Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ = ڪِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ والجواهر، وسواء كان مما يقبض بالتخلية أو مما يقبض بالتحويل. وقال أبو حنيفة: إن كان المشاع مما يقسم لم يجز هبة شيء منه مشاعًا، وإن كان مما لا يقسم يجوز هبته (١). فائدة : معنى: (تَلَّه): دفعه إليه بعنف وقوة. قاله الخطابي (٢). وقال غيره: تله: وضعه في يده، وأنكر مقالته هذِه، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: صرعه ولكن برفق لا بعنف. قال ابن التين: ومن قال: الغلام ابن عباس يؤخذ منه أن الصبي يسمى غلامًا، ومن قال: إنه الفضل، أخذ منه أن البالغ يسمى غلامًا. فائدة ثانية : حديث هذا الباب مثل حديث أبي هريرة السالف في باب: من كانت له مظلمة فحللها له هل يبين مظلمته (٣)، إلا أن تلك كبائر وواجبات، وهذا ضرب من الاستحباب وليس فيه بيان لما بوب عليه، كما نبه علیه ابن التين (٤). (١) انظر: ((الاستذكار)) ٣٠٤/٢٢، ((بداية المجتهد)» ١٥٣٦/٤، ((مختصر اختلاف العلماء)» ١٣٩/٤، ((المغني)) ٢٤٧/٨، ((بدائع الصنائع)» ١٢١/٦. (٢) ((أعلام الحديث)) ١٢١٨/٢. (٣) سلف برقم (٢٤٤٩). (٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السبعين. كتبه مؤلفه. ٦٠٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٣ - باب إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليّمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوَّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). [٣١٩٨ - مسلم: ١٦١٠ - فتح ١٠٣/٥] ٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَغْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُالْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يخْیَى بْنِ آَبي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبًّا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، أَجْتَنِبِ الأَزَضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ وََّ قَالَ: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). [٣١٩٥ - مسلم: ١٦١٢ - فتح ١٠٣/٥] ٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِنِرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َغِ: ((مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرٍ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعٍ أَرَضِينَ)). قال الفِرَبْرِيُّ: قَالَ أَبُو جَغرِ بْنُ أَبِيِ حَاتِمِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هذا الحَدِيَثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابٍ ابن المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالْبَصْرَةِ. [٣١٩٦ - فتح ١٠٣/٥] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها : حديث سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ قَالَ النبي ◌َِّ: (مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعٍ أَرَضِينَ)). ثانیھا : حديث أبي سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسِ خُصُومَةٌ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، أَجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: (مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِيْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)). ٦٠٣ كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ ثالثها : حديث ابن عمر قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانِي فِي كِتَابِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالْبَصْرَةِ. الشرح: حديث سعيد بن زيد أخرجه مسلم أيضًا، وكذا حديث عائشة وحديث ابن عمر من أفراده، وخرجه في بدء الخلق أيضًا، وانفرد به مسلم من حديث أبي هريرة (١). قال الدارقطني في حديث سعيد بن زيد: تابع شعيبًا -يعني: شيخ شيخ البخاري- مالك ... وعدَّد جماعات(٢). ورواه يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الراوي، عن سعيد بن زيد قوله. ورواه ابن عيينة عن الزهري، عن طلحة، عن سعيد نفسه(٣)، ولم یذکر عبد الرحمن. وكذا رواه ابن خزيمة عن محمد بن يحيى، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن طلحة. قال ابن خزيمة: إن كان ابن إسحاق سمع هذا الخبر من الزهري ففيه دلالة واضحة على صحة رواية ابن عيينة، وأن طلحة سمع من سعید بن زید. (١) مسلم (١٦١١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها. (٢) ((العلل)) ٤٢٤/٤. (٣) رواه النسائي ١١٥/٧، وابن ماجه (٢٥٨٠)، وأحمد ١٨٧/١. ٦٠٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وكذا رواه أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون(١)، ورواه سعيد بن الصلت عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الزهري، عن طلحة، عن عمرو بن سهل، عن سعيد. ورواه سعيد بن عبد الرحمن عن الزهري، عن سعيد لم یذکر بينهما أحدًا، وكذا قال أبو جعفر الرازي، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد، وقال سعيد بن سليمان: عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد. وقال سعيد بن سليمان، مرة به وأبدل سعيدًا بطلحة، وزاد بعده عن سعيد. ورواه سفيان بن حسين، عن الزهري قال: ابن المسیب، عن سعيد بن زيد، وهو وهم. قال الدارقطني: وأحبها إليَّ من قال الزهري، عن طلحة، عن عبد الرحمن(٢). قال الخطابي: قوله: ( ((طوقه من سبع أرضين)) ) له وجهان: أحدهما: أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطوق في عنقه. وروي معناه في بعض الأحاديث. والآخر: أن يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين كما في حديث ابن (٣) عمر(٣). وقال ابن بطال: قد جاء عن النبي ◌َّللر كيف صورة هذا التطويق، رواه الطبري، حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا حسين بن علي، عن زائدة، (١) أحمد ١٨٩/١. (٢) ((العلل)) ٤ / ٤٢٧. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٢١٩/٢. ٦٠٥ = كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ عن الربيع، (عن أيمن وابن أبي ثابت)(١)، حدثني يعلى بن مرة الثقفي سمعت النبي ◌ّه يقول: ((أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس)). رواه الشعبي عن أيمن، عن يعلى، عن رسول الله صلّ ه وقال فيه: ((من سرق شبرًا من أرض أو غله جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين)). ورواه مروان بن معاوية الفزاري حدثنا أبو يعفور، ثنا أيمن (عن)(٢) يعلى بن مرة(٣) قال: سمعت النبي وَل يقول: ((من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر))(٤). قلت: الصواب: أيمن عن يعلى، وظن ابن منده وأبو نعيم صحبة أيمن بن يعلى فوهما(٥). وقال ابن الجوزي: هذا من تطويق التكليف لا من التقليد. (١) كذا بالأصل، والصواب كما وقع في ((تهذيب الآثار)) (عن أيمن أبي ثابت أو ابن أبي ثابت). أنظر: ((تهذيب الآثار)) مسند علي ص ١٨١ (٢٨٩). (٢) كذا بالأصل وهي صواب، غير أن كلام المصنف بعدُ يشير أنها بأصله (ابن) وكذا تعليق الناسخ بالهامش. والنص منقول من ((شرح ابن بطال)) وقد أشار محققه أن في بعض أصوله المخطوطة وقع (ابن) فكأن منشأ الخطأ منه؛ لأنها في ((تهذيب الآثار)) المصدر الأصلي المنقول منه على الصواب (حدثني یعلی). (٣) ورد بهامش الأصل: كذا في ابن بطال: أبو يعفور: ثنا أيمن بن يعلى. (٤) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٥٨٠، وانظر: ((تهذيب الآثار)) مسند علي ص١٧٩ - ١٨١. (٥) ((معرفة الصحابة)) ٣٢٠/١ (١٩٩)، وانظر: ((أسد الغابة)) ١٨٩/١ (٣٥٤). ٦٠٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- قال: وليس ذلك بممتنع فإنه صح عن رسول الله وَ لو قال: ((لا ألفين أحدكم يأتي على رقبته بعير أو شاة))(١) وأما الخسف أن تخسف به الأرض بعد موته أو في حشره. وقال المهلب: معنى الخسف به: أن يلج في سبع أرضين فتكون كلها على عنقه، فهذا تطويق له. وعبارة غيره: يتجلجل فيما بينها. أي: يهوي، كقوله في قارون: ﴿َسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]. قال الخطابي: وفيه دليل أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سردابًا أو بئرًا سواء ضرَّ ذلك بأرضه أم لا(٢)؛ لأن حكم أسفلها تبع أعلاها كما قال ابن الجوزي. واختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدِنًا أو شبهه: فقيل: هو له. وقيل: بل للمسلمين. حكاهما القرطبي. قال: وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد. واستدل الداودي على أن السبع الأرضين بعضها على بعض لم يفتق بعضها من بعض؛ لأنه لو فتقت لم يطوق منها ما ينتفع به غيره. (١) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب: الجهاد، باب: الغلول، ورواه مسلم (١٨٣١) كتاب: الإمارة، باب: غلظ تحريم الغلول. من حديث أبي هريرة بلفظ: ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ... لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء)). (٢) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٢٢٠ ٦٠٧ = ڪِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ وقيل: بين كل أرض وأرض خمسمائة عام مثل ما بين كل سماء وسماء وغلظ كل سماء، كذلك قيل في خبر فيه معارضة السند(١)، قال: وقيل: معنى يطوّق: يحتمل أن يقوم بها كما غصبها فهو يعذب ليقوم وهو لا يقوم(٢)، وهذا سلف وقيد الشيء: قدره. (١) رواه الترمذي (٣٢٩٨) من حديث أبي هريرة، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه . وانظر: ((كشف الخفاء)) ١١٤/١-١١٥. (٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٣٤ - ٥٣٥. ٦٠٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٤ - باب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا جَازَ(١) ٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ: كُنَّا بِالْدِينَةِ فِي بَغْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا الثَّمْرَ، فَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَمُزُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ نَّهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح ١٠٦/٥] ٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّغْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنَّصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: أَصْنَغْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُوِ النَّبِيَّ نَّهِ خَامِسَ ◌َمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ وَِّ الْجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُذْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ هذا قَدِ أَتََّعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ؟». قَالَ: نَعَمْ. [٢٠٨١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح ١٠٦/٥] تقدير ذلك كما قال ابن التين: إذا أذن إنسان لآخر في شيء، فلما سقط حرف الجر تعدى الفعل فنصب مثل: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. ثم ساق حديث جَبَلَةَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضٍ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ نَّهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. وحديث أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَخَامٌ، فَقَالَ لَّهُ أَبُو شُعَيْبٍ: أَصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ وَّهِ خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ بَِّ الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ .. الحدیث. (١) ورد بهامش الأصل: أذن لازم، فلا يجوز تعديه، والظاهر أن أذن معناها أمضى أو ما شابهها، ويستقيم الكلام. ٦٠٩ - كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ وقد سلف بطوله في باب: ما قيل في اللحام والجزار من البيوع، وانفرد به مسلم من طريق جابر(١)، وأخرج الأول مسلم أيضًا والأربعة(٢). قال شعبة: لا أرى هذِه الكلمة إلا كلمة ابن عمر. يعني: الاستئذان، كذا في مسلم، وفي البخاري عن شعبة: الإذن من قول ابن عمر(٣). وذكر الحافظ الخطيب في كتابه ((الفصل والوصل)) أن قوله: (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) من قول ابن عمر وليس من قول رسول الله وَلجر، بيَّن ذلك آدم بن أبي إياس وشبابة بن سوار عن شعبة، وقال عاصم بن علي عن شعبة: أرى الإذن من قول ابن عمر (٤) . قلت: قد أخرجا من حديث جبلة بن سحيم: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله وَّ ر أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه، وهذا ظاهر في رفعه. ولأحمد من حديث الحسن عن سعد مولى أبي بكر قال: قدمت بين يدي رسول الله وَليل تمرًا، فجعلوا يقرنون فقال الطَّة: ((لا تقرنوا))(٥). ولابن شاهين في ((ناسخه)) من حديث عطاء الخراساني عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: ((إني كنت نهيتكم عن الإقران في التمر، وإن الله ◌َك قد أوسع الخير فأقرنوا)). (١) مسلم (٢٠٣٦) كتاب: الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه. (٢) أبو داود (٣٨٣٤)، والترمذي (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٣٣١)، والنسائي في ((الكبرى)) ١٦٧/٤ (٦٧٢٨). (٣) سيأتي برقم (٥٤٤٦) كتاب: الأطعمة، باب: القران في التمر. (٤) ((الفصل للوصل)) ١/ ١٨٢. (٥) ((مسند أحمد) ١٩٩/١. ٦١٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ثم قال: الحديث الذي فيه النهي صحيح الإسناد، والذي فيه الإباحة ليس بذاك القوي؛ لأن في سنده اضطرابًا، وإن صح فيحتمل نسخه للنهي(١). وقال الحازمي -وقد ذكرهما -: الإسناد الأول أصح وأشهر من الثاني، غير أن الخطب في هذا الباب يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات والتكاليف، وإنما هو من قبيل المصالح الدنياوية فيكفي في ذلك الحديث الثاني، ثم يشيده إجماع الأمة على خلاف ذلك، ثم قيل: إن النهي كان حيث كان العيش زهيدًا والقوت متعذرًا؛ مراعاة الجانب الضعفاء والمساكين؛ حثًّا على الإيثار والمواساة ورغبة في تعاطي أسباب المعدلة حالة الاجتماع والاشتراك، فلما أتسع الحال قال: فشأنكم إذًا (٢). إذا تقرر ذلك، فالإذن لا يكون إلا فيما يملكه الذي أذن فيه كما أذن صاحب اللحم للرجل الذي جاء مع رسول الله ◌َ﴿ فجاز له الأكل من ذلك الطعام، وكما أجاز التّ القران في التمر - إذا أذن فيه أصحابه- الذي وضع بين أيديهم؛ لأنهم متساوون في الاشتراك في أكله، فإذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ذلك من الاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام، ولا أنفس الذين بين أيديهم إلا ما وضع للناس، فسبيله سبيل المكارمة لا سبيل التشاح وإن تفاضلوا في الأكل. وقوله: (نهى عن الإقران): كذا في البخاري، والمعروف خلافه. (١) («ناسخ الحديث ومنسوخه)) ص٤٣٨-٤٣٩. (٢) ((الاعتبار)» ص١٨٨. ٦١١ كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ = قال ابن التين: وقع رباعيًّا، والذي في اللغة: قرن ثلاثي. قال القرطبي: كذا لجميع رواة مسلم الإقران(١)، وليست معروفة، والصواب: القران ثلاثي. قال الفراء: لا يقال: أقرن. وقال غيره: إنما يقال: أقرن على الشيء إذا قوي عليه وأطاقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين. قال: وقد جاء في ((الصحاح)): أقرن الدم العرق، واستقرن أي: كثر (٢)، فيحتمل أن الإقران في هذا الحديث على ذلك، ويكون معناه النهي عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى(٣). ونقل المنذري عن أبي محمد المعافري أنه يقال: قرن بين الشيئين وأقرن: إذا جمع بينهما. والنهي عن القران وجهان ذكرهما أبو موسى في ((مغيثه)) أحدهما: ذهبت عائشة وجابر إلى أنه قبيح وفيه شره وهلع وهو يزري بصاحبه. الثاني: أن التمر كان من جهة ابن الزبير وكان ملكهم فيه سواء، فيصير الذي يقرن أكثر أكلا من غيره، فأما إذا كان ملكًا له فله أن يأكل، كما روي أن سالمًا كان يأكل التمر كفَّ كفّا. وقيل: إذا كان الطعام بحيث يكون شبعًا للجميع كان مباحًا له لو أكله، وجاز أن يأكل كما شاء(٤)(٥). (١) ورد بهامش الأصل تعليق، نصه: وكونه ثلاثيًا كذا صوبه في ((المطالع)) في موضع، وقال: إنه المعروف. في آخر. (٢) ((الصحاح)) ٢١٨١/٦. (٣) ((المفهم)) ٣١٨/٥. (٤) ورد بهامش الأصل: تأول بعموم اللفظ. (٥) ((المجموع المغيث)) ٦٩٥/٢. ٦١٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وحمل أهل الظاهر النهي على التحريم مطلقًا، وهو منهم ذهول عن مساق الحديث ومعناه، وحمله جمهور العلماء على حالة المشاركة بدلیل مساق الحديث، وقد اختلف العلماء فيما يملك من الطعام حين وضعه، فإن قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم فيحرم أن يأكل أحد أكثر من الآخر، وإن قلنا إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه فهو سوء أدب وشرهٍ ودناءة وکان مکروهًا. وحمله ابن التين على ما إذا استوت أثمانهم فيه، مثل أن يتخارجوا في ثمنه أو يهبه لهم رجل أو يوصي لهم به، وأما إن أطعمهم هو فروى ابن نافع عن مالك: لا بأس به. وفي رواية ابن وهب: ليس بجميل أن يأكل تمرتين أو ثلاثًا في لقمة دونهم. وقال النووي: اختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب، والصواب التفصيل (١) - كما سبق- وستأتي له تكملة في كتاب: الأطعمة، إن شاء الله. وقوله في حديث أبي مسعود: (وأبصر في وجه رسول الله وَلاه الجوع) إنما ذلك ليعظم، وتتأسى أمته به. وفيه: أنهم كانوا يرصدون أحواله. وقوله: ( ((إن هذا تبعنا)) ) كذا في الأصول. قال ابن التين: كذا وقع عند أبي ذر، ووقع عند أبي الحسن (اتبعنا) بالألف. قال الداودي: معنى أتَّبعنا: سار معنا، وتَبِعَهم: لحقهم. واحتج بقول الشاعر: مازلت أتبعهم حتى تبعتهم (١) ((شرح مسلم) ٢٢٨/١٣. ٦١٣ كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ - وقال ابن فارس: تبعت فلانًا: إذا تلوته، واتبعته: إذا لحقته(١)، وبنحوه ذكره الجوهري: تبعت القوم: إذا تلوتهم وقفوني فسرت معهم. وقال الأخفش: تبع وأتبع سواء مثل ردف وأردف(٢). قال ابن التين: والصواب: أن يُقرأ أتَّبعنا بتشديد التاء على بناء افتعل من تبع، فمعناه مثل معنى تبع. وعلى قول الداودي: إنه رباعي يتوهم أنه يناقض الحديث؛ لأنه قال في رواية في أوله: فتبعهم رجل. وقوله: (تبعهم): لحقهم. لم يقله أحد غير الفراء قال: تبعهم: لحقهم، وأتبعهم: ألحقهم، والشعر الذي ذكره ليس بشعر، وإنما هو مثل كما نص عليه الهروي، وهو صحيح؛ لأن معناه لا يستقيم على ما توهمه أبو جعفر؛ لأنه على قوله مازلت أسير معهم حتى لحقتهم، وهو كلام غير صحيح. (١) (مجمل اللغة)) ١٥٣/١. (٢) ((الصحاح)) ١١٨٩/٣-١١٩٠. ٦١٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ١٥ - باب قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلَّدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] ٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابن جُرَنْجٍ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ وَّ قَالَ: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرَّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ)). [٤٥٢٣، ٧١٨٨ - مسلم: ٢٦٦٨ - فتح ١٠٦/٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ)». الشرح : أسلفنا فيما مضى أن هذِه الآية نزلت في الأخنس بن شَريقٍ، وقال ابن عباس فيما حكاه ابن أبي حاتم في «تفسيره)»: لما أصيب أصحاب الرجيع؛ قال المنافقون: يا ويح هؤلاء لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت(١). وهذا الحديث أدخله العلماء في تفسير هذه الآية. قال أهل اللغة: والألد: هو العسر الخصومة، الشديد الحرب مشتق من اللدتين وهما صفحتا العنق، أي في جانب أخذ من الخصومة غلب. وقيل: هو من لديدي الوادي، أي: جانباه، فصاحب الصفة يأخذ في جانب ويدع الأستقامة. وقيل: معناه إذا منع من جانب جاء من آخر، يزيد في الحجة، يقال: لددته ألده: إذا جادلته فغلبته. (١) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ٣٦٣/٢ (١٩١٠). ٦١٥ = كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ وقال ابن سيده: لَدِدْتُ لدًّا: صرت ألد. وَلَدَدْتُهُ أَلُدُّهُ: إذا خصمته، وقوله تعالى: ﴿قَوْمًا لًَّّا﴾ [مريم: ٩٧] قيل: معناه: خصماء، عوج عن الحق. وقيل: صُمُّ عنه(١). وفي ((الجامع)): اللدد: مصدر الألد، ورجل ألد: إذا اشتد في الخصومة، والأنثى: لداء، وقد ذمه الله تعالى لمدافعته عن الحق ما یعلمه ویشهد به نفسه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ [البقرة: ٢٠٤]. عَ مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَاءِ (َا﴾ وقد ترجم بهذِه الترجمة في كتاب: الأحكام. وفي ((تفسير ابن أبي حاتم)) عن ابن عباس: ألد الخصام. أي: ذو (ضلال)(٢) إذا كلمك وراجعك. وعن الحسن: كاذب القول. وعن مجاهد: ظالم لا يستقيم. وعن قتادة: شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل(٣). والخَصِم: المولع بالخصومة الماهر فيها. قال الزجاج: الخصام: جمع خصم. وقيل: هو مصدر خاصمته. (١) ((المحكم)) ٢٢٢/٩. (٢) في ((التفسير)): جدال. (٣) (تفسير ابن أبي حاتم)) ٣٦٥/٢. ٦١٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == ١٦ - باب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ ٢٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنها - زَوْجَ النَّبِيِّ وَّةَ- أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِوَلَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابٍ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِيني الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا)). [ ٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥ - مسلم: ١٧١٣ - فتح ١٠٧/٥] ذكر فيه حديث أم سلمة أنه وَ لُّ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابٍ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِنِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقٌّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا)). الشرح: الحديث دال على أن [القوي على](١) البيان البليغ في تأدية الحجة قد يغلب بالباطل من أجل بيانه فيقضي له على خصمه، وليس ذلك يحل ما حرم عليه لقوله: ((فإنما هي قطعة من النار)) أي: يوجبها في الآخرة إلا أن يقتص لصاحبها منه أو يعوضه الله منه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ◌ِلِإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وسيأتي بسط ذلك وما ينتزع منه في كتاب الأحكام، إن شاء الله. ونذكر لك منه أمورًا منها قوله: ( «فليأخذها»): خرج بلفظ الخبر، والمراد به النهي والتهديد والوعيد كقوله: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (١) ليست بالأصل، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٥٨٢. ٦١٧ كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ = ومنها الحكم بالظاهر تشريعًا للأمة وهو كقوله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله))(١)، وقوله في حديث المتلاعنين: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن))(٢). وحكم الحاكم لا يبيح محظورًا؛ خلافًا لأبي حنيفة إذا شهدا بزور أن فلانًا طلق زوجته أن للشاهد تزوجها، كما ستعلمه في موضعه. ومنها: أن كل مجتهد ليس مصيبًا وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا أجتهد ووقع الاجتهاد موضعه، وقام الإجماع على أن حكم الحاكم في المال لا يبيح محظورًا، واختلفوا في النكاح والطلاق(٣). ومنها: حكمه بالاجتهاد وهو قول المحققين كما نقله القاضي (٤). ومنها: أنه روي في هذا: ((إنما أحكم بما أسمع)) و(إنما) للحصر، فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع. وقد اختلف في هذا، فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي، وروي عن شريح. وذهبت فرقة أخرى إلى أنه (يقضي)(٥) بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود، وبه قال أبو ثور والشافعي في أحد قوليه، والأصح عنده أنه يقضي بعلمه إلا في الحدود. (١) سلف برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾ من حديث ابن عمر. (٢) رواه أبو داود (٢٢٥٦)، وأحمد ٢٣٨/١-٢٣٩، من حديث ابن عباس، وسيأتي برقم (٤٧٤٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ من حديث ابن عباس بلفظ: ((لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)). (٣) أنظر: ((الاستذكار)» ١٦/٢٢-١٧. (٤) ((إكمال المعلم)) ٥٦١/٥. (٥) في الأصل: قضى، وما أثبتناه هو الملائم للسياق. ٦١٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = وذهبت فرقة ثالثة إلى التفريق، فمنهم من قال يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة، لا قبله ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال خاصة، وهو قول الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه أيضًا، ومنهم من قال: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره، لا قبل قضائه ولا في غير مصره في الأموال خاصة؛ سواء سمع ذلك في مجلس قضائه أو في غيره قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي في أحد قوليه. وذهب بعض أصحابهم إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصة ولم يشترط مجلس القضاء(١). واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأن ذلك ضروري في حقه(٢). ومنها: أن البينة مسموعة بعد اليمين وهو الذي فهمه البخاري وبوب له بَعْدُ: من أقام البينة بعد اليمين؛ وإن كان الإسماعيلي أنكر ذلك وقال: ليس في الخبر الذي ذكره دلالة على قبول البينة بعد يمين المسلم. ومنها: معنى ( ((أبلغ من بعض)) )، ولابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة: ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض))(٣). قال الزجاج: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. (١) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٥٦٢/٥، ((الأم)) ١٠٣/٧، ((الاستذكار» ١٣/٢٢-١٥، ((المغني)) ٣٠/١٤-٣١، ((عيون المجالس)) ١٥٣٥/٤-١٥٣٧. (٢) («المغني)) ١٤/ ٣٣. (٣) ((المصنف)) ٥٤٢/٤ (٢٢٩٦٥)، ٣٢١/٧ (٣٦٤٧٩). ٦١٩ = ڪِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ وقال غيره: البلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، ولهم عبارات أخر، قيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار. وذكر ابن رشيق في ((عمدته)) أنها قليل يفهم وكثير لا يسأم. وقيل: إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، أو معان كثيرة في ألفاظ قليلة، أو إصابة المعنى وحسن الإيجاز، أو سهولة اللفظ مع حسن البديهة، أو لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية أو الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ. وجعل ابن المقفع من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز، ولبعض الكلبيين: واعلم بأن من السكوت إبانة ومن التكلم ما يكون خبالًا. وقيل: أنها معرفة الفصل و(الوصل)(١) أو يكون أول الكلام يدل على آخره وعكسه. وأما اللحن، فقال أبو زيد: لحنت له بالقول ألحن لحنًا إذا قلت له قولًا يفهمه عنك ويخفى على غيره، واللحن بالتحريك كما قال الخطابي: الفطنة، وقد لحن(٢) بالكسر يلحن لحنًا بسكون الحاء: الزيغ في الإعراب، والمصدر من الأول بفتح حائه وتسكن(٣). قال مالك بن أسماء الفزاري من أبيات: منطق صائب وتلحن أحيا نّا وخير الحديث ما كان لحنًا (١) في الأصل: الوصول، والصواب ما أثبتناه، وانظر: ((البيان)) ٦١/١. (٢) ورد بهامش الأصل: لحن بفتح الحاء: أخطأ، وبكسرها: فطن، وقد ذكره بعد ذلك على الصواب. (٣) ((أعلام الحديث)) ١٣١٣/٢. ٦٢٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وما ذكره الجاحظ في ((تبيانه)) من أن الجارية يستحسن منها اللحن، واستشهد بقول مالك(١)، فقد رُدَّ علیهِ. ومنها: وهو ينعطف على ما مضى- قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو طلاق وما أشبه ذلك، أن ذلك كله إن كان في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما علم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم بالظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبًا شيئًا من تمليك ولا تحليل ولا تحريم، وممن قال ذلك أبو يوسف، وخالفهم آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن، كما قال الشّهر: ((فمن قضيت له شيئًا» الحديث. وما كان من ذلك قضاء بطلاق أو نكاح بشهودٍ ظاهرهم العدالة وباطنهم الجرح، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم، فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا. واستدل بأنه الكلّي فرق بين المتلاعنين(٢)، ولو علم صدق المرأة لحد الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج صادق لحد المرأة للزنا، ولم يفرق بينهما، فلما خفى عليه الصادق منهما وجب حكم آخر، وهو حرمة الفرج على الزوج ظاهرًا وباطنًا، ولم يرد ذلك إلى حكم الباطن، فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن يكون كل قضاء ليس فيه تمليك أموال أنه على الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يحدث في ذلك التحريم، والتحليل في الظاهر والباطن جميعًا، وأنه خلاف الأموال (١) ((البيان)) ١/ ٩٢. (٢) سيأتي برقم (٤٧٤٨) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا﴾.