الصلاح ص١٣٩ - ١٤٠، وروى الخطيب في ((الكفاية)) ص ٤٣٤ التفريق بين أخبرنا
وحدثنا عن ابن جريج والأوزاعي.

٦٣١
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
-
والسقائف صفف لها سقف، والسقيفة: فعيلة بمعنى مفعولة.
قال ابن التين: ولما كان لأهل الموضع أن يرتفقوا بسقائفهم
وأفنيتهم؛ لأنه لو لم يجز ذلك لم يجلس رسول الله صل* هناك، ثم
اُقتدى به أصحابه.
وقال ابن بطال: السقائف والحوانيت قد علم الناس ما وضعت له
ومن أتخذها مجلسًا، فذلك مباح له إذا التزم ما في ذلك من غض البصر
ورد السلام وهداية الضال وجميع شروطه(١).
(١) ((شرح ابن بطال)) ٥٨٦/٦.

٦٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٢٠ - باب لَا يَمْنَعُ جَارَّ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ
خَشَبَهُ في حِدَارِهِ
٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِنََّ قَالَ: ((لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ
فِي جِدَارِهِ). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِ أَرَاكُمْ عَنْهَا مُغْرِضِينَ؟! والله لأُزَمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ
أَكْتَافِكُمْ. [٥٦٢٧، ٥٦٢٨ - مسلم: ١٦٠٩ - فتح ٥ /١١٠]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَّبَهُ
فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! والله
لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
قال ابن عبد البر: كذا روى هذا الحديث رواة ((الموطأ)) عن مالك،
ورواه خالد بن مخلد عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج به،
ويحتمل أن يكون عنده بهما جميعًا، ورواه أكثر أصحاب ابن شهاب
عنه عن الأعرج كما رواه مالك إلا معمر بن راشد، فإن عنده عن ابن
شهاب إسنادين أحدهما كما سلف، والثاني عن ابن المسيب بدل
الأعرج.
قال الرازيان: وَهِمَ معمرٌ فيه؛ إنما هو الزهري عن الأعرج(١).
وبهذا الإسناد كان هذا الحديث عن عقيل.
ورواه محمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة ولم يتابع على ذلك عن ابن شهاب، ورواه هشام بن
(١) ((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ٤٧١ (١٤١٣).

٦٣٣
= ڪِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
يوسف الصنعاني، عن معمر ومالك عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة فوهِم فيه، وليس بصحيح فيه عن مالك ولا عن معمر ذكرُ
أبي سلمة - فيما ذكره الدار قطني(١).
وقد روى بشر بن عمر عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة.
والصواب: مالك، عن الزهري، عن الأعرج كما سلف(٢).
ولما سئل أبو حاتم عن حديث ابن الطباع، عن وهيب وابن علية،
عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة. الحديث من غير ذكر ابن سيرين،
قال: إن كان حديث ابن الطباع محفوظًا فهو غريب، وأحسب غير ابن
الطباع رواه عن حماد ولم يذكر ابن سيرين(٣).
وروى أسد بن موسى، حدثنا قيس بن الربيع، عن سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: ((من ابتنى فليدعم جذوعه على حائط
جاره)) (٤).
ولابن ماجه: ((لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبَهُ في حائط
جارە»(٥).
(١) ((العلل)) ٢٩٣/١٠.
(٢) ((التمهيد)) ٢١٥/١٠- ٢١٧.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٤٦٦/١-٤٦٧ (١٤٠١).
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٦/ ٢٠٠-٢٠١ (٢٤٠٨)، عن الربيع بن
سليمان المرادي، ثنا أسد، به. ورواه ابن أبي شيبة ٥٤٩/٤ (٢٣٠٢٧) من طريق
سفيان، عن سماك، به.
(٥) ابن ماجه (٢٣٤١) من حديث ابن عباس بلفظ: ((لا ضرر ولا ضرار)) فقط، ورواه
بتمامه أحمد ٣١٣/١.

٦٣٤
1
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وله من حديث عكرمة بن سلمة بن ربيعة أن أخوين من بني المغيرة
لقيا مجمع بن جارية الأنصاري(١) ورجالًا كثيرًا، فقالوا: نشهد أن رسول
الله ◌َّ قال: ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبًا في جداره))(٢).
قال أبو عمر: قيل: إن حديث مجمع هذا مرسل، وإنما يروى عن
عمر، عن رسول الله وَّ، وربما رواه عن أبي هريرة(٣).
إذا تقرر ذلك، فـ ((خشبة)) روي بالإفراد والجمع و(أكتافكم) بالتاء،
وصُخِّفَ بالنون.
قال عبد الغني: كل الناس يقولونه ((خشبَهُ)) بالجمع إلا الطحاوي(٤)،
ويؤيده حديث مجمع، وإنما وقع الاعتناء بذلك؛ لأن أمر الواحدة أخف
في محل التسامح بخلاف الكثير، فإن الضرر يحصل ولا تحصل
المسامحة.
وقوله: (مالي أراكم عنها معرضين) يعني: عن المقالة التي قالها،
أنكر عليهم لما رأى من إعراضهم واستثقالهم لما سمعوه.
قال ابن عبد البر: يقول ابن عيينة في هذا الحديث: ((إذا استأذن))
(١) هكذا ذكره المصنف.
وفي ((السنن)) مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري، وفرَّق بينهما ابن عبدالبر؛ فجعل
الثاني -مجمع بن يزيد- ابن أخي الأول، وقال ابن منده: أراهما واحدًا. وقال
أبو نعيم: أفرده بعض المتأخرين عن الأول، وهما واحد، وقال المزي في ترجمة
مجمع بن يزيد: هو ابن أخي مجمع بن جارية، وقيل: هما واحد، ينسب تارة إلى
أبيه، وتارة إلى جده.
انظر: ((الاستيعاب)) ٤١٨/٣، (أسد الغابة)) ٦٨/٥، ((تهذيب الكمال)) ٢٥٠/٢٧.
(٢) ابن ماجه (٢٣٣٦).
(٣) («الاستيعاب)) ٤١٨/٣.
(٤) أنظر: ((المنتقى) للباجي ٤٥/٦، ((التمهيد)) ٢٢١/١٠.

=
٦٣٥
- كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
وكذلك في رواية ابن أبي حفصة (و)(١) عقيل عن سليمان بن كثير: ((إذا
سأل أحدكم جاره)) و((من سأله جاره أن يضع خشبه في جداره
فلا يمنعه))(٢)، وهكذا روى هؤلاء هذا الحديث على سؤال الجار
جاره واستئذانه إياه أن يجعل خشبه على جداره، ولم يذكر معمر
ويونس في هذا الحديث السؤال والمعنى فيه واحد، وروى هذا
الحديث عن مالك الليثُ، فقال فيه: ((من سأله جاره .. ))(٣).
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث هل هو على وجه الندب
أو الإيجاب؟
فقالت طائفة بالثاني إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب
الجدار، وهو قول الشافعي في القديم، وإن أطلقه عنه ابن بطال
وأحمد وإسحاق وداود وأبي ثور وجماعة من أصحاب الحديث وابن
حبيب من المالكية، وهو مذهب عمر بن الخطاب. وحكى عن مالك
ذلك المطلب -قاض- أنه كان بالمدينة يقضي به، وقاله أبو هريرة في
زمن الأعرج والتابعين(٤).
وقالت طائفة بالأول لا يغرز الخشب في حائط أحد إلا بإذنه،
والحديث محمول على الندب، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي
في الجديد(٥)، والحجة لهم قوله وَلافي: ((إن دماءكم وأموالكم عليكم
(١) في الأصل: (عن)، والمثبت من ((التمهيد))، وهو الصواب.
(٢) رواه عنهم الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٦/ ٢٠٤-٢٠٦ (٢٤١٧ -٢٤٢٠).
(٣) ((التمهيد)) ٢١٨/١٠-٢١٩.
(٤) انظر: (الاستذكار)) ٢٢٦/٢٢-٢٢٧، ((شرح ابن بطال)) ٥٨٦/٦، ((شرح مسلم))
للنووي ٤٧/١١، ((روضة الطالبين)» ٢١٢/٤.
(٥) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٠١/٣، ((الاستذكار)» ٢٢٥/٢٢، ((شرح
مسلم)) ٤٧/١١، ((روضة الطالبين)) ٤/ ٢١٢.

٦٣٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
حرام))(١) وأنه لا يجوز لأحد أن يجبر أحدًا على أن يفعل في ملكه ما يضر
به، وقد قال الظفيها: ((لا يحل مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه))(٢)،
فعلمنا أن حديث أبي هريرة للندب وحسن المجاورة لا للوجوب، وهي
كقوله القيّم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) (٣)،
ولقوله: ((ما آمن من بات شبعان وجاره طاوٍ)) (٤).
قالوا: ولو كان الحديث معناه الوجوب ما جهل الصحابة تأويله
ولا كانوا معرضين عن أبي هريرة حين حدثهم به، وإنما جاز لهم
ذلك لتقرير العمل، والأحکام عندهم بخلافه، ولا يجوز علیھم جهل
الفرائض، فدل ذلك أن معناه على الندب، وفي هذا دليل أن تأويل
الأحاديث على ما بلغناها عنه الصحابة لا على ظاهرها.
قال المهلب: ولو بلغ من اجتھاد حاکم أن یحکم فیه لنفذ حکمه بما
خص رسول الله وَلقر أمته من ذلك، كما حكم عمر على ابن مسلمة في
تحويل الساقية إلى جنبه.
وسئل ابن القاسم عن رجل كانت له خشبة في حائط أدخلها بإذنه،
ثم إن الذي له الحائط وقع بينه وبين الذي له الخشب شحناء، فقال له:
أخرج خشبك من حائطي، فقال مالك: ليس لنا أن نخرجه على وجه
(١) سلف برقم (٦٧) كتاب: العلم، باب: قول النبي ◌َّه: (رب مبلغ أوعى من سامع))
من حديث أبي بكرة.
(٢) رواه أحمد ٧٢/٥-٧٣، من حديث أبي حُرَّة الرقاشي، و٤٢٣/٣ من حديث
عمرو بن یثربي بنحوه.
(٣) سيأتي برقم (٦٠١٤) كتاب: الأدب، باب: الوصاة بالجار، من حديث عائشة.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٦٤ (٣٠٣٥٠) من حديث ابن عباس، ورواه الطبراني ١/
٢٥٩ (٧٥١) من حديث أنس بن مالك.

٦٣٧
= كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
الضرر، ولكن ننظر في ذلك، فإن أحتاج الرجل إلى حائطه ليهدمه فهو
أولى به.
وروى ابن عبد الحكم أنه قال: وإن أراد بيع داره، فقال: أنزع
خشبك فليس له ذلك. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقلع الخشب
أبدًا وإن احتاج صاحب الجدار إلى جداره(١).
وفي رواية عن ابن عبد الحكم، عن مالك، قال: ليس يقضى على
رجل أن يغرز خشبة في (جداره لجاره)(٢)، وإنما نرى أن ذلك كان من
رسول الله ـ على الوصاة بالجار (٣)، وأكثر علماء السلف على الأول
أنه على الندب، وحملوه على معنى قوله الشيخ: ((إذا استأذنت أحدكم
امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) (٤).
قلت: وأجيب بجواب آخر وهو أن الهاء في ((جداره)) يرجع إلى
الغارز؛ لأن الجدار إذا كان بين اثنين وهو لأحدهما فأراد صاحبه أن
يضع عليه الجذوع ويبني ربما منعه جاره؛ لئلا يشرف عليه، فأخبر
الشارع أنه لا يمنعه ذلك.
قال ابن التين: وعورض هذا بأنه إحداث قول ثالث في معنى
الخبر، وذلك ممنوع عند أكثر الأصوليين، ولا نسلم له.
(١) أنظر: ((شرح ابن بطال)) ٥٨٧/٦-٥٨٨، ((التمهيد)) ٢٢٢/١٠-٢٢٣، ((الاستذكار))
٢٢٥/٢٢-٢٢٦، ((النوادر والزيادات)) ٩٣/١١-٩٥.
(٢) في الأصل: جدار جاره، والمثبت من ((التمهيد))، و((الاستذكار)).
(٣) ((الاستذكار)) ٢٢٥/٢٢، ((التمهيد)» ٢٢٢/١٠.
(٤) سلف برقم (٨٧٣) كتاب: الجمعة، باب: استئذان المرأة زوجها .. ، ورواه مسلم
(٤٤٢) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد .. ، من حديث ابن
عمر.

٦٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
ومعنى (لأرمين بها بين أكتافكم) أي: أذيعها فيكم. وقال الخطابي:
إن لم تقبلوه وتتلقوه بأيديكم راضين جعلته على رقابكم كارهين(١).
وغرزت الخشبة أغرزها -بالكسر -: أدخلتها الجدار.
واعلم أن ما قدمناه عن الشافعي من حمل الحديث على الوجوب
في القديم رأيته في البويطي أيضًا، حيث قال في باب اختلاف مالك
والشافعي. قال مالك: للجار أن يغرز خشبه في جداره. وقال
الشافعي: ليس له أن يمنعه(٢). هذا لفظه، ورجحه البيهقي حيث قال:
لم نجد له في السنة معارضًا، ولا تصح معارضته بالعمومات، وقد
نص عليه في القديم والجديد ولا عذر لأحد في مخالفته(٣).
واختار الروياني التفصيل بين أن يظهر تعنت فاعله أم لا ، ثم للإجبار
شروط أن لا يحتاج مالك الجدار إليه لوضع جذوعه، وأن تكون خفيفة
لا تضر، وأن لا یمکن الجدار أن یسقف إلا بالوضع، وأن تكون الأرض
له، كما أوضحتها في كتب الفروع(٤).
(١) ((أعلام الحديث)) ١٢٢٨/٢.
(٢) أنظر: ((الاستذكار)) ٢٢٨/٢٢.
(٣) ((معرفة السنن والآثار)) ٩/ ٣٧.
(٤) ورد بهامش الأصل: آخر ٣ من ٨ من تجزئة المصنف.

٦٣٩
كِتَّابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
٢١ - باب صَبِّ الخَمْرِ في الطّرِيقِ
٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَخْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّنُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدِ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌّ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلٍ أَبِ طَلْحَةً،
وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذِ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَِّ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَّا إِنَّ الَخَمْرَ قَدْ
حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: أَخْرُجْ فَأَهْرِفْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ
المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَّلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيَمَا طَعِمُواْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٣]. [٤٦١٧، ٤٦٢٠،
٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ١١٢/٥]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ رضي الله عنه: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي
طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ مُنَادِيًا يُنَادِي:
أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ؛ فَقَالَ لِي أَبُو
طَلْحَةَ: أَخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ
القَوْم: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الطَِّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيَمَا طَعِمُواْ﴾.
هذا الحديث ذكره فيما يأتي بألفاظ أخر منها، فقال أبو طلحة:
فاخرج فانظر لنا ما هذا الصوت فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي
ألا إن الخمر قد حُرِّمت، ومنها: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة
وأبي بن كعب، وفي لفظ: وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء، فقال
أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذِه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت
إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت؛ ويأتي في التفسير
أيضًا، وأخرجه مسلم وأبو داود في الأشربة(١).
(١) أبو داود (٣٦٧٣).

٦٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
سميت الخمر لمخامرتها العقل، أي: مخالطتها له أو لتغطيتها إياه،
تذکر وتؤنث(١).
وجزم ابن التين بالتأنيث. قال ابن سيده: هي ما أسكر من عصير
العنب، والأعرف فيها التأنيث، وقد تذكر، والجمع: خمور (٢).
وقال ابن المسيب فيما حكاه النحاس في ((ناسخه)): سميت؛ لأنها
صعد صفوها ورسبت كدرتها(٣).
وقال ابن الأعرابي: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير
ريحها (٤).
وجعلها أبو حنيفة الدينوري(٥) من الحبوب وهو تسمح؛ لأن
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال النووي في ((التهذيب)): وهي مؤنثة على اللغة
الفصيحة المشهورة، وحكى أبو حاتم في ((المؤنث والمذكر)) في موضعين منه أنَّ
قومًا فصحاء يُذَكِّرونها، قال: وسمعت ذلك ممن أثق به. وذكرها ابن قتيبة في
((أدبه)) فيما جاء فيه اللغتان ولا يقال: خمرة بالهاء في اللغة الفصيحة وتكرر
استعمالها في ((الوسيط)) بالهاء بلا إنكار. قال: وقد روينا في ((الجعديات)) مرفوعًا:
((إن الشيطان يحب الخمرة)) بالهاء، وكذا ذكره أهل اللغة الجوهري وغيره. وذكر
أبو حاتم أنه يقال: خمرة. وكذا ابن مالك في ((المثلث)). قال: الخمرة، الخمر،
انتهى بمعناه. [انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٩٨/٣].
(٢) ((المحكم)) ١١٤/٥.
(٣) ((الناسخ والمنسوخ)) ٥٩٥/١.
(٤) ((الصحاح)) ٦٤٩/٢.
(٥) هو أحمد بن داود الدينوري النحوي، تلميذ ابن السكيت، صدوق، كبير الدائرة،
طويل الباع، ألف في النحو واللغة والهندسة والهيئة والوقت ... وأشياء، مات سنة
٢٨٢ هـ أنظر: ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٢/١٣ (٢٠٨).