Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
-
وتشميت العاطس سنة(١). وقيل: فرض كفاية. حكاه ابن بطال(٢)،
وبه قال ابن سراقة -من أصحابنا- في كتاب ((الدرة)) أنه واجب كرد
السلام، وإجابة الداعي سنة أيضًا إلا إنه في الوليمة فرض عين،
وقيل: فرض كفاية، وقيل: سنة.
وقال ابن بطال: هو في الوليمة آكد، وإبرار المقسم مندوب إليه إذا
أقسم عليه في مباح يستطيع فعله، فإن أقسم على ما لا يجوز أو يشق
على صاحبه لم يندب إلى الوفاء به، وسيأتي كلام الطبري في حديث
البراء في إفشاء السلام من الاستئذان بعد تقصي القول في معانيه
-إن شاء الله تعالى- وفي النكاح في إجابة دعوة الوليمة، وقد سلف
جملة منه في الجنائز(٣).
(١) ورد بهامش الأصل: أو على الكفاية كما صرح به بعض أصحابنا في عدة مسائل
معها.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٥٧٣.
(٣) (شرح ابن بطال)» ٦/ ٥٧٣-٥٧٤.

٥٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٦ - باب الانْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ
لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ
[النساء: ١٤٨]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ
ظُلِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (٤٨)
الْبَغْىُ هُمْ يَنْنَصِرُونَ
• [الشورى: ٣٩]. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا
يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. [فتح: ٩٩/٥]
الشرح :
الانتصار من الظالم مباح بهذِه الآية.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في الرجل يمر
بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته ويؤذيه
بما فعل به (١).
وقيل ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ الآية [النساء: ١٤٨] يدعو على ظالمه أو يخبر
بظلمه إیاہ أو یستنصر منه.
وقيل: إنه الصديق شتمه رجل فسكت، ثم أعاد فردَّ عليه.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَّا أَصَابَهُمُ اٌلْبَغْىُ﴾ الآية [الشورى: ٣٩] أي: بغي
المشركين عليهم، في الذين انتصروا منهم بالسيف. أو إذا بغى عليهم باغ
كره أن يستذلوا لئلا يجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا كما ذكر عن
إبراهيم، وقد أخرجه عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن قبيصة، ثنا سفيان،
عن منصور عنه - كما ذكره البخاري، وفي رواية أخرى كما ذكرنا-
ولفظه: قال منصور: سألته عن الآية قال: كانوا يكرهون للمؤمنين أن
يذلوا أنفسهم فيتجرأ الفساق عليهم، هذا يرد قول ابن التين: قول
(١) (تفسير مجاهد)) ١٧٩/١، ورواه الطبري ٣٤٠/٤-٣٤١.

٥٨٣
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
إبراهيم كانوا يكرهون أن يذلوا، زاد غيره: فيجترئ عليهم الفساق. وقد
علمت أنه زادها لا غيره.
وقيل: معنى الآية: إذا بُغي عليهم تناصروا وأزالوه، وقال تعالى:
﴿وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ قُلْمِهِ، فَأُوْلَكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ
[الشورى: ٤١] أي:
٤١
استوفى حقه، فأباح الانتصار بهذِه الآيات.
و(البغي): الظلم، فينتصر المظلوم ممن ظلمه، فيقتص منه جزاء
سيئة سيئة مثلها، وقراءة العامة: (ظُلم) بضم الظاء، أي: فإنه يذكر
ما فُعل به كما أسلفناه.
قال الحسن: لا ينبغي أن يدعو عليه وليقل: اللهم أعني عليه (١).
وقال قطرب: يريد المكره عليه فإنه موضوع عنه وإن كفر(٢).
وقرئ بفتح الظاء، قال الضحاك: فإنه يجهر فيه اعتداء(٣).
وقيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ [النساء: ١٤٨] فقال سوءًا، فإنه ينبغي أن
يأخذوا على يديه ويكون استثناء ليس من الأول(٤).
وأما قول إبراهيم: إنهم كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإنه الظَّه قد روي
عنه هذا المعنى في استعاذته من غلبة الرجال ومن شماتة الأعداء(٥).
(١) رواه الطبري ٣٣٩/٤-٣٤٠ (١٠٧٥٧).
(٢) انظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٢٢٦/٢-٢٢٧.
(٣) ذكره النحاس في ((معاني القرآن)) ٢٢٦/٢، عقب قول الضحاك، ولم ينسبه إليه.
(٤) انظر: ((معاني القرآن)) للنحاس ٢٢٥/٢-٢٢٦.
(٥) استعاذته وَله من غلبة الرجال، سيأتي برقم (٢٨٩٣) كتاب: الجهاد، باب من غزا
بصبي للخدمة، من حديث أنس، واستعادته # من شماتة الأعداء، ستأتي برقم
(٦٣٤٧) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من جهد البلاء، من حديث أبي هريرة؛
ورواه النسائي ٨/ ٢٦٥، وأحمد ١٧٣/٢ من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص،
بلفظ: ((غلبة العدو وشماتة الأعداء)».

٥٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وقوله: (فإذا قدروا عفوا)، فإن العفو أجمل وأفضل لما جاء في
ثوابه وعظيم أجره، وقد أثنى الله على من فعل ذلك فقال: ﴿وَلَمَنْ
﴾ [الشورى: ٤٣] وهذِه السبيل
صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُرِ
امتثل الشارع في خاصة نفسه، فكان لا ينتقم لنفسه ولا يقتص ممن
جفا عليه ولم يوقره، وقد جفا عليه كثير من الأعراب وقال له
القائل(١): إنك ما عدلت منذ اليوم(٢). فآثر الأخذ بالعفو وليسن لأمته.
وقال الداودي لما ذكر قول إبراهيم: سببه أنه قد تنتهك حرمته
ويؤخذ ماله ويضيع حقه.
قال: ولما ولي الحجاج العراق قال: لا يؤم مولى. فقال أهل مسجد
ليحيى بن وثاب (خ م ت س ق) وكان يؤمهم: قد أمر الأمير أن لا يؤم
مولى وأنت مولى. فقال: ليس عن مثلي نهى. وكان أحد القراء
وأحد العلماء فمضى إلى قرب قصر الحجاج فجلس يقرأ، فقال
الحجاج ماله؟ قيل له: هو مولى وأنت نهيت لا يؤم مولى فقال: ليس
عن مثل هذا نهيت، فرجع يحيى فصلى بهم صلاة يؤم ثم قال: إنما
كرهت أن تذلوني، فإذا صار إليَّ فوالله الذي لا إله إلا هو لا أصلي
بكم أبدًا(٣).
(١) ورد بهامش الأصل: القائل ذو الخويصرة.
(٢) رواه أحمد ٦٥/٣، وسيأتي برقم (٣٦١٠) كتاب: المناقب، باب: علامات
النبوة، بلفظ: يا رسول الله أعدل؛ كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) رواها العجلي في ((ثقاته)) ٣٥٨/٢ ترجمة (١٩٩٩)، وأنظر في ترجمته ((الطبقات))
٢٩٩/٦، و(تهذيب الكمال)) ٢٦/٣٢.

٥٨٥
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
=
٧ - باب عَفْوِ المَظْلُومِ
لِقَوْلِهِ وَّ: ﴿إِن نُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَفُوًّا قَدِيرًا (29)﴾ [النساء: ١٤٩]، ﴿وَجَزَّوْاْ سَبِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَ فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُّهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الَِّمِينَ ﴾﴾، إلى قوله:
﴿ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٠ -٤٤]. [فتح ١٠٠/٥]
التفسير :
معنى ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا﴾ [النساء: ١٤٩] بدلًا من السوء أو تخفوا
السوء، وإن لم تبدوا خيرًا عفوًا عن السوء كان أولى، وإن كان ترك
العفو جائزًا.
وقال الثعلبي: الخير هنا: المال، وقيل: الحسنة. وقوله تعالى:
﴿وَجَزَُّؤْاْ سَيْئَةٍ سَيِئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] يريد به القصاص في الجراح
المتماثلة أو في الجراح.
وإذا قال: أخزاه الله أو لعنه الله قابله بمثله، ولا يقابل القذف
بالقذف ولا الكذب بالكذب. وأصلح العمل، أي: بينه وبين أخيه
فأجره على رب العفو. وسميت الثانية سيئة لازدواج الكلام، ليعلم أنه
جزاء على الأول.
وقوله: ﴿ ﴿وَلَمَنِ أَنَصَرَ﴾﴾ [الشورى: ٤١] سلف تفسيرها في الباب
قبله. قال قتادة: هُذا في القصاص، وأما من ظلمك فلا يحل لك أن
تظلمه(١).
-
(١) رواه عبد الرزاق في ((التفسير)) ١٥٧/٢-١٥٨ (٢٧٤٦)، والطبري ١١/ ١٥٧
(٣٠٧٣١).

٥٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروي عن الحسن قال: إذا لُعن لَعن، وإذا سُب سَب ما لم يكن حدًّا
أو كلمة لا تصلح(١). وقيل: المستحب العفو بدليل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ
وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣].
والصحيح لا كراهة فيه وأنه مخير، نعم الأفضل العفو من غير كراهة
في الآخَر، ومن كانت له زلة وعلم أنه لا يعود إلى ظلمه كان الصبر
أولى، ومن كان متماديًا على جرأته فالصبر فيه ليس بمحمود.
وقوله: ﴿ ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾﴾ [الشورى: ٤٢] أي:
بعداوتهم، أي: بالشرك المخالف لدينهم، ﴿وَيَبْغُونَ﴾ [الشورى: ٤٢]
يعملون المعاصي، أو نزلت في النفوس والأموال، أو ما ترجوه
قريش من أن يكون بمكة غير الإسلام.
﴿عَزْ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] العزائم التي أمر الله بها أو عزائم
الصواب التي وفق لها، نزلت مع ثلاث آيات قبلها في أبي بكر،
شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم سكت عنه، وقد سلف.
وما أسلفناه من أن العفو أولى وجهه ما جاء فيه من الترغيب.
وروي عن أحمد بن حنبل قال: قد جعلت المعتصم بالله في حل من
ضربي ومحنتي؛ لأنه حدثني هاشم بن القاسم عن ابن المبارك: حدثني
من سمع الحسن البصري يقول: إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين
يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم من أجره على الله. فلا يقوم إلا من عفا في
الدنيا، ويصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى
اللّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وكان أحمد يقول: ما أحب أن يعذب الله بسببي
أحدًا(٢).
(١) انظر: (معاني القرآن)) للنحاس ٣٢٣/٢.
(٢) انظر: ((حلية الأولياء)) ٢٠٣/٩-٢٠٤، ((محنة الإمام أحمد)» للمقدسي ص٩٨ - ٩٩.

٥٨٧
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
وقال ابن الأنباري: كان الحسن البصري يدعو ذات ليلة: اللهم
أعف عمن ظلمني. وأكثر في ذلك فقال له رجل: يا أبا سعيد، لقد
سمعتك الليلة تدعو لمن ظلمك حتى تمنيت أن أكون أنا فيمن
ظلمك، فما دعاك إلى ذلك؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.

٥٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
٨ - باب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ
٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ الَاحِشُونُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((الظَّلْمُ ظُلُمَاتٌ
يَوْمَ القِيَامَةِ)). [مسلم: ٢٥٧٩ - فتح ٥/ ١٠٠]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ
القِيَامَةِ».
وقد أخرجه مسلم أيضًا وأخرجاه من حديث جابر أيضًا بلفظ:
((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح
أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا
محارمهم))(١).
وقال الترمذي في الأول حديث حسن غريب من حديث ابن عمر (٢).
قلت: وروي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((إياكم والظلم
فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش
ولا التفحش))(٣).
والظلم يشتمل على معصيتين أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الآمر
بالعدل بالمخالفة، وهُذِه أدهى؛ لأنه لا يكاد يقع الظلم إلا للضعيف الذي
لا ناصر له غير الله تعالى، وإنما ينشأ من ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور
الهدى لنظر في العواقب، نبه عليه ابن الجوزي.
(١) مسلم (٢٥٧٨) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الظلم، ولم يخرجه البخاري في
((الصحيح))، وإنما أخرجه في ((الأدب المفرد)) برقم (٤٨٣).
(٢) الترمذي (٢٠٣٠).
(٣) رواه أبو داود (١٦٩٨)، وأحمد ١٥٩/٢-١٦٠، واللفظ لأحمد.

=
٥٨٩
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
وقال القزاز: الظلم هنا هو الشرك، أي: هو عليهم ظلام وعمى،
ومن هذا زعم بعض اللغويين أن اشتقاق الظلم من الظلام كأن ما عليه في
ظلام عن الحق، والذي عليه الأكثرون أنه وضع الشيء في غير موضعه.
قال المهلب: وهُذِه الظلمات لا نعرف كيف هي؟ إن كانت من عمى
القلب أو هي ظلمات على البصر، والذي يدل عليه القرآن أنها ظلمات
على البصر حتى لا يهتدي سبيلًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالْمُنَّفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا نَفْتَيِسْ مِن نُوِكُمْ قِلَ أَرْجِعُواْ وَرَكُمْ فَالْتِسُوْ نُرً غَضُرِبَ بَيْنَهُمُ
بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] فدلت هذه الآية أنهم حين منعوا النور بقوا في
ظلمة غشيت لأبصارهم، كما كانت أبصارهم في الدنيا عليها غشاوة
من الكفر، وقال تعالى في المؤمنين: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢]
[فأثاب](١) المؤمنين بلزوم نور الإيمان لهم ولذذهم بالنظر إليه وقوى
به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة
النظر إليه تعالى، وهذا حديث مجمل بينه دليل القرآن.
(١) في الأصل: (فأثابت)، والمثبت من ((شرح ابن بطال)) ٥٧٦٠/٦.

٥٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
٩ - باب الاتِّقَاءِ وَالْحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ
٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ المَكْيُّ،
عَنْ يَخْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ - مَوْلَی ابن عَبَّاسٍ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ
رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ،
فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)). [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح ٥/ ١٠٠]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ:
((تَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)).
هذا الحديث تقدم في الزكاة، ويريد به أنه لا يردها، ولو كانت من
كافر لم ينجح بظلمه. وقد فسر ذلك عمر في حديث الحمى فقال: أتق
دعوة المظلوم فإنها مجابة(١).
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((دعوة
المظلوم مجابة، وإن كان فاجرًا فجوره على نفسه))(٢).
وقال عون بن عبد الله: أربع دعوات لا تُرد ولا يحجبن عن الله :
دعوة والد راض، وإمام مقسط، ودعوة مظلوم، ودعوة رجل دعا
لأخيه بظهر الغيب(٣).
(١) سيأتي برقم (٣٠٥٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب.
(٢) ((المصنف)) ٤٩/٦ (٢٩٣٦٥).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٩/٦ (٢٩٣٦٤).

٥٩١
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
=
١٠ - باب مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ،
هَلْ يُبَيْنُّ مَظْلَمَتَهُ؟
٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِ ذِثْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المقْبُرِيُّ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ
مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ،
إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ
مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ:
إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيَّ، لأنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَّةَ المَقَابِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَعِيدٌ المقْبُرِيُّ
هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بِنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبِ سَعِيدٍ كَيْسَانُ. [٦٥٣٤ - فتح
١٠١/٥]
ذكر فيه حديث سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
وَه : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ
اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ
بِقَدْرٍ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ
عَلَيْهِ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ
المَقْبُرِيَّ، لأَنَّهُ كَانَ ينْزِلُ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَعِيدٌ
المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانَ.
الشرح:
قام الإجماع على أنه إذا بين ما ظلمه به فأبرأه فهو نافذ.
واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة، ثم حلل بعضهم بعضا من
كل ما جرى بينهما من ذلك، فقال قوم: إن ذلك براءة له في الدنيا
والآخرة وإن لم يبين مقداره.

٥٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ماله عنده أو قارب
ذلك بما لا مشاحة في مثله، وهذا الحديث حجة لهذا؛ لأن قوله العنيفة:
((أخذ منه بقدر مظلمته)) يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشارًا إليه.
وكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا، وكان ابن يسار يحلل من العرض
والمال.
قال مالك: أما من المال فنعم، وأما من العرض فإنما السبيل على
الذين يظلمون الناس.
قال الداودي: أحسب مالكًا أراد إن أصاب من عرض رجل لم يجز
لوارثه أن يحلله.
قال ابن التين: وأراه خلافًا لقول مالك؛ لأنه قال: إن مات ولا وفاء
عنده فالأفضل أن يحلله، وأما من ظلم أو أغتاب فلا، وذكر الآية. وكان
بعضهم يحلل من ظلمه، ويتأول: (الحسنة بعشر أمثالها)، وكان القاسم
يحلل من ظلمه.
وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال له: يا أبا بكر، اجعلني في حل
فقد اغتبتك. فقال: لا أحل ما حرم الله، ولكن ما كان من قبلي فأنت
في حل(١).
وقال الخطابي: إذا أغتاب رجل رجلًا فإن كان بلغ المقول فيه ذلك
فلابد أن يستحله، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره، وأما التحلل في
المال فإنما يصح ذلك في أمر معلوم، وقال بعض أهل العلم: إنما يصح
ذلك في المنافع التي هي أعراض مثل أن يكون قد غصبه دارًا فسكنها
أو دابة فركبها أو ثوبًا فلبسه أو تكون أعيانًا فتلفت، فإذا تحلل منها
(١) رواه ابن سعد في (الطبقات)) ٧/ ٢٠٠، وأبو نعيم في «الحلية)) ٢٦٣/٢، وابن
عساکر في (تاریخ دمشق)) ٢١٢/٣٥-٢١٣.

٥٩٣
=
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
=
صح التحلل، وإن كانت الدار قائمة والدراهم في يده حاصلة لم يصح
التحلل منها إلا أن يهب أعيانها منه فتكون هبة مستأنفة (١).
تنبيهات :
أحدها: ((مظلمة): بضم اللام وكسرها، قاله القزاز، وفي ((أدب
الكاتب)) لابن قتيبة: بفتح اللام، ونقل ابن التين عن ابن قتيبة: بفتح
اللام وكسرها، قال: وضبط عن صاحب ((الصحاح)) ضمها، وهو كما
قال خطأ.
ثانيها: جاء في حديث آخر: ((أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم
كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على الناس))(٢)
وهو دال على البراءة قبل الوقوع، وهذا الحديث أخرجه البخاري في
((الضعفاء))، وكذا ابن عدي من حديث العمي عن ثابت، عن أنس
وهو علته(٣).
ورواه البخاري في ((الضعفاء)) من حديث حماد بن سلمة، عن
ثابت، عن عبد الرحمن بن عجلان مرفوعًا (٤)، وهذا مرسل، وكذا
أخرجه أبو داود في ((مراسيله))، ثم قال: إنه أصح من رواية العمي(٥).
(١) ((أعلام الحديث)) ١٢١٦/٢-١٢١٧.
(٢) رواه أبو داود (٤٨٨٧) عن حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن عجلان، عن
النبي وَل. مرسلًا قال أبو داود: رواه هاشم بن القاسم، قال: عن محمد بن
عبد الله العمي، عن ثابت قال: حدثنا أنس، عن النبي ◌َّاته. بمعناه، وحديث حماد
أصح.اهـ وانظر: كلام المصنف عليه بعد.
(٣) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١/ ١٣٧، ومن طريقه ابن عدي في ((الكامل)) ٤٤٧/٧.
(٤) ذكره البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٣٧/١، وفي ((الصغير)) ٢/ ٨١ وقال: وهذا
بإرساله أولى.
(٥) لم أقف عليه في مطبوع ((المراسيل)) وهو في (السنن)) كما سبق تخريجه.

٥٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وظن ابن عبد البر أنه صحابي (١)، وتبعه الذهبي، وليس كذلك، فإنه
من الأمم قبلنا كما وقع في رواية البخاري في ((الضعفاء)) وغيره(٢).
ثالثها: قوله: ( ((فليتحلله)) ) يقال: تحللته واستحللته إذا سألته أن
يجعلك في حل.
ومعنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة،
ويجعل على الظالم عقوبة سبابه بدل حقه. وقال في الحديث السالف:
((يتقاصون مظالم كانت بينهم))(٣) وهي مواقف ومظالم.
(١) ((الاستيعاب)) ٢٥٧/٤ (٣٠٨٠).
(٢) ورد بهامش الأصل: غير البخاري.
(٣) سلف برقم (٢٤٤٠).

٥٩٥
كِتَابُ المَظَالِمِ والغَصْبِ
==
١١ - باب إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ(١) فَلَا رُجُوعَ فِيهِ
٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا يُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بنُ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء:
١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المزْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ:
أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلِّ. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦ - مسلم:
٣٠٢١ - فتح ١٠٢/٥]
ذكر فيه حديث عائشة في هذه الآية: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا
أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيْسَ
بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلِّ.
فَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ.
قوله في الترجمة: (فلا رجوع فيه) يريد كما قال ابن التين: ليس
للمرأة رجوع فيما مضى، ولها عند مالك أن ترجع فيما يستقبل.
وقال الداودي: ليس الاسم بموافق للحديث؛ لأن هذا فيما يأتي
وليس بظلم. والنشوز من الزوج: أن يسيء عشرتها ويمنعها النفقة.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها
النبي ◌َ ﴿ فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي
لعائشة. ففعل فأنزل الله: (أَن يَصَّالحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ))(٢)
[النساء: ١٢٨]، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز(٣)، فلم يكن
(١) بالأصل فوقها: مظلمته. وأشار إلى أنها نسخة.
(٢) قرأها كذلك ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر. وقرأ عاصم، وحمزة
والكسائي: ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ انظر: ((الحجة)) للفارسي ١٨٣/٣، ((الكشف)» لمكي
٣٩٨/١.
(٣) رواه الترمذي (٣٠٤٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.

٥٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
السودة الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، كذا قاله ابن بطال(١).
وروى الشافعي عن ابن [عيينة](٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن
ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرًا إما كبرًا
وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني [واقسم لي](٣)
ما بدا لك فأنزل الله: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية(٤) [النساء: ١٢٨].
وفي ((الموطأ)) عن ابن شهاب، عن رافع أنه تزوج بنت محمد بن
مسلمة حتى كبرت، فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فطلقها، ثم
راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، ثم رضيت باستقرارها على الأثرة
ولم ير رافع عليه إثمًا (٥).
ولأبي داود نزولها في سودة أيضًا وأشباهها فوهبت يومها لعائشة،
وصححه الحاكم على شرط مسلم (٦).
وذكر ابن أبي حاتم أنها نزلت بسبب أبي السنابل بن بعكك
وامرأته(٧) .
وفي ((تفسير مقاتل)) أنها نزلت في خويلة بنت معمر بن مسلمة حين
أراد زوجها رافع بن خديج طلاقها.
(١) (شرح ابن بطال)) ٥٧٨/٦.
(٢) في الأصل: علية. والمثبت من ((مسند الشافعي)).
(٣) زيادة من ((مسند الشافعي)).
(٤) ((مسند الشافعي بترتيب سنجر)) ٨٣/٣ (١٢١٥).
(٥) ((الموطأ)) ص٣٣٩ (٥٧).
(٦) أبو داود (٢١٣٥)، والحاكم ١٨٦/٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه
أيضا مختصرًا ٢/ ٦٠ وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٧) ((تفسير ابن أبي حاتم)) ١٠٧٩/٤ (٦٠٣٨).

٥٩٧
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
-
وفي كتاب عبد الرزاق خولة. وقيل إن زوجها سعد بن الربيع.
وفي ((تفسير الثعلبي)): هي عمرة بنت محمد بن مسلمة.
واعلم أن ما قدمناه من اعتراض الداودي على الترجمة خالفه ابن
المنير فقال: [ما] (١) الترجمة في الظاهر مطابقة؛ لأنها تتناول إسقاط
الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسقوطه، وأما
البخاري فتلطف في الاستدلال وكأنه يقول: إذا نفذ الإسقاط في
الحق المتوقع فلأن ينفذ في الحق المحقق أولى، ولهذا اختلف
العلماء في إسقاط الحق قبل وجوبه هل ينفذ أم لا؟ وما اختُلف في
نفوذه بعد الوجوب(٢).
ثم أعلم أيضًا أن البخاري ذكر حديث الباب في باب: المرأة تهب
(يومها)(٣) من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك (٤)؟
زاد مسلم: قالت عائشة: وكانت سودة أول امرأة تزوجها من
(٥)
بعدي(٥).
وفيه إشكال؛ لأنه تزوجها قبلها إلا أن يكون عقد (٦) عليها قبل
عائشة ولم يدخل بها إلا بعدها نبه عليه ابن الجوزي.
(١) من ((المتواري)) ص٢٧٦.
(٢) ((المتواري)) ص٢٧٦.
(٣) بالأصل: نفسها.
(٤) سيأتي برقم (٥٢١٢) كتاب: النكاح.
(٥) مسلم (٤٨/١٤٦٣) كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها.
(٦) ورد بهامش الأصل تعليق، نصه:
قال أحمد في «المسند» [٢١٠/٦-٢١١]: حدثنا محمد بن بشر، ثنا محمد بن
عمرو، ثنا أبو سلمة ويحيى قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم. إلى
أن قال: أدعي لي رسول الله. فدعته، فزوجها إياه - تعني: عائشة- وعائشة يومئذٍ

٥٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقول البخاري: (كيف يقسم ذلك) يريد أن يكون فيه الموهوبة
بمنزلة الواهبة في رتبة القسمة، فإن كان يوم سودة ثالثًا ليوم عائشة
أو رابعًا أو خامسًا أستحقت عائشة على حسب القسمة التي كانت
لسودة، ولا تتأخر عن ذلك اليوم ولا تتقدم ولا يكون تاليًا ليوم عائشة
إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة، وعندنا أنها إن وهبت لمعينة
بات عندها ليلتيهما، وقيل: يواليهما أَوْ لَهُنَّ سوى. أَوْ لَهُ فَلَه
التخصيص على الأصح. وقيل: يسوي، وأجراه الشارع مجرى
الحقوق الواجبة، ولم يجره على أصل المسألة من الحكم فيما جعله
الله له من ذلك، قال تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٌ﴾
فأجراه مجرى الحقوق وتفضلًا منه - العلي- ليكون أبلغ في رضاهن
كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْفَةَ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية،
أي: لا يحزنَّ إذا كان هذا منزلًا عليك من الله ويرضين بما أعطيتهن
من تقريب وإرجاء.
قال قتادة في قوله: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ إنه شيء خص الله به نبيه
وليس لأحد غيره، كان يدع المرأة من نسائه ما بدا له بغير طلاق وإذا شاء
راجعها.
قال غيره: وكان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة،
وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، وكان ممن أرجأ سودة
وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء.
بنت ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة . إلى أن قال: آدعيه لي.
فجاء رسول الله ◌َ ﴿ فزوجها إياه. وظاهر هذا أنه عقد على عائشة قبل سودة، وهو
مخالف لما جمع به ابن الجوزي، فالظاهر أنه عقد على عائشة قبل ودخل على
سودة قبل عائشة، وبه يحصل الجمع، إن شاء الله تعالى.

٥٩٩
كِتَابُ المَظَّالِمِ والغَصْبِ
واختلفوا في كم يقسم لكل واحدة من نسائه، فقيل: يوم.
قال ابن القاسم: لم أسمع مالكًا يقول إلا يومًا لهذِه ويومًا لهذِه (١).
وقيل: ليلة. وهو أفضل، ويجوز ثلاثًا ولا زيادة، وهو مذهبنا.
قال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم إذ لا حجة مع من تخطى سنة
رسول الله وَّي إلى غيرها، ألا ترى قوله في الحديث أن سودة وهبت يومها
لعائشة ولم يحفظ عن رسول الله و * في قسمته لأزواجه أكثر من يوم
وليلة، ولو جاز ثلاثة أيام لجاز خمسة وشهرًا ثم تخطئ بالقول إلى
ما لا نهاية له، ولا يجوز معارضة السنة، وكان مالك يقول: لا بأس
أن يقيم الرجل عند أم ولده اليوم واليومين والثلاثة، ولا يقيم عند
الحرة إلا يومًا من غير أن يكون مضارًا، وكذلك قال الشافعي: يأتي
الإماء ما شاء أكثر مما يأتي الحرائر الأيام والليالي، فإذا صار إلى
الحرائر عدل بينهن (٢)، وهذا موضعه كتاب النكاح، لكنا تعجلناه.
وفي الحديث أيضًا جواز هبة بعض الزوجات يومها لبعضهن،
ولا يكون ذلك إلا برضا الزوج، والتسوية بينهن كان غير واجب
عليه(٣) على أحد الوجهين عندنا، وإنما كان يفعله تفضلًا.
قال الداودي: وإذا رضيت بترك القسم والإنفاق عليها ثم سألته
العدل فلها ذلك.
وفي ((المدونة)): النفقة تلزمها إذا تركها؛ لأن الغيرة لا تملكها
بخلاف النفقة.
(١) ((المدونة)) ١٩٧/٢.
(٢) ((الإشراف)) ١١٧/١، وانظر: ((المدونة)) ١٩٩/٢، ((الأم)) ١٧٤/٥.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال الإصطخري: لا يجب عليه. والأصح عند الشيخ أبي
حامد والعراقيين والبغوي الوجوب.

٦٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٢ - باب إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ حَلَّلُهُ وَلَمْ يُبَيِّ كَمْ هُوَ
٢٤٥١ - حَذَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِيِ حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
سَهْلٍ بِنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ أُنَّ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ،
وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ
هؤلاء؟)). فَقَالَ الغُلَامُ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُوْثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي يَدِهِ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح ١٠٢/٥]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد السالف: أَنَّه العَيْ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ
مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ. وفي آخره: فَلَّهُ رَسُولُ اللهِ
◌َ﴾ فِي يَدِهِ.
قال المهلب: لو حلل الغلام من نصيبه الأشياخ وأذن في إعطائه
لهم؛ لكان ما حلل منه غير معلوم؛ لأنه لا يعرف مقدار ما كانوا
يشربون ولا مقدار ما كان يشرب هو، ولا شك أن سبيل ما يوضع
للناس للأكل والشرب سبيله المكارمة وقلة التشاح، وقد طابت نفوس
أصحاب رسول الله ◌ّر في سبي هوازن جملة. وقبل ذلك التطييب،
ولم يعرف مقدار ما كان بيد كل واحد منهم، وسيأتي في كتاب:
الهبات، في باب: الهبة المقسومة الخلاف في ذلك واضحًا،
والمعروف من مذهب مالك أن هبة المجهول جائزة مثل أن يهب
رجل نصيبه من ميراث رجل أو من دار لا يعرف مقداره، وكذلك كل
ما لا يؤخذ عليه عوض فهبته عنده جائزة.
ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي
ثور جواز هبة المشاع، ويأتي فيها القبض كما يجوز فيها البيع، وسواء
أكان المشاع مما يقسم كالدور والأرض أو مما لا يقسم كالعبيد والثياب