Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
وقال الكوفيون: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في
مسجد الجماعة وذلك مكروه. واحتجوا بأن الشارع نقض اعتكافه؛ إذ
تبعه نساؤه، وهذا إنكار عليهن(١). قالوا: وقد قال القليّة: ((صلاة
المرأة في بيتها أفضل))(٢)، فإذا مُنِعَتْ من المكتوبة في المسجد مع
وجوبها فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى، ولما كان
صلاة الرجل في المسجد أفضل، كان اعتكافه فيه أفضل. وحجة
مالك: أنه التَّ لما أراد الاعتكاف أذن لعائشة وحفصة في ذَلِكَ، وقد
جاء هذا مبينًا في باب: من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج، كما
ستعلمه، ولو كان المسجد غير موضع اعتكافهن لما أباح ذَلِكَ لهن
منه، ولا يجوز أن يظن أنه نقض اعتكافه ولكن أخره تطييبًا لقلوبهن؛
لئلا يجعل معتكفًا وهن غير معتكفات، وإنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه كره أن
يكنَّ مع الرجال في مسجده؛ لأنه موضع الاجتماع والوفود ترد عليه
فيه، وهذا كما يستحب لهن أن يتعمدن الطواف في الأوقات الخالية،
وكما يكره للشابات منهن الخروج للجمع والأعياد، فإذا أردن أن
يصلين الجمع لم يجز إلا في الجامع مع الرجال.
(١) سيأتي قريبًا (٢٠٤٥)، ورواه مسلم (١١٧٣).
(٢) رواه أبو داود (٥٧٠)، والبزار في ((البحر الزخار)) ٥/ ٤٢٦ - ٤٢٨ (٢٠٥٩-
٢٠٦٠، ٢٠٦٣)، وابن خزيمة ٣/ ٩٤ - ٩٥ (١٦٨٨، ١٦٩٠)، والحاكم ١/
٢٠٩، وابن حزم في ((المحلى)) ١٣٩/٣ - ١٣٧، والبيهقي ١٣١/٣، وابن
عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣/ ٣٩٨ عن ابن مسعود، مرفوعًا به.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وقال النووي في ((المجموع)) ٤/ ٩٣، وفي ((الخلاصة)) (٢٣٤٧)، والألباني في
(«صحيح أبي داود)) (٥٧٩): إسناده صحيح على شرط مسلم.
وقال الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) ١٥١/١١: إسناده جيد.

٦٤٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
وفيه كما قال ابن المنذر دلالة أيضًا أن المرأة إذا أرادت اعتكافًا لم
تعتكف حَتَّى تستأذن زوجها، ويدل على أن الأفضل في حق النساء لزوم
منازلهن وترك الاعتكاف مع إباحته لهن؛ لأن ردهن منه دال على ذَلِكَ،
وقد ترجم عليه أيضًا:

٦٤٣
أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
=
٧- باب الأَخْبِيَةِ في المَسْجِدِ
٢٠٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ ◌َرَادَ أَنْ يَغْتَكِفَ، فَلَمَّا
أَنْصَرَفَ إِلَى المَكَانِ الذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا أَخْبِيَةٌ خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ،
وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ: ((أَلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟!). ثُمَّ أَنْصَرَفَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ، حَتَّى
أَعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤ / ٢٧٧]
وفيه من الفقه: أن المعتكف يهيئ له مكانًا فيه بحيث لا يضيق على
المسلمين كما فعل الشارع؛ إذ ضرب فيه خباء.
وفيه: أن المعتكف إذا أراد أن ينام في المسجد أن يتنحى عن الناس
خوف أن يكون ما يؤذيهم من آفات البشر.
وفيه: إباحة ضرب الأخبية في المسجد للمعتكف.
قال مالك: وليعتكف في عجز المسجد ورحابه، فذلك الشأن فيه(١).
وقوله: ( ((آلبرَّ تردن؟))(٢): هو بهمزة الاستفهام ومده على وجه
الإنكار، ونصبه ((البر)) على أنه مفعول ((تردن)) مقدمًا، وذكره في باب:
الاعتكاف في شوال ((آلبر؟ انزعوها فلا أراها) فنزعت(٣)، وضبط
الدمياطي ((آلبر" بالرفع أيضًا (٤).
(١) انظر ((التاج والإكليل)) ٣/ ٣٩٦.
(٢) هكذا ذكر المصنف هنا: ((أكبر تردن))، وجاء في ((الفتح)) ٢٧٥/٤، وكذا في
((صحيح البخاري)) ط. دار إحياء الكتب العربية ٣٤٥/١: ((البر ترون))، وجاء في
((حاشية اليونينية)) ٤٩/٣ أنه وقع في نسخة ابن عساكر: ((تردن)). والله أعلم.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (٢٠٤١).
(٤) ورد بهامش الأصل: ضبطه بهما وكتب فوقه (معا) كذا رأيته.

٦٤٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال ابن التين: كذا وقع في أكثر النسخ ((فلا أراها)) بالألف، وصوابه
بحذفها؛ لأنه مجذوم بالنهي، وهو مثل: (أريتك هذا)، ويجوز إثبات
الألف مثل: ألم يأتيك والأنباء تنمى. وقال الخطابي: ((آلبر تقولون
بهن)) معناه: البر تظنون بهن. قال الشاعر:
متى تقول القلص الرواسما يحملن أم قاسم وقاسما
أي: متى تظن(١) القلص يلحقهما، ولذلك نصب القلص.
قال الفراء: تجعل ما بعد القول مرفوعًا على الحكاية فتقول: عبد الله
ذاهب. وقلت: إنك قائم. هذا في جميع القول إلا في (أتقول) وحدها في
حروف الاستفهام، فإنهم ينزلونها منزلة الظن فيقولون: أتقول إنك
خارج؟ ومتى تقول إن عبد الله منطلق؟ وأنشد:
أما الرحيل فدون بعد غدٍ فمتى تقول الدار تجمعنا
(١) ((أعلام الحديث)) ٢ / ٩٨٦ - ٩٨٧.
ووقع فيه، وفي «غريب الحديث)) ٣٣٥/١ له، وفي ((الفائق)) للزمخشري ٢٣٣/٣.
يلحقن أم عاصم وعاصما
متى تقول القلص الرواسما
وجاء في ((شرح ابن عقيل)) ٢/ ٥٩ كما هو هنا:
يحملن أم قاسم وقاسما.
متى تقول القلص الرواسما
وجاء في ((الجمل في النحو)) ص ١٧٤ للخليل:
يلحقن أم غانم وغانما.
متى تقول القلص الرواسما
وجاء في ((الشعر والشعراء)) ص ٤٦٠ :
يبلغن أم قاسم وقاسما.
متى نظن القلص الرواسما
وجاء في ((شرح شذور الذهب)) ص ٤٥٤، و(تاج العروس)) ١٠/ ٦٤١، و((لسان
العرب)) ٦/ ٣٧٧٩ و(التاج)) ١٧/ ٥٤١، و((اللسان)) ٣٤٤١/٦.
يدنين أم قاسم وقاسما.
متى تقول القلص الرواسما
وقائل البيت هو: هدية بن خشرم العذري، كما في ((الشعر والشعراء)) ص ٤٦٠،
وكذا صرح باسمه ابن منظور والزبيدي.

٦٤٥
أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
=
بنصب (الدار) كأنه يقول: فمن يظن الدار تجمعنا، وأجاز سيبويه
الرفع في قوله: الدار تجمعنا على الحكاية، وهو في معنى الإنكار
عليهن، وقيل: إنما كرهه للتنافس فيضيق المسجد وقيل: خشية
الافتراض فيعجزن، وأبعد من قال: لأنهن لم يعتكفن عن إذنه. فقد
أستأذنته عائشة وحفصة كما سلف (١)، وقيل: إنما أردن الحفوف به
والمؤانسة لا البر.
وقولها: (فيصلي الصبح ثم يدخله)، احتج به من يقول يبدأ
بالاعتكاف من أول النهار. وبه قال الأوزاعي، والليث في أحد
قوليه(٢)، واختاره ابن المنذر، وذهبت الأربعة والنخعي إلى جواز
دخوله قبل الغروب إذا أراد اعتكاف عشرٍ (٣) أو شهرٍ، وتأولوا أنه
دخل المعتكف، وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح؛ لأن
ذَلِكَ وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان قبل المغرب معتكفًا لابثًا في
المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. وقال الداودي: يحتمل أن يكون
ذَلِكَ اليوم أو يكون دخل الاعتكاف أول الليل، ولم يدخل الخباء
إلا بعد ذَلِكَ. وقال أبو ثور: إن أراد اعتكاف عشرة أيام دخل قبل
الفجر، وإن أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل الغروب.
وهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة
العيد فيصلي، وحينئذٍ يخرج إلى منزله، أو يجوز له أن يخرج عند
الغروب من آخر يوم من شهر رمضان؟ قولان للعلماء:
(١) حديث (٢٠٣٣).
(٢) انظر: ((مختصر اختلاف العلماء)) ٢/ ٥٠، ((المغني)) ٤ / ٤٩٠.
(٣) أنظر ((مختصر اختلاف العلماء)) ٥٠/٢، ((المدونة)) ١٩٦/١، ((الأم)) ٩٠/٢،
((المغني)) ٤ / ٤٨٨.

٦٤٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ===
الأول: قول مالك، وأحمد وغيرهما، وسبقهم أبو قلابة وأبو
مجلز، وحكاه مالك عن أهل الفضل، واختلف أصحاب مالك إذا لم
يفعل هل يبطل اعتكافه أم لا؟ قولان. قال عبد الملك وابن سحنون:
من دخل بعد الغروب أسقط ذَلِكَ اليوم، وقال القاضي أبو محمد:
هذا على الاستحباب، وأما الواجب فهو أن يدخل في وقت يمكنه أن
ينوي الصوم فيه، وهو قبل طلوع الفجر؛ لأن الاعتكاف لا يصح
إلا بصوم، وذهب الشافعي(١) والليث والأوزاعي في آخرين إلى أنه
يجوز خروجه ليلة الفطر ولا يلزمه شيء.
وفيه: أن عائشة كانت تلزم أموره ولا تضيعها في حال القسم حيث
ضربت له الخباء.
وفيه: معرفة حفصة بحق عائشة، ومنافسة زينب في الخير، وهي
التي كانت تسامي عائشة.
خاتمة: حديثا الباب من رواية عمرة عن عائشة، وذكره(٢) ابن التين
من رواية عمرة: أن رسول الله وَله، ثم قال: هو مرسل، وإنما أدخله
لاختلاف الرواية فيه؛ لأنها أسندته قبل هذا(٣)، وفي بعض روايات
أبي ذر: عن عمرة، عن عائشة. قلت: ولم نقف على غيره (٤).
(١) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٩٠/٢ - ٩١، ((روضة الطالبين)) ٢/ ٣٨٩، ((المغني))
٤ / ٤٩٠
(٢) ورد في هامش الأصل: يعني الثاني.
(٣) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٧٧/٤: وقع في أكثر الروايات: عن عمرة عن عائشة،
وسقط قوله: عن عائشة، في رواية النسفي والكشميهني، وكذا هو في ((الموطأت))
كلها أهـ وانظر: ((اليونينية)) ٤٩/٣.
(٤) ورد بهامش الأصل: في نسختي كما قال ابن التين عن عمرة أن رسول الله وبينها
إشارة إلى الإرسال، وصرح في الهامش عن عائشة، وكتب عليه كلمة: صح.

٦٤٧
أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
٨- باب هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ؟
٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنٍ عَلِّ بْنُ
الْحُسَيْنِ رضي الله عنهما أَنَّ صَفِيَّةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ◌ََّ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ
وَّ تَزُورُهُ فِي أَعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ
سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ◌ََّ مَعَهَا يَقْلِيُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ
عِنْدَ بَابٍ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنٍ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَقَالَ لَّهُمَّا
النَّبِيُّ وََّ: ((عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبِيٍّ)). فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ
يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ
الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا)). [٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١،
٦٢١٩، ٧١٧١ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٢٧٨/٤]
ذكر فيه حديث صَفِيَّةَ - أم المؤمنين - أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ وَلِ تَزُورُهُ
فِي أَعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ
سَاعَةٌ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ بِّهِ مَعَهَا يَقْلِبُهَا .. الحديث.
وترجم له:

٦٤٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
١١- باب زِيَارَةِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا في اعْتِكَافِهِ
٢٠٣٨- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَتْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
خَالِدِ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنهما، أَنَّ صَفِيَّةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ
وَلِّ - أَخْبَرَتْهُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
الْحُسَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ وَِّ فِي المسْجِدِ وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ، فَرُخْنَ، فَقَالَ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ:
((لاَ تَعْجَلِي حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ)). وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّ مَعَهَا،
فَلَقِيَهُ رَجُلاَنٍ مِنَ الأَنَّصَارِ، فَتَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ ثُمَّ أَجَازَا، وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ◌َ:
(تَعَالَيَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبِيٍّ)). قَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرى الدَّم، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا)).
[انظر: ٢٠٣٥ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٢٨١/٤]
وذكر أن بيت صفية كان في دار أسامة خارج المسجد، خرج معها،
ولا خلاف في جواز خروج المعتكف فيما لا غناء به، وإنما اختلفوا في
المعتكف يدخل لحاجته تحت سقف، فأجازه الزهري ومالك وأبو
حنيفة، والشافعي(١)، وفيه قول ثانٍ بالمنع روي عن ابن عمر والنخعي
وعطاء(٢) وإسحاق. وثالث: إن دخل بيتًا غير مسجد بطل اعتكافه
إلا أن يكون ممره فيه، وهو قول الثوري والحسن بن حي، وكذلك
اختلفوا في استقلاله بالأمور المباحة؛ فقال مالك في ((الموطأ)):
(١) ((مختصر الطحاوي) ص ٥٨، ((المدونة)) ٢٠٢/١ - ٢٠٣، ((البيان)) ٥٨٦/٣.
(٢) رواه عبد الرزاق ٣٦٥/٤ - ٣٦٦ (٨٠٨٩ - ٨٠٩٠) عن عطاء.
ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٦ (٩٦٥٣، ٩٦٥٥ - ٩٦٥٦) عن ابن عمر وإبراهيم
النخعي وكذا عكرمة.

٦٤٩
أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
=
لا يأتي المعتكف حاجته، ولا يخرج لها ولا يعين أحدًا عليها ولا يشتغل
بتجارة ولا بأس أن يأمر أهله ببيع ماله، وصلاح صنعته(١)، وقال
أبو حنيفة، والشافعي: له أن يتحدث ويبيع ويشتري في المسجد،
ويتشاغل بما لا يأثم فيه، وليس عليه صمت (٢). وقال مالك:
لا يشتري إلا ما لا غناء له عنه من طعامه إذا لم يكن من يكفيه (٣).
وكره مالك والليث الصعود على المنارة قالا: ولا يصعد على ظهر
المسجد، وأجاز ذَلِكَ أبو حنيفة والشافعي قالا: ولو كانت المنارة
خارج المسجد (٤). وكذلك اختلفوا في حضور مجالس العلم، فرخص
في ذلك كثير من العلماء، روي ذلك عن عطاء والأوازعي والليث
والشافعي ، وقال مالك: لا يشتغل بمجالس العلم. وكره أن يكتب
(٥)
العلم(٥).
قال ابن المنذر: وطلب العلم أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض؛
لانتشار الجهل ونقصان العلم، وذلك إذا أراد الله به طالبه. عمل البر
لا ينافي الاعتكاف، لا يقال: مجالس العلم شاغلة له عن اعتكافه
فأي شغل أهم منه، ولا يعترض بعود المريض وتباع الجنازة وهما من
أعمال البر؛ لأنهما يحوجان إلى الخروج، وهذا الحديث حجة على
الاشتغال بالمباح؛ فإن الشارع حادث صفية ومشى معها، وفيه
(١) ((الموطأ)» ص ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٢) ((مختصر الطحاوي)) ص ٥٧، ((روضة الطالبين)) ٣٩٢/٢.
(٣) أنظر: ((النوادر والزيادات)) ٩٢/٢.
(٤) انظر: ((مختصر الطحاوي)) ص ٥٨، (النوادر والزيادات)) ٩٤/٢، ((البيان)) ٣/
٥٨٧.
(٥) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٩٣/٢.

٦٥٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ما ترجم له . - ثانيًا- وهو زيارة أهل المعتكف له في اعتكافه ومحادثته
والسلام عليه، وأنه لا بأس أن يعمل في اعتكافه بعض العمل الذي
ليس من الاعتكاف من تشييع قاصد، وبر زائر، وإكرام (معتقد)(١)،
وما كان في معناه مما لا ينقطع به عن اعتكافه.
وقوله: (قامت تنقلب) أي: تنصرف إلى منزلها، يقال: قلبه يقلبه،
وانقلب هو: إذا أنصرف.
وقوله: (مر رجلان من الأنصار) كذا في البابين، وفي رواية سفيان
بعد هذا في باب: هل يدرأ المعتكف عن نفسه. أنه كان رجلًا واحدًا(٢).
قال ابن التين: ولعله وهم؛ لأن أكثر الروايات أنهما أثنان، ويحتمل أن
هذا كان مرتين، أو أنه التكّة أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر،
فيصح على هذا نسبة القصة إليهما جميعًا وأفرادًا، نبه عليه القرطبي (٣).
وقولها: (فسلما) فيه جواز التسليم على رجل معه امرأة بخلاف
ما يقوله بعض الأغبياء.
وقوله: ( ((على رسلكما)) أي: على هينتكما. قال ابن فارس:
الرسل: السير السهل (٤)، وضبطه بالفتح وهذه اللفظة بكسر الراء
وبالفتح، قيل: بمعنى التؤدة وترك العجلة. وقيل: بالكسر التؤدة،
وبالفتح: اللين والرفق. والمعنى متقارب، وفي رواية ((تعاليا))(٥)،
أي: قفا ولم يرد المجيء إليه. قال تعالى: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية
[آل عمران: ٦٤]، وقال ابن التين: كذا قال الداودي أن معناه قفا هنا،
(١) يأتي برقم (٢٠٣٩).
(٣) ((مجمل اللغة)) ٣٧٦/٢.
(٢) ((المفهم)) ٥٠٦/٥.
(٤) الرواية الآتية (٢٠٣٨).
(٥) كذا بالأصل، أو كأنها (معتقه) ووقع في ((شرح ابن بطال)) (مفتقر). والله أعلم
بالصواب.

٦٥١
- أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
وأخرجه عن معناه وهو تكلما بغير دليل واضح، وقد قال ابن قتيبة: تعال
تفاعل من علوت(١).
قال الفراء: أصلها عال إلينا وهو من العلو، ثم إن العرب لكثرة
استعمالهم إياها صارت عندهم بمنزلة هلم، حَتَّى أستجازوا أن يقولوا
لرجلٍ وهو فوق (شرف)(٢): تعالى- أي: أهبط- وإنما أصله الصعود.
وقوله: ((إنما هي صفية بنت حيي)) فيه: النسبة إلى الأب الكافر.
وقوله: ((إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا)) وفي رواية:
((شرًّ))(٣)، يريد بذلك شفقته على أمته وصيانة قلوبهم، فإن ظن السوء
بالأنبياء عليهم السلام كفر بالإجماع.
قال الخطابي: وبلغني عن الشافعي أنه قال في معنى هذا الحديث:
خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما
في حق الدين (٤).
وقيل: فعله تعليمًا لنا لرفع الظنون، وقد يكون الأنصاريان في أول
الإسلام، ولم يكن عندهما من اليقين ما يدفع به كيد الشيطان، لكن
رأيت من قال: قيل: إنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر(٥) صاحبا
(١) ((غريب الحديث)) ٧٤٣/٣.
(٢) بهامشها: لعله (مشربة).
(٣) رواه مسلم (٢١٧٥/ ٢٤).
(٤) ((أعلام الحديث)) ٩٨٩/٢.
وينظر ((مناقب الشافعي)) ٣٠٩/١- ٣١٠ و٢٤١/٢.
(٥) كذا نقله العيني في ((العمدة)) ٩/ ٢٢٨، وجزم به زكريا الأنصاري في ((المنحة)) ٤/
٤٦٥، وعزاه الحافظ في ((هدي الساري)) ص ٢٧٨ لابن العطار في ((شرح
العمدة))، وكذا في ((الفتح)) ٤/ ٢٧٩ فقال: إلا أن ابن العطار في ((شرح العمدة))
زعم أنهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا.
==

٦٥٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
المصباحين(١). ولما ذكر البزار حديث صفية هذا قال: هذِه أحاديث
مناكير؛ لأنه اللّه كان أطهر وأجل من أن يرى أن أحدًا يظن به ذَلِكَ،
ولا يظن به ظن السوء إلا كافر أو منافق فقيل له: لو كان حقًّا كما
قلت لما احتاج إلى الاعتذار؛ لأن الكفر بالله أعظم من ذَلِكَ، وإن
كان منافقًا فحاله حال الكافر، وإن كان مسلمًا قيل: هذا الظن به
يخرجه من الإسلام. فهذِه الأخبار عندنا ليست ثابتة، فإن قيل:
قد رواها قوم ثقات، ونقلها أهل العلم بالأخبار. قيل له: العلة التي
بيناها لا خفاء بها، ويجب على كل مسلم القول بها والذب عن
رسول الله ◌ّر، وإن كان الراوي لها ثقات فلا يعرون من الخطأ
والنسيان والغلط.
وقال أبو الشيخ عند ذكره هذا الحديث وبوب له قال: إنه غير
محفوظ.
وفيه: استحباب التحرز من التعرض لسوء الظن وطلب السلامة
والاعتذار بالأعذار الصحيحة تعليمًا للأمة.
= وأورد الخطيب البغدادي الحديث في ((الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)) ص
١٤٦ - ١٤٧، وكذا ابن بشكوال في ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٧٥/١ - ٧٦ ولم
يسميا الرجلان، فالله أعلم.
(١) سلف برقم (٤٦٥) عن أنس: أن رجلين من أصحاب النبي ◌َّ خرجا من عند النبي
42* في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار
مع كل واحد منهما واحد، حتى أتى أهله.
وهذان الرجلان هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر؛ كما سيأتي مصرحًا باسمهما
في حديث (٣٨٠٥) وهناك بوب البخاري: باب: منقبة أسيد بن حضير وعباد بن
بشر رضي الله عنهما.
ولذا سميا: صاحبا المصباحين.

٦٥٣
أبْوَابُ الاعْتِكَافِ
=
وقوله: ( ((يبلغ وفي الرواية الأخرى: يجري(١) - من ابن آدم مجرى
الدم) ) قيل: هو على ظاهره، وأن الله تعالى جعل له قوة على ذَلِكَ،
وقيل: مجاز لكثرة أعوانه ووسوسته، فكأنه لا يفارق الإنسان كما
لا يفارقه دمه، وقيل: إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن،
فتصل الوسوسة إلى القلب. وزعم ابن خالويه في كتاب ((ليس)) أن
الشيطان ليس له تسلط على الناصية وعلى أن يأتي العبد من فوقه. قال
تعالى: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيَدِهِمْ وَمِنْ خَلِفِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧] ولم يقل:
من فوقهم؛ لأن رحمة الله تنزل من فوق.
وقوله: ( ((وكبر عليهما)) ) أي: عظم، قاله الداودي.
وفيه: بيان ما يخشى أن يظن به.
وفيه: دلالة على أن للمعتكف الاشتغال بالمباح كما وقع له مع
صفية، وقد سلف.
فرع: إذا خرج المعتكف لحاجته قنع رأسه حَتَّى يرجع، أخرجه ابن
أبي عاصم من حديث أنس مرفوعًا كذلك(٢).
فرع :
لا يتعدى في خروجه أقرب المواضع إليه، فإن خالف أبتدأ
اعتكافه، قاله مالك فيما نقله ابن العربي قال: ولا يقف لأداء شهادة
إلا ماشيًا، فإن وقف ابتدأ، ولا يعزِّي أحدًا، ولا يصلي على جنازة
إلا في المسجد، ولا يخيط ثوبه، إلا الشيء المفتق.
(١) الآتية برقم (٢٠٣٩).
(٢) رواه من طريقه المزي في (تهذيب الكمال)) ٤٦٧/١٦. وانظر: ((الضعيفة))
(٤٦٧٩).

٦٥٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -
قال: وأجمع العلماء على أن من وطئ زوجته في اعتكافه عامدًا
ليلاً كان أو نهارًا فسد اعتكافه (١). وروي عن ابن عباس ومجاهد
أنهما قالا: كانوا يجامعون وهم معتكفون حَتَّى نزلت ﴿وَلَا
تُبَشِرُوهُنَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وعن ابن عباس: كانوا إذا اعتكفوا
فخرج أحدهم إلى الغائط جامع أمرأته ثم أغتسل ورجع إلى اعتكافه،
فنزلت الآية.
واختلفوا فيما دونه من القبلة واللمس والمباشرة، فقال مالك: من
فعل شيئًا من ذَلِكَ ليلًا أو نهارًا فسد اعتكافه أنزل أو لم ينزل. وأظهر
أقوال الشافعي أنه إن أنزل بطل، وإلا فلا.
فرع :
خروجه مع صفية للتشييع؛ فإن خرج بغير علة بطل اعتكافه، وقال
النعمان: إن خرج ساعة بغير عذر أستأنف. وقال صاحباه: يومًا أو أكثر
من نصفه. وأجاز مالك إذا اشتد مرض أحد أبويه، ويبتدئ، ويخرج
للاغتسال من الحلم وللجمعة وللحر، كما سلف، وفي الخروج لشراء
الطعام خلاف، واختلف هل يدخل تحت سقف؟
فرع :
لو شرط في اعتكافه الخروج لعارض، صح الشرط عندنا على
الأظهر خلافًا لمالك.
(١) حكاه ابن المنذر في ((الإجماع)) (١٥٩).
وقال ابن حزم في ((مراتب الإجماع)) ص (٧٤): واتفقوا أن الوطء يفسد
الاعتكاف.
وانظر: ((الاستذكار)) ٣١٨/١٠ (١٥٠٤١)، و((الإقناع)) ٧٥٤/٢ (١٣٥٩).

٦٥٥
أبْوَابُ الاْتِكَافِ
تنبيه :
قوله: (وعنده أزواجه، فرحن، فقال لصفية: ((لا تعجلي حَتَّى
أنصرف معك))) . فيه: الأمر بما لابد للمعتكف منه. قال ابن التين:
والرواح من الزوال إلى الليل. وسيأتي عن سفيان أنه كان ليلًا(١)،
فيحمل كما قال الداودي: أن تقيم صفية بعدهن من الليل؛ لأن
الرواح إنما يكون نهارًا، ويرده قوله بعد: (فتحدثت عنده ساعة)
والجمع بينهما أن أزواجه رحن عقب الغروب، وأقامت هي ساعة
فقامت وقد دخل الليل، إلا أن في قول سفيان: أتته ليلًا(٢). يمنع من
هذا كله، والأحاديث أولى من قول سفيان؛ لأنه مرسل .
نعم البخاري روى في موضع آخر عن صفية: كان النبي وَّ معتكفًا
فأتيته أزوره ليلًا(٣).
وقوله: (فنظرا إلى النبي وَلّ ثم أجازا) أي: مضيا عنه وخلفاه. قال
ابن فارس: جزت الموضع: سرت فيه، وأجزته: خلفته وقطعته (٤).
(١) برقم (٣٢٨١).
(٢) حديث (٢٠٣٩).
(٣) الآتي برقم (٣٢٨١).
(٤) ((مجمل اللغة)) ٢٠٣/١.

٦٥٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٩- باب الاعْتِكَافِ،
وَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َلِِّ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ
٢٠٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
المُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنِي ◌َخْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ قَالَ:
سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدِ الْخُذْرِيَّ رضي الله عنه قُلْتُ: هَلْ سَمِعتَ رَسُولَ اللهِ وَ لَهِ يَذْكُرُ لَيْلَةً
القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ، أَعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَِّ العَشْرَ الأَوَسَطَ مِنْ رَمَضَانَ - قَالَ :-
فَخَرَجْنَا صَبِيحَةً عِشْرِينَ - قَالَ :- فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِّ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ:
(إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيْتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ ،
فَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ أَعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَالم
فَلْيَرْجِعْ)). فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا نَرىُ فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً - قَالَ :- فَجَاءَتْ
سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ وَّه في الطِّينِ وَالماءِ، حَتَّى رَأَيْتُ
الطِّينَ فِي أَزْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤ / ٢٨٠]
ذكر فيه حديث أَبي سَعِيدِ السالف وفيه: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَله
صَبِيحَةَ عِشْرِينَ .. الحديث.
والأرنبة هي المارن وهي طرف الأنف وحدُّه، وهو ما لان منه،
وسلف شرحه(١)، وأولنا رواية خطبته صبيحة عشرين، وسلف خروج
المعتكف، ويأتي أيضًا (٢)، وذكر في باب: من خرج من اعتكافه
بعد الصبح على أنفه وأرنبته(٣). وكرره لاختلاف اللفظ مثل: غرابيب
سود.
(١) راجع حديث (٢٠٢٧).
(٢) برقم (٢٠٤٠).
(٣) السابق.

٦٥٧
أبْوَابُ الاْتِكَافِ
=
وفيه: السجود على الأنف، وهو عندنا مستحب وفاقًا لابن القاسم
وخلافًا لابن حبيب ويعيد عند ابن القاسم من يسجد على الجبهة في
الوقت(١).
(١) انظر ((النوادر والزيادات) (١٨٥/١).

٦٥٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيـ
١٠- باب اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَةِ
٢٠٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَنِعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها قَالَتِ أَغْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ،
فَكَانَتْ تَرِى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ فَرُبَّمَا وَضَغْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهْيَ تُصَلِّى. [انظر: ٣٠٩-
فتح: ٤ / ٢٨١]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: أَعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ
مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا
وَهْيَ تُصَلِّي.
هو ظاهر فيما ترجم له، وهو اعتكاف المستحاضة، وهو إجماع،
وظاهره أنها دخلت بعد استحاضتها، واستنبط بعضهم كون النجاسة
في المسجد للضرورة وهو ماشٍ إن كانت الاستحاضة حدثت بعد.
قال الداودي: وضع الطست تحتها لا يمكن (إلا)(١) في حال القيام
وذكرت ذَلِكَ ليؤخذ به، والطست: مؤنثة، وسينه مهملة وتعجم أيضًا.
وفيه: اعتكاف المرأة مع زوجها إذا كان لها موضع تستتر فيه.
واختلف العلماء في المعتكفة تحيض، فقال الزهري وربيعة ومالك
والأوزاعي وأبو حنيفة، والشافعي: تخرج إلى دارها، فإذا رجعت
بنت(٢). وقال أبو قلابة: تضرب خباءها على باب المسجد إذا
حاضت(٣).
(١) من (م).
(٢) ((النوادر والزيادات)) ٩٥/٢، ((البيان)) ٣/ ٥٩٢، ((المغني)» ٤ / ٤٨٧.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢ / ٣٤٠ (٩٦٩٩).

٦٥٩
أَبْوَابُ الاعْتِكَافِ
فائدة :
هُذِهِ المعتكفة سَوْدة، وفي ((الموطأ)): أن زينب بنت جحش
أستحيضت وكانت تحت ابن عوف(١)، وهو وهم، إنما كانت تحت
زيد بن حارثة(٢)، والمستحاضة أختها حمنة، وأم حبيبة لا هي، نبه
على ذَلِكَ المنذري، وذكر بعضهم أن بنات جحش الثلاث أسمهن
زينب وأنهن استحضن كلهن، واستبعد. وقال ابن الجوزي: ما يعلم
في زوجاته مستحاضة، وكأن عائشة أرادت بقولها: (من نسائه) أي:
من النساء المتعلقات به بسبب صهارة وشبهها.
قلت: هذا مردود، فقد سلف في الطهارة أنها امرأة من أزواجه(٣)،
(١) ((الموطأ)) برواية يحيى الليثي ص ٦٢: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت
أبي سلمة، أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف،
وكانت تستحاض، فكانت تغتسل وتصلي.
وبنحوه في ((الموطأ)) برواية القعنبي (٩٣) لكن فيه: كانت عند عبد الرحمن بن
عوف.
وبنحوه في ((الموطأ)) برواية أبي مصعب الزهري ٦٩/١ (١٧٣) لكن فيه: أنها رأت
ابنة جحش. هكذا بإبهام اسمها.
(٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) ٢٢٧/٣: هكذا رواه يحيى وغيره عن مالك في
((الموطأ)) وهو وهم من مالك؛ لأنه لم تكن قط زينب بنت جحش تحت
عبد الرحمن بن عوف، وإنما كانت تحت زيد بن حارثة، ثم كانت تحت رسول الله
** وإنما التي كانت تحت عبد الرحمن أم حبيبة بنت جحش.
وقال العلامة ابن القيم في ((الحاشية)) ١٨٨/١: وقع في ((الموطأ)): أن زينب بنت
جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، استشكل ذلك بأنها لم تكن تحت
عبد الرحمن، وإنما كانت عنده أختها أم حبيبة.
وانظر ما سيأتي برقم (٤٧٨٧، ٧٤٢)، وما رواه مسلم (١٤٢٨/ ١٩).
وانظر: ((معرفة الصحابة)) ٣٢٢٢/٦ (٣٧٥١)، و ((الاستيعاب)) ٤/ ٤٠٦ (٣٣٨٩).
(٣) سلف برقم (٣٠٩ - ٣١٠). قلت: بل ذلك في رواية الباب.

٦٦٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح -=
وفي رواية أخرى أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة(١).
فرع :
يكره في المسجد الفصد والحجامة في إناء، والأصح: أنه يحرم
بول فيه في إناء لقبحه؛ ولهذا يجوز الفصد مستقبل القبلة بخلاف
البول. قال ابن قدامة: الكل حرام. وعن ابن عقيل: يجوز الفصد في
طست كالمستحاضة، وفرق بأن المستحاضة لا يمكنها التحرز إلا بترك
الاعتكاف بخلاف الفصد (٢).
(١) سلف برقم (٣١١).
واختلف في تعيين هذِه المعتكفة على أوجه كثيرة، وكذا اختلف فيمن هي
المستحاضة من بنات جحش، مع العلم بأن البعض جعلهن ثلاث: زينب وأم
حبيبة وحمنة، والبعض جعلهن اثنتين: زينب وحمنة وكنيتها أم حبيبة.
فمن أراد بحث المسألة والاستزادة فيها فلينظر: ((الاستذكار)) ٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨،
و((الأسماء المبهمة)) ص ٦٠- ٦١، و((مسلم بشرح النووي)) ٢٤/٤، و((حاشية ابن
القيم)) ١٨٨/١، و(شرح الكرماني)) ١٧٦/٣، و((هدي الساري)) ص ٢٥٦،
و(الفتح)) ٤١١/١ - ٤١٢، ٤/ ٢٨١، و((عمدة القاري)) ١٨٢/٣، ٩/ ٢٣١،
و ((التوشيح)) ٤٠٧/١، و((منحة الباري)) ١/ ٦٣١، ٤/ ٤٦٧.
وينظر أيضًا: ((أسماء من يعرف بكنيته)) للأزدي (١٥٥)، و((ثقات ابن حبان)) ٣/
٩٩، و((المعجم الكبير)) ٢٤/ ٢١٦، و((المستدرك)) ٦١/٤.
وانظر: ((الاستيعاب)) ٤/ ٣٧٤ (٣٣٣٨)، ٤/ ٤٨٢ (٣٥٦٩)، و((أسد الغابة» ٧/
٦٩ (٦٨٥٠)، ٧/ ٣١٤ (٧٤٠٠)، و(تهذيب الكمال)) ٣٥/ ١٥٧ (٧٨٢١)، ٣٥/
٣٣٦ و((الإصابة)) ٢٧٥/٤ (٣٠٣)، ٤/ ٤٤٠ (١٢١٠).
(٢) ((المغني)) ٤ / ٤٨٤.