Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
= ڪِتَابُ البُيُوع
يؤذن له، كما أخرجه البيهقي في ((دلائله))(١) وغيره - فأعدَّ ذلك.
وفيه: أنَّ الافتراق الذي يتم به البيع في قوله: ((البيعان بالخيار ما لم
يفترقا))(٢) إنما يكون بالكلام عند من يراه لا بالأبدان، لقوله الكليّة لأبي
بكر: ((قد أخذتها بالثمن)) قبل أن يفترقا، وتم البيع بينهما، وسيأتي بعض
معانيه في باب: التقنع، من اللباس إنْ شاء الله(٣).
وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة أنَّ بيع العين الغائبة
على الصفة جائز، ومنعه الشافعي في أظهر قوليه، وجائز عند مالك
أنْ يبيع على أن المشتري بالخيار إذا رأى، وأنكره البغداديون من
أصحابه.
قال ابن التين: اختلف قول مالك في ضمان ما اشتري على الصفة
وهو غائب، فقال مرة: هو من البائع، وبه أخذ ابن القاسم. وقال مرة:
من المشتري، وبه أخذ أشهب.
وعند أبي حنيفة أنَّ البيع جائز، وإن لم يشترط المشتري الخيار،
ويجب له الخيار حكمًا، ويستدل بهذا الحديث، وأنه التكليف أخذها
بالثمن، ولم يذكر شرط خيار رؤية، ودليل البغداديين: أنه عقد عَري
عن الصفة فكان فاسدًا كالسلم إذا عري عنها.
وفي (تاريخ دمشق)) وغيره: أنَّ الصديق لمَّا قدَّم الناقة إلى رسول الله
وَّ ليركبها، قال: ((لا أركب ناقة ليست لي)) قال: هي لك، قال:
((بالثمن))(٤).
(١) ((دلائل النبوة)) ٤٧١/٢ - ٤٧٥.
(٢) سلف برقم (٢٠٧٩) باب: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا.
(٣) أنظر شرح الحديث الآتي برقم (٥٨٠٧) كتاب: اللباس، باب: التقنع.
(٤) ((تاريخ دمشق)) ٣٠ / ٧٧ - ٧٨.

٣٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
فيستدل أنَّه رآها عند العقد، لا كما استدل به من صحة بيع الغائب
عند الوصف.
وقوله: (أعددتهما للخروج)، كذا هو بخط الدمياطي، وفي
((الحاشية)): عددتهما، وادعى ابن التين: أنه وقع في البخاري
عددتهما، ثم قال: وصوابه: أعددتهما، لأنه رباعي وأمَّا عددت،
فمن العدد، وليس هذا موضعه.
وقوله: (لم يرعنا): أي: لم يفزعنا.
وقوله: ((أخرج من عندك)) كذا هو بلفظ ((من)) وادعى ابن التين أنَّه
وقع بلفظ ((ما)) ثم قال: وصوابه ((من)) ولا حاجة إلى ذلك.

٣٤٣
كِتَابُ البُيُوع
=
٥٨- باب لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ،
و
وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْكَ
٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَ قَالَ: (لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)). [٢١٦٥،
٥١٤٢- مسلم: ١٤١٢ - فتح: ٣٥٢/٤]
٢١٤٠ - حَدَّثَنَا عَليَّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ،
وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ، وَلَا
تَسْأَلُ المَزْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا. [٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣،
٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥، ١٥٢٠ - مسلم: ٣٥٣/٤]
وذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِهِ قَالَ: ((لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ
عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ)).
وحديث أبي هريرة: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا
تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْع أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةٍ
أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا.
هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١). وحديث ابن عمر يأتي
أيضًا في باب: النهي عن تلقي الركبان(٢).
وفيه: النهي عن بيع بعض على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على
خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب.
(١) رواهما مسلم (١٤١٢، ١٤١٣) كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة
أخيه.
(٢) سيأتي قريبًا برقم (٢١٦٥).

٣٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قال صاحب ((المطالع)): يأتي كثير من الأحاديث على لفظ الخبر،
وقد يأتي بلفظ النهي، وكلاهما صحيح.
وقال ابن الأثير: كثير من روايات الحديث ((لا يبيع)) بإثبات الياء،
والفعل غير مجزوم، وذلك لحن وإنْ صحت الرواية فتكون لا نافية، وقد
أعطاها معنى النهي، لأنه إذا نفى أنْ يوجد هذا البيع، فكأنه قد أستمر
عدمه، والمراد من النهي عن الفعل: إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء
عدمه، فكان النفي الوارد من الواجب عندهم يفيد ما يراد من النهي(١)،
ولما قرر ابن حزم حرمة ذلك -أعني: البيع على البيع، والسوم على
السوم، وأنَّ الذمي كالمسلم فيه، وأنَّه إنْ فعل فالبيع مفسوخ- قال:
هُذا خبر معناه الأمر، لأنه لو كان معناه الخبر لكان خلفًا لوجود
خلافه، والخلاف مقطوع ببعده عن الشارع(٢).
وقال النووي: في جميع النسخ: (ولا يسوم)) بالواو يعني في مسلم،
وكذا ((لا يخطب)) مرفوع وكلاهما لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهي،
وهو أبلغ في النهي، لأنَّ خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي
قد يقع خلافه، فكان المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتمم(١).
فإن قلت: ترجم على السوم، ولم يذكره.
قلت: كأن البيع هنا السوم، وبه صرح مالك في ((الموطأ))(٤).
وقال أبو عبيد: قال أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما: البيع هنا الشراء
والنهي وقع عليه لا على البائع؛ لأنَّ العرب تقول: بعت الشيء بمعنى
(١) ((شرح مسند الشافعي)) ٦٠/٤-٦١.
((المحلى)) ٤٤٧/٨-٤٤٨ بتصرف.
(٢)
(٣) «مسلم بشرح النووي)) ٩/ ١٩٢.
(٤) ((الموطأ)) ص ٤٢٤ - ٤٢٥.

٣٤٥
ـ كِتَابُ البُيُّوع
اشتريته. قال أبو عبيد: وليس للحديث عندي وجه غيره، كما أنَّ الخاطب
هو الطالب(١).
فإن قلت: ترجم حتى يأذن له أو يترك، ولم يذكره.
قلت: ذكره في الباب المذكور في الخطبة على الخطبة، فكأنه أشار
إلیه من باب لا فارق.
وحقيقة البيع على البيع: أنْ يأمر المشتري بالفسخ، ليبيعه مثله في
مجلس خيار المجلس والشرط، والمعنى في تحريمه، أنَّه يوغر
الصدور، ويورث الشحناء، ولهذا لو أذن له في ذلك أرتفع التحريم
على الأصح.
وفي معناه: الشراء على الشراء قبل لزومه بأن يأمر البائع بالفسخ
ليشتريه، وسيأتي في البخاري في الشروط، بلفظ: ((لا يزيدن على بيع
أخيه)(٢)، وأخرجه مسلم بلفظ ((لا يزيد الرجل على بيع أخيه))(٣)،
وأما السوم على سوم غيره، فهو أن يأتي الرجل قد أنعم لغيره في بيع
سلعته بثمن، فيزيده ليبيع منه، أو يأتي إلى المشتري فيعرض عليه
مثلها أو أجود منها بأنقص من ذلك.
وفي كلام الشيخ أبي حامد أن هذا سوم، والأول استيام، والمعنى
في حرمته ما فيه من الإيذاء والقطيعة والعداوة، وسواء كان ذلك الغير
مسلمًا أو كافرًا(٤).
(١) ((غريب الحديث)) ٢١٠/١.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٢٣) باب: ما لا يجوز في الشروط في النكاح.
(٣) مسلم (١٤١٣) كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن
أو يترك.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وبه صرح ابن حزم الظاهري.

٣٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي الكافر وجه لابن حربويه(١)، وهو قول الأوزاعي. قال ابن
التين: وأجمع العلماء أن حكم الذمي كالمسلم في ذلك إلا الأوزاعي
فإنه أجازه.
قلت: والظاهر جريانه في البيع على بيعه أيضًا.
ولفظ (الأخ) في الحديث خرج مخرج الغالب. وقام الإجماع على
كراهة سوم الذمي على مثله، نقله ابن بطال(٢)، والشافعي في ((رسالته))
توقف في صحة هذا النهي(٣)، فقال البيهقي عقبه: هو ثابت من أوجه،
وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن، وأما ما يطاف به فيمن يزيد فطلبه
طالب فلغيره الزيادة (٤)؛ لأنه الكلي باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد، رواه
أصحاب السنن الأربعة من حديث أنس، وحسنه الترمذي(٥).
(١) هو القاضي العلامة، المحدث الثبت، قاضي القضاة، أبو عبيد، علي بن
الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي، قال ابن زولاق: كان عالمًا بالاختلاف
والمعاني والقياس عارفًا بعلم القرآن والحديث فصيحًا عاقلًا عفيفًا، قوالًا بالحق
سمحًا متعصبًا.
قال الخطيب: توفي ابن حربويه في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
انظر تمام ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣٩٥/١١، ((المنتظم)) ٢٣٨/٦، ((تاريخ
الإسلام» ٥٨٦/٢٣ (٤٢٦)، ((سير أعلام النبلاء)» ١٤/ ٥٣٦ (٣٠٩)، («شذرات
الذهب)» ٢٨١/٢.
((شرح ابن بطال)» ٦/ ٢٦٨.
(٢)
(٣) ((الرسالة)) ص ٣١٢.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٣٤٥/٥.
(٥) أبو داود (١٦٤١)، الترمذي (١٢١٨)، النسائي ٢٥٩/٧، ابن ماجه (٢١٩٨) من
طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك.
وهو حديث ضعفه ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٥/ ٥٧ - ٥٨ (٢٢٩٧)،
والحافظ الذهبي في ((الميزان)) ١٦٨/١، والألباني في ((الإرواء)) (٨٦٧، ١٢٨٩)،
وفي ((ضعيف أبي داود)) (٢٩١). وانظر: ((البدر المنير)) ٦/ ٥١٤ - ٥١٦.

٣٤٧
= كِتّابُ البُيُوع
فرع: إنما يحرم أيضًا إذا حصل التراضي صريحًا، فإن لم يصرح
ولكن جرى ما يدل على التراضي كأشاور عليك، وكذا إذا سكت،
فالأصح لا تحريم، وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا
بالزوج ويسمى المهر، واستدل بقول فاطمة بنت قيس: خطبني
أبو جهم، ومعاوية، فلم ينكر الشارع ذلك، بل خطبها لأسامة (١).
وقد يُقال: لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما الشارع فأشار
بأسامة؛ لا أنه خطب ولم يعلم بأنها رضيت بواحد منهما ولو أخبرته
لم يشر عليها. وقال القرطبي: اختلف أصحابنا في التراكن فقيل: هو
مجرد الرضا بالزوج والميل إليه، وقيل: تسمية الصداق. قال: وهذا
عند أصحابنا محمول على ما إذا كانا شكلين(٢). وزعم الطبري أن
النهي هنا منسوخ بخطبتهالَّم- فاطمة لأسامة(٣). ثم أعلم أنه قام
الإجماع على تحريم ما أسلفناه كما تقرر، فلو خالف وعقد فهو
عاصٍ، وينعقد البيع عندنا وعند أبي حنيفة وآخرين.
وقال داود: لا ينعقد، وبه صرح ابن حزم منهم كما سلف، وعن
مالك روايتان كالمذهبين. وقال جماعة من أصحابه: يفسخ قبل
الدخول لا بعده، وجمهورهم على إباحة البيع والشراء فیمن یزید،
وبه قال الشافعي كما سلف، وكرهه بعض السلف.
فصل :
وأما بيع الحاضر للبادي فهو أن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه
ليبيعه بسعر يومه، فيقول البلدي له: أتركه عندي لأبيعه على التدريج
بأغلى.
(١) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٧) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا.
(٢) («المفهم)) ٤ /١٠٨.
(٣) رواه مسلم (١٤٨٠ / ٤٧) وقد تقدم.

٣٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وفي مسلم من حديث جابر: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من
بعض))(١)، والمعنى فيه، التضييق على الناس، وأهل الحاضرة
أفضل؛ لإقامتهم الجماعات وعلمهم.
واختلف في أهل القرى هل هم مرادون بهذا الحديث؟ فقال مالك:
إن كانوا يعرفون الأثمان فلا بأس به، وإن كانوا يشبهون البادية فلا يباع
ولا یشار عليهم.
واختلف هل يبيع مدني لمصري أو عكسه، فمنعه مالك واستخفه في
((العتبية)). واختلف إذا أنفذ البادي متاعه هل يبيعه الحضري؟ منعه ابن
القاسم، وابن حبيب، وأجازه الأبهري. واختلف هل يشتري له؟
فأجازه في كتاب محمد و((العتبية)) مالك، ومنعه ابن حبيب.
فرع: لو وقع البيع، فقال ابن القاسم: يفسخ حضر البدوي أو بعث
بالسلعة، ورواه ابن حبيب لمالك، وقاله أصبغ، في بيع المصري
للمدني. وقال ابن عبد الحكم: لا يفسخ. ورواه سحنون عن ابن
القاسم، وهو قول الشافعي محتجًا بحديث: ((دعوا الناس يرزق الله
بعضهم من بعض)) ولم يقع الفساد في ثمن ولا مثمن ولا في عقد
البيع، فلا فسخ.
فرع: فإن فعل وباع فهل يؤدب؟ قال ابن القاسم: نعم إن اعتاده.
وقال ابن وهب: يزجر عالمًا كان أو جاهلًا، ولا يُؤدب.
فصل :
والنجش: هو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره.
(١) مسلم (١٥٢٢) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي.

٣٤٩
كِتَابُ البُيُوع
و(تناجشوا): تفاعلوا من النجش، وأصله الختل، يقال: نجش
الرجل إذا أختال وخدع، وأنكر ذلك على قائله، وإنما هو الإثارة
والإطراء. والأصح عندنا أنه لا خيار خلافًا لمالك وابن حبيب،
ووفاقًا لأبي حنيفة. وعن مالك: له الخيار إذا علم، وهو عيب من
العيوب كما في المصراة.
وقال ابن حبيب: لا خيار إذا لم يكن للبائع مواطأة. وقال أهل
الظاهر: البيع باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك عليه. وكأن
البخاري بوب على قولهم كما سيأتي(١). وادعى ابن بطال أن قول
مالك أعدلها وأولاها بالصواب (٢).
فرع: قال ابن القاسم في السائم والخاطب: لا يفسخ ويؤدب. وقال
غيره: یفسخ.
فصل :
الخطبة على خطبة من صرح بإجابته حرام إلا بإذنه كما سلف، فإن
لم يُجَبْ ولم يُرَدْ لا يحرم. وعند المالكية: إذا تراكنا أو سميا صداقًا
أو أتفقا ولم يبق إلا العقد أقوال عندهم، وسيأتي إيضاحه في موضعه.
فصل :
قوله: ((لتكفأ ما في إنائها)) هذا مثل قوله: ((ولا تسأل المرأة طلاق
أختها لتكفأ ما في إنائها)) إرادة ضررها فتصير بمنزلة من كفأ إناءها،
أي: قلبه على وجهه.
وقيل: هو أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق
(١) بوب البخاري باب: النجش ومن قال: لا يجوز ذلك البيع. ويأتي بعد باب.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٧١.

٣٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الأولى لتنفرد به. وتكفأ بفتح التاء والفاء كذا في رواية أبي الحسن. قال
ابن التين: وهو ما سمعناه، ووقع في بعض رواياته كسر الفاء، وثالثة
بضم التاء. وذكر الهروي الحديث وقال: لتكتفئ: تفتعل من كفأت
(القدر)(١) إذا كببته لتفرغ ما فيها(٢)، وهذا مثل إمالة الضرة حق
صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: كفئت الإناء: كببته،
وكفأته وأكفأته: أملته، ومنه الحديث: كان إذا مشى تكفأ تكفؤًا(٣).
أي: تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها. قال: والأصل فيه
الهمزة تركت.
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) ((غريب الحديث)) ٣٩٣/١.
(٣) بهذا اللفظ رواه الترمذي (٣٦٣٧)، وأحمد ٩٦/١ و١٢٧، والترمذي في
((الشمائل المحمدية)) (٥)، والحاكم ٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦ من طريق عثمان بن مسلم بن
هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي - رضي الله عنه- قال: لم يكن رسول الله
وَي* بالطويل ولا بالقصير ... إذا مشى تكفأ تكفؤًا كأنما أنحط من صبب لم أر قبله
ولا بعده مثله.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم
يخرجاه بهذِه الألفاظ.
وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٧٤٦): إسناده صحيح.
وصححه الألباني في ((مختصر الشمائل)) (٤).
والحديث رواه مسلم (٢٣٣٠/ ٨٢) عن أنس بلفظ: إذا مشى تكفأ.

٣٥١
كِتَابُ البُيُوع
٥٩- باب بَيْعِ المُزَايَدَةِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ المَغَانِمِ فِيمَنْ
یزِیدُ.
٢١٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ، عَنْ عَطَاءِ
بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ،
فَاحْتَاجَ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِبِهِ مِنِّي؟)) فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِكَذَا
وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. [٢٢٣٠، ٢٢٣١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤، ٦٧١٦، ٦٩٤٧، ٧١٨٦ - مسلم: ٩٩٧ -
فتح: ٤/ ٣٥٤]
ثم ذكر حديث جابر في بيع المدبر، وهو حديث أخرجه مسلم
أيضًا (١).
وشيخ البخاري فيه بشر بن محمد المروزي(٢) انفرد به عن الخمسة،
مات سنة أربع وعشرين ومائتين. والحسين المكتب هو ابن ذكوان
العوذي، مات سنة خمس وأربعين ومائة.
وأثر عطاء روى ابن أبي شيبة بعضه عن وكيع، عن سفيان، عمن
سمع مجاهدًا وعطاء قالا: لا بأس ببيع من يزيد(٣). وعند البيهقي من
حديث زيد بن أسلم: سمعت رجلا تاجرًا -يقال له: شهر- يسأل
عبد الله بن عمر عن بيع المزايدة، فقال: نهى رسول الله وَله أن يبيع
أحدكم على بيع أخيه حتى يذر، إلا المغانم والمواريث (٤).
(١) مسلم (٩٩٧) كتاب: الزكاة، باب: الابتداء في النفقة بالنفس ..
(٢) ورد بهامش الأصل: وثقة ابن حبان وقال: كان مرجئًا.
(٣) ((المصنف)) ٦/ ٤٦٩ (٣٢٩٦١).
(٤) (السنن الكبرى)) ٥/ ٣٤٤.

٣٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال أحمد - فيما حكاه الخلال عنه: هذا حديث منكر(١). وروى
ابن أبي شيبة عن عمر أنه باع إبلّا من إبل الصدقة فيمن يزيد. وعن
حماد: لا بأس ببيع من يزيد(٢).
والمعُتِقُ في حديث جابر رجل من بني عذرة كما ثبت في مسلم(٣).
وفي رواية: يقال له أبو مذكور، وجاء أنه من الأنصار(٤).
ويحتمل أن يكون عذريًا حليف الأنصار، والمعتَق: يعقوب(٥)،
والمشتري: نعيم، كما صرح به في الحديث، وهو ابن عبد الله
النحام، أسلم قديمًا. والنحمة: السعلة. والثمن: ثمانمائة درهم كما
ذكره البخاري في موضع آخر(٦) ومسلم أيضًا(٧)، وفي أبي داود
بسبعمائة أو تسعمائة(٨)، وفي النسائي: وكان محتاجًا وعليه دين فلما
باعه قال: ((اقض دينك))(٩).
وموضع الترجمة: ((من يشتريه مني))؟، وفي النسائي تكراره(١٠)،
وقد سلف حكم ذلك في الباب قبله.
(١) لم أقف عليه.
(٢) ((المصنف)» ٦/ ٤٦٩ (٣٢٩٥٦ - ٣٢٩٥٧).
(٣) مسلم (٩٩٧).
(٤) السابق.
(٥) جاء مُسَمَّى هكذا عند أبي داود (٣٩٥٧)، والنسائي في ((المجتبى)) ٣٠٤/٧، وفي
(«الكبرى» ٥٠/٤ (٦٢٤٩)، وأحمد ٣٠٥/٣ و٣٦٩، والبيهقي ٣٠٨/١٠ - ٣٠٩.
(٦) سيأتي برقم (٦٧١٦) كتاب: كفارات الأيمان، باب: عتق المدبر وأم الولد.
(٧) مسلم (٩٩٧).
(٨) أبو داود (٣٩٥٥).
(٩) النسائي ٨/ ٢٤٦.
(١٠) «الكبرى» ١٩٢/٣ (٥٠٠٦) و٥٠/٤ (٦٢٤٩).

٣٥٣
كِتَابُ البُيُوع
=
وقد اختلف العلماء في بيع المزايدة، فأجازها الأربعة وأكثر العلماء
في المغانم وغيرها. وكان الأوزاعي يكره المزايدة إلا في الغنائم
والمواريث، ولعل عمدته ما سلف، لكنه منكر، وهو قول إسحاق،
وروي عن أبي أيوب وعقبة بن عامر كراهية الزيادة، وعن إبراهيم
النخعي أنه کره بیع من یزید.
قال مالك: لو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بها أخذت بشبهة
الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه، ولم يزل الأمر
عندنا على ذلك، وحديث الباب حجة على من كرهه؛ لأنه قد قال: ((من
يشتريه مني)»؟ فعرضه للزيادة، وأحب أن يستقصي فيه للمفلس الذي باعه
علیه.
وهذا الحديث يفسر نهيه أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو يبيع
على بيع أخيه أنه أراد بذلك إذا تقاربا من تمام البيع كما قال جمهور
الفقهاء. وعلى هذا المعنى حمل العلماء ما روي عن أبي أيوب وعقبة
أن ذلك بعد ما رضي البائع ببيعه الأول. وفي ((المستخرجة)) لابن
القاسم: إذا وقع على رجلين يكونان شريكين. قال عيسى: لا يعجبني
ذلك من قوله، وهو الأول. قال: ولا ينبغي للصالح أن يقبل من أحد
مثل الذي أعطاه غيره، وإنما يقبل الزيادة وبها ينادي.
واعلم أن البخاري ترجم على الحديث أيضًا: باب من باع مال
المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه(١).
واعترض ابن التين على ترجمته هنا فقال: ليس فيه بيان لما بوب
عليه من بيع المزايدة؛ لأنه إنما قال: ((من يشتريه مني))؟ وكذا قال
(١) سيأتي برقم (٢٤٠٣) كتاب في الاستقراض.

٣٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الإسماعيلي: ليس فيه ما ترجم له، فإن المزايدة أن يعطي آخرُ أكثر مما
أعطى الأول.
قلت: وأثر عطاء مطابق لها، وقال عبد الملك: لم يخلص للبخاري
السبب الموجب لبيعه في دیوانه کله علی تکریره له، ولا یباع المدبر لدین
بعده في حياة سيده، ويباع بعد موته فيقضي ديون سيده ويعتق ثلث
ما بقي منه.
وقد روي بإسناد فيه نظر أنه كان عليه دين(١). وهذا يعضده تبويب
البخاري. وقالت فرقة: لسيده بيعه كسائر الوصايا، وقال بعض
العلماء: لا يجوز لأحد أن يختلع من جميع ماله لهذا الحديث؛
ولقوله القيّ لكعب: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك))(٢) ولنهيه
سعدًا أن يجاوز الوصية في الثلث(٣).
ومن تراجمه عليه أيضًا: باب بيع المدبر (٤).
(١) رواه النسائي ٢٤٦/٨، وفي ((الكبرى)) ١٩٢/٣ (٥٠٠٤).
رواه أحمد ٣٩٠/٣: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء
عن جابر أن رجلًا دبر عبدًا له وعليه دين، فباعه النبي ◌َّ في دين مولاه.
والإسناد فيه نظر؛ لأن فيه شريكًا وهو ابن عبد الله النخعي سيِّئ الحفظ. أنظر:
((التقريب)) (٢٧٨٧).
لذا قال الثلاثة المعلقون على ((المسند)» ط. الرسالة: حديث صحيح دون قوله:
وعليه دين ... إلخ، وهذا إسناد ضعيف، ...
قلت: قد تابع شريكًا الأعمش، فيما رواه النسائي ٢٤٦/٨، وفي ((الكبرى)) ٣/
١٩٢ (٥٠٠٤) على قوله: وکان علیه دین.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٥٧) كتاب: الوصايا، باب: إذا تصدق أو أوقف بعض ماله.
(٣) سلف برقم (١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رثى النبي سعد بن خولة.
(٤) أنظر ما سيأتي برقمي (٢٢٣٠ - ٢٢٣١).

٣٥٥
= كِتَابُ البُيُوع
وقد اختلف العلماء فيه كما حكيته لك، والمنع هو قول مالك وأبي
حنيفة وجماعة من أهل الكوفة. قال أبو حنيفة: إن مات سيده ولم يخرج
من الثلث سعى في فكاك رقبته، وإن مات سيده وعليه دين فبيع للغرماء
سعى لهم وخرج حرًّا. وأجازه الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور
وإسحاق، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاوس، وباعت عائشة
مدبرة لها سحرتها(١). وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن
سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى
والليث(٢)، وحكى ابن أبي شيبة المنع عن شريح وزيد بن ثابت
وسالم والحسن(٣). وجوَّز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين.
وعند مالك: يجوز بيعه عند الموت، ولا يجوز في الحياة، حكاه ابن
(١) حديث رواه الأئمة: مالك في ((الموطأ)) ٤٢٢/٢ - ٤٢٣ (٢٧٨٢)، والشافعي في
(«المسند» ٦٧/٢ (٢٢١)، وأحمد ٤٠/٦، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٦٢)،
والدارقطني (١٤٠/٤، والحاكم ٢١٩/٤ - ٢٢٠، وابن حزم في ((المحلى)) ١١/
٣٩٥، والبيهقي ١٣٧/٨ و٣١٣/١٠، والبغوي في ((شرح السنة)) ١٢ / ١٨٨ -
١٨٩ (٣٢٦١) من طريق أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة بنت
عبد الرحمن، عن عائشة.
ووقع عند أحمد: عن ابن أخي عمرة- ولا أدري هذا أو غيره- عن عمرة. هكذا
على الشك.
وصححه أيضًا الأئمة: الحاكم فقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم
يخرجاه. والمصنف في ((البدر المنير)) ٥٢٠/٨.
والحافظ في ((التلخيص)) ٤١/٤ فقال: إسناده صحيح.
والألباني في ((الإرواء)» (١٧٥٧). وفي تعليقه على ((الأدب المفرد)» (١٦٢) فقال:
صحيح الإسناد.
(٢) انظر: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) ٢٠٥/٢.
(٣) ((المصنف)) ٤/ ٣٣٠ - ٣٣١ (٢٠٦٥٤ - ٢٠٦٥٨).

٣٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
الجوزي عنه. وحكى مالك إجماع أهل المدينة على بيع المدبر وهبته،
وحديث الباب حجة للجواز، وأجاب عنه ابن بطال بأن في الحديث أن
سيده كان عليه دين فثبت أن بيعه كان لذلك؛ ولأنها قضية عين تحتمل
التأويل. وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد
تصرفه. وهذا مصرح به في نفس الحديث فلا حاجة إليه(١).
وأما حديث: ((المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث))
فالأشبه وقفه على ابن عمر(٢)، ووهاه ابن حزم، قال: وروي عن أبي
(١) ((شرح ابن بطال)) ٤٩/٧.
(٢) رواه الدارقطني ١٣٨/٤، والبيهقي ١٠/ ٣١٤ من طريق عمرو بن عبد الجبار
- أبو معاوية الجزري- عن عمه عبيدة بن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن
عمر مرفوعًا بلفظ: ((المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث)).
قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان. وهو ضعيف وإنما هو عن ابن عمر
موقوف من قوله. وكذا ضعفه البيهقي.
وقال عبد الحق الأشبيلي في ((الأحكام)) ١٧/٤: إسناده ضعيف، والصحيح
موقوف. وأعله أيضًا ابن القطان في ((البيان)) ٥٢١/٣ (١٢٩٥).
وضعفه المصنف - رحمه الله- في ((البدر)) ٩/ ٧٣٣. وقال الحافظ في ((الدراية)) ٢/
٨٧: فيه: عبيدة بن حسان. وهو ضعيف.
وقال الألباني في ((الإرواء)) (١٧٥٦)، وفي ((الضعيفة)) (١٦٤): موضوع .
ورواه الدارقطني ١٣٨/٤ من طريق أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن
نافع عن ابن عمر أنه کره بيع المدبر.
وقال: هذا هو الصحيح، موقوف، وما قبله لا يثبت مرفوعًا، ورواته ضعفاء.
ورواه البيهقي ٣١٣/١٠ - ٣١٤ من طريق يحيى بن يحيى، أنبأ حماد، عن أيوب،
عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يباع المدبر.
وقال: هذا الصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفًا.
ثم الحديث رواه ابن ماجه (٢٥١٤)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٢٣٤/٣، والطبراني
٣٦٧/١٢ (١٣٣٦٥)، وابن عدي في ((الكامل)) ٣٢٠/٦، والدار قطني ١٣٨/٤، =

٣٥٧
كِتَابُ البُيُوع
=
جعفر محمد بن علي، عن رسول الله وَلو مرسلًا أنه باع خدمة المدبر(١).
والبيهقي في ((السنن)) ٣١٤/١٠ من طريق على بن ظبيان، عن عبيد الله، عن نافع،
=
عن ابن عمر أن النبي ◌َّر قال: ((المدبر من الثلث)). هكذا مرفوعًا بهذا اللفظ.
ونقل ابن ماجه عن شيخه في هذا الحديث عثمان بن أبي شيبة أنه قال: هذا خطأ.
ثم قال ابن ماجه: ليس له أصل.
وقال أبو زرعة في ((علل ابن أبي حاتم)) ٢/ ٤٣٢ (٢٨٠٣): حديث باطل. وضعفه
أيضًا العقيلي وابن عدي وابن حزم في ((المحلى)) ٣٥/٩.
ورواه الدارمي ٢٠٦٩/٤ (٣٣١٦) من طريق شريك، عن الأشعث، عن نافع، عن
ابن عمر، به موقوفًا.
ورواه البيهقي في ((السنن)) ٣١٤/١٠، وفي ((المعرفة)) ١٤ / ٤٣٢ (٢٠٦٢٣) من طريق
الشافعي، عن علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ، به موقوفًا
أيضًا. قال البيهقي: قال الشافعي: قال لي علي بن ظبيان كنت أحدث به مرفوعًا، فقال
لي أصحابي: ليس بمرفوع، وهو موقوف على ابن عمر فوقفته، والحفاظ يقفونه على
ابن عمر. ثم قال: والصحيح مرفوعًا كما رواه الشافعي.
قلت: هو خطأ مطبعي أو تصحيف، وصوابه: والصحيح موقوفًا، كما قال في ((المعرفة)).
ونقل الخطيب البغدادي ١١/ ٤٤٤ - ٤٤٥ عن علي بن المديني ويحيى بن معين
أنهما قالا: الحديث عن علي بن ظبيان مرفوع، حديث منكر. اهـ بتصرف.
وأورد ابن عبد البر الحديث المرفوع في ((الاستذكار)) ٢٣/ ٣٦٢ (٣٤٩٢٧) وقال:
هذا خطأ من علي بن ظبيان، لم يتابع عليه، وإنما يرويه غيره عن ابن عمر، قوله.
وقال عبد الحق ١٧/٤ : علي بن ظبيان ضعيف عندهم، وأصح ما فيه أنه من قول
ابن عمر.
وقال المصنف -رحمه الله- في ((البدر)) ٩/ ٧٣٦: أتفق الحفاظ على تصحيح رواية
الوقف- وتضعيف رواية الرفع. وقال في ((الخلاصة)) ٢/ ٤٦٠: أطبق الحفاظ على
تصحيح رواية الوقف.
(١) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) ١٢٩/١ (٤٤٣) والدار قطني ١٣٨/٤، والبيهقي
٣١٢/١٠ من طريق عبد الملك بن أبي سليمان. ورواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٧
(٢٢٠٥٢)، ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٣١٢ من طريق الحكم. كلاهما عن أبي جعفر به.
قال الحافظ الذهبي في ((المهذب)) ٨/ ٤٣٣٧: منقطع.

٣٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وعن جابر: إن أولاد المدبرة إذا مات سيدها ما نراهم إلا أحرارًا(١)،
وهو مذهب الجمهور. وعن ابن شهاب وربيعة أن عائشة باعت
مدبرة (٢)، فأنكر ذلك عمر وأمرها أن تشتري غيرها بثمنها وتدبرها(٣).
وقال ابن سيرين: لا بأس ببيع خدمة المدبر(٤). ونقل عن ابن المسيب
أيضًا (٥).
وقيل: إن سیدہ کان سفیھًا، فلذلك تولى بيعه بنفسه، حكاه ابن
بطال(٦)، وعليه يدل تبويب البخاري السالف في الفلس.
فائدة: قام الإجماع على صحة التدبير، ومذهبنا ومذهب مالك في
آخرين أنه يجب عتقه من الثلث. وقال الليث وزفر: من رأس المال.
فرع: جمهور العلماء -كما حكاه ابن رشد- على جواز وطء المدبرة
إلا ابن شهاب فإنه منعه. وعن الأوزاعي كراهته وإن لم يكن وطئها قبل
التدبير (٧).
(١) رواه البيهقي ٣١٦/١٠ (٢١٥٩٥).
(٢) تقدم تخريجه عن عائشة.
(٣) ((المحلى)) ٩/ ٣٥ - ٣٦.
(٤) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٩/ ١٣٨ (١٦٦٥٥)، وسعيد بن منصور في ((سننه))
١٣٣/١ (٤٧٢).
(٥) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) ٩/ ١٤٣ (١٦٦٧٩)، وسعيد بن منصور في ((سنته))
١٣٠/١ (٤٤٦).
(٦) ((شرح ابن بطال)) ٤٩/٧.
(٧) (بداية المجتهد)) ١٦٣٩/٤.

ـ كِتَابُ البُيُوع
٣٥٩
٦٠- باب النَّجْشِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ البَيْعُ
وَقَالَ ابنِ أَبِي أَوْفَى: النَّاحِشُ آكِلُ رِبًّا خَائِنٌ. وَهْوَ خِدَاعٌ
بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (((الْخَدِيعَةُ) (١) فِي النَّارِ،
وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدِّ).
٢١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي
الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّرَ عَنِ النَّخْشِ. [٦٩٦٣ - مسلم: ١٥١٦ - فتح: ٤ / ٣٥٥]
(وعن ابن عمر)(٢): نَهَى النَّبِيُّ وَّهِ عَنِ النَّجْشِ.
الشرح:
حديث ((الخديعة في النار)) أخرجه أبو داود بإسناد لا بأس به(٣)،
(١) في هامش الأصل: الخداع، وعلَّم أنها نسخة.
(٢) فوقها في الأصل: مسند متصل.
(٣) رواه أبو داود في ((المراسيل)) (١٦٥): حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن
يونس، عن الحسن أن النبي وَلي قال: ((المكر والخديعة والخيانة في النار)).
قلت: وعزو المصنف- رحمه الله- لهذا الحديث هكذا، فيه نظر من وجهين:
الأول: أنه أطلق عزوه لأبي داود، فلربما أوهم أنه في ((السنن))، وليس كذلك،
إنما هو في ((المراسيل)) فقط.
الثاني: أن الحديث عند أبي داود، مرسلًا عن الحسن، بالرغم من أنه روي عن
أربعة من الصحابة موصولًا! وها أنا ذا أذكرهم على وجه الاختصار؛ كي تتم
الفائدة :
الأول: عن قیس بن سعد:
رواه ابن عدي في (الكامل)) ٤٠٩/٢، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣٢٤/٤
(٥٢٦٨) و٧/ ٤٩٤ (١١١٠٦) من طريق الجراح بن مليح عن أبي رافع، عن
قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول الله والله يقول: ((المكر والخديعة في
النار)) لكنت من أمكر الناس.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٣٥٦/٤: إسناده لا بأس به.
=

٣٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
= الثاني: عن أبي هريرة:
رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده)) ١/ ٣٧٠ (٣٨١)، ومن طريقه الطبراني في
((مسند الشاميين)) ٣٠٤/٣ (٢٣٣٦)، وابن عدي في ((الكامل)) ٢١٢/٧، والبيهقي
في ((الشعب)) ٣٦٧/٥ (٦٩٧٨) من طريق كلثوم بن محمد بن أبي سدرة.
وأبو نعيم في «أخبار أصبهان)) ٢٠٩/١ من طريق حكيم بن نافع.
كلاهما عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن أبي هريرة مرفوعًا: ((المكر
والخديعة في النار)).
قال الحافظ في ((التغليق)) ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥: فيه أنقطاع بين عطاء وأبي هريرة. وقال
في ((الفتح)) ٣٥٦/٤: في إسناده مقال.
وله عن أبي هريرة طريق أخرى:
فرواه البزار كما في ((كشف الأستار)» (١٠٣)، وابن عدي ٥٢٦/٥ من طريق
مكي بن إبراهيم عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبي
هريرة، به.
قال البزار: عبيد الله ليس بالحافظ ولم يشاركه غيره في هذا.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ١٠٢: عبيد الله أجمعوا على ضعفه.
وقال الحافظ في ((التغليق)) ٢٤٤/٣: إسناده ضعيف.
الثالث: عن أنس بن مالك:
رواه ابن عدي ٣٩٦/٤، والحاكم ٦٠٧/٤ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن
سنان بن سعد الكندي عن أنس، عن رسول الله وَ له قال: ((المكر والخديعة
والخيانة في النار)). قال الحافظ في ((التغليق)) ٢٤٦/٣، وفي ((الفتح)) ٣٥٦/٤: في
إسناده مقال. لكن قال الألباني في ((الصحيحة)) ٣/ ٤٧: إسناده حسن، رجاله ثقات
رجال الشيخين، غير سنان بن سعد. والحديث بمجموع طرقه السالفة صححه
الألباني في ((الصحيحة)) (١٠٥٧) قاطعًا بذلك.
الرابع: عن عبد الله بن مسعود:
رواه ابن حبان ٣٢٦/٢ (٥٦٧) و١٢/ ٣٦٩ (٥٥٥٩)، والطبراني في ((الكبير)) ١/
١٣٨ (١٠٢٣٤)، وفي ((الصغير)) ٣٧/٢ - ٣٨ (٧٣٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في
(الحلية)) ١٨٨/٤ - ١٨٩ والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ١٧٥/١ (٢٥٤٢٥٣)، =