Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كِتَابُ البُيُوع
وقال ابن بطال: إن التجارة في البز ليس في الباب ما يقتضي تعيينها
من بين سائر التجارات غير أن قوله: ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ﴾ [النور:
٣٧] يدخل في عمومه جميع أنواع التجارات من البز وغيره (١). وتفسير
قتادة المذكور(٢) روي عن عطاء وابن عُمر. وبنحوه قال عطاء:
لا يلهيهم ذَلِكَ عن حضور الصلاة أي: في جماعة، وجاز بهم ابن
عمر السوق، وقد غلقوا حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة فقال:
فيهم نزلت، وذكر الآية(٣).
قَالَ ابن بطال: ورأيت في تفسير الآية قَالَ: كانوا حدادين
وخرازين، وكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الإشفى فسمع
الأذان، لم يخرج الإشفى من الغرزة، ولم يرفع المطرقة، ورمى بها
وقام إلى الصلاة(٤).
= نسخة: بزاي، بدل الراء، وفي أخرى: بضم الموحدة وبالراء، والمناسب لما
يأتي في الباب الآتي الأول، أي: بفتح الباء والراء. وانظر: ((اليونينية)) ٥٥/٣.
إضافة: وقع في الأصل هنا: البر وغيره. وقد سقطت كلمة: (غيره) من بعض
النسخ. وأثبتت في ((الفتح)) ٤/ ٢٩٧ وقال الحافظ: لم يقع في رواية الأكثر قوله:
(وغيره) وثبتت عند الإسماعيلي وكريمة.
وكذا أثبتت في ((العمدة)) ٩/ ٢٥٤. وقال السيوطي في ((التوشيح)) ٤ / ١٥٠٦ :
زادت كريمة: وغيره. وسقطت من ((المنحة)) ٤/ ٤٩٢ وقال الأنصاري: زاد في
نسخة: (وغيره).
وكذا في ((اليونينية) ٣/ ٥٥ وأشار في الهامش أنها وقعت لأبي الوقت.
(١) (شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٠٢.
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٤/ ٢٩٧: لم أقف عليه موصولًا عنه.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((التفسير)) ٥١/٢ (٢٠٥١)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٠٧
(١٤٦٤٧).
(٤) ((شرح ابن بطال)) ٢٠٢/٦.

٨٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وفى الآية نعت تجار سلف الأمة وما كانوا عليه من مراعاة حقوق
الله تعالى والمحافظة عليها والتزام ذكر الله في حال تجارتهم وصبرهم
عَلَى أداء الفرائض، وإقامتها وخوفهم سوء الحساب والسؤال يوم
القيامة، والنَّساء -بالمد- التأجيل.
ثم الحديث دال عَلَى أن اسم الصرف إنما يقع عَلَى بيع الذهب
بالورِق، وأما الذهب بمثله والورِق بمثله، فيسمى مراطلة ومبادلة.
وفيه: أن الصرف لا یکون إلا يدًا بيد.
وقوله: (وسَأَلْنَاه عَنِ الصَّرْفِ)، قَالَ الداودي: يعني الذهب والفضة.
وقول أبي المنهال: (كنت أَنَّجِر في الصرف)، كان في ذَلِكَ الزمان؛
لاهتمامهم بالأحكام. وأما اليوم فقل من يعمل بها.
قَالَ الحسن البصري -في زمانه -: لو استقيت ماء فسقيت من بيت
صراف، فلا تشرب. قَالَ بُكَير بن عبد الله بن الأشج: بئس ما قَالَ
الحسن، رُب صراف خير من الحسن. قَالَ مالك: ليس كما قَالَ
بُكَير، إنما ينظر إلى الأمر الذي يشمل الناسَ كثرته فيجتنب لذلك.
وقال الخليل: الصرف: فضل الدرهم عَلَى الدرهم، ومنه اشتق أسم
الصيرفي؛ لتصريفه بعض ذَلِكَ في بعض(١). وقول ابن التين: قول
الداودي أولى للحديث الآخر: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة
بالفضة مثلًا بمثل))(٢) وهو مذهب سائر الفقهاء.
(١) ((العين)) ص ١٠٩/٧. مادة: صرف.
(٢) يأتي برقم (٢١٧٦).

٨٣
=
كِتَابُ البُيُوع
٩- باب الخُرُوجِ في التُّجَارَةِ
وَقَوْلِ اللهِ: ﴿فَأَنْتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
٢٠٦٢- حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا تَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَئِجٍ قَالَ:
أَخْبَرَفِي عَطَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَثٍْ، أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَىْ عُمَرَ بْنِ
الخَطَّابِ رضي الله عنه، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ - وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا - فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ
عُمَرُ فَقَالَ: أَمْ أَسْمَغْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ أَتْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ، فَقَالَ:
كُثَّا تُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تَأْتِينِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَىْ تَجْلِسِ الأَنَّصَارِ،
فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هذا إِلَّ أَضْغَرْنَا أَبُو سَعِيدِ الْخُذْرِيُّ. فَذَهَبَ بِأَبِي
سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ بَّرَ؟! أَلْهَانِ الصَّفْقُ
بِالأَسْوَاقِ. يَغْنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ. [٦٢٤٥، ٧٣٥٣ - مسلم: ٢١٥٣ - فتح: ٢٩٨/٤]
ثم ذكر حديث عبيد بن عمير: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ أَسْتَأْذَنَ عَلَى
عُمَرَ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ -وَكَأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا - فَرَجَعَ أَبُو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ
فَقَالَ: أَلَمْ أَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ آئْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ.
فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: (لتَّأْتِيَنِّي) (١) عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ.
فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: لَا يَشْهَدُ لَكَ عَلَىْ هُذا
إِلَّا أَصْغَرُنَا هُذا أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ. فَذَهَبَ بِأَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، فَقَالَ
عُمَرُ: أَخَفِيَ عَلَيَّ (هذا)(٢) مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ وَلِ؟! أَلْهَانِي الصَّفْقُ
بِالأَسْوَاقِ. يَعْنِي: الخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. وفيه: أن الشاهد أبي بن كعب
وقال له: يا ابن الخطاب: لا تكن عذابًا عَلَى أصحاب محمد رَّهـ
(١) كذا في الأصل، وفي اليونينية ٣/ ٥٥: (تَأْتِيْنِي) ليس عليها تعليق، وهي في ((صحيح
ابن حبان)» ١٢٢/١٣ (٥٨٠٦).
(٢) في هامش اليونينية نسبها لأبي الوقت وأبي ذر.

٨٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
قَالَ: سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت(١)، وفي أبي داود:
فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله والخ
شديد(٢). وفي ((الموطأ)): أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول
الناس عَلَىْ رسول الله وَلِّ(٣).
وقال ابن عبد البر: عن بعضهم في هذا الحديث: كلنا سمعه، وقد
رواه قوم عن أبي سعيد عن أبي موسى: وإنما هو من النقلة لاختلاط
الحديث عليهم ودخول قصة أبي سعيد مع أبي موسى في ذَلِكَ، كلهم
يقولون: عن أبي سعيد في قصة أبي موسى (٤).
ولم يخف عَلَى عمر أصل الاستئذان فإنه ثابت بنص القرآن، وإنما
خفي عليه تثليث الاستئذان فطلب تأكيده.
وفيه: إيجاب الاستئذان، والاستئناس وهو الاستئذان أيضًا في قوله
تعالى: ﴿حَتَّ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧] الآية. وقال بعضهم: تثليث
الاستئذان مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ثَلَثَ مَّتٍ﴾ [النور: ٥٨] أي: ثلاث
دفعات، فورد القرآن في المماليك والصبيان، والسنة في الجميع.
قَالَ أبو عمر: وهذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في
تفسير الآية الكريمة، والذي عليه جمهورهم في قوله: ﴿ثَلَثَ مَرَّتٍ﴾.
[النور: ٥٨] أي: ثلاثة أوقات، ويدل عَلَى صحة هذا القول ذكره فيها
﴿مِّنْ قَبْلِ صَلَوَةِ الْفَجْرِ﴾ [النور: ٥٨] الآية(٥).
وفيه: أن الرجل العالم قد يوجد عند من هو دونه في العلم ما ليس
عنده، إذا كان طريق ذَلِكَ العلم السمع، وإذا جاز هذا عَلَى عمر فما
(١) مسلم (٢١٥٣) كتاب: الأدب، باب: الاستئذان.
(٣) (الموطأ)) ص ٥٩٧.
(٢) أبو داود (٥١٨٣).
(٤) ((التمهيد)» ١٩١/٣.
(٥) ((التمهيد)» ١٩١/٣ - ١٩٢.

٨٥
كِتَابُ البُيُوع
=
ظنك بغيره بعده، وقد قَالَ ابن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كِفَّة
ووضع علم أحياء أهل الأرض في كِفَّة لرجح علم عمر عليهم(١).
وزعم قوم أن عمر لا يقبل خبر الواحد، وليس كما زعموا، كما قَالَ
ابن عبد البر؛ لأنه قد ثبت عنه خبر الواحد وقبوله وإيجاب الحكم به،
أليس هو الذي نشد الناس بمنّى: من كان عنده علم من رسول الله وَ لا في
الدية فليخبرنا، وكان رأيه: أن المرأة لا ترث من دية زوجها؛ لأنها
ليست من عصبته الذين يعقلون عنه، فقام الضحاك بن سفيان الكلابي
فقال: كتب إليَّ رسول الله ◌َّير أن ((ورث أمرأة أشيم من دية زوجها))(٢)،
(١) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٣٣٦/٢، والطبرانى ٩/ ١٦٢ - ١٦٣
(٨٨٠٨- ٨٨١٠)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (٧٠)، وابن الأثير
في ((أسد الغابة)) ١٥٥/٤ من طرق عن ابن مسعود.
(٢) رواه أبو داود (٢٩٢٧)، والترمذي (١٤١٥، ٢١١٠)، وابن ماجه (٢٦٤٢)،
والشافعي في ((المسند)) ترتيب السندي ١٠٧/٢ (٣٦٠)، وأحمد ٤٥٢/٣ وابن أبي
عاصم في ((الآحاد والمثاني)) ١٦٦/٣ (١٤٩٦)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤/ ٧٨
(٦٣٦٣ - ٦٣٦٤)، وابن الجارود ٢٢٩/٣ - ٢٣١ (٩٦٦)، والطبراني ٣٠٠/٨
(٨١٤٢)، والبيهقي ٥٧/٨ - ٥٨، ١٣٤، والبغوي في ((شرح السنة)) ٣٧١/٨
(٢٢٣٤)، والضياء في ((المختارة)) ٨٥/٨ - ٨٧ (٨٦ - ٨٧، ٨٩)، والمزي في
(تهذيب الكمال)) ٢٦٢/١٣، والحافظ في ((موافقة الخبر)) ٤٥٥/١ من طريق
سفيان بن عيينة.
ورواه أبو داود (٢٩٢٧)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٩٧/٩ - ٣٩٨ (١٧٧٦٤)،
وعنه أحمد ٤٥٢/٣، وسعيد بن منصور ٩٨/١ (٢٩٧)، والطبراني ٢٩٩/٨
(٨١٣٩)، والضياء ٨/ ٨٥ (٨٥)، والحافظ في ((الموافقة)) ٤٥٦/١ من طريق معمر.
ورواه ابن أبي عاصم (١٤٩٧)، والنسائي في ((الكبرى)) ٤/ ١٧٩ (٦٣٦٥ -
٦٣٦٦)، والطبراني (٨١٤٠)، والضياء (٨٨) من طريق يحيى بن سعيد.
ورواه سعيد بن منصور (٢٩٦)، والطبراني (٨١٤١) من طريق سفيان بن حسين.
ورواه عبد الرزاق ٩/ ٣٩٨ (١٧٧٦٥) عن ابن جريج.
=

٨٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وكذلك نشد الناس في دية الجنين، فقال حمل بن النابغة: إن رسول الله
وَّل﴾ قضى فيه بغرة عبدٍ أو وليدةٍ، فقضى به عمر (١)، ولا يشك ذو لبٍّ
خمستهم عن ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر .. الحديث.
=
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه ابن الأثير في ((الشافي)) ٢٢٠/٥.
وقال الحافظ في ((الدراية)) ٢٦٩/٢: إسناده صحيح إلى سعيد. وصححه في
((الموافقة)) ١/ ٤٥٥. وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) ٢٨١/٨: إسناده صحيح
على شرط البخاري إلى الضحاك.
والحديث رواه مالك في ((الموطأ)) ص ٥٤٠، ومن طريقه البيهقي ٨/ ١٣٤ عن
الزهري مرسلًا.
قال الحافظ الذهبي في ((المهذب)) ٦/ ٣٢٢٧ (١٢٧٩٢): إسناده منقطع.
وقال الحافظ في ((الإتحاف)) ٣٧٢/١٢ - ٣٧٣ (١٥٧٨٣)، والألباني في
((الإرواء)» ٨/ ٢٧١: منقطع.
(١) رواه أبو داود (٤٥٧٢)، والنسائي ٢١/٨ - ٢٢، وابن ماجه (٢٦٤١)، وأحمد ١/
٣٦٤، ٧٩/٤ - ٨٠ والترمذي في ((العلل الكبير)) ٢/ ٥٨٦، وابن حبان ١٣ / ٣٧٨
(٦٠٢١)، والدارقطني ١١٧/٣، وأبو نعيم، في ((معرفة الصحابة)) ٨٩١/٢
(٢٣٠٢، ٢٣٠٤)، والبيهقي ١١٤/٨، وابن الجوزي في ((التحقيق)) ٣١٢/٢
(١٧٦٨)، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٥٨/٢، والحافظ في ((موافقة الخبر)) ١/
٤٤٩ من طريق ابن جريج.
ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٥٨/١٠- ٥٩ (١٨٣٤٣)، ومن طريقه الطبراني
٨/٤ - ٩ (٣٤٨٢)، والدارقطني ١١٧/٣، والحاكم ٥٧٥/٣، وأبو نعيم في
((المعرفة)) (٢٣٠٣)، والحافظ في ((الموافقة)) ٤٤٨/١ من طريق ابن عيينة.
كلاهما عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، به.
والحديث صححه البخاري فيما نقله عنه الترمذي في ((العلل)) ٢ / ٥٨٧.
وقال الحافظ في ((الموافقة)) ٤٤٩/١: حديث حسن صحيح. وقال في ((الإصابة))
١/ ٣٥٥، وكذا العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٣٤٣٩)، والألباني
في «صحيح ابن ماجه)) (٢١٣٦): إسناده صحيح.
والحديث رواه أبو داود (٤٥٧٣)، والنسائي ٨/ ٤٧، والشافعي في («المسند» ٢/
١٠٣ - ١٠٤ (٣٤٥)، وفي ((الرسالة)) (١١٧٤)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) =

٨٧
كِتَابُ البُيُّوع
=
ومن له أقل منزلة من العلم أن موضع أبي موسى من الإسلام ومكانه من
الفقه والدين أجل من أن يرد خبره ويقبل خبر الضحاك وحمل، وكلاهما
لا يقاس به في حال، وقد قَالَ له عمر في «الموطأ»: إني لم أتهمك، كما
سلف. فدل ذَلِكَ عَلَى اعتمادٍ كان من عمر في ذَلِكَ الوقت، الله أعلم به.
وقد يحتمل أن عمر عنده في ذَلِكَ الحين من ليست له صحبة من أهل
العراق أو الشام، ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم؛ لقرب عهدهم به،
فخشي عليهم أن يختلقوا الكذب عَلَى رسول اللهِوَّر عند الرغبة
أو الرهبة أو طلبًا للحجة، لقلة علمهم، فأراد عمر أن يريهم أن من
فعل شيئًا ينكر عليه ففزع إلى الخبر عن رسول الله وَالله، ليثبت له
بذلك فعله وجب التثبت فيما جاء به إذا لم يعرف حاله حَتَّى يصح
قوله، فأراهم عمر ذَلِكَ ووافق أبو موسى، وإن كان عنده معروفًا
بالعدالة غير متهم؛ ليكون ذَلِكَ أصلًا عنه لهم، وللحاكم أن يجتهد
ما أمكنه.
٢١٤/٢ - ٢١٥ (٥٧٢- ٥٧٤)، والبيهقي ٨/ ١١٤، والحافظ في ((الموافقة)) ١/
=
٤٤٧، ٤٤٨ من طرق، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عمر، به.
ورواه الشافعي في ((المسند)) ١٠٣/٢- ١٠٤ (٣٤٥)، وفي ((الرسالة)) (١١٧٤)،
ومن طريقه البيهقي ١١٤/٨، والحافظ في ((الموافقة)) ٤٤٨/١ عن سفيان، عن ابن
طاوس، عن طاوس، عن عمر. لكنه بهذا الإسناد ضعيف؛ قال المنذري في
((مختصر السنن)) ٦/ ٣٦٧: هذا منقطع، طاوس لم يسمع من عمر.
وقال الحافظ: في الإسناد انقطاع، فإن طاوسًا لم يحضر القصة بل ولا أدركها.
وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((الرسالة)) ص ٤٢٧: إسناده مرسل؛ فإن
طاوسًا لم يدرك عمر، وهو حديث متصل صحيح وإن أرسله سفيان وحماد. وذكر
من رواه مرسلًا.
وقال الألباني في ((ضعيف أبي داود)): ضعيف الإسناد.
والحديث سيأتي عن المغيرة بن شعبة، برقم (٦٩٠٧)، ورواه مسلم (١٦٨٣).

٨٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
وكان عمر قد استعمل أبا موسى، وبعثه رسول الله وَّه أيضًا ساعيًا
وعاملًا عَلَى بعض الصدقات، وهُذِه منزلة رفيعة في الثقة والأمانة(١).
وزعم الترمذي أن عمر إنما أنكر عَلَى أبي موسى قول: ((الاستئذان
ثلاث مرات فإن أذن لك، وإلا فارجع»(٢) ، وذلك أن أبا زمیل روئ
عن ابن عباس قَالَ: حَدَّثَني عمر بن الخطاب قَالَ: استأذنت عَلَى
رسول الله وَّر ثلاثًا فأذن لي. ثم قَالَ: حسن غريب(٣).
وفيه دلالة على أن طلب الدنيا تمنع من استفادة العلم، وأن كلما ازداد
المرء طلبًا لها ازداد جهلًا، وقلَّ علمه، ومن هذا قول أبي هريرة السالف:
وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم السفق بالأسواق(٤)، وروى عقيل
عن ابن شهاب أنه قَالَ: إنما سن التسليمات الثلاثة؛ لأنه ◌َّلي أتى سعد بن
عبادة، فقال: ((السلام عليكم))، فلم يردوا، ثم قَالَ: ((السلام عليكم))،
فلم يردوا، فرجع ◌َلير، فلما فقد سعد صوت رسول ◌َليل، عرف أنه قد
أنصرف، فخرج سعد في إثره حَتَّى أدركه، فقال: وعليك السلام
يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك. الحديث(٥). وروى
حماد بن سلمة، عن أيوب وحبيب، عن محمد، عن أبي هريرة قَالَ:
(١) ((التمهيد)) ١٩٨/٣ - ٢٠١ بتصرف.
(٢) إذكار عمر على أبي موسى هذا القول رواه الترمذي في الحديث السابق على
حديث أبي زُمَيل، والقول رواه مسلم (٢١٥٣/ ٣٤) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) ((سنن الترمذي)) ٥٤/٥. وحديث ابن عباس رواه الترمذي برقم (٢٦٩١).
وأصله في مسلم (١٤٧٩/ ٣٠). وانظر ما سيأتي برقم (٥١٩١).
(٤) سلف برقم (١١٨) وسلف أول البيوع (٢٠٤٧) ورواه مسلم (٢٤٩٢).
(٥) حديث سعد بن عبادة رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٨٣/١٠ - ٣٨٤
(١٩٤٢٥)، وعنه أحمد ١٣٨/٣، والبيهقي ٢٨٧/٧، والضياء في ((المختارة)»
١٥٧/٥- ١٥٨ (١٧٨٣ - ١٧٨٤) من طريق معمر عن ثابت عن أنس أو غيره أن =

٨٩
كِتَابُ البُيُّوع
=
قَالَ رسول الله وَّه: ((رسول الرجل إلى الرجل إذنه)) (١)، ومن أحسن
حديث روي في كيفية الاستئذان ما رواه سلمة بن كهيل عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس: استأذن عمر عَلَى رسول الله وَّ، فقال:
السلام عَلَى رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر (٢)؟
رسول الله لم أستأذن على سعد بن عبادة .. الحديث.
=
ورواه أبو داود (٥١٨٥)، والنسائي في ((الكبرى)) ٦/ ٨٩ (١٠١٥٧) من طريق
يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن
سعد .. به.
قال الألباني في ((ضعيف أبي داود)): ضعيف الإسناد.
ورواه النسائي (١٠١٥٦)، والطبراني ١٨ (٨٩٠)، وابن السني في ((عمل اليوم
والليلة)) (٦٦٤) من طريق ابن أبي ليلى، عن محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن
زرارة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد بن عبادة قال: جاء النبي ◌َّ إلى
سعد ... الحديث.
(١) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٢٦٠/٤ (١٥٨٨)، ابن حبان ١/ ١٢٨
(٥٨١١)، والبيهقي ٨/ ٣٤، وفي ((الشعب)) ٤٤٤/٦ (٨٨٣٠) بهذا الإسناد،
وحبيب هو ابن الشهید، ومحمد هو ابن سیرین.
ورواه أبو داود (٥١٨٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (١٠٧٦)، والبيهقي ٨/
٣٤٠ من طريق حماد عن حبيب، وهشام عن محمد، به.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود))، وقال في ((الإرواء) ٧/ ١٧: سنده
صحيح على شرط مسلم.
ويشهد لهذا الحديث ما سيأتي معلقًا في كتاب: الاستئذان، باب: إذا دعي الرجل
فجاء هل يستأذن؟ قبل حديث (٦٢٤٦) قال البخاري: وقال سعيد، عن قتادة، عن
أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه قال: هو إذنه.
وهناك إن شاء الله تذكر من وصله، فانظر تخريجه هناك، وانظر: ((الإرواء))
(١٩٥٥).
(٢) رواه أبو داود (٥٢٠١)، وأحمد ٣٠٣/١، ٣٢٥، والبخاري في ((الأدب المفرد)»
(١٠٨٥)، والنسائي في ((الكبرى)) ٦/ ٨٨ (١٠١٥٢ - ١٠١٥٣)، والبيهقي في =

٩٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن عَمرو
مولى آل عمر أنه دخل عَلَى عبد الله بن عمر بمكة، قَالَ: فوقفت عَلَى
الباب، فقلت: السلام عليكم، ثم دخلت، فنظر في وجهي، ثم قَالَ:
أخرج، قَالَ: فخرجت، ثم قلت: السلام عليكم، أأدخل؟ قَالَ:
أدخل الآن(١).
وقال عطاء: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قَالَ الرجل: أأدخل؟، ولم
يسلم، فلا تأذن له حَتَّى يأتي بمفتاح، قلت: السلام؟ قَالَ: نعم(٢).
ومن حديث إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي الزبير، والوليد أبي
المغيث، عن جابر قَالَ نبي الله وَِّ: ((من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له)) (٣)
وروى عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: كان الناس
((الشعب)) ٦/ ٤٤٠ - ٤٤١ (٨٨١٥)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٢/٣.
=
قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((المسند)) (٢٧٥٦، ٢٩٩٤): إسناده
صحيح. وقال الألباني في ((الأدب المفرد)) (١٠٨٥): صحيح الإسناد.
وأغرب الهيثمي فأورد الحديث في ((المجمع)) ٤٤/٨ وقال: رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح. فأوهم أن الحديث ليس في شيء من الكتب الستة، والحديث عند
أبي داود كما تقدم تخريجه. والله أعلم.
(١) ذكره ابن عبد البر في ((التمهيد)» ٢٠٣/٣ وفيه: عن عمر مولى آل عمر.
(٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)» ١٠٦٧، ١٠٨٣، ومن طريقه الخطيب في
((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ١/ ١٦٢ (٢٢٦) وصحح الألباني إسناده
في ((الأدب المفرد)).
(٣) رواه أبو يعلى ٣٤٤/٣ (١٨٠٩) من طريق معتمر بن سليمان، حدثنا أبو إسماعيل،
عن أبي الزبير والوليد بن عبد الله بن أبي المغيث عن جابر، به.
وأبو إسماعيل هو إبراهيم بن يزيد الخوزي، من أهل مكة.
ورواه البيهقي في ((الشعب)) ٦/ ٤٤١ (٨٨١٦)، والخطيب في ((الجامع)) ١/ ١٦٢
(٢٢٥) من طريق المعتمر، عن إبراهيم أبي إسماعيل، عن أبي الزبير عن جابر.
فروي هنا عن أبي الزبير وحده، دون الوليد.
=

٩١
كِتَابُ البُيُّوع
ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب(١)، فأمرهم الله تعالى بالاستئذان، ثم جاءهم
الله بالستور وبالخير، فلم أر أحدًا يعمل بذلك بعد(٢)، وأنكر رسول الله
وَلُّ عَلَى جابر حين دق الباب، فقال: ((من هذا؟)) قلت: أنا، قَالَ:
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ١/ ٣٧٢ من طريق معافى بن عمران، حدثنا
==
إبراهيم بن يزيد المكي، عن أبي الزبير، والوليد بن أبي مغيث، عن أحدهما
أو كلاهما عن جابر، عن عبد الله.
هكذا وقع هنا عن جابر عن عبد الله! وهو تحريف، تحرفت (بن) إلى (عن)
فصوابه: جابر بن عبد الله. والله أعلم.
ورواه أيضًا ابن عدي ١/ ٣٧١ - ٣٧٢، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان)) ١/ ٣٥٧ من
طريق علي بن هاشم عن إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن أبي الزبير عن جابر.
وإبراهيم بن يزيد الخوزي، ترجمه ابن حبان في ((المجروحين)) ١/ ١٠٠ وذكر له
هذا الحديث.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣٢/٨: فيه من لم أعرفه.
وانظر: ((الصحيحة)) (٨١٧)، ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣. وقال في ((الضعيفة)) ٢٢٢/٤: هو
حديث صحيح لطرقه وشواهده.
تنبيهان: الأول: ذكر المصنف -رحمه الله- في إسناد هذا الحديث: إبراهيم بن
إسماعيل، ويبدو أنه تحريف، فليس في إسناد الحديث راوٍ بهذا الاسم، إنما هو
إبراهيم بن يزيد الخوزي، كنيته أبو إسماعيل، فمن المحتمل أنه كتب (بن) بدل
(أبو) فصوابه: إبراهيم أبو إسماعيل.
الثاني: ذكر المصنف أيضًا في الإسناد: الوليد أبي المغيث، وصوابه: الوليد بن
أبي المغيث، كما تقدم في تخريج الحديث.
(١) كذا بالأصل: حجاب، وفي كل مصادر تخريج الحديث الآتي ذكرها حجال.
والحجال: قال الجوهري: والحَجَلة بالتحريك، واحدة حجال العروس، وهي
بيت يزين بالثياب والأسرَّة والستور ((الصحاح)) ٤/ ١٦٦٧.
وقال ابن الأثير: هي بيت كالقبة يستر بالثياب وتكون له أزرار كبار.
(٢) رواه أبو داود (٥١٩٢)، وابن أبي حاتم في ((التفسير)) ٨/ ٢٦٣٢ (١٤٧٨٧)،
والبيهقي ٧/ ٩٧، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٠٣/٣ - ٢٠٤، ١٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
=
قال أبو داود: حديث عبيد الله وعطاء يفسد هذا الحديث. وكذا قال البيهقي.

٩٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
((أنا))! فكرهه))(١)، والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا؛ ليجمع بينهما.
واختلفوا هل يستحب تقديم السلام، ثم الاستئذان أو عكسه، وقد
صح حديثان في تقديم السلام، فذهب جماعة إلى الأول، وقيل: يقدم
الاستئذان واختار الماوردي في ((حاويه)): إن وقعت عين المستأذن عَلَى
صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، وأما إذا
استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، فظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب،
أظهرها: أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان - ثانيها: يزيد فيه، ثالثها :
إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده(٢).
وقوله: (أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ): يعني: الخروج إلى التجارة،
وهُذا عَلَى معنى الذم لنفسه؛ لأن بخروجه إليه تحدث وقائع، فيفتي
= قلت: حديث عبيد الله وعطاء المعني رواه أبو داود (٥١٩١): سمع ابن عباس
يقول: لم يؤمر بها أكثر الناس -آية الإذن- وإني لآمر جاريتي هذِه تستأذن علي.
وكذا رواه البيهقي.
وتعقب الحافظ الذهبي تضعيف البيهقي لهذه الرواية، فقال في ((المهذب)) ٥٪
٢٦٧٤ (١٠٨٦٢): ما هي بضعيفة، فيكون لابن عباس في المسألة قولان.
والحديث أشار المنذري إلى تضعيفه فقال: قال بعضهم: هذا لا يصح عن ابن
عباس، هذا آخر كلامه.
وليس فيه ما يدل على أن عكرمة سمعه من ابن عباس، وفي إسناده عمرو بن أبي
عمرو، وهو وإن كان البخاري ومسلم قد احتجا به، فقد قال ابن معين: لا يحتج
بحديثه، وقال مرة: ليس بالقوي وليس بحجة، وقال مرة: مالك يروي عن عمرو،
وكان يضعف. اهـ ((مختصر السنن)) ٦٦/٨ - ٦٧.
وقال القرطبي في «تفسيره)) ١٢/ ٣٠٣: هذا متن حسن. وقال الحافظ ابن كثير في
((تفسيره)) ٢٧١/١٠: هذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٥١٩٢): حسن الإسناد موقوف.
(١) سيأتي برقم (٦٢٥٠)، ورواه مسلم (٢١٥٥).
(٢) انظر: ((الحاوي)) ٣١٥/١٤ ط / دار الفكر بيروت.

٩٣
- كِتَابُ البُيُّوع
فيها رسول الله وَله، فتفوته، وكان عمر يفعل ذَلِكَ للكفاف، حاشا أن
يقل من مجالسته وملازمته، فقد كان ◌َله كثيرًا ما يقول: ((فعلت أنا
وأبو بكر وعمر))، و((كنت أنا وأبو بكر وعمر)) (١)، ومكانهما منه عال،
لا يُقدر عَلَى نواله، وكان عمر من أزهد الناس؛ لأنه وجد فترك.
قَالَ المهلب: وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْ نِجَرَةً أَوْ لَمْوَا﴾
[الجمعة: ١١] قرنا به، فسماها عمر لهوًا مجازًا؛ لأن اللهو المذكور
في الآية غير التجارة للفصل بأو، وهو الدف عند النكاح وشبهه، فدل
هذا إنما أراد: شغلني البيع والشراء عن الملازمة في كل أحيانه،
حَتَّى حضر من هو أصغر مني ما لم أحضره من العلم (٢).
وفيه: أن الصغير قد يكون عنده ما ليس عند الكبير كما سلف، وإنه
يجب البحث وطلب الدليل عَلَى ما ينكره من الأقوال حَتَّى تثبت عنده.
(١) سيأتي برقم (٣٦٧٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب ..
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٦/ ٢٠٣.

٩٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١٠- باب التِّجَارَةِ فِي البَحْرِ
وَقَالَ مَطَرِّ: لَا بَأْسَ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي القُرْآنِ إِلَّا بِحَقِّ، ثُمَّ
تَلَا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[النحل: ١٤] وَالْفُلْكُ: السُّفُنُ، الوَاحِدُ وَالْجَمْيعُ سَوَاءٌ. وَقَالَ
مُجَاهِدٌ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ، وَلَا تَمْخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إِلَّا
الفُلْكُ العِظَامُ.
٢٠٦٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُزمُزَ، عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ في
البَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. وَسَاقَ الَحَدِيثَ. [حَذَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ
بِه]. [انظر: ١٤٩٨ - فتح: ٢٩٩/٤]
وَقَالَ اللَّيْثُ(١): حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ بَّوَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، خَرَجَ فِي
البَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. وَسَاقَ الحَدِيثَ.
الشرح: حديث أبي هريرة هذا سلف الكلام عليه في الزكاة في
باب: ما يستخرج من البحر ووصلناه(٢)، وما ذكره عن مطر -وهو
ابن طهمان الوراق(٣) - من استدلاله بالآية حسن؛ لأن الله تعالى
(١) ورد فوق الكلمة لفظه (معلق).
(٢) سلف برقم (١٤٩٨).
(٣) ورد بهامش (ص) تعليق نصه: قال ابن حجر: الرواية الصحيحة: قال: مطر وهو
شيخ البخاري وهو الوراق البقري مذكور في التابعين وقد خرج أبو حاتم عن مطر
الوراق أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسًا ويقول: ما ذكره الله في القرآن إلا بحق،
قال: ومطرف تصحيف. والله أعلم.
قلت: أنظر: ((الفتح)) ٢٩٩/٤، و((تغليق التعليق)) ٢١٣/٣ - ٢١٤، و((اليونينية)) =

٩٥
= كِتَابُ البُيُوع
جعل تسخير البحر، لعباده؛ لابتغاء فضله من نعمه التي عدها لهم،
وأراهم في ذَلِكَ عظيم قدرته، وسخر الرياح باختلافها تحملهم
وترددهم، وهذا من عظيم آياته، ونبههم عَلَى شكره عليها بقوله:
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذه الآية في سورة فاطر [فاطر: ١٢]، وأما التي
في النحل وهي: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ﴾ [النحل: ١٤]
بالواو، وما ذكره البخاري في الفلك لائح وهو قول أكثر أهل اللغة
كما قَالَ ابن التين، ودليله في القرآن: ﴿حَتَّىَ إِذَا كُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] وقال في أخرى: ﴿فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]
فأجراه مرة عَلَى حكم الجمع، ومرة عَلَى حكم الإفراد، وقيل: هو
جمع، والسفن: جمع سفينة.
قَالَ ابن سيده: سميت سفينة؛ لأنها تسفن وجه الماء، أي: تقشره،
فعيلة بمعنى فاعلة، والجمع سفان وسفن وسفين(١). قلت: والسفان:
صاحبها، وواحد الفُلْك: فَلَك بفتح اللام، مثل أُسْد وأَسَد، وتذكر
وتؤنث كما قَالَ القزاز.
وأثر مجاهد(٢) يريد به تفسير ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢]
والمخر في اللغة: الشق، يقال: مخرت السفينة، تمخَر، وتمخُر إذا
شقت الماء وسمعت لها صوتًا، وذلك عند هبوب الرياح. وقيل:
المخر: الصوت، والريح: تصوت السفينة، والفلك أيضًا: تصوت
٥٦/٣. والتعليق عزا الحافظ وصله إلى ابن أبي حاتم في «تفسيره)). وهو في
=
((التفسير)» ٧/ ٢٢٧٨ (١٢٤٨٢) معلقًا.
(١) ((المحكم)) ٨/ ٣٤٣. وفيه: والجمع سفائن وسفن وسفين.
(٢) وصله الفريابي في ((تفسيره)) كما في ((التغليق)) ٢١٤/٣ وهو في «تفسير ابن أبي
حاتم)) (١٢٤٨٦) معلقًا.

٩٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
الريح، فلعله يريد أن السفن تمخر من الريح، وإن صغرت أي: تصوت.
والريح لا تمخر، أي لا تصوت إلا من كبار السفن؛ لأنها إن كانت
عظيمة صوت الريح، فأسقط مجاهد ﴿فِى﴾ فيقرأه ﴿الفُلْكَ﴾ بالنصب،
وفي خفضه قول آخر، ليس ببين، وتصحيح الكلام: فلا تمخر الريح
من السفن إلا العظام.
وحديث الخشبة في الذي تسلف المال وأرسله في البحر فيه إباحة
التجارة فيه ورکوبه.
قَالَ الداودي: وأتى به، لأنه ◌َّي لم يكن ليتحدث بما لا فائدة فيه،
فذكره ليتأسی به، ويرد قول من منع ركوبه، في إبان ركوبه وهو قول
يروى عن عمر أنه كتب إلى عمرو بن العاصي يسأله عن البحر، فقال:
خلق عظيم، يركبه خلق ضعيف، دور(١) عَلَى عود، فكتب إليه عمر
أن لا يركبه أحد طول حياته(٢)، فلما كان بعد عمر لم يزل يركب
حَتَّى كان عمر بن عبد العزيز فاتبع فيه رأي عمر، وسيأتي هذا في
الجهاد في باب ركوبه(٣) إن شاء الله.
منع عمر إنما كان لشدة شفقته عَلَى المسلمين، ولما حفر عمرو بن
العاص البحر ووصله إلى عمر خرج إليه واستبشر بما حمل إليه من الميرة
وغيرها، وكان ذلك عن إذنه، كما ذكره ابن عبد الحكم وغيره. وإذا كان
الرب جل جلاله قد أباح ركوبه للتجارة، فركوبه للحج والجهاد أجوز،
(١) كذا بالأصل، وفي ((ثقات ابن حبان)) ٢٢١/٢، و((عمدة القاري)) ٩/ ٢٥٩: دود.
بدالین بینهما واو.
(٢) ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢٢١/٢
(٣) انظر: حديث أنس الآتي برقم (٢٨٩٤ - ٢٨٩٥) باب: ركوب البحر. وشرح
المصنف عليه.

٩٧
كِتَابُ البُيُّوع
ولا حجة لأحد مع مخالفة الكتاب والسنة، وأما إذا كان إِيَّان
(إلجاجه)(١) فالأمة مجمعة عَلَى أنه لا يجوز ركوبه؛ لأنه تعرض
للهلاك وقد نهى الله عباده عن ذَلِكَ بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى الَّْكَةِ﴾.
[البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَا نَقْتُلُوْاْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
[النساء: ٢٩] ولم يزل البحر يُركَب في قديم الزمان، ألا ترى إلى
ما ذكر في هذا الحديث أنه رُكب في زمن بني إسرائيل، فلا وجه
لقول من منع ركوبه.
(١) ورد بهامش الأصل: لعله: التجاجه.
قلت: وفي شرح ابن بطال ٦/ ٢٠٤: (ارتجاجه) وهو أوجه.

٩٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١- باب ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَّا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]
وَقَوْلُهُ جَلَّ جلاله: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[النور: ٣٧] وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ القَوْمُ يَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا
نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللهِ لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرٍ
اللهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ.
٢٠٦٤ - حَدَّثَنِي نُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ◌ُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالمٍ بِنٍ
أَبِي الَجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ، وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌َِ
الْجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَّ آثْنَي عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿ وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا
أَنْفَضُّوَاْ إِلَيْهَا وَتَكُوكَ قَآَيِمًا﴾ [الجمعة: ١١] [انظر: ٩٣٦- مسلم: ٨٦٣ - فتح: ٣٠٠/٤]
ثم ذكر قول قتادة السالف قريبًا في باب التجارة في البر إلى قوله:
(حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾(١).
وذكر حديث جابر السالف قريبًا (٢). في مثل الباب المذكور، وستأتي
حكمته، وشيخ البخاري فيه: محمد هو بن سلام البيكندي، قاله
الدمياطي والمزي(٣).
والعير: الإبل تحمل الميرة.
(١) سلف قبل حديث (٢٠٦٠ - ٢٠٦١).
(٢) سلف برقم (٢٠٥٨). وأول مواضع هذا الحديث في كتاب: الجمعة، باب: إذا
نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة حديث (٩٣٦).
(٣) قاله المزي في ((تحفة الأشراف)) ١٧٤/٢.
وهو ما جزم به الكرماني في ((شرحه)) ٩/ ١٩٤، وزكريا الأنصاري في ((المنحة)) ٤/
٤٩٦، ولم ينسبه الحافظ في ((الفتح)) ٣٠٠/٤.
ونسبه في ((هدي الساري)) ص ٢٣٩ فقال: قال البخاري في البيوع: حدثنا محمد
حدثنا ابن فضيل، محمد هو ابن سلام به جزم ابن السكن. اهـ بتصرف.

٩٩
= كِتَابُ البُيُّوع
وقوله: (إِلَّا أَثْنَي عَشَرَ رَجُلًا)، أجاز الكوفيون رفع (اثني عشر)،
ومنعه البصريون، وإنما ذكر الآية في الترجمة لمنطوقها وهو الذم،
وتقدم ذكرها في باب الإباحة لمفهومها، وهو تخصيص ذمها بحالة
اشتغل بها عن الصلاة والخطبة، نبه عليه ابن المنير(١).
(١) ((المتواري)) ص ٢٣٧.

١٠٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
١٣- باب مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ في الرِّزْقِ
٢٠٦٧- حَدَّثَنَا يُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الكِزْمَانُّ، حَذَّثَنَا حَسَانُ، حَذَّثَنَا يُونُسُ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ:
((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)). [٥٩٨٦- مسلم:
٢٥٥٧- فتح: ٣٠١/٤]
ذكر فيه حديث أنس: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ
يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقه أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وخرجه من حديث أبي هريرة
أيضًا، (١) ومحمد الراوي عن أنس هو الزهري، وأخرجه البخاري في
الأدب عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب(٢).
وشيخ البخاري محمد بن أبي يعقوب الكرماني، هو محمد بن
إسحاق بن منصور بصري، مات سنة أربع وأربعين ومائة.
و( (يُنْسَأَ)) ) مهموز أي: يؤخر وهو رباعي أنسأ الله أجله ونسأ الله في
أجله. والأثر -مفتوح الهمزة والثاء- باقي الأجل.
قَالَ کعب بن زهير :
والمرء ما عاش ممدود له أجل لا تنتهي العين حَتَّى ينتهي الأثر
وفي الحديث: إباحة اختيار الغنى عَلَى الفقر، وسيأتي بسطه في
الرقاق، وجملة من الباب في الأدب في باب: من بسط له في الرزق
لصلة الرحم(٣)، إن شاء الله، ولا تعارض بينه وبين حديث: ((يجمع خلق
(١) مسلم (٢٥٥٧، ٢٥٥٨) كتاب: البر والصلة، باب: صلة الرحم وتحريم قطعها.
(٢) يأتي برقم (٥٩٨٦) باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم.
(٣) الحديث الآتي برقم (٥٩٨٥).