Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ = ڪِتَابُ الوَكَالَةِ وكذا فعل المغيرة برسول أهل مكة يوم المقاضاة، إذ كان يكلم رسول الله ◌َّهُ ويشير بيده نحو لحيته الكريمة فضربه المغيرة بسيفه مغمدًا، فقال: أقبض يدك عن لحية رسول الله وَلهو قبل أن لا ترجع إليك، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله وٍَّ﴾ (١). (١) هُذِه قطعة من حديث مطول سيأتي برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد. ١٨٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ٧- باب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعٍ قَوْمٍ جَازَ لِقَوْله ◌َِّ لِوَقْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ المَغَانِمَ، فَقَالَ وَّ: (نَصِيِي لَكُمْ)). ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ وَزَعَمَ عُزْوَةُ أَنَّ مَزْوَانَ بْنَ الَحَكَمِ وَالْسُوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ بِهِ: ((أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ. فَاخْتَارُوا إِحْدى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْى، وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ)). وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِوَّ أَنْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ غَيْرُ رَادٌّ إِلَيْهِمْ إِلَّ إِحدى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَلـ في المُسْلِمِينَ، فَأَثْتَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هؤلاء قَدْ جَاءُونَا تَائِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ)). فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّيْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ الهِ وَله لَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ)). فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِّ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيِّبُوا وَأَذِنُوا. الحديث ٢٣٠٧ - [٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦ - فتح: ٤ /٤٨٣] الحديث ٢٣٠٨ - [ ٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٢٦٠٨، ٣١٣٢، ٤٣١٩، ٧١٧٧ - فتح: ٤ /٤٨٣] ثم ساقه من حديث مروان بن الحكم، ومسور بن مخرمة ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده في هذه القصة: فقال القيمة: ((ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن أمسك شيئًا من هذا الفيء ١٨٣ = ڪِتَابُ الوَكَالَةِ فإن له به علينا ست فرائض)) ثم دنا رسول الله وَّ﴾ من بعيرٍ فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: ((يأيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا -ورفع إصبعه- إلا الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمِخْيَط)) فقام رجل في يده كُبّة من شعر فقال: أخذت هذِه لأصلح برذعة لي. فقال رسول الله وَلفي ((أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو فيء لك)) فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا إرب لي فيها، ونبذها(١). إذا تقرر ذلك فالوفد: القوم يفدون. وفيه: جواز سبي العرب واسترقاقهم كالعجم، وفيه قول للشافعي، والأفضل عتقهم للرحم ومراعاتها، كذا فعله عمر في خلافته حين ملك المرتدين، وهو على وجه الاستحباب. ومعنى ((استأنيت بهم)) أنتظرتهم. قال الداودي: وإنما أنتظرهم بشيء أوجب لأصحابه؛ لأن ترك ما لم يقبض أهون من ترك ما قبض، واستدل بعضهم به أن الغنيمة إنما تملك بالقسمة، وكذا الشافعي وأبو حنيفة إنما تملك بها. وقوله (قفل) رجع، ولما قسم ◌ّڑ غنائم حنين بالجعرانة لخمس ليال خلون من ذي القعدة سنة ثمان، وكان قدم سبي هوازن إلى الجعرانة، وأخر القسمة رجاء أن يسلموا ويرجعوا إليه، وكانوا ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل أربعة وعشرين ألف، ومن الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فقسمها بالجعرانة. وذكر ابن فارس في كتاب ((المُنْبي في أسماء النبي)) أن الذي أعطاه (١) (سنن أبي داود)) (٢٦٩٤)، وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤١٣) و ((الإرواء)» ٣٧/٥: إسناده حسن. ١٨٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح النبي ◌َّ﴿ في هذا اليوم قُوَّمَ خمس مائة ألف ألف. وقوله: ((حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا)) أي: يرد، مثل قوله: ما أفاء الله. فيه: القرض إلى أجل مجهول، إذ لا يدري متى يفاء. قال ابن التين عن بعضهم: يمكن أن يقاس عليه من أكره على بيع ماله في حق غيره. ونقل ابن بطال عن بعضهم أن فيه من الفقه أن بيع المكره في الحق جائز؛ لأنه القليّ حكم برد السبي، ثم قال: ((من أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه)) إلى آخره، ولم يجعل لهم الخيار في إمساك السبي أصلًا، وإنما خيرهم في أن يعوضهم من مغانم أخر، ولم يخيرهم في أعيان السبي؛ لأنه قال لهم هذا بعد أن رد إليهم أهليهم، وإنما خيرهم في إحدى الطائفتين؛ لئلا يجحف بالمسلمين في مغانمهم فيخليهم منه كله ويحبسهم ما غنموا وتعبوا فيه، وفي دفعه أملاك الناس عن الرقيق، ولم يجعل إلى تمليك أعيانهم سبيلًا دلالة على أن للإمام أن يستعين على مصالح المسلمين بأخذ بعض ما في أيديهم ما لم يجحف بهم، ويعد من لم تطب نفسه مما يؤخذ منه بالعوض، ألا ترى قوله القيّمة ((من أحب أن يطيب بذلك)) فأراد أن يطيب نفوس المسلمين لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال؛ ليرفع الشحناء والعداوة، ولا يبقي إحنة الغلبة لهم في انتزاع السبي منهم في قلوبهم، فيولد ذلك اختلاف الكلمة. وفيه: أنه يجوز للإمام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين، بعد أن غنم أهليهم وأموالهم أن يرد عليهم عيالهم إذا رأى ذلك صوابًا، كما فعل رسول الله له؛ لأن العيال ألصق بنفوس الرجال من المال، والعار ١٨٥ = كِتَابُ الوَكَالَةِ عليهم فيه أشد (١). وقوله ( ((حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)) ) إنما هذا تقصّي من رسول الله يل عن أصل السبي في استطابة النفوس رجلًا رجلًا، وليعرف الحاضر منهم الغائب. والعرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمر القبيلة، والمحلة على أمرهم، ويعرف الأمير حالهم، وهو مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم، فعيل بمعنى فاعل، والعرافة عمله. وعن أبي نصر: هو النقيب الذي دون الرئيس. وعن غيره: النقيب فوق العريف، وقيل: هو الأمير. وفيه: أتخاذ العرفاء، وأنهم كانوا ثقات. وفيه: قبول خبر الواحد، واستدل به من رأى قبول إقرار الوكيل على موكله؛ لأن العرفاء كانوا كالوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم، فلما سمع رسول الله ◌َ﴿ مقالة العرفاء أنفذ ذلك ولم يسألهم عما قالوه، وكان في ذلك تحريم فروج السبايا على ما كانت حلالا (إليه)(٢)، وإليه ذهب أبو يوسف ونفر من أهل العلم، وقال أبو حنيفة: إقرار الوكيل جائز عند الحاكم، ولا يجوز عند غيره (٣). وقال مالك: لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلا أن يجعل ذلك إليه مو کله (٤). وقول الشافعي: لا يقبل إقراره عليه(٥). (١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٤٤٢ - ٤٤٣. (٢) كذا في الأصل، وأعلاها كلمة (كذا)، وفي الحاشية تعليقًا عليها: لعله عليه. (٣) أنظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٤/ ٦٩، ((المبسوط)) ٤/١٩، ٥. (٤) (الكافي)) ص ٣٩٥. (٥) ((مختصر المزني)) ١٥٧. ١٨٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح === ٨- باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي، فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ ٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا الَكُيُّ بْنُ إِرَاهِيمَ، خَدَّثَنَا ابن ◌ُرَئچٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبّاحِ وَغَيْرِهِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وََّ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ وَِّ فَقَالَ: ((مَنْ هذا؟)). قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: ((مَا لَكَ؟). قُلْتُ: إِنِّ عَلَى ◌َلٍ ثَقَالٍ. قَالَ: ((أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟)). قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَعْطِنِيهِ». فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَّهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الَمَكَانِ مِنْ أَوَّلِ القَوْمِ، قَالَ: (بِعْنِيهِ)). فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ)). فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَزْتَجِلُ. قَالَ: ((أَيْنَ تُرِيدُ؟)). قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ أَمْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: ((فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ)). قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُؤُنِّيَّ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ آمْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: ((فَذَلِكَ)). فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ: ((يَا بِلَالُ، أَقْضِهِ وَزِدْهُ)). فَأَعْطَاهُ أَزْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَزَادَهُ قِرَاطًا. قَالَ جَابِرُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ وَِّ. فَلَمْ يَكُنِ القِرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٤ /٤٨٥] ذكر فيه حديث ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح وَغَيْرِهِ یَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلَّهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وََّ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَقَالٍ فذكر بيع الجمل. وقد سلف(١). (١) سلف برقم (٢٠٩٧) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير. ١٨٧ كِتَابُ الوَكَالَةِ = وقوله: (كلهم رجل واحد منهم). كذا في نسخ البخاري، وفي الإسماعيلي: لم يبلغه كل رجل منهم، عن جابر. وقال: هذا لفظ حديث حرملة، عن ابن وهب، أنا ابن جريج؛ وعند أبي نعيم، لم يبلغهم كلهم إلا رجلٌ واحد عن جابر. وكذا في أطراف أبي مسعود، وتبعه المزي(١)، وبخط الدمياطي: لم يُبلِّغه، بضم أوله وكسر ثالثه مشددًا. وقال ابن التين: معناه أن بعضهم بينه وبين جابر غيره، ثم ذكر أن في رواية: وكل. بدل: رجل. والثفال -بفتح الثاء المثلثة -: بطيء السير، وبكسر الثاء: جلد أو (كساء)(٢) يوضع تحت الرحا يقع عليه الدقيق. وقال ابن التين: وصوب كسر الثاء هنا، ذكره ابن فارس (٣). قوله: بل هو لك يا رسول الله. أي: بغير ثمن، فقال ((بل بعنيه)) فيه رد العطية. وقوله ((قد أخذته بأربعة (دنانير)) فيه أبتداء المشتري بذكر الثمن، كذا هو بخط الدمياطي، وذكره ابن التين بلفظ: ((بأربع الدنانير)) قال الداودي: سقط التاء لما دخلت الألف واللام، وذلك فيما دون العشرة، ثم قال :. وهذا قول لم يوافقه أحد عليه. وقوله: ((ولك ظهره إلى المدينة)) قال مالك: إذا كان على قرب، مثل تلك المسافة، وإن كان روي عنه كراهة ذلك، ولا يجوز فيما بعد عنه. وقال قوم: ذلك جائز وإن بعد. وقالت فرقة: لا يجوز ذلك وإن قرب. (١) ((تحفة الأشراف)) ٢٣٥/٢ (٢٤٥٥). (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي ((الصحاح)). (٣) ((مقاييس اللغة)) ص ١٨٤ مادة: [ثفل]. ١٨٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == وقوله في آخره: (فلم يكن القيراط يفارق قراب جابر بن عبد الله). هو بكسر القاف، وعدم مفارقته؛ لأجل البركة. واختلف في مقدار الثمن على روايات، وذلك لا يوهن الحديث؛ الإجماعهم على البيع، وشرط ظهره. وفيه: رد على من يقول: تفارق عقد البيع يفسد البيع. قال ابن بطال: والمأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارفه الناس، ويصلح للمعطى، ولا يخرج عن حال المعطي جاز ونفذ، فإن أعطى أكثر مما يتعارف الناس تعلق ذلك برضا صاحب المال، فإن أجاز ذلك وإلا رجع عليه بمقدار ذلك، والدليل على ذلك أنه لو أمره أن يعطيه قفيزًا فأعطاه قفيزين ضمن الزيادة بإجماع، فدل أن المتعارف يقوم مقام الشيء المعين(١). وهذا الحديث كما قال المهلب: يبين أن من روى الاشتراط في حديث جابر أن معناه أنه التَّة شرط له ذلك شرط تفضل؛ لأن القصة كلها جرت منه على جهة التفضل والرفق بجابر؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده، وجابر قال أيضًا حين سأله بيعه: هو لك يا رسول الله: أى بلا ثمن كما سلف، وسيأتي إيضاح ذلك بمذاهب العلماء في الشروط إن شاء الله تعالى. وفيه: بركته القليل. وقوله في كتاب الصلح: وقال عطاء وغيره: لك ظهره(٢). هو دال على أن هُذِه اللفظة محققة عن عطاء وغيره. (١) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٤٤٤. (٢) قلت بل هو في الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة برقم (٢٧١٨). ١٨٩ كِتَابُ الوَكَالَةِ = ٩- باب وَكَالَةِ المُرَأَةِ الإِمَامَ فِي النَّكَاحِ ٢٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَغدٍ قَالَ: جَاءَتِ أَمْرَأَةً إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّيَّ قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوَّجْنِيهَا. قَالَ: ((قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). [٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١، ٧٤١٧- مسلم: ١٤٢٥ - فتح: ٤ / ٤٨٦] ذكر فيه حديث سهل جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِوَِّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: ((قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ)). هذا الحديث ذكره في النكاح وغيره ففي لفظ له: ((فقد ملكتكها بما معك من القرآن)) وفي لفظ: ((أملكناكها بما معك من القرآن))(١). وفي مسلم: ((فقد زوجتكها بما معك من القرآن)) (٢) قال الطرقي: ((أملكناكها)) رواية محمد بن مطرف، ولم يقل أحد منهم ((ملكتها)) إلا ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن (٣). وقال ابن عيينة ((أنكحتكها)) والباقون قالوا ((زوجتكها)). وقال الدارقطني : روایة من روی «ملکتکها)) وهم، ومن روئ ((زوجتكها)) الصواب. (١) سيأتي برقم (٥١٢١) كتاب: النكاح، باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح. (٢) ((صحيح مسلم)) برقم (١٤٢٥) كتاب: النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حدید. (٣) المصدر السابق. ١٩٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = إذا تقرر ذلك فليس في الباب ما بوب عليه كما نبه عليه الداودي، وليس فيه أنه استأذنها، ولا أنها وكلته، وقد قال تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وقال ابن بطال: وجه الاستنباط من الحديث هو أنه العقلية لما قالت له المرأة: قد وهبت نفسي لك، كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه، أو ممن رأى تزويجها منه، فكان كل ولي للمرأة بهذه المنزلة أنه لا ينكحها حتى تأذن له في ذلك، إلا الأب في البكر، والسيد في الأمة، فإذا أذنت له وافتقر الولي إلى إباحتها ورضاها وكالة، وليست هذِه الوكالة من جنس سائر الوكالات التي لا يفعل الوكيل شيئًا إلا والموكل يفعل مثله؛ من أجل أنه التي قد خص النكاح أنه لا يتم إلا بهُذِه الوكالة بقوله ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل))(١) وجمهور العلماء على أنه لا تلي المرأة عقد نكاح بحال، لا نفسها ولا غيرها -وسيأتي في النكاح أنها جعلت أمرها إليه صريحًا(٢) - هذا قول مالك وابن أبي ليلى والثوري والليث والشافعي. قال مالك: ويفسخ وإن ولدت منه. وقال الأوزاعي: إذا زوجت نفسها يحسن أن لا يتعرض لها الولي، إلا أن تكون عربية تزوجت مولى فيفسخ. وقال أبو حنيفة وزفر: يجوز عقدها على نفسها، وأن تزوج نفسها كفؤًا(٣). (١) رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢) وابن ماجه (١٨٧٩)، وأحمد ٦٦/٦ وصححه الألباني في ((الإرواء)» ١٨٤٠ وأطال فيه النفس وأجاد فراجعه فإن فيه فوائد جمة. (٢) سيأتي برقم (٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦). (٣) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢٥٠/٢، ((المبسوط)) ١١/٥، ((المدونة)) = ١٩١ - كِتَابُ الوَڪَالَةِ واختلفوا إذا لم يكن لها ولي فجعلت عقد نكاحها إلى رجل ليس بولي، ولم ترفع أمرها إلى السلطان، فعن مالك أن للسلطان أن ينظر فيه فيجيزه أو يرده، كما كان ذلك للولي، وعنه فيمن تزوجت بغير ولاية من يجوز له ولايتها، ودخل بها، والزوج كفؤ، فلا يفسخ. وقال سحنون: قال غير ابن القاسم: لا يجوز وإن أجازه السلطان والولي؛ لأنه نكاح عقد بغير ولي، وهو قول ابن الماجشون، وحجتهم الحديث السالف(١). تنبيهات: أحدها: لا يصح النكاح عندنا إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج(٢)، وخالف أبو حنيفة فقال: يصح بلفظ الهبة (٣)، كما سيأتي، واعترض القرطبي(٤) برواية ((ملكتكها)) وقد علمت ما فيها. ويحتمل كما قال النووي صحة اللفظين -أعني: هذِه، و((أملكناكها)»- ويجوز جرى لفظ التزويج أولًا فتملكها، ثم قال: اذهب فقد ملكتكها بالتزويج السابق(٥). ثانيها: من خصائصه إباحة عقد النكاح بغير عوض، لا حالًا ولا مالًا وهو معنى قوله تعالى ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَِّّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وينعقد عندنا نكاحه بلا شهود ولا ولي ويلفظ الهبة؛ لأنه لم ینکر علیھا. = ١٥٢/٢، ((الأخيرة)) ٢٠١/٤ - ٢٠٣، ((مختصر المزني)) ص ٣٢، ((البيان)) ١٦١/٩، ((الشرح الكبير)) ١٥٥/٢ - ١٥٧. (١) (شرح ابن بطال)) ٤٤٥/٦- ٤٤٦، وانظر: ((المدونة)) ٢/ ١٥٢، ((المنتقى)) ٢٧٠/٣. (٣) انظر: ((الهداية)) ٢٠٦/١. (٢) انظر: ((البيان)) ٢٣٢/٩. (٤) ((المفهم)» ١٣٣/٤. (٥) ((مسلم بشرح النووي)) ٢١٤/٩. ١٩٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -- ثالثها: أدعى ابن حبيب أن خبر سهل هذا منسوخ بقوله: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))(١) وهو عجيب، ويحتمل أن يكون حضره الصحابة، وهو الظاهر؛ لأن سهلًا كان حاضرًا، ويحتمل أن يكون معه غيره، وكلهم عدول، والشارع هو الولي، ولعله لم يكن لها ولي خاص. (١) هُذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة، منهم: عائشة وأبو هريرة وابن عمر وعمران بن حصين وغيرهم. أما حديث عائشة فرواه ابن حبان في ((صحيحه)) ٣٨٦/٩ (٤٠٧٥)، والدارقطني ٢٢٤/٣، والبيهقي ٧/ ١٢٥ من طرق عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة عنها مرفوعًا ورواه ابن ماجه (١٨٨٠) من حديث عائشة وابن عباس بلفظ: ((لا نكاح إلا بولي)). وفي حديث عائشة: ((والسلطان ولي من لا ولي له)». وأما حديث أبي هريرة فرواه البيهقي ٧/ ١٢٥ من طريق المغيرة بن موسى عن هشام عن ابن سيرين عنه وزاد فيه: وخاطب وقال: قال ابن عدي: قال البخاري: مغيرة بن موسى بصري منكر الحديث وقال أبو أحمد ابن عدي: المغيرة بن موسى في نفسه ثقة. وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني في ((السنن)) ٢٢٣/٣ من طريق زهير، عن نافع، عنه وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٨٩/٣ وقال: ثابت بن زهير: قال البخاري فيه: منکر الحديث، قاله ابن عدي. وأما حديث عمران بن حصين فرواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ١٩٦/٦، والطبراني في ((الكبير)) ١٨/ ١٤٢، والبيهقي في ((الكبرى)) ١٢٥/٧ وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٢٨٧/٤ وقال: وفيه عبد الله بن محرر، وهو متروك. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود وجابر بن عبد الله وغيرهم قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٨٤/٣: وأكثرها صحيحة، وقد صحت الرواية عن أزواج النبي وَلقر عائشة وأم سلمة وزینب بن جحش. والحديث صححه الألباني في ((الإرواء)) ١٨٥٨ وقال: حديث عائشة صحيح بالمتابعات وبما يأتي له من الشواهد. ١٩٣ كِتَابُ الوَكَالَةِ رابعها: أدعى ابن أبي زيد أن هذا خاص لرسول الله وَّر في ذلك الرجل، قال: وشيء آخر أنه زوجها ولم يستأمرها، ولم يظهر من الحديث رغبتها في نكاح غيره. خامسها: فيه دليل على عقد النكاح بالإجارة، وفيه ثلاثة أقوال لأصحاب مالك: الإباحة، والكراهة، والمنع(١). وقال أبو حنيفة: يجوز للعبد أن يتزوج امرأة على أن يخدمها، ولا يجوز على تعليم القرآن؛ لأن الأجرة عنده عليه لا تجوز، وأما الحر فلا يجوز له أن يتزوج بخدمة (٢). سادسها: فيه دليل على الانعقاد بقوله: زوجني، فقال: زوجتك، وإن لم يقل الزوج ثانيًا: قبلت، وهو قول فقهاء الأمصار(٣). وكذلك البيع عند مالك والشافعي(٤). وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يقول: قبلت(٥). سابعها: فيه دليل على صحة عقد النكاح وإن لم تتقدمه خطبة، خلافًا لداود في إيجابه ذلك. خاتمة: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يطأ فرجًا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق(٦). (١) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٦٥/٤-٤٦٦. (٢) ((الهداية)) ٢٢٤/١. (٣) انظر: ((الهداية)) ٢٠٦/١، ((أحكام القرآن)) لابن العربي ١٤٦٩/٣-١٤٧٠، (تقويم النظر)) ٩٦/٤-٩٩. (٤) انظر: ((مواهب الجليل)) ١٣/٦، ((التهذيب)) ٣١٤/٥. (٥) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٣٣/٥. (٦) ((التمهيد)» ١١١/٢١. ١٩٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = أخرى: وافق الشافعي في اقتصاره على التزويج أو الإنكاح ربيعة، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وغيرهم، وذلك على اختلاف عنه، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح: ينعقد بلفظ الهبة، ولها المهر المسمى، وإن لم يسم مهرًا فلها مهر مثلها(١). أخرى: لا حدَّ للصداق عندنا إلا أن ينتهي إلى ما لا يتمول فيفسد، ويجب مهر المثل، ونحوه عن ابن عباس، وبه قال ربيعة، وأبو الزناد، وابن أبي ذئب، ويحيى بن سعيد، والليث، والثوري والأوزاعي، والزنجي، وابن أبي ليلى، وداود، وابن وهب. وقال مالك: أقله ربع دينار، وهو من أفراده، كما قال عياض (٢). وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم. وقال ابن شبرمة: خمسة(٣). وقال النخعي: أربعة(٤). وعن الأوزاعي وابن وهب: درهم. وعن ربيعة: قيراط. وقال ابن حزم: يجوز كل ما له نصف وثمن أو أكثر، ولو أنه حبة برِّ أو شعير(٥). وعن ابن جبير: خمسون درهمًا (٦). أخرى: جاء في الصحیح «ولو خاتم من حدید» وهو دال على جواز لبسه، وفيه خلاف عندنا في كراهته(٧)، وحديث النهي ضعيف. (١) انظر: ((الهداية)) ٢٠٦/١، ((أحكام القرآن)) لابن العربي ١٤٦٨/٣، ((بداية المجتهد)) ٩٤٠/٣، ((التهذيب)) ٣١١/٥. (٢) «إكمال المعلم)) ٥٧٩/٤. (٣) ((إكمال المعلم)) ٤/ ٥٨٠. (٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٨٢/٣-٤٨٣. (٥) ((المحلى)) ٤٩٤/٩. (٦) ((تفسير القرطبي)) ١٢٩/٥. (٧) ورد بهامش الأصل: والصحيح عدم الكراهة لما رجحه النووي في ((شرح مسلم)) له. ١٩٥ كِتَابُ الوَكَالَةِ = ١٠- باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا، فَتَرّكَ الوَكِيلُ شَيْئً، فَأَجَازَهُ المُوَكِّلُ، فَهُوَ جَائِزٌّ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَقَّى جَازَ ٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمْ أَبُو عَمْرٍو حَذَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ تُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: والله لأَزْفَعَتَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِهِ. قَالَ: إِّ تَحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ ◌ِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهُ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرَُ البَارِحَةَ؟)). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكًا حَاجَةٌ شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ)). فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَلّهِ: ((إِنَّهُ سَيَعُودُ)). فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْتُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لِأَفَعَتَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَِّ. قَالَ: دَعْنِي فَإِّ يُحْتَاجٌ، وَعَلَّيَّ عِيَالٌ لَا أَعُوذُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَضْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ وَرِ: ((يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرَُكَ؟)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةٌ شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ)). فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَزَفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وهذا آَخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَّا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَغْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظُ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُضْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ بَلّهِ: (مَا فَعَلَ أَسِيرَُكَ الْبَارِحَةً؟)). قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: ((مَا هِيَ؟». ١٩٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظُ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُضْبِحَ، وَكَانُوا أَخْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الَخَيْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَةِ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثٍ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)). قَالَ: لَا. قَالَ: ((ذَاَكَ شَيْطَانٌ)). [٣٢٧٥، ٥٠١٠ - فتح: ٤ / ٤٨٧] وقال عثمان بن الهيثم: ثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله ◌َ* بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام. فذكر حديثًا فيه: دعني فإني محتاج. وفيه: أنه علمه آية الكرسي، وأنها حرز من الشيطان. كذا علقه هنا (١)، وفي صفة إبليس(٢) وفضائل القرآن(٣) ووصله النسائي عن إبراهيم بن يعقوب، ثنا عثمان، فذكره(٤). ووصله الإسماعيلي من حديث الحسن بن السكن، وعبد العزيز بن سلام، عنه. وأبو نعيم من حدیث هلال بن بشر، عنه. وللترمذي نحوه من حديث أبي أيوب، وقال: حسن غريب(٥). وزعم ابن العربي أن البخاري رواه مقطوعًا، قال: وقد صححه قوم وضعفه آخرون. وعثمان هذا مؤذن البصرة، مات بعد المائتين(٦)، (١) ورد بهامش الأصل: بخط الشيخ في الهامش: زعم الضياء أن البخاري قال: وقال عياش عن أبي أيوب أن الغول كانت تجيء فتأخذ .. الحديث. (٢) سيأتي برقم (٣٢٧٥) كتاب: بدء الخلق. (٣) سيأتي برقم (٥٠١٠) باب: فضل سورة البقرة. (٤) ((السنن الكبرى)) ٢٣٨/٦. (٥) ((سنن الترمذي)) برقم (٢٨٨٠). (٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: في ((الكاشف)) توفي سنة ٣١٨ وفي (النيل)) لابن = ١٩٧ ـ كِتَابُ الوَكَالَةِ وعوف(١) هو ابن أبي جميلة رزينة، عاش سبعًا وثمانين سنة(٢). إذا تقرر ذلك فقوله في الترجمة: فترك الوكيل شيئًا. يريد أن أبا هريرة ترك الذي حثا الطعام حين شكى الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله وصلت، فأجاز فعله ولم يرده، ففهم منه أن من وكل على حفظ شيء، أو اؤتمن على مال فأعطى منه شيئًا لآخر أنه لا يجوز وإن كان بالمعروف؛ لأنه إنما جاز فعل أبي هريرة لإجازة الشارع له؛ لأنه لم يوكل أبا هريرة على عطاء، ولا أباح له إمضاء ما أنتهب منه، وإنما وكله بحفظه خاصة، والدليل على صحة هذا التأويل أنه ليس لمن اؤتمن على شيء أن يتلف منه شيئًا، وأنه إذا أتلفه ضمنه، إلا أن يجيزه رب المال. وفي تعلق جواز ذلك بإجازة رب المال دليل على صحة الضمان لو لم يجزه. قال ابن بطال: ولا أعلم فيه خلافًا بين الفقهاء، وأما قوله: وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، فلا أعلم خلافًا بين الفقهاء أن أحدًا لا يجوز له أن يقرض من وديعة عنده أو مال يستحفظه لأحدٍ شيئًا، لا حالًا ولا إلى أجل، ولكنه إن فعل كان رب المال مخيرًا بين إجازة فعله، أو تضمينه، أو طلب الذي قبض المال، ويخرج قوله: وإن أقرضه إلى آخره. من أن الطعام كان مجموعًا للصدقة، فلما أخذ = عساكرمات لإحدى عشرة خلت من رجب سنة ٢٣٠، وفي ((الكاشف)) أنه ثقة ثبت أيضًا روى عن رجل عنه، قال الذهبي في ((المغني)) قال أبو حاتم: كان بآخره يُلقن، قال الدارقطني صدوق كبير الخطأ. [((الكاشف)): (٣٧٤٦)، ((المغني)) ٤٢٩/٢]. (١) فوقها في الأصل: هو الأعرابي. (٢) في هامش الأصل: في ((الكاشف)): قال: هو ثقة ثبت مات سنة ١٤٧ وفي ((المغني)): ثقة مشهور، قال بندار: قدري رافضي. [الكاشف: ٤٣٠٩، ((المغني)): ٤٩٥/٢]. ١٩٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - السارق، وقد حثا من الطعام وقال له: دعني فإني محتاج، فتركه، فكأنه سلفه ذلك الطعام إلى أجل، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين؛ لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة، فكأنه سلفه إلى ذلك الأجل. وفيه: أن السارق لا يقطع في مجاعة، وأنه يجوز أن يعفى عنه قبل أن يبلغ الإمام، وأنه قد يعلم الشيطان علمًا ينتفع به إذا صدقه. وفيه: أن الكذاب قد يصدق في الندرة. وفيه: علامات النبوة لقوله ((ما فعل أسيرك البارحة)) وفيه تفسير لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]- يعني الشياطين- أن المراد بذلك ما هم عليه من خلقتهم الروحانية، فإذا شخصوا في صورة الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم كما تشخص الشيطان في هذا الحديث لأبي هريرة في صورة سارق(١). وفي الترمذي في الحديث السالف: غول(٢). وقوله: (يحثو)، هو بالواو، ويقال بالياء، وهي أعلى اللغتين، وكله بمعنى الغرف، وفيه أن الجن يأكلون الطعام، وهو موافق لقوله التفيها: ((سألوني الزاد)) وإن كان في شعر العرب أنهم لا يأكلون، كما حكاه ابن التين، فإن قيل: أخذه متمردًا، فالظاهر خلافه؛ لأنه لو كان متمردًا غير محتاج إلى طعام ما علمه آية الكرسي. وفيه: ظهور الجن، وتكلمهم بكلام الإنس، وسرقتهم. (١) ((شرح ابن بطال)) ٤٤٨/٦- ٤٤٩. (٢) ((سنن الترمذي)) برقم (٢٨٨٠). ١٩٩ - كِتَابُ الوَكَالَةِ وفيه: قبول عذر السارق. وقوله: (وعلى عيال) -أي: نفقة عيال، مثل ﴿وَسْئَلِ اُلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ويحتمل أن يكون بمعنى: لي. والأول أبين. وعن الداودي: قيل له أسير؛ لأنه كان ربطه بسير، وهو الحبل من الجلد، وهذه عادة العرب كانوا يربطون الأسير بالقد، وهو الأسر بفتح الهمزة، واعترض ابن التين فقال: قول الداودي: إن السير: الحبل من الجلد لم يذكره غيره، وإنما السير: الجلد، فلو كان مأخوذًا مما ذكره لكان تصغيره يسير، ولم تكن الهمزة فاءه. وفي ((الصحاح)): شدَّ الإسار، وهو القد(١)(٢). وفي بعض روايات هذا الحديث: فقال الشيطان: أعلمك آية، فلا يقربك شيطان. قلت: وما هي؟ قال: لا أستطيع أن أتكلم بها، آية الكرسي(٣). ومعنى: رصدته: أعددته. وفيه: وعيد أبي هريرة برفعه إليه، وخدعة الشيطان. وفيه: أن الثالثة بلاغ في الإعذار. وفيه: فضل آية الكرسي. وقال ابن مسعود: إنها أعظم آية نزلت(٤)، ولم ينكر عليه عمر، (١) ورد بهامش الأصل: في ((الصحاح)) الإسار: القد. (٢) ((الصحاح)) ٥٧٨/٢ مادة: أسر. (٣) ذكرها المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١/ ٢٣٧ وقال: رواه الترمذي وغيره من حديث أبي أيوب. والذي عند الترمذي (٢٨٨٠) ليس بهذا اللفظ وإنما هو عند أحمد ٤٢٣/٥ بنحوه دون قوله: لا أستطيع أن أتكلم بها. (٤) رواه الترمذي برقم (٢٨٨٤) من طريق الحميدي قال: قال سفيان بن عيينة في تفسير حديث ابن مسعود: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. = ٢٠٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح -يعني: أعظم ثوابًا -. وفيه: أن للشيطان نصيبًا من ترك ذكر الله عند المنام، وحفظ الشياطين لبعض القرآن. وقوله: (فاقرأ آية الكرسي حتى خاتمتها). أي: العلي العظيم. = وله طريق رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) ٩/ ١٣٣ (٨٦٥٩) بلفظ مقارب وفيه: إن أعظم آية في كتاب الله ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٦/٧: ورجاله رجال الصحيح.