Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ -- كِتَابُ المُزَّارَعَةِ وفيه: الحض على عمارة الأرض ليعيش نفسه أو من يأتي بعده ممن يؤجر فيه، وذلك يدل على جواز أتخاذ الضياع، وأن الله تعالى أباح ذلك لعباده المؤمنين لأقواتهم وأقوات أهليهم طلب الغنى بها عن الناس، وفساد قول من أنكر ذلك، ولو کان كما زعموا ما كان لمن زرع زرعًا وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر؛ لأنه لا يؤجر أحد فيما لا يجوز فعله، وقد سلف بيان ذلك بأوضح في باب: نفقة نسائه ◌َالية(١). (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٥٦/٦-٤٥٧، وسلف بيان ذلك في كتاب: الخمس. ٢٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٢ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَاقبة الاشْتِغَالِ بِآلَةِ الزِّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ الذِي أُمِرَ بِهِ ٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالم الحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا ◌ُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ الأَلْهَاِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ : - وَرَأَىْ سِكَّةً وَشَّيْئًا مِنْ آلَةِ الَحَزْثِ فَقَالَ : - سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ هذا بَيْتَ قَوْم ◌ِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ)). قالَ مُحَمَّدٌ: واسْمُ أَبِ أُمَامَةَ: صُدَيُّ بنُ عَجْلَانَ. [فتح: ٤/٥] ذكر فيه حديث محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة الباهلي قَالَ: - وَرَأىُ سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((لَا يَدْخُلُ هذا بَيْتَ قَوْم إِلَّا دَخَلَهُ الذُُّّ)). هذا الحديث من أفراده، وأبو أمامة اسمه صُدي بن عجلان السهمي، بصري ثم حمصي، آخر الصحابة موتًا بالشام. وفي إسناده عبد الله بن سالم الحمصي، مات -هو ومالك- سنة تسع وسبعين ومائة(١). ومراده بقوله: (أو مجاوزة الحد الذي أمر به). معناه: الذي أبيح له، وذلك إذا لم يكن منقطعًا إليه، أما إذا انقطع فيحذر مما قاله أبو أمامة. والسكة: الحديدة التي يحرث بها(٢)، ووجه الذل ما يلزم الزارع من حقوق الأرض فيطالبهم السلطان بذلك، وقيل: إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن العدو، وفي ترك الجهاد نوع ذل. (١) ورد بهامش الأصل: قال في الكاشف [١/ ٥٥٥ (٢٧٣٦)] قال يحيى بن حسان في حق عبد الله بن سالم الحمصي: ما رأيت بالشام مثله صدوق ناصبي. (٢) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري ١٧٢٢/٢. ٢٢٣ = كِتَابُ المُزَارَعَةِ ومعنى الحديث: الحض على معالي الأمور، وطلب الرزق من أشرف الصناعات، لما خشي الكلّي على أمته من الاشتغال بالحرث، وتضييع ركوب الخيل، والجهاد في سبيل الله؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض، ولزوم المهنة، والوقوع بذلك تحت أيدي السلاطين وركاب الخيل، ألا ترى أن عمر قال: تمعددوا، واخشوشنوا، واقطعوا الركب، وثبوا على الخيل وثبًا لا يغلبكم عليها رعاة الإبل(١). أي: دعوا التملك والتدلل بالنعمة، وخذوا خشن العيش؛ لتتعلموا الصبر فيه، فأمرهم بملازمة الخيل والتدرب عليها والفروسية؛ لئلا يملكهم الرعاة الذين شأنهم خشونة العيش، ورياضة أبدانهم بالوثوب على الخيل، فليحذر من الميل إلى الراحة والنعمة، فمن لزم الحرث وغلب عليه، وضيع ما هو أشرف منه؛ لزمه الذل، كما قال القائ، ويلزمه الجفاء في خلقه لمخالطته، وهو كذلك. وقد جاء في الحديث ((من لزم البادية فقد جفا))(٢). وجاء: ((من بدا فقد جفا))(٣). (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٨٥/١١-٨٦ (١٩٩٩٤). (٢) رواه أبو داود (٢٨٥٩) والترمذي (٢٢٥٧) وأحمد ٣٥٧/١ من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود» (٢٥٤٧). (٣) رواه أحمد ٣٧١/٢ عن إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن الحكم، عن عدي ابن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعًا، والحديث ذكره الألباني في ((الصحيحة)) (١٢٧٢) وقال: وهذا إسناد حسن فإن بقية رجال الإسناد ثقات کلهم. ٢٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقد أخبرنا بما يقوي هذا المعنى حيث قال: ((السكينة في أهل الغنم، والخيلاء في أصحاب الخيل، والقسوة في الفدادين أهل الوبر)) (١). وكأنه قال: والذل في أهل الحرث، أي: من شأن ملازمة هذِه المهن توليد ما ذكر من هذِه الصفات، ومن الذل الذي يلزم من اشتغل بالحرث ما ينوبه من المؤنة لخراج الأرضين، كما سلف. وفيه: علامة النبوة، وذلك أنه القليفي علم أنه من يأتي في آخر الزمان من الولاة يجورون في أخذ الصدقات والعشور، ويأخذون من ذلك أكثر مما يجب لهم؛ لأنه لا ذل لمن أخذ منه الحق الذي عليه، وإنما يصح الذل بالتعدي وترك الحق في الأخذ. وفيه: أن الأموال الظاهرة يخرج حقوقها إلى السلطان . وقال الداودي: هذا لمن يقرب من العدو واشتغل بالحرث، وأما غيرهم فالحرث محمود، قال تعالى ﴿وَأَعِذُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ومن القوة: الطعام، والخيل لا تقوم إلا بالزراعة. ومن هو في الثغور المقاربة للعدو لا يشتغل بالحرث، وعلى المسلمين والإمام مدهم بما يحتاجون إليه(٢). (١) سيأتي من حديث أبي هريرة (٣٣٠١) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد السبعين كتبه مؤلفه. ٢٢٥ - كِتَابُ المُزَارَعَةِ ٣ - باب افْتِنَاءِ الكَلْبِ لِلْحَرْثِ ٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةً، حَذَثْنَا هِشَامٌ، عَن یخیی بُنِ آَبی کَثِیٍ، عَنْ آَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِرَاطٌ، إِلَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ». قَالَ ابن سِبِينَ وَأَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِيَّ هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ: ((إِلَّ كَلْبَ غَنَمِ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ)). وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََِّّ: ((كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ)). [انظر: ٣٣٢٤ - مسلم: ١٥٧٥ - فتح: ٥/٥] ٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَنَّ الشَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَبْرٍ -رَجُلًا مِنْ أَزْدِ شَئُوءَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نََّ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ يَقُولُ: ((مَنِ أَقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ كُلَّ يَوْم مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ)). قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلَ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هذَّا المشجِدِ. [٣٣٢٥ - مسلم: ١٥٧٦ - فتح: ٥/٥] ذكر فيه حديث أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رفعه: ((مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ بَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطُ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ)). وَقَالَ ابن سِيرِينَ وَأَبُو صُّالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله وَّهِ: ((إِلَّ كَلْبَ غَثَمِ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صِيْدٍ)). وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله: ((كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ)). وحديث سفيان بن أبي زهير - رَجُل مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، صحابي - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ لَهِ يَقُولُ: ((مَنٍ أَقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ كُلَّ يَوْم مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ)). قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلٌ؟ قَالَ: إِيَّ وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ. ٢٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الشرح : أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وفي الباب عن ابن عمر أخرجاه(٢)، ويأتي في باب: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم (٣). وعبد الله بن مغفل صححه الترمذي(٤)، وأصله في مسلم(٥) وجابر أخرجه الترمذي (٦) وبريدة(٧). قال عبد الحق: ولم يذكر البخاري الصيد في حديث أبي هريرة إلا في طريق منقطعة . قال الترمذي: ويروى عن عطاء بن أبي رباح أنه رخص في إمساك الكلب وإن كان للرجل شاة واحدة (٨)، قال: ويروى في بعض الحديث: ((إن الكلب الأسود البهيم شيطان)) (٩) والبهيم: الذي لا يكون فيه شيء من البياض. وقد كره بعض أهل العلم صيد الكلب الأسود البهيم (١٠). (١) ((صحيح مسلم)) برقم (١٥٧٥، ١٥٧٦) كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب. (٢) سيأتي برقم (٥٤٨٠) كتاب: الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، ورواه مسلم (١٥٧٤) كتاب: المساقاة. (٣) سيأتي برقم (٥٧٨٢) كتاب: الطب. (٤) ((سنن الترمذي)) رقم (١٤٨٦). (٥) مسلم برقم (٢٨٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب. (٦) (سنن الترمذي)) (١٤٦٦)، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٧) رواه أحمد ٣٥٣/٥ بلفظ: احتبس جبريل على رسول الله وَالر؛ فقال له: ((ما حبسك؟)) قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب. وروي عند غيره بلفظ: ((لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب)). (٨) (سنن الترمذي)) رقم (١٤٨٩). (٩) رواه أحمد ٦/ ١٥٧ عن عائشة رضي الله عنها. (١٠) ((سنن الترمذي)) بعد حديث (١٤٨٦). ٢٢٧ كِتَابُ المُزَارَعَةِ = أما فقه الباب: فالأحاديث دالة على إباحة أتخاذ الكلب للزرع والماشية والصيد، وفي معناها اتخاذها لحفظ الدروب، وهو الأصح عندنا عملًا بالعلة، وهي الحاجة لاتخاذ جرو، لذلك على الأصح. وأما حديث النهي عن ثمن الكلب والهرة، إلا الكلب المعلم فواهٍ؛ کما بينه ابن حبان(١). فائدة : شنوءة: اسم للحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر الأزدي، والنسب إليهم: شنوئي وشنائي. وقال ابن فارس: الشنوءة: التغير (٢)، ومنه: أزد شنوءة، والشنائي بالهمز، وفي بعض النسخ بالواو، وهو صحيح على إرادة التسهيل، ورواه بعضهم بضم الشين على إرادة الأصل. والاقتناء: الاتخاذ لنفسه لا للتجارة، قال الداودي: معناه: كسب، من قوله: ﴿أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨] قال غيره: معنى ﴿أقنى﴾: أعطى وأرضى. و(الضرع) يقال للشاة وغيرها(٣)، والقيراط قيل: هو من التمثيل، مثل جبل أحد. (١) ((المجروحين)) ٢٣٧/١. قال: هذا خبر بهذا اللفظ لا أصل له، ولا يجوز ثمن الكلب المعلم ولا غيره. قلت: وكذا ضعفه الدارقطني في ((سننه)) ٧٣/٣، والحديث رواه أحمد ٣١٧/٣. (٢) كذا بالأصل، وجاء في ((مقاييس اللغة)) مادة [شنأ]: التقزز. (٣) ورد بهامش الأصل: قاله في ((المطالع)) في قولنا: يا أهل ضرع، أي: ماشية، ومن العرب من يجعل الضرع لكل أنثى، ومنهم من يخص الضرع بالشاة والبقر، والحلث بالناقة، والثدي بالمرأة. ٢٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وقوله: (أي ورب هذا المسجد). أقسم ليؤكد ما ذكره؛ ليتحققوه وينقلوه، والمراد -والله أعلم- بنقص العمل في المستقبل لا في الماضي، وأراد أن عمله في الكمال ليس كعمل من لم يتخذ، فنهى أولًا عن اتخاذها، وغلظ في ولوغها، ثم نهى عن ثمنها، ثم ذكر نقص عملها، ثم أمر بقتلها، وأراد نقص ثواب العمل. ٢٢٩ - كِتَابُ المُزَارَعَةِ ٤ - باب اسْتِعْمَالِ البَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ ٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَذَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، سَمِعْثُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِّ ◌ِِّ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ التَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لهذا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ) قَالَ: ((آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَأَخَذَ الذِّتْبُ: شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ [لَهُ] الذُّتْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟)) قَالَ: ((آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)). قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ في القَوْمِ. [٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠ - مسلم: ٢٣٨٨ - فتح: ٨/٥] ذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبي وَّه قال: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةِ التَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لهذا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ)) قَالَ: ((آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَأَخَذَ الذُّتْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّتْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟)) قَالَ: ((آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)). قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ. الشرح : هذا الحديث أخرجه هنا من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وذكره في: بني إسرائيل من حديث الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١). وأخرجه مسلم من هذا الوجه(٢). قال الدمياطي: وأخرج مسلم بهذا السند حديثًا آخر («أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم)) الحديث(٣)، لا ثالث لترجمة الأعرج عن أبي سلمة(٤). (١) سيأتي برقم (٣٤٧١) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٢) مسلم رقم (٢٣٨٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق. (٣) المصدر السابق برقم (٢٣٦٥). (٤) يقصد الدمياطي أن مسلمًا لم يرو - بهذا الإسناد - إلا هذين الحديثين، وليس عنده عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أحاديث أخر. ٢٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - وذكر ابن التين عن الهروي أن هذا كان في المبعث، ونقل عن الداودي: عن أبي هريرة: ((بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها)). وفي رواية: ((حملها فالتفتت إليه)). وفيه: علم من أعلام النبوة. وفيه: فضل الشيخين؛ لأنه نزلهما منزلة نفسه، وهي من أعظم الخصائص. وفیہ: بیان أن کلام البهائم من الخصائص التي خصت بها بنو إسرائيل، وهو مما فهمه البخاري إذ خرجه في باب: ذكر بني إسرائيل (١). وذكر ابن الأثير أن قصة الذئب كانت أيضًا في المبعث، والذي كلمه الذئب أسمه أهبان بن أوس الأسلمي أبو عقبة، سكن الكوفة(٢)، وقيل: أهبان بن عقبة، وهو عم سلمة بن الأكوع، وكان من أصحاب الشجرة. وعن الكلبي: هو أهبان بن الأكوع، واسمه: سنان بن عياذ بن ربيعة(٣). وعند السهيلى: هو رافع بن ربيعة(٤)، وقيل: سلمة بن الأكوع. وروي عن ابن وهب أن أبا سفيان بن الحارث(٥) وصفوان بن أمية وجدا ذئبًا أخذ ظبيًا، فاستنقذاه منه، فقال لهما: طعمة أطعمنيها الله .. الحديث. وروي مثل هذا أيضًا أنه جرى لأبي جهل وأصحاب له. (١) سيأتي برقم (٣٤٧١) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٢) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٤٥/٢. (٣) (أسد الغابة)) ١٦١/١-١٦٢. (٤) ((الروض الأنف)) ٢٥٢/٤، وفيه: رافع بن أبي رافع. (٥) ورد بهامش الأصل: حرب في ((الشفا)). [قلت: هو الصواب، أنظر: ((الشفا)) للقاضي عياض ٣١٠/١-٣١١]. ٢٣١ - كِتَابُ المُزَّارَعَةِ وعند أبي القاسم عن أنس: كنت مع رسول الله بَّ في غزوة تبوك، فشردت عليَّ غنمي، فجاء الذئب فأخذ منها شاة، فاشتدت الرعاء خلفه، فقال الذئب: طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني، فبهت القوم فقال: مما تعجبون؟ الحديث(١). و(يوم السبع) بإسكان الباء، قال ابن الجوزي: كذا هو بإسكان الباء، والمحدثون يروونه بضمها، والمعنى على هذا أي: إذا أخذها السبع لم تقدر على خلاصها، فلا يرعاها حينئذ غيري. أي: إنك تهرب وأكون أنا قريبًا منها، أنظر ما يفضل لي منها، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة مرفوعًا ((يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي))(٢). يريد: عوافي السباع والطير، وهذا لم يُسمع به إلى الآن، ولابد من وقوعه. وقال ابن العربي: قراءة الناس بضم الباء، وإنما هو بإسكانها، والضم تصحيف، ويريد بالساكن الباء للإهمال، والمعنى: من لها يوم يهملها أربابها؛ لعظم ما هم فيه من الكرب، إما ما يحدث من فتنة، أو يريد به يوم الصيحة (٣). ونقل الأزهري في ((تهذيبه)) عن ابن الأعرابي أنه بسكون الباء: الموضع الذي فيه المحشر (٤)، فكأنه قال: من لها يوم القيامة؟ قلت: وضم الباء لغة في السبع . (١) ((دلائل النبوة)) للأصبهاني ٤٦٧/٢ (٤٥). (٢) سلف برقم (١٨٧٤) كتاب: فضائل المدينة، باب: من رغب عن المدينة، ورواه مسلم (١٣٨٩) بلفظ: مذللة للعوافي، كتاب: الحج، باب: في المدينة حين يتركها أهلها. (٣) ((عارضة الأحوذي)) ١٥٠/١٣. (٤) ((تهذيب اللغة)) ١٦١٧/٢ مادة (سبع). ٢٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = قال ابن سيده: كلام سيبويه يشعر أن السبع لغة، وليس بتخفيف - كما ذهب إليه أهل اللغة؛ ولا يمتنع أيضًا، وقد جاء كثيرًا في (١) أشعارهم (١). قال صاحب ((المطالع)): الساكن الباء: عيد كان لهم في الجاهلية، يشتغلون فيه بلعبهم فيأكل الذئب غنمهم، ذكره إسماعيل عن أبي عبيدة(٢)، قال: وليس بالسبع الذي يأكل الناس . وذكر أبو موسى في ((مغيثه)): أن أبا عامر العبدري الحافظ أملاه علينا بسنده إلى إسماعيل: بضم الباء، قال: وكان من العلم والإتقان بمكان، وبعضهم يفتح الباء، وليس بشيء. وقال محمد بن عمرو بن علقمة -راويه- يعنى: يوم القيامة. وقيل: إنه بالسكون: يوم (الفزع)(٣)، يقال: سبعه الأسد. أي: ذكره(٤). وقال بعضهم فيما حكاه صاحب ((المطالع)): إنما هو (السيع) بالياء المثناة تحت. أي: يوم الضياع، يقال: أسيعت وأضعت بمعنى، ولم يحك ابن التين غير الإسكان، وقال: المعنى إذا طردك عنها السبع ثم أخذ منها ما شاء، وانفردت أنا بها. ونقله عن الداودي. وهذا الحديث حجة على من جعل علة المنع من أكل الخيل والبغال والحمير أنها خلقت للزينة والركوب؛ لقوله تعالى ﴿لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨] وقد خلقت البقر للحراثة، كما أنطقها تعالى به، وهو (١) ((المحكم)) ٣١٥/١ مادة (عسب). يقصد أن (السبع) بالسكون لغة في ( السُبُع) بالضم، وليس هو من تخفيف العرب لها. (٢) رواه عن أبي عبيدة البكريُّ في ((معجم ما استعجم)) ٧١٩/٣. (٣) في الأصل: الجوع، والمثبت من ((المجموع المغيث)). (٤) ((المجموع المغیث)) ٥٤/٢-٥٥. ٢٣٣ : كِتَابُ المُزَارَعَةِ = زيادة في الآية المعجزة، ولم يمنع ذلك من أكل لحومها، لا في بني إسرائيل، ولا في الإسلام. وفيه: الثقة بما يعلم من صحة إيمان المرء، وثاقب علمه، والقضاء عليه بالعادة المعلومة منه، كما قضى القليّة على أبي بكر وعمر بتصديق كلام البقرة والذئب الذي توقف الناس عن الإقرار به حتى أحتاج أن يقول: إن هذا يقر به أبو بكر وعمر، وناهيك بذلك فضيلةً لهما ورفعةً؛ لشهادته لهما الذي لا ينطق عن الهوى(١)، كما سلف، وذاك دال على قوة إيمانهما، وكان الناس حديثي عهد في الإسلام، وهو من عجائب بني إسرائيل، وقد قال: ((حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج))(٢) ومعناه: فيما صح عندكم، ولا تتحرجوا من سماع عجائبهم. وقد كانت فيهم عجائب. وفيه: أن البهائم يستعمل كل شيء منها فيما خلق له - كما ترجم له. (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٥٩/٦، ٤٦٠، وعزاه إلى المهلب. (٢) سيأتي برقم (٣٤٦١) كتاب: أحاديث الأنبياء باب: ما ذكر عن بني إسرائيل. ٢٣٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ٥ - باب إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَثُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيْهِ، وَتُشْرِكُنِي فِيِ الثَّمَرِ ٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا الَحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالُتِ الأَنَّصَارُ لِلنَّبِيِّ ◌َّهِ: أَقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: ((لا)». فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَثُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِغْنَا وَأَطَغْنَا. [٢٧١٩، ٣٧٨٣ - فتح: ٨/٥] ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لرسول الله ◌َّهِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: ((لَا)). فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَثُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. هذا الحديث من أفراده، وخرجه في الشروط أيضًا(١)، وهذا القول كان من الأنصار حين قدم عليهم المهاجرون المدينة ومنحوهم المنائح، فلما فتحت خيبر أعادوا منائحهم عليهم، كما ذكره البخاري في العارية من رواية أنس قال: وكانت أم سليم أعطت رسول الله وَلّ عذاقًا، فأعطاهن أم أيمن، فلما رد المهاجرون ما كان بأيديهم رد رسول الله وَير إلى أم سليم عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه وكانت الأنصار أرادوا أن يشركهم المهاجرون في أموالهم ونخيلهم، فأشركهم الَّ في الثمرة على أن يكفوهم المؤنة(٢). فظاهر الحديث يقتضي عملهم على النصف مما تخرج الثمرة؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها حد معلوم كانت نصفين، وهذه هي المساقاة. (١) سيأتي برقم (٢٧١٩) باب: الشروط في المعاملة. (٢) سيأتي برقم (٢٦٣٠) كتاب: الهبة، فضل المنيحة. ٢٣٥ كِتَابُ المُزَّارَعَةِ قال ابن التين: لما بايع سيدنا رسول الله وسلم الأنصار ليلة العقبة أشترط عليهم مواساة من هاجر إليهم، فلما قدم المهاجرون قالت الأنصار: أقسم بيننا وبين إخواننا ويعمل كل واحد سهمه. وقال النبي ◌َّهِ: ((إنهم لا علم لهم بعمل النخل)) فقالوا: يكفونا المؤنة. وهذا من قول المهاجرين. وقال بعضهم: إنه من قول الأنصار، وإن فيه حجة على جواز المساقاة. وليس كذلك، لأنه يصح أن يحتج به على جوازها وإن كان من قول المهاجرين؛ لأنهم ملكوا معهم نصيبًا باشتراطه التَّ ذاك كما مضى ، وتطوعهم بذلك ولم یرجعوا عنه. فكأنهم جعلوا لهم نصيبًا من الثمرة فيما صار إليهم منهم على أن يكفوهم المؤنة، فلما جلا بني النضير، وأراد قسم ما سوى الرباع من مالهم قال للأنصار: ((إن شئتم نقسم على ما كنتم عليه في أموالكم، وإن شئتم رجعت إليكم أموالكم، وقسمت لهم دونكم)). فاختاروا أخذ أموالهم، وقسم ما سوى الرباع من أموال بني النضير على المهاجرين وثلاثة من الأنصار كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقال ابن المنير: أشار البخاري في الترجمة إلى حجة المساقاة، وليس في الحديث حقيقتها؛ لأن الرقاب كانت ملكًا للأنصار، وهم أيضًا العمال عليها، فليس فيه إلا مجرد تمليكهم لإخوانهم نصف الثمر بلا عوض، غير أنهم عرضوا عليهم الملك ثم القسمة، فنزلوا عن الملك المتعلق بالثمرة، وكانوا ساقوا نصيبهم المعروض عليهم بجزء من الثمرة، وكان الجزء مبينًا إما بالنص، أو العرف، أو بإطلاق ٢٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == الشركة منزل على النصف، وهو مشهور مذهب مالك، والجزء المنسوب إلى الأصل هنا هو الكل بالنسبة إلى النصيب المعروف، قال: ومذهبنا أن المساقاة على أن كل الثمرة للمالك جائزة(١). وقال المهلب: إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم أموالهم، فكره التَّى أن يخرج شيئًا من عقارهم، وعلم أن الله سيفتح عليهم البلاد حتى يستغني جميعهم، فأشركهم كما سلف ، وهذه هي المساقاة بعينها. قال غيره: فإن وجد في بعض طرق الحديث مقدار الشركة في الثمرة صير إليه، وإلا فظاهر اللفظ النصف؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يذكر فيها جزء معلوم حملت على المساقاة. وعن مالك في رجلين أشتريا سلعة فأشركا فيها ثالثًا، ولم يسميا له جزءًا: أن السلعة بينهم أثلاثًا(٢). فهذا يدل من قوله أنه لو كان المشرك واحدًا كانت بينهما نصفين. واختلف أهل العلم في الرجل يدفع المال قراضًا على أن للعامل شركًا في الربح. فقال الكوفيون: له ذلك في أجر مثله، والربح والوضيعة على رب المال، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور . وقال ابن القاسم: يرد في ذلك إلى قراض مثله. وقال الحسن البصري، وابن سيرين: له النصف، وهو قول الأوزاعي وبعض أصحاب مالك(٣). (١) ((المتواري على تراجم أبواب البخاري)) (٢٦٠). (٢) ((المدونة)) ١٦٣/٣. (٣) ((الإشراف)) لابن المنذر ٣٩/٢. ٢٣٧ ـ كِتَابُ المُزَارَعَةِ وحديث الباب يدل على صحته؛ لأن من رد القرض في ذلك إلى أجر مثله أو إلى قراض مثله فَعِلَّتُه أنه فاسد إذا لم يعلم مقدار الشركة في الربح. ولو كان كما قالوا لكان مساقاة المهاجرين للأنصار فاسدة حين لم يسموا لهم مقدار ما يعملون عليه. والقراض عند أهل العلم أشبه شيء بالمساقاة. ومحال أن تكون مساقاة المهاجرين للأنصار عن أمره الكليه ورأيه الموفق فاسدة. فائدة: النخيل جمع نخل، ونخل جمع نخلة، ولا يجمع فعل على فعيل إلا في القليل من كلامهم نحو: عبد وعبيد، وكلب وكليب. سـ ٢٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ٦ - باب قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ وَقَالَ أَنَسُِّ: أَمَرَ النَّبِيُّ وَجَهَ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. ٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ وََّ أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ البُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةٍ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ [٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤ - مسلم: ١٧٤٦ - فتح: ٩/٥]. هذا قد أسنده في الصلاة كما مضى(١). ثم ساق حديث عبد الله، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ البُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةٍ بَنِي لُؤَيِّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ زاد في كتاب المغازي: فأجابه أبو سفيان بن الحارث: وحرق في نواحيها السعير أدام الله ذلك من صنيع وتعلم أي أرضينا تضير (٢). ستعلم أينا منها بنزه وزاد في لفظ: فأنزل الله وَك: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾ الآية(٣) [الحشر: ٥]. وقوله: (وهان). كذا وقع لأبي ذر، ووقع لأبي الحسن: وهَن. مخرومًا (٤). (١) سلف برقم (٤٢٨) باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد. (٢) سيأتي برقم (٤٠٣٢) باب: حديث بني النضير. (٣) سيأتي برقم (٤٨٨٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ؟ما قطعتم من لينة؟. (٤) كذا وقعت بالأصول (وهن) بحذف الألف وعزاه المصنف كما ترى لأبي الحسن = ٢٣٩ كِتَابُ المُزَارَعَةِ وللترمذي من حديث ابن عباس في هذه الآية. قال: النخلة. ﴿وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] قال: استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخيل، فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قد تركنا بعضها وقطعنا بعضها، فلنسألن رسول الله وَلجر: هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله الآية. ثم قال: حديث حسن غريب، وقد روي عن سعيد بن جبير مرسلاً(١). ولأبي داود من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله وَّيل كان عهد إليه فقال: ((أغر على أُبْنَى صباحًا، وحرق))(٢). واختلف في اللينة: فقيل: النخلة كما سلف. وقيل: كل الأشجار للينها، وقيل: اللينة واللون: الأخلاط من التمر، وقيل: النخيل ما سوى البَرْني، والعجوة يسميها أهل المدينة الألوان، وقيل العجوة. وقيل: العسيل. وقيل: أغصان الشجر، للينها. وقيل: النخلة القريبة = القابسي. قلت: وقع في ((عمدة القاري)) للعيني ١٦٤/١٠، وفي ((فتح الباري)) لابن حجر ٩/٥ هان بحذف (و) وعزياه للقابسي أيضًا؛ وقالا: وقع البيت مخرومًا بحذف الواو من أوله. اهـ وفي ((اليونينية)) ١٠٤/٣ وقع (هان) وبهامشها: (لهان) معزوا إلى الحموي والمستملي وأبي ذر عنهما. قلت: قوله: مخرومًا، أي: سقط منه الحرف الأول من التفعيلة الأولى للبيت، وهو مصطلح عروضي، يتمثل في إسقاط الحركة الأولى من الوتد المجموع (يتكون من متحرکین ثم ساكن) قال ابن رشيق في ((العمدة)) ١٤٠/١-١٤١: وقد يأتون بالخرم كثيرًا ... وأكثر ما يقع في البيت الأول، وقد يقع قليلا في أول عجز البيت .. وإنما كانت العرب تأتي به لأن أحدهم يتكلم بالكلام على أنه غير شعر ثم يرى فيه رأيا فيصرفه إلى جهة الشعر. (١) ((سنن الترمذي) رقم (٣٣٠٣). (٢) ((سنن أبي داود)) (٢٦١٦)، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٥١) وقال: إسناده ضعيف لضعف صالح بن أبي الأخضر. ٢٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = من الأرض، فهذِه ثمانية أقوال. قال الترمذي: وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار وتخريب الحصون، وكره بعضهم ذلك، وهو قول الأوزاعي. ونهى الصديق أن يقطع شجر مثمر أو يخرب عامر وعمل بذلك المسلمون بعده . وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو، وقطع الأشجار والثمار. وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بدًّا، فأما للعبث فلا يحرق. وقال إسحاق: التحريق سنة إذا كان إنكاءً لهم(١). وقال: بقطع شجر الكفار وإحراقه عبد الرحمن بن القاسم، ونافع مولى ابن عمر، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، والجمهور. وقال الليث بن سعد، وأبو ثور: لا يجوز(٢). قال الطحاوى: والجز عن الصديق مرسل، رواه سعيد بن المسيب، ولم يولد في أيامه (٣)، واعتذر لهم بأن الشارع إنما قطع تلك النخيل، ليوسع موضع جولان الخيل للقتال، ويمكن أن يحمل ما روي عن الصديق من المنع إذا كان في قطعها نكاية أو أن يرجى عودها على المسلمین. وذهبت طائفة إلى أنه إذا رجى عودها لنا فلا بأس بالترك، وليس بصحيح؛ لأن الله تعالى كان أعلم نبيه أنه سيفتح عليه تلك البلاد وغيرها، وبشر أمته بذلك، ثم قطعها، فدل ذلك على إباحة الوجهين: (١) الترمذي بعد حديث (١٥٥٢). (٢) (شرح مسلم)) للنووي ١٢/ ٥٠. (٣) ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤٣٣/٣.