Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كِتَابُ البُيُّوع
=
تقول: فلان لا يكلم فلانًا.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾: لا يبرهم ولا يمنُّ عليهم (١) ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي:
لا يقضي بزكاتهم، نزلت في من يحلف أيمانًا فاجرة لينفق بها بيع سلعته،
أو في الأشعث نازع خصمًا في أرض، فقام ليحلف، فنزلت، فنكل
الأشعث واعترف بالحق (٢)، أو في أربعة من أحبار اليهود كتبوا كتابًا
وحلفوا أنه من عند الله فيما أدعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل (٣).
﴿أَلِيمٌ﴾: موجع حيث وقع، وهذا الوعيد الشديد في هذِه اليمين
الغموس لما جمعت من المعاني الفاسدة، وكذا كذبه في اليمين بالله
تعالى، وهو أصل ما يحلف فيه، وغرَّر المسلمين، واستحلال مال
المشتري بالباطل الذي لا يدوم في الدنيا عوضًا عما كان يلزمه من
تعظيم حق الله تعالى والوفاء بعهده والوقوف عند أمره ونهيه، فخاب
متجره و خسرت صفقته.
وفي ((تفسير الطبري)): أنها نزلت في رافع، وكنانة بن أبي الحقيق،
وابن أبي الأشرف، وحيي بن أخطب (٤). وفي ((تفسير أبي القاسم
الجُوزي)): عن ابن عباس: نزلت في ناس من علماء اليهود أصابتهم
فاقة، فجاءوا إلى كعب بن الأشرف، فسألهم كعب عن رسول الله وَلاته،
فقالوا: نعم، هو رسول الله وَّ﴾. قال كعب: لقد حرمتم خيرًا كثيرًا،
فنزلت. وقيل: نزلت في الذين حرفوا التوراة، حكاه الزمخشري (٥).
(١) هذا من التأويل المذموم، وسيأتي بيان ذلك في كتاب التوحيد.
(٢) رواه الطبري ٣/ ٣٢٠ (٧٢٧٨).
(٣) رواه الطبري ٣١٩/٣ (٢٢٧٥) عن عكرمة.
(٤) المصدر السابق.
(٥) ((الكشاف)) للزمخشري ٣٣١/١.

١٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والوجه أن نزولها في أهل الكتاب، وفي ((المستدرك)) صحيحًا عن
قيس بن أبي غرزة مرفوعًا: ((يا معشر التجار، إنه يشهد بيعكم اللغو
والحلف فشوبوه بالصدقة))(١).
وفيه - أيضًا- مصحح الإسناد عن إسماعيل بن عبيد، عن ابن
رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: ((يا معشر التجار،
إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من أتقى وبر وصدق))(٢)، وفيه
-أيضًا- مثله عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: ((إن التجار هم
الفجار))، فقالوا: يا رسول الله: أليس الله قد أحل البيع؟ قال: ((بلى،
ولکنهم یحلفون فیأثمون، ویحدثون فيكذبون))(٣).
قال الداودي: هذا جزاؤه إن لم يتب. يريد: أنه يتحلل صاحبه إلا أن
يرضي الله خصمه بما شاء ويتجاوز عنه، أو يأخذ له من حسناته، أو يلقي
عليه من سيئاته.
(١) ((المستدرك)) ٥/٢. ورواه أيضا أبو داود (٣٣٢٦) كتاب: البيوع، باب: في
التجارة يخالطها الحلف واللغو، والترمذي (١٢٠٨) كتاب البيوع، باب: ما جاء
في التجار وتسمية النبي ( 98 إياهم، والنسائي ١٤/٧ - ١٥ كتاب: الأيمان
والنذور، في الحلف والكذب لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وابن ماجه (٢١٤٥)
كتاب: التجارات، باب: التوقي في التجارة، وصححه الألباني في ((صحيح
الجامع)) (٧٩٧٤).
(٢) ((المستدرك)) ٦/٢.
ورواه أيضا الترمذي (١٢١٠) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية
النبي ◌َّ﴾ إياهم -وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢١٤٦)، وصححه ابن حبان
٢٧٦/١١ - ٢٧٧ (٤٩١٠) كتاب: البيوع، وصححه الألباني في ((الصحيحة))
(٩٩٤).
(٣) ((المستدرك)) ٧/٢، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (٣٦٦).

١٨٣
كِتَابُ البُيُوع
وأما الحلف فهو بينه وبين الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. قال
بعض العلماء: الذنوب كلها، الباري تعالى يقتص للبعض من البعض
بأخذ حسنات الظالم أو بإلقاء السيئة عليه. وقيل: نزلت الآية في
رجلين أختصما في أرض، فجعل رسول الله وَل في اليمين على المدعى
عليه فقال: المدعي إذًا يحلف. فنزلت(١).
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الخمسين كتبه مؤلفه.

١٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٢٨- باب مَا قِيلَ في الصَّوَّاغِ
وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((لَا يُخْتَلَى
خَلَاهَا)). وَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
فَقَالَ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ)).
٢٠٨٩- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَنَا يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عَلِيّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيُّ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا الَّْهُ قَالَ:
كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الَغْنَمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌ََّ أَغْطَانٍ شَارِفًا مِنَ الْخُمْسِ،
فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَنْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ◌ِِّ، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا
مِنْ بَنِي فَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَّحِلَ مَعِي فَتَأْتَ بِإِذْخِرٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ
بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي. [٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣- مسلم: ١٩٧٩ - فتح: ٣١٦/٤]
٢٠٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ
قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا
يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ)). وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ
عَبْدِ المُطَّلِبِ: إِلَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا. فَقَالَ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ)). فَقَالَ عِكْرِمَةُ
هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ تُنَخِّيَّهُ مِنَ الظُّلِّ، وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ.
قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ: لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح:
٤/ ٣١٧]
ثم ذكر فيه حديث علي: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ ...
وساق الحدیث.
وفيه: وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ
پإِذْخِرٍ.

١٨٥
= كِتَابُ البُيُوع
وحديث عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: إن رَسُولَ اللهِ وَلِ﴿ قَالَ: ((إِنَّ
اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ .. )) الحديث إلى قوله: ((إِلَّا الإِذْخِرَ فإنه لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفٍ
بُيُوتِنَا)).
الشرح: التعليقان الأولان مسندان كما سلف(١)، وحديث علي
ساقه - أيضًا- مطولًا بقصة حمزة وإنشادها :
ألا يا حمز للشرف النواء (٢)
والشارف: المسن من النوق، وفيه في مسلم: بأنه المسن الكبير(٣).
والمعروف أنه النوق خاصة لا من الذكور، وبه جزم ابن التين حيث قال:
إنها المسنة من الإبل. وحكى الحربي عن الأصمعي أنه يقال: شارف
للذكر والأنثى، ويجمع على شرف، ومنه البيت المذكور، ولم يأت
فعل جمع فاعل إلا قليلًا، كما قاله عياض (٤). وفي ((المخصص)) عن
الأصمعي: ناقة شارف وشروف، قال سيبويه: جمع الشارف:
شُرُف، والقول في الشارف كالقول في البازل -يعني: خروج نابها-
أبو حاتم: شارفة، صاحب ((العين))، والجمع: شوارف. ولا يقال
للبعير شارف(٥). وقال في ((المحكم)): الشارف من الإبل: المسن
والمسنة، والجمع: شُرَّف وشُرُف(٦)، وفي ((الجامع)): هي الناقة
المسنة، وتجمع شرفًا وشوارف.
(١) سلف برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٧٥) كتاب: المساقاة، باب: بيع الحطب والكلأ.
(٣) مسلم (١٧٥٠).
(٤) ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)) للقاضي عياض ٢٤٨/٢ - ٢٤٩.
(٥) انتهى من ((المخصص)) (١٣٨/٢). وانظر: ((العين)) (٢٥٣/٦).
(٦) ((المحكم)) لابن سيده ٣٤/٨.

١٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
والنواء: ذكره ابن ولاد في الممدود المكسور أوله: السمان من
الإبل(١). وفي ((التهذيب))(٢): النوى: الشحم واللحم أيضًا. نوت الناقة:
سمنت، فهي ناوية والشعر لعبد الله بن السائب جد أبي السائب
المخزومي، فيما ذكره ابن المرزباني وأن القينة تمثلت به. وحديث
عكرمة عن ابن عباس سلف في الحج(٣)، وشيخ البخاري فيه إسحاق
هو ابن شاهين الواسطي، قاله ابن ماكولا وابن البيع (4)، وصرح به
الإسماعيلي وأبو نعيم.
وقوله: (وقال عبد الوهاب عن خالد: لصاغتنا وقبورنا) سلف مسندًا
(٥)
قبل(٥) .
إذا تقرر ذلك :
ففيما ذكر أن الصياغة صناعة جائز التكسب منها، والصوّاغ إذا كان
عدلًا لا تضره صناعته؛ لأنه القيّ قد أجازه.
وفيه: جواز بيع الإذخر وسائر المباحات والاكتساب منها للرفيع
والوضيع.
وفيه: الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم، والاستعانة على
الولائم والتكسب لها من طيب الكسب، وأن طعام الوليمة على
(١) ((المقصور والممدود)) ص ١١٢.
(٢) ((تهذيب اللغة)) للأزهري ٢٦٨٣/٤ مادة: نوى.
(٣) سلف برقم (١٥٨٧).
(٤) قلت: هو الحاكم أبو عبد الله، صاحب ((المستدرك))، قال ذلك في كتابه ((المدخل
إلى الصحيح)) ٢٤٤/٤ - ٢٤٥ (٢٣) ط. مكتبة الفرقان. فقال: إسحاق، قال أبو
عبد الله في مواضع كثيرة من الكتاب: حدثني إسحاق سمع خالد بن عبد الله. ولم
ينسبه -قلت: وهذا الحديث منها- وهو إسحاق بن شاهين الواسطي.
(٥) سلف برقم (١٣٤٩).

١٨٧
كِتَابُ البُيُوع
=
الناكح. ولم يختلف أهل السير كما قاله ابن بطال(١) في غير هذا الباب
أن الخمس لم يكن يوم بدر. وذكر إسماعيل القاضي أنه كان في غزوة بني
النضير حين حَكَّم سعدًا(٢).
قال: وأجيب أن بعضهم قال: ترك أمر الخمس بعد ذلك. وقيل:
إنما کان الخمس یقینًا في غنائم حنين، وهي آخر غنيمة حضرها سيدنا
رسول الله صل﴿ه قال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي إلى تأويل.
قلت: ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن جحش لما بعثه القرية في السنة
الثانية إلى نخلة في رجب، وقيل: عمرو بن الحضرمي وغيره واستاقوا
الغنيمة، وهي أول غنيمة، قسم ابن جحش الغنيمة وعزل لرسول الله وَله
الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس فأخر النبي وَ* الخمس والأسيرين(٣)،
ثم ذكر خروج رسول الله وَّر إلى بدر في رمضان فقسم غنائمها مع الغنيمة
الأولى وعزل الخمس فيكون قول علي: شارفي من نصيبي من المغنم.
يريد: يوم بدر. ويكون قوله: كان رسول الله وَ﴿ أعطاني شارفًا قبل ذلك
من الخمس قبله من غنيمة ابن جحش.
وقال الداودي: فيه دليل أن آية الخمس نزلت يوم بدر؛ لأنه لم يكن
قبل بنائه بفاطمة مغنم غيره، وذلك كله سنة اثنتين من الهجرة في
رمضان، وكان بناؤه بفاطمة بعد ذلك.
(١) ((شرح ابن بطال)) ٢٤٨/٥ في كتاب: الخمس، باب: فرض الخمس.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما حكم سعدًا في قريظة، هذا المعروف.
[قلت (المحقق): وهو كما قال فالثابت أن تحكيم سعد بن معاذ كان في غزوة بني
قريظة. أنظر: ((البداية والنهاية)) ٤٩٩/٤-٥١٠، و((تاريخ الإسلام)) ٣٠٧/٢ -
٣١٨].
(٣) انظر: ((سيرة ابن هشام)) ٢٤١/٢.

١٨٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال: وذكر أبو محمد في ((جامع مختصره)) أنه تزوجها في السنة
الأولى. قال: ويقال: في الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرًا،
وهذا كان بعد بدر؛ لأن بدرًا كانت على سنة ونصف من مقدمه
المدينة، وهذا يعضد ما قاله الداودي.
وذكر أبو عمر عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي: نكحها
بعد وقعة أحد. وقيل: تزوجها بعد بنائه بعائشة بسبعة أشهر ونصف.
وقال ابن الجوزي: بنى بها في ذي الحجة وقيل: في رجب. وقيل:
في صفر من السنة الثانية.
وفي كتاب ابن شبّة من رواية أبي بكر بن عياش أنه القَّة غرم حمزة
الناقتين. وقد قام الإجماع على أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزمه
ضمانه كالمجنون، والسنام المقطوع حرام، والحالة هذه بالإجماع،
فإن سبقت التذكية فلا شك في حله وخالف عكرمة وإسحاق وداود
فقالوا: لا تحل ذبيحة الغاصب ولا بيعه.
وفي الحديث: الاستعانة باليهود ومعاملتهم وإن كان مالهم يخالطه
الربا.
(وقينقاع): نونه مثلثة كما سلف أول الباب أول البيوع(١).
وقوله: (فلما أردت أن أبني بفاطمة). البناء: الدخول، والأصل فيه
أنهم كانوا إذا أراد أحدهم الدخول على أهله رفع قبة أو بناء يدخلان فيه.
وقوله: (في وليمة عرسي) الوليمة: الطعام الذي يصنع عند العرس،
والعرس -بضم الراء وإسكانها مهملة: الأملاك والبناء. وقيل: هو طعامه
خاصة- أنثى وقد يذكر ويصغر بغيرها، وهو نادر؛ لأن حقه الهاء إذ هو
(١) في الحديث السالف برقم (٢٠٤٨).

١٨٩
كِتَابُ البُيُوع
=
مؤنث على ثلاثة أحرف. والجمع: أعراس وعروسات. والعروس: نعت
الرجل والمرأة؟ رجل عروس في رجال أعراس، وامرأة عروس في نسوة
عرائس، ذكره ابن سیده(١).
وقال الأزهري: العرس طعام الوليمة وهو من أعرس الرجل بأهله
إذا بنى عليها ودخل بها، وتسمى الوليمة عرسًا والعرب تؤنثه(٢).
وفي ((الموعب)): العرس هو طعام الزفاف. والعرس هو الطعام الذي
يمد للعروس. وقال ابن دينار: سألت أبا عثمان عن اشتقاق العروس،
فقال: قالوه تفاؤلًا من قولهم عرس الصبي بأمه إذا ألفها. ووقع في
كتاب الشرب عند البخاري: و(معي صائغ)(٣).
قال ابن التين عند أبي الحسن قال علي: (ومعي طالع). أي: يدله
على الطريق ووقع في بعض رواياته: (فأفظعني) (٤).
قال ابن فارس: أفظع الأمر وفظع أشتد، وهو مفظع وفظيع (6).
وفيه من الفقه: تضمين الجنايات بين ذوي الأرحام، والعادة فيها أن
تهدر من أجل القرابة.
وقوله: (هل أنتم إلا عبيد لأبي). قيل: أراد أن أباه جدهم والأب
کالسید.
وقيل: كان ثملًا. فقال ما ليس جدًا.
(١) ((المحكم)) ٢٩٧/١.
(٢) ((تهذيب اللغة)) ٢٣٩٠/٣ مادة: عرس.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٧٥) باب: بيع الحطب والكلأ.
(٤) رواه مسلم (١٩٧٩) كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر ..
(٥) ((المجمل)) ٧٢٣/٣.

١٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفيه: وذلك قبل تحريم الخمر.
احتج به من لا يرى بوقوع طلاق السكران كما قال ابن الجوزي.
ووهّى النووي مقالة من قال: إن السكر لم يزل محرمًا فقال: هو قول
من لا تحصل له أن السكر لم يزل محرمًا فباطل لا أصل له ولا يعرف (١).
وفيه: ما كانوا عليه من القلة.
وفيه: طلبهم الكفاف.
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ١٤٤/١٣.

١٩١
كِتَابُ البُيُوع
=
٢٩- باب القَيْنِ وَالْحَذَّادِ
٢٠٩١- حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَذَّثَنَا ابن أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ،
عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْئًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِ عَلَى
العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَّقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَهُ.
فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهِ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ،
فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيْنَ
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. [مريم: ٧٧-٧٨]
WV
مَالَا وَوَلَدًا
القين: هو الحداد، ثم استعمل في الصانع، قال ابن سيده: القين:
الحداد(١). وقيل: كل صانع قين.
قلت: والقين أيضًا العبد، والقينة: المغنية والأمة والماشطة أيضًا،
والتقين: التزين بأنواع الزينة، والجمع أقيان وقيون.
وقد قان الحداد قينًا ضربها بالمطرقة. وقان الشيء يقين قيانة:
أصلحه.
وقالت أم أيمن: أنا قينت عائشة لرسول الله وَل﴾(٢)، أي: زينتها.
(١) ((المحكم)) ٣١٤/٦.
ذكره الحافظ فى ((الفتح)) أيضًا ٣١٨/٤، وما وقفت عليه، من حديث شهر بن
(٢)
حوشب أن أسماء بنت يزيد بن السكن، إحدى نساء بني عبد الأشهل، دخل عليها
يومًا، فقربت إليه طعامًا، فقال: لا أشتهيه، فقالت: إني قينت عائشة لرسول الله
** .. الحديث مطولًا.
رواه أحمد ٤٥٨/٦، والحميدي ٣٥٩/٢ - ٣٦٠ (٣٧١)، والطبراني ٢٤ (٤٣٤)،
وأبو عبد الله الأصبهاني في ((مجلس إملاء في رؤية الله)) ص ٣٧٦ (٨٦١)، وابن
الأثير في ((أسد الغابة)) ٧/ ٢٠. وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٦/ ٥٠ - ٥١: شهر فيه
كلام وحديثه حسن.

١٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
والقين: هو الذي يصلح الأبنية أيضًا.
ذكر فيه حديث خَبَّبٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى
العَاصِي بْنِ وَائِلِ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ
قلت: لَا أَكْفُرُ بمحمد حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ
وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ.
فَنَزَّلَتْ: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَايَتِنَا﴾ الآية [مريم: ٧٧].
هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر قريبًا، في باب: هل
يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في دار الحرب بلفظ: (وإني لمبعوث بعد
الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال)(١). وقال في التفسير إثره:
قال ابن عباس: ﴿هَذًّا﴾ [مريم: ٩٠] أي: هدمًا(٢). وقد أسنده ابن أبي
حاتم في ((تفسيره)) عن أبيه، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح،
عن علي بن طلحة، عنه(٣).
قال مقاتل: صاغ خباب شيئًا من الحلي فلما طلب منه الأجر قال:
ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان؟ قال
خباب: نعم. قال العاصي: فميعاد ما بيننا الجنة.
وقال الكلبي ومقاتل فيما ذكره الواحدي: كان خباب قينًا وكان
العاصي يؤخر حقه فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك.
فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاصي: يا خباب
(١) سيأتي برقم (٢٢٧٥) كتاب: الإجارة.
(٢) سيأتي قبل حديث (٤٧٣٥).
(٣) رواه ابن جرير ٣٨٤/٨ (٢٣٩٥٥) من طريق عبد الله عن معاوية، عن علي بن
طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥١١/٤ لابن جرير
وابن أبي حاتم وابن المنذر.

١٩٣
كِتَابُ البُيُّوع
=
مالك! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب. قال: كنت إذ ذاك على
دينك وأما اليوم فإني على الإسلام. قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة
ذهبا وفضة وحريرًا؟ قال: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة -
استهزاءً- فوالله إن كان ما تقول حقًّا إني لأفضل فيها نصيبًا منك. فأنزل
الله الآية(١).
وهذا الباب كالباب قبله أن الحداد لا تضره مهنته في صناعته إذا كان
عدلًا.
قال أبو العتاهية:
وحبك للدنيا هو الذل والعدم
ألا إنما التقوى هو العز والكرم
إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم
وليس على حر تقي نقيصةٌ
وفيه: أن الكلمة من الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله لربها
سخطه إلى يوم القيامة(٢). ألا ترى وعيد الله على استهزائه بقوله
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا * وَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْنِيِنَا فَرْدًا
٨٠
[مريم: ٧٩، ٨٠] يعني من المال والولد بعد إهلاكنا إياه. ﴿وَيَأْنِينَا فَرْدًا﴾
أي: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه.
وكان العاصي بن وائل لا يؤمن بالبعث فلذلك قال له خباب: (والله
لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث)(٣). ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله
بعد الموت أن يكفر بمحمد لأنه حينئذٍ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] ويتمنى العاصي بن وائل وغيره أن لو كان ترابًا
ولم يكن كافرًا وبعد البعث يستوي يقين المكذب به مع يقين المؤمن
(١) ((أسباب النزول)) ص ٣١٠ (٦١٢).
سيأتي برقم (٦٤٧٧-٦٤٧٨) ما فى معنى كلام المصنف هذا فانظره.
(٢)
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٥) كتاب: البيوع، باب: التقاضي.

١٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ويرتفع الكفر وتزول الشكوك وكان غرض خباب من قوله إياس العاصي
من كفره، وذكر ابن الكلبي عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة
منهم العاصي بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة،
وأبي بن خلف.
وفيه: جواز الإغلاظ في اقتضاء الدين لمن خالف الحق وظهر منه
الظلم والتعدي. فإن قلت: من عين الكفر آجلاً فهو كافر الآن إجماعًا،
فکیف یصدر هذا عن خباب و دینه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد
من هذا كله. قلت: لم يرد خباب هذا وإنما أراد لا تعطني حتى تموت ثم
تبعث أو إنك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسرًا منك.
وقال أبو الفرج: لما كان اعتقاد هذا المخاطب أنه لا يبعث خاطبه
على أعتقاده فكأنه قال: لا أكفر أبدًا. وقيل: أراد خباب أنه إذا بعث
لا يبقى كفر؛ لأن الدار دار الآخرة. وقرئ: (ووُلدًا) بضم الواو ذكره
الفراء، ونصبها عاصم، وثقل في كل القرآن، وقرأ مجاهد: ﴿مَالٌ
وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، ونصب سائر القرآن. والوُلد والوَلَد لغتان، وقيس
تجعل الوُلد جمعًا والوَلَد واحدًا (١).
(١) ((معاني القرآن)) للفراء ١٧٢/٢ -١٧٣.
قلت: قال أبو علي الفارسي في ((الحجة للقراء السبعة)) (٥/ ٢١٠-٢١١): اختلفوا
في ضم الواو وفتحها من قوله : (وولدا) [مريم: ٧٧] في ستة مواضع، في مريم
أربعة مواضع [٧٧، ٨٨، ٩١، ٩٢] وفي الزخرف [٨١] ونوح [٢١].
فقرأهن ابن كثير وأبو عمرو: (وولدا) بالفتح؛ إلا في سورة نوح: (ماله وولده)
فإنهما قرآه بضم الواو في هذِه وحدها. وقرأهن نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو
في كل القرآن. وقرأهن حمزة والكسائي بضم الواو في كل القرآن. اهـ
وانظر: ((الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٩٢/٢-٩٣ و((تفسير الطبري)» ١٢/
٢٥٣.

١٩٥
كِتَابُ البُيُوع
=
وقال الفارابي: الوُلد لغة في الوَلد ويكون واحدًا وجمعًا، وذكره
أيضًا بكسر الواو وفتح الواو. وقال ابن سيده: الوَلَد والوُلد ما ولد أيًّا
ما كان وهو يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، ويجوز أن
يكون الوُلد جمع وَلَد كوَثَن ووُثْن. والولد كالولد وليس بجمع. والوَلَد
أيضًا: الرهط (١).
(١) ((المحكم)) ١٠/ ١٣١.

١٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
٣٠- باب ذِكْرِ الخَيَّاطِ
٢٠٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَیی
طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ وَه
◌ِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ،
فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَِّ خُبْزًا وَمَرَقًّا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَتَتَبَّعُ الذُّبَّاءَ
مِنْ حَوَالَىِ القَصْعَةِ - قَالَ :- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣،
٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩ - مسلم: ٢٠٤١ - فتح: ٣١٨/٤]
ذكر فيه حديث أَنَسَ: إِنَّ خَيَّاطَا دَعَا رَسُولَ اللهِ وَّه لِطَعَامِ صَنَعَهُ، قَالَ
أَنَسُ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِلَى ذَلِكَ الَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ
وَلِّ خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَّهَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيٍ
القَصْعَةِ - قَالَ : - فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وفي لفظ: فجعلت ألقيه إليه(١). هذا الحديث يأتي في الأطعمة
أيضًا(٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في الأطعمة، وقال:
حسن صحيح، والنسائي في الوليمة(٣).
وفيه: جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ وإجابته إلى دعوته.
(١) رواه مسلم (٢٠٤١).
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٩).
(٣) أبو داود (٣٧٨٢)، الترمذي (١٨٥٠)، النسائي في ((الكبرى)) ٤/ ١٥٥ (٦٦٦٢)
كتاب: الأطعمة، باب: القديد، وقال في هامش ((السنن الكبرى)) ١٤٦/٤: هنا
آخر کتاب الوليمة، ويلاحظ أن أبواب الوليمة وأبواب الأطعمة وآداب الأكل
وكتاب الأشربة المحظورة والدعاء بعد الأكل والشرب، جاءوا في المخطوط (ج)
تحت مسمى: كتاب الوليمة. اهـ
ويبدو أنها النسخة التي نقل منها المصنف رحمه الله.

١٩٧
كِتَابُ البُيُّوع
=
وفيه: مؤاكلة الخدم وأن المؤاكل لأهله وخدمه مباح له أن يتبع
شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه وإذا لم يعلم ذلك
فلا يأكل إلا مما يليه. وقد سئل مالك عن ذلك فأجاب بهذا الجواب.
وفيه: دليل على جواز الإجارة خلافًا لمن لا يعتد به؛ لأنها ليست
بأعيان مرئية ولا صفات معلومة.
وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر
القين والصائغ والنجار؛ لأن هؤلاء إنما تكون منهم الصنعة المحضة
فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والذهب والفضة وهي أمور
من الصنعة يوقف على حدها ولا يختلط بها غيرها، والخياط إنما
يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده فيجتمع إلى الصنعة الآلة،
واحد منهما معناه التجارة والآخر الإجارة، وحصة أحدهما لا تتميز
عن الأخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يخرز بخيوطه
ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك
فائدة في القياس؛ لأن الشارع وجدهم على هذِه العادة أول زمن
الشريعة فلم يغيرها إذ لو طولبا بغيرها شق عليهم فصار بمعزل، والعمل به
ماض صحيح لما به من الإرفاق، قاله أجمع الخطابي (١).
وفيه: تواضعه ويسير إذ أجاب دعوة الخياط وشبهه، وقد اختلف في
إجابة الدعوة هل هي على الوجوب أو على الندب؟
والأظهر عندنا أنها في العرس واجبة.
وفيه: إتيانه منازل أصحابه.
(١) ((أعلام الحديث)) ١٠١٩/٢ - ١٠٢٠.

١٩٨
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفيه: الائتمار بأمرهم، وقد قال شعيب الشّهر: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ
إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] فتأسى به في الإجابة.
وفيه: الإجابة إلى الثريد، وهو خير الطعام. والدباء -ممدود -:
القرع، جمع دباءة، وفيه لغة بالقصر، وأنكرها القرطبي(١).
ووقع في ((شرح المهذب)) أنه القرع اليابس. والخبز الذي جاء به
الخياط كان من شعير -كما ذكره الإسماعيلي- وإنما تتبعه من حوالي
القصعة لأن الطعام كان مأكلًا مختلفًا، فكان يأكل مما يعجبه منه وهو
الدباء ويترك ما لا يعجبه وهو القدید.
قال ابن التين: وفيه: جواز ذلك إذا أكل مع خادمه إذا كان في
القصعة شيء مفرد. وحديث: ((كل مما يليك))(٢)، لأنه لم يكن معه
خادمه، وكان في القصعة شيء متماثل.
وقول أنس: (فلم أزل أحبها من يومئذٍ) حقيق أن يحب ما أحب نبيه.
وقوله: (من حوالي القصعة): يقال: رأيت الناس حوله وحولَيْه
وحواله وحواليه، والجمع أحوال. وإلقاء أنس له الدباء دليل على
جواز مناولة الضيفان بعضهم بعضًا، ولا نكير على فاعله، نعم،
المكروه أن يتناول شيئًا من أمام غيره أو من مائدة أخرى، فقد
كرهه ابن المبارك، ويأتي في الأطعمة - إن شاء الله تعالى- كما نبهنا
عليه(٣).
(١) «المفهم)) ٣١٤/٥.
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٦) كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل
باليمين، ورواه مسلم (٢٠٢٢) كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب
وأحكامهما.
(٣) سيأتي برقم (٥٣٧٩).

١٩٩
كِتَابُ البُيُوع
=
فائدة: كان أيوب خياطًا. وأول من خاط الثياب ولبسها إدريس
الَّة، وكانوا قبله يلبسون الجلود. وسيأتي أن إبراهيم كان عطارًا،
وأن زكريا كان نجارًا. وأَجَّر موسى نفسه على الرعي صلى الله وسلم
عليهم.

٢٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣١- باب ذِكْرِ النَّسَّاجِ
٢٠٩٣ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثْرٍ، حَدَّثَنَا يَغْقُوبُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِ حَازِمٍ قَالَ:
سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَغدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ - قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا
البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِّ
نَسَجْتُ هَذِه بِيَدِي أَكْسُوكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ بَّ نَحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا
إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكْسُنِيهَا. فَقَالَ: ((نَعَمْ)). فَجَلَسَ النَّبِيُّ ◌َ
فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَزْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلَّتَهَا
إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرْذُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: والله مَا سَأَلَّتُهُ إِلَّ لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ
أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [انظر: ١٢٧٧ - فتح: ٣١٨/٤]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة البردة، وسلف في الكفن من
الجنائز فراجعه(١) وفيه: جواز قبول الهدية من الضعيف إذا كان له مفضلة
من التبرك وشبهه. والهبة لما يسأله الإنسان من ثوبه أو غيره. والأثرة على
نفسه وإن كانت به حاجة إلى ذلك الشيء، والتبرك بثوب الإمام والعالم؟
رجاء النفع به في استشعاره كفنًا وشبه ذلك، وإعداد الكفن.
والبردة کالمئزر، وربما كانت من صوف أو كتان، وربما كانت أكبر
من المئزر وقدر الرداء، قاله الداودي. وظاهر إيراد الحديث أنها الشملة،
أنها الصوف؛ لأن الشملة كساء يؤتزر به، قاله ابن فارس(٢).
وقوله: (منسوج في حاشيتها): قال الجوهري: حاشية الثوب: أحد
جوانب الثوب(٣). وقال الهروي نحوه. وقال القزاز: حاشيتاه ناحيتاه
(١) راجع شرح حديث (١٢٧٧).
(٢) ((المجمل)) ٥١٢/٢.
(٣) ((الصحاح)) ٢٣١٣/٦.