Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
باب فِي اللُّقَطَةِ
-
((لا تحل لقطتها إلا لمنشد)) معني تختص به مكة دون غيرها كما تختص
سائرٍ ما ذكر في الحديث؛ لأن لقطة غيرها كذلك يحل لمنشدها بعد
الحول الانتفاع بها، فدل مساق هذا الحديث كله على تخصيص
مكة، ومخالفة لقطتها غيرها من البلدان، كما خالفتها في كل ما ذكر
في الحديث، من أنها حرام لا تحل لأحد ساعة من نهار بعد رسول
الله ◌َ، إلى غير ذلك مما خصت به، من أنه لم يستبح دماءهم
ولا أموالهم ولا جرى فيهم الرق كغيرهم.
ومن الحجة أيضًا لذلك: أن الملتقط إنما يتملك اللقطة في غير مكة
بعد الحول؛ حفظًا لها على ربها وحرزًا لها؛ لأنه لا يقدر على إيصالها
إليه، ويخشى تلفها فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته. ولقطة مكة يمكن
إيصالها إلى ربها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب، وإن
كان غريبًا لا يقيم بها. فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من يسير إلى
مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك؛ لأنها تقصد في كل عام من أقطار
الأرض، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدًا أوشك أن يجدها
باغيها ويصل إليها ربها، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد(١).
قال الطحاوي: رواية ابن عباس وأبي هريرة السالفتين تمنع أخذها
إلا للإنشاد بها، وقد أباح الحديث أخذ لقطة الحرم لتعرف؛ فاحتمل أن
يكون ذلك أن تنشد ثم ترد مكانها، واحتمل أن يكون لغيرها. وسئلت
عائشة عن ضالة الحرم بعد تعريفها، فقالت لملتقطتها: استنفقي
بها(٢)، رواه عنها معاذة.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٥٥٧/٦-٥٥٨.
(٢) ((شرح معاني الآثار)) ٤/ ١٤٠. بتصرف يسير.
٠

٥٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وأما النهي عن لقطة الحاج؛ فلأن الحاج يجمع أهل البلدان، ثم
عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك، فإذا أخذها لا يقدر على صاحبها
بخلاف غيرها.
فائدة :
قوله: (فقام أبو شاه)(١). قال القاضي عياض: مصروفًا ضبطه
- يعني: بعضهم-، وقرأته أنا معرفة ونكرة، وكذا هو في ((المطالع)). وعن
ابن دحية أنه بالتاء منصوبة. وقال النووي: هو بهاء في آخره تكون هاء في
الدرج كما تكون في الوقف(٢) لا خلاف في ذلك.
(١) هو: أبو شاه اليماني، يقال: إنه كلبي، ويقال: فارسي من الأبناء الذين قدموا
اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن. قيل: إن هاءه أصلية، وهو بالفارسية معناه:
الملك. قال ابن حجر: ومن ظن أنه باسم أحد الشياه، فقد وهم.
انظر: ترجمته في (الاستيعاب)) ٢٤٩/٤ (٣٠٥٨) و(«أسد الغابة)) ١٦٢/٦
(٥٩٨٩)، و((الإصابة)) ١٠٠/٤ (٦٠٦).
(٢) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ١٢٩/٩.

٥٤٣
باب فِي اللُّقَطَّةِ
-
٨- باب لَا يحْتَلبُ أحد مَاشِيَةً أَحَدٍ إلا بإذنه
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ آمْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ،
أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ
لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ)).
[مسلم: ١٧٢٦ - فتح ٨٨/٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ: ((لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ
مَاشِيَةَ أُمْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ،
فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ
أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ)).
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
ويحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس لقوله وية: ((لا يحل
مال أمرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه))(٢) وقال أيضًا: ((إن دماءكم
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)» (٣).
وإن اختص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين
اللبن والتمر وغيرهما في ذلك إلا المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد
(١) مسلم (١٧٢٦) كتاب: اللقطة، باب: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها.
(٢) أخرجه أحمد ٧٢/٥- ٧٣، وأبو يعلى ٣/ ١٤٠ (١٥٧٠)، والبيهقي في ((الكبرى))
٦/ ١٠٠ من طريق علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه، وأخرجه أحمد
١١٣/٥، والدارقطني ٢٦/٣ من طريق عبد الملك بن حسن الجاري، عن
عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربي، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
٤/ ٢٤١ من طريق أصبغ بن الفرج، عن حاتم بن إسماعيل، به.
(٣) سلف برقم (١٧٣٩) كتاب الحج، باب: الخطبة أيام منّى.

٥٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
طعام غيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه. وذهب الجمهور
إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر إلا إذا علم طيب
نفس صاحبه.
وذهب بعض المحدثين إلى أن ذلك يحل وإن لم يعلم حال صاحبه؛
لأن ذلك حق جعله الشارع، يريد حديث أبي داود من طريق الحسن عن
سمرة مرفوعًا: ((إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها
فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب وإن لم يكن فيها فليصوت
ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب ولا يحمل)) (١).
وفي الترمذي من حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله، عن نافع، عن
ابن عمر أنه التلّة سئل عن الثمر المعلق، فقال: ((من أصاب بفيه من ذي
حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه))(٢)، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من
حدیث يحيى بن سليم .
ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده سئل رسول الله عن
الثمر المعلق فذكر مثله(٣)، ثم حسنه ورده القرطبي، فقال: لا حجة فيه
لأوجه :
أحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى.
(١) أبو داود (٢٦١٩)، والترمذي (١٢٩٦) وقال: حسن صحيح غريب والعمل على
هذا الحديث عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق. وصححه الألباني في
((صحيح أبي داود)).
(٢) الترمذي (١٢٨٧) وليس هذا المتن لحديث ابن عمر وإنما متن حديث ابن عمر:
((من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خبنة)) والمتن المذكور إنما هو لحديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي وَ لّ سئل .. الحديث.
وقد حسنه الترمذي. انظر التخريج التالي.
(٣) الترمذي (١٢٨٩).

٥٤٥
باب فِي الُّقَطَةِ
=
ثانيها: أن حديث النهي أصح.
ثالثها: أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال
بالعادة أو بغيرها.
رابعها: أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول
الإسلام(١). ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يجوز كسر قفل
مسلم ولا ذمي ولا أخذ شيء من ماله بغير إذنه، يشبه الشارع اللبن
في الضرع بالطعام المخزون تحت الأقفال، وهذا هو قياس الأشياء
على نظائرها وأشباهها أرانا به قياس الأمور إذا تشابهت معانيها،
فوجب أمتثال ذلك واستعماله؛ خلافًا لقول من أبطل القياس (٢)
ولا يتشاغل به.
ومعنى قوله: ((أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته)) أن
يكره المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه لنفسه، وهذا في معنى قوله:
(«لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه))(٣).
وأكثر العلماء على إجازة أكل مال الصديق إذا كان تافهًا لا يتشاح
في مثله. وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله. و(المشربة) بضم
الراء وفتحها وهي الموضع المصون لما يخزن فيه كالغرفة يخزن الرجل
فيها متاعه فشبه ضروع الغنم بها. وقال ابن قتيبة: كالصفة بين يدي
الغرفة.
والخزانة : -بكسر الخاء المعجمة -: الموضع أو الوعاء الذي يخزن
فيه الشيء، أي: يغيب، وسمي الوعاء خزانة؛ لأنه يخزن فيه.
(١) «المفهم)) ١٩٥/٥.
((شرح ابن بطال)) ٥٥٨/٦.
(٢)
(٣) سبق تخریجه قريبًا.

٥٤٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وقوله: (فينتثل) هو بمثناة ثم نون ثم مثناة فوق ثم مثلثة، وبخط
الدمياطي بالقاف بدلها ثم لام، أي: ينتثر، يقال: نثلت الشيء
بمعنى: نثرته مرة واحدة، يقال: نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها،
ولما حكى النووي المقالة السالفة عن بعض المحدثين عزاها لبعض
السلف أيضًا، وحكاها في أنه لا يلزمه البدل ثم ضعفه.
فإن قلت: كيف شرب الصديق من غنم الراعي حين الهجرة وأعطاه
الشارع أيضًا كما سيأتي؟
قلت: ذاك من باب الإدلال على صاحبها لمعرفته إياه، أو أنه كان
يعلم أنه أذن للراعي أنه يسقي منه من مرَّ به، أو أنه كان عرفه أنه أباح
ذلك، أو أنه مال حربي لا أمان له(١) .
وقال ابن أبي صفرة: حديث الهجرة في زمن المكارمة وهذا في زمن
التشاح لما عَلم الَّة من تغير الأحوال بعده، أو أن هذا الحديث محمول
على التسور والاختلاس.
وحديث الهجرة لم يتسور الشارع ولا الصديق، وإنما سأل الصديق
الراعي هل أنت حالب لنا؟ والراعي في المال له عادة العرب، فلذلك
أجاز التكّيف شرب ما حلبه. وكذلك عادة العرب في الحلب على الماء،
ولابن السبيل مباحة، وكل مسترعى له مثل ذلك في الذي اُستُرعي،
كالمرأة في بيت زوجها تعطي اللقمة من ماله والتمرات والكف، وقال
التليفون: ((إنها أحد المتصدقين))(٢).
وقال أشهب: خرجنا مرابطين للإسكندرية فمررنا بجنان الليث بن
(١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٢٩/١٢.
(٢) سلف برقم (٢٢٦٠) كتاب الإجارة، باب: استئجار الرجل الصالح.

٥٤٧
= باب فِي اللُّقَطَةِ
سعد فأكلنا من التمر، فلما رجعت دعتني نفسي أن أستحل ذلك من
الليث، فدخلت إليه فأخبرته بذلك، فقال: يا ابن أخي لقد نسكت
نسكًا أعجميًّا، أما سمعت الله يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌّ لَيْسَ عَّكُمْ جُنَاعُ
أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾ [النور: ٦١]. فلا بأس أن يأكل الرجل
من مال أخيه الشيء التافه يسره بذلك(١). وروى ابن وهب، عن مالك
في الرجل يدخل الحائط فيجد التمر ساقطًا، قال: لا يأكل منه إلا أن
يعلم أن صاحب الحائط طيب النفس به أو يكون محتاجًا إلى ذلك
فأرجو أن لا یکون به بأس.
ومن فوائده: إباحة خزن الطعام واحتكاره؛ خلافًا لغلاة المتزهدة
حيث يقولون: لا يجوز الادخار مطلقًا.
وأن اللبن يسمى طعامًا فيحنث به من حلف لا يتناول طعامًا إلا أن
يكون له نية تخرج اللبن. وأن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد
أن تكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع؛ لأن
الحديث أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، ومعلوم أن من فتح
خزانة غيره أو كسرها فاستخرج منها من المال أو الطعام أو غيره شيئًا
يجب فيه القطع، قطع بلا خلاف إلا على قول من لا يرى القطع في
الأطعمة الرطبة والفواكه.
وبيع الشاة اللبون بالطعام عملًا بقوله: ((فإنما تخزن لهم ضروع
مواشيهم أطعماتهم))، فجعل اللبن طعامًا، وقد اختلف الفقهاء في بيع
الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدًا أو إلى أجل، فذهب مالك
وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدًا بيد ما لم يكن في
(١) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٩/١٤.

٥٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
ضرعها لبن، فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يدًا بيد باللبن من أجل
المزابنة، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وفي غير
الأجل(١) .
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع الشاة اللبون
بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن
بشيء من اللبن يدًا بيد ولا إلى أجل.
خاتمة :
قال الداودي: إنما شرب الشارع والصديق؛ لأنهما ابنا سبيل ولهما
شرب ذلك إذا احتاجا إليه، وهذا قد أسلفته، قال: وإنما أتى بهذا
الحديث والآتي لما في الأموال من الحقوق غير الزكاة.
(١) ((النوادر والزيادات)) ١٨/٦.

٥٤٩
- باب فِي اللُّقَطَّةِ
٩- باب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَتَّهَا عَلَيْهِ؛
لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ - مَؤْلَى المُنْبَعِثِ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيٌّ رضي الله عنه، أَنَّ
رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهَ عَنِ اللَّقَطَةِ، قَالَ: ((عَرِّفْهَا سَنَّةً، ثُمَّ أَعْرِفْ وِكَاءَهَا
وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ
الغَنَمِ؟ قَالَ: ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
فَضَالَّةُ الإِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ حَتَّى أَحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ - أَوِ أَحْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ
قَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)). [انظر: ٩١-
مسلم: ١٧٢٢ - فتح: ٩١/٥]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني أيضًا. وفيه: (ثُمَّ أَسْتَنْفِقْ بِهَا،
فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ).
وقد أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب اللقطة إذا جاء بعد الحول أن
الذي وجدها يلزمه ردها إليه لقوله: ((فأدها إليه)). وقد أسلفنا أن بعض من
ينسب إلى العلم وحقه منه أن يوسم منه مخالفة الأئمة خالف إجماعهم
في أتباع هذا الحديث، وخالف قوله: ( ((فأدها إليه))) وقال: لا يؤدي
إليه شيئًا بعد الحول؛ استدلالًا منه بما سلف من قوله: ( ((فشأنك بها)))؛
لأن هذا إطلاق منه على ملكها ولا يلزمه تأديتها، وهذا قول يؤدي إلى
تناقض السنن، وقد جلَّ الشارع أن تتناقض سننه.
وقوله: ( ((فأدها إليه))) فيه بيان وتفسير لقوله: ( ((فشأنك بها))) ولو
كان المراد بقوله: ((فشأنك بها)) أنطلاق يده عليها وسقوط ضمانها عنه
لبطلت فائدة قوله: ( ((فأدها إليه))) واستعمال الحديثين لفائدتين أولى

٥٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
من إسقاط إحداهما، هُذِه طريقة العلماء في التأليف بين الآثار والقضاء
بالمجمل على المفسر .
واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها أو يتصدق بها. فروي عن
علي وابن عباس (١) أنه يتصدق بها ولا يأكلها وهو قول سعيد بن المسيب
والحسن والشعبي، وإليه ذهب الثوري (٢)، وقال أبو حنيفة: لا يأكلها
الغني، والفقير يأكلها بشرط الضمان(٣).
وروى ابن القاسم عن مالك أنه استحب له أن يتصدق بها، وقد
أسلفنا هذا عنه (٤). وروى ابن وهب عنه: إن شاء أمسكها وإن شاء
استنفقها، وإن شاء تصدق بها فإن جاء صاحبها أداها إليه .
وروي مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وهو قول
عطاء(٥)، وبه قال الشافعي(٦) وأحمد وإسحاق.
وقوله: ( ((ثم استنفق بها)) ) حجة لمن قال: يصنع بها ما شاء من
صدقة بها أو أكل أو غيره لعمومه، ولم يخص وجهًا يستنفقها فيه من
غيره، وأيضًا فإنه لما قال: ((استنفق بها)) لم يفرق بين الغني والفقير
دلَّ على رد قول أبي حنيفة.
تنبيهان :
الأول: إنما لم يذكر البخاري في هذا الباب رواية سليمان بن بلال
(١) رواه عنهما عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٣٨/١٠-١٤٠ (١٨٦٢٨، ١٨٦٣٢).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٠/ ١٤٠.
(٣) ((مختصر إختلاف العلماء)) ٣٣٥/٤.
(٤) ((المدونة)) ٣٦٦/٤.
(٥) رواه -قريبًا منه- عنهم عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٣٩/١٠-١٤٠ (١٨٦٣٠،
١٨٦٣١، ١٨٦٣٤).
(٦) ((الأم)) ٢٨٧/٣.

٥١
= باب فِي اللُّقَطَّةِ
عن يحيى بن سعيد: ((وكانت وديعة عنده))، وذكرها في باب: ضالة
الغنم(١)؛ لأنه قد بين سليمان في الحديث: أن يحيى بن سعيد قال
عن يزيد مولى المنبعث: لا أدري أفي حديث رسول الله وَل و هو أم
شيء من عنده؟ فاستراب البخاري بهذا الشك، وترجم بالمعنى ولم
يذكره في الحديث؛ لأنه استغنى بقوله: ((فأدها إليه)) عن قوله:
((و کانت ودیعة عنده)).
ثانيهما: ترجمة البخاري السالفة إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد
سنة فهي لمن وجدها، أعترض عليها ابن التين، فقال: ليس هو بقول
مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار. واحتج البخاري بقوله: ((فشأنك
بها)) أي: خذها بشرط الضمان إن جاء صاحبها بدليل رواية الباب،
وحينئذٍ فلا تنافي بينهما، وتأويل ذلك مناف، فما سمعنا به هو الصواب.
فائدة :
في الحديث: (حتى أحمرت وجنتاه، أو أحمر وجهه)، الظاهر أنه
من الراوي.
والوجنة: مثلثة الواو، ووجنة: بفتح الجيم وكسرها، قاله کراع. زاد
غيره: أجنة(٢) بضم الألف: وهي أعلا الخد والعظم المشرف عليه،
والجمع: وجنات(٣).
(١) سلف برقم (٢٤٢٨) كتاب، اللقطة.
(٢) ورد بهامش الأصل: أي: مع سكون الجيم، هذِه اللغات في ((المطالع)).
(٣) انظر: ((لسان العرب)) ٤٧٧٤/٨ (وجن).

٥٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح سـ
١٠- باب هَلْ يَأْخُذُ اللَّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ
حَتّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ؟
٢٤٣٧- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَزْبٍ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ:
سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوْحَانَ فِي غَزَاةِ،
فَوَجَدْتُ سَوْطًا. فَقَالَ لِي: أَلْقِهِ. قُلْتُ: لَا، ولكن إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلَّ أَسْتَمْتَغْتُ
بِهِ. فَلَمَّا رَجَغْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَزْتُ بِالْمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبِيَّ بِنَ كَغْبٍ رضي الله عنه، فَقَالَ:
وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَِّ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ وَ، فَقَالَ:
(عَرِّفْهَا حَوْلًا)). فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: ((عَرَّفْهَا حَوْلًا)). فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ،
فَقَالَ: ((عَرِّنْهَا حَوْلًّا)). فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: ((اعْرِفْ عِدَّتَهَا
وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا)). [انظر: ٢٤٢٦ - مسلم:
١٧٢٣ - فتح ٩١/٥]
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بهذا قَالَ:
فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.
ذكر فيه حديث أبي بن كعب السالف أول الباب(١) بزيادة.
واختلف العلماء في اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها؟ فكرهت
طائفة أخذها ورأوا تركها أفضل، روي ذلك عن ابن عمر(٢) وابن
عباس(٣) وهو قول عطاء. وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذها
والآبق(٤)، فإن أخذ ذلك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن،
(١) سلف برقم (٢٤٣٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٣٧/١٠ (١٨٦٢٣)، والبيهقي ١٨٨/٦.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٣٧/١٠-١٣٨ (١٨٦٢٤)، والبيهقي ٦/ ١٩٢.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٤٦٧/١٠، ((بداية المجتهد)) ١٤٨٧/٤.

٥٥٣
= باب فِي اللُّقَطَّةِ
وكره أحمد أخذها أيضًا(١) وقالت طائفة: أخذها وتعريفها أفضل من
تركها، هذا قول سعيد بن المسيب(٢).
وقال أبو حنيفة: تركها سبب لإضاعتها(٣)، وبه قال الشافعي، وعن
مالك: إن كان شيء له بال فأخذه وتعريفه أحب إليَّ(٤) .
حجة الأول الحديث السالف: ((ضالة المؤمن حرق النار))(٥)،
و((لا يأوي الضالة إلا ضال))(٦).
حجة الثاني: أمر الشارع بتعريفها ولم يقل له: لم أخذتها؟ وذلك
دليل على أن الفضل في أخذها وتعريفها؛ لأن تركها عون على
ضياعها، ومن الحق النصيحة للمسلم وأن يحوطه في ماله بما أمكنه.
وتأولوا ما سلف أن المراد به: من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى
لا تتضاد الأخبار، ويدل على ذلك رواية زيد بن خالد الجهني
مرفوعًا: ((من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها))(٧).
وروى الجارود قال: أتينا على رسول الله وَله ونحن على إبل
عجاف، فقلنا: يا رسول الله، إنا نمر بالجرف فنجد إبلًا فركبها،
فقال: ((ضالة المؤمن حرق النار)) وكان سؤالهم عن أخذها إنما هو
لأن يركبوها، فأجاب بذلك، أي: ضالة المسلم حكمها أن تحفظ
(١) ((المغني)) ٢٩١/٨.
(٢) ((الإشراف)) ١٥١/٢.
(٣) ((مختصر إختلاف العلماء)) ٣٤٧/٤.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ١٠/ ٤٦٧.
(٥) الترمذي (١٨٨١) عن الجارود، وابن ماجه (٢٥٠٢) عن عبد الله بن الشخير عن
أبيه والبيهقي ٦/ ١٩٠.
(٦) أبو داود (١٧٢٠).
(٧) مسلم برقم (١٧٢٥) كتاب اللقطة، باب: لقطة الحاج.

٥٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
على صاحبها حتى تؤدي إليه، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا لغيره.
فائدة: قول سويد: (كنت مع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان في
غزاة فوجدت سوطًا فقال لي: ألقه) قال الداودي: قول سويد صواب،
وقد أدرك الجاهلية والإسلام. وقيل: له صحبة وصحب عليًّا وابن
مسعود، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة(١). وسلمان باهلي كان عمر
يوليه على الجيوش، وزيد بن صوحان كان عمر يرحِّل رحله بيده
إكرامًا له لفضله. قطعت رجله يوم الجمل وهو مع علي.
قال الشيخ أبو إسحاق في ((زاهيه)): خالف سعيد بن المسيب أهل
مكة والمدينة وقال: تؤخذ اللقطة وتعرف؛ لأنه مال یجمع على ربه،
وأحسب أنه أراد أن حرمته كحرمة اللقيط، وبه قال الحسن بن صالح.
(١) ورد بهامش الأصل: قال الذهبي في ((تجريده)) ولد عام الفيل وكذا قال في
((الكاشف)) وفي ((الكاشف)) أنه توفي سنة ٨١ وكذا في وفاته، قال النووي: قال
هشيم: بلغ سويد مائة وثمانيًا وعشرين سنة، قال ذلك ابن نمير. توفي سنة ٨١ وله
مائة وعشرون سنة، وقيل: توفي ابن مائة وإحدى وثلاثين، وقال الفلاس: توفي
سنة ٨٣ وهو ابن ١٣٦.

٥٥٥
= باب فِي اللُّقَطَّةِ
١١- باب مَنْ عَرَّفَ اللَّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ
٢٤٣٨- حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى
الْمُنْبَعِثِ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه، أَنَّ أَغْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َ عَنِ اللَّقَطَةِ،
قَالَ: ((عَرِّنْهَا سَنَّةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرَُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا)).
وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ وَقَالَ: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا،
تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا)). وَسَأَلَّهُ عَنْ ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ:
(هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذَّتْبِ)). [انظر ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٩٣/٥]
ذكر فيه حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أيضًا، أَنَّ أَغْرَائِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ لِ عَنِ
اللُّقَطَةِ، قَالَ: ((عَرِّفْهَا سَنَّةً)) .. الحديث.
ولا يجب عند جماعة العلماء على الملتقط -إن لم يكن من ضالة
الحيوان- أن يدفعها إلى السلطان، وإنما معنى هذه الترجمة: أن
السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذي يعرفها دون غيره لقوله:
(عرفها)) إلا أنهم اختلفوا في الملتقط إذا كان غير مأمون عليها، على
قولین :
أحدهما: أنه يعرفها وليس للسلطان أخذها منه.
والثاني: أن له أخذها منه ودفعها إلى ثقة يعرفها، والقولان للشافعي
أيضًا(١).
وأما حكم الضوال فإنها تحتاج إلى حرز ومؤنة، وهذا لا يكون
إلا بحكم حاكم، ولهذا كانت ترفع ضوال الإبل إلى عمر وعثمان
وسائر الخلفاء بعدهما .
(١) ((الأم)) ٢٨٧/٣.

٥٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
واختلفوا إذا التقط لقطة فضاعت عنده، فقال أبو حنيفة وزفر: إن
أشهد أنه أخذها ليعرفها لم يضمنها إن هلكت وإلا ضمنها(١) وقد سلف.
واحتج بحديث عياض السالف فيه الإشهاد.
وقال مالك(٢) وأبو يوسف ومحمد (٣) والشافعي: لا ضمان عليه
إلا أن يفرط، وحجتهم إجماع العلماء أن المغصوبات لو أشهد
الغاصب على نفسه أنه غصبها لم يدخلها إشهاد ذلك في حكم
الأمانات، فلذلك ترك الإشهاد على الأمانات لا يدخلها في حكم
المغصوبات، ولا خلاف أن الملتقط أمين لا يضمن إلا ما يضمن به
الأمانات من التعدي والتضييع.
وأما حديث عياض فمعناه أن الملتقط إذا لم يعرف اللقطة ولم
ينشدها وكتمها، ثم قامت عليه بينة أنه وجد لقطة وضمها إلى ماله،
ثم ادعى تلفها أنه لا يصدق ويضمن؛ لأنه بفعله ذلك خارج عن
الأمانة، إلا أن تقوم البينة على تلفها، وأما إذا عرفها في المحافل
وإن لم يشهد فلا ضمان عليه.
وقوله: ((وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء)) فإنه يريد انطلاق يد
الملتقط عليها بعد الحول ثم يضمنها لصاحبها إن جاء بإجماع.
(١) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٣٤٤/٤.
(٢) ((بداية المجتهد)) ١٤٩٤/٤.
(٣) ((مختصر اختلاف العلماء)» ٣٤٤/٤.

٥٥٧
باب فِي الُّقَطَّةِ
=
١٢- باب(١)
٢٤٣٩- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَبِي البَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ،
حَذَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَ:
انْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمِ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ
لِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الغُبَارِ،
ثُمَّ أَمَزْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ هَكَذَا - ضَرَبَ إِحدىُ كَفَّيْهِ بِالأُخْرِىُ- فَحَلَبَ كُثْبَةً
مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِزْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ،
حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَقُلْتُ: آشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَشَرِبَ حَتَّى
رَضِيتُ. [٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧ - مسلم: ٢٠٠٩ - فتح ٩٣/٥]
ذكر فيه حديث أبي بكر في الهجرة قَالَ: أَنْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي
غَثَمْ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمَّاهُ
فَعَرَّقَتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنِ؟
الحديث بطوله، وقد أسلفناه في باب: لا يحتلب أحد ماشية أحد
إلا بإذنه، وذكرنا الجواب عن شربه، وشرب الصديق من اللبن فراجعه.
قال ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن وجه استجازة الصديق
لشرب اللبن من ذلك الراعي، فقال لي: يحتمل أن يكون الشارع قد
كان أذن له في الحرب، وكانت أموال المشركين له حلالًا. فعرضته
على المهلب، فقال لي: ليس هذا بشيء؛ لأن الحرب والجهاد إنما
(١) ورد بهامش الأصل: في نسختي بعد، حديث زيد حديث أبي بكر قال: انطلقت
فإذا أنا براعي غنم .. الحديث مختصرًا ولم يفصل بباب.

٥٥٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
فرض بالمدينة، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن
قال: وإنما شرباه بالمعنى المتعارف عندهم في ذلك الزمن من
المكارمات، وبما استفهم به الصديق الراعي من أنه حالب أو غير
حالب، ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه، ولحلب على ما أراد
الراعي أو كره، ولساق الغنم غنيمة، وقتل الراعي إن شاء أو أخذه أسيرًا.
يبين أن ذلك كان على وجه العادة عندهم ما رواه الثوري عن أبي
عبيدة قال: مر رجل من أهل الشام بامرأة من كلب، فقال لها: هل من
لبن يباع؟ فقالت: إنك للئيم، أو حديث عهد بقوم لئام هل يبيع الرِّسْل
كريم أو يمنعه إلا اللئيم؟ إنا لندع الكوم لأضيافنا، تكوس، إذا عكف
الزمن الضروس ونُغْلِي اللحم غريضًا ونُهِينه نضيجًا.
قال أبو علي: (الرسل) اللبن، و(تكوس): تمشي على ثلاث،
و(نغلي) من الغلاء(١).
قال المهلب: وقد قال أخي أبو عبد الله: إنه لا معارضة بينهما؛ لأن
هذا (قوله)(٢) الَّه لما علم أنه سيكون من التشاح وقلة المواساة،
والحديث معناه: لا يهجمن أحدكم على ماشية غيره، فيحتلبها بغير
إذنه أو غير إذن راعيها الذي له حكم العادات فيما استرعى فيه من
المعروف، وكان بين الحديثين فرق يمنع من التعارض.
وفي حديث أبي بكر من الأدب والتنظف ما صنعه بنفض يد الراعي
وبنفض الضرع، وخدمته لرسول الله وَله وإلطافه به ما يجب أن يمتثل في
كل عالم وإمام(٣)، وسيأتي هذا الحديث أيضًا في باب: اللبن من
(١) ((الأمالي)) ٢٠٦/١-٢٠٧.
(٢) كذا بالأصل، وفي ((شرح ابن بطال)): قاله.
(٣) ((شرح ابن بطال)» ٦ / ٥٦٦-٥٦٧.

٥٥٩
باب فِي الُّقَطَّةِ
=
كتاب: الأشربة(١).
وقوله: (هَلْ فِي غَنّمِكَ مِنْ لَبَنٍ): هو بفتح اللام والباء. قال
القاضي: وروي بضم اللام وتشديد الباء(٢). و(الكثبة): بالضم، قال
ابن فارس: هي القطعة من اللبن ومن التمر، سميت بذلك لاجتماعها(٣)،
وكذا قال الهروي: إنها القليل من اللبن ومن غيره، وكل ما جمعت
من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلًا فهو كثبة، وقد كثبته أكثبه: إذا
(٤)
جمعته (٤).
وقوله: (فَمِها خِرقة)، كذا هو (فمها) بالميم وهي لغة غير مشهورة
يشهد لها قوله: يصبح ظمآن وفي البحر فمه.
وصوابه بالمثناة تحت بدل الميم وهو الأشهر (٥).
(١) سيأتي برقم (٥٦٠٧).
(٢) قال في ((المشارق)): وقال ابن مكي في كتابه: إن ذكر اللبن لبنات آدم خطأ إنما هو
لغيرهن، وللمرأة لبان. ثم قال القاضي: وهذا الحديث يرد عليه - يقصد حديث
الرضاعة. ((المشارق)) ٣٥٤/١.
(٣) ((مجمل اللغة)) ٧٧٩/٢.
(٤) ((غريب الحديث)) ٢٧٣/١-٢٧٤.
(٥) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: وكذا في ((المطالع)) أن الأشهر: (فيها).