Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
ـ كِتَابُ الصَّوْمِ
وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك من المالكية (١) وروي
عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس: إن صام في السفر لم يجزئه وعليه
القضاء في الحضر (٢)، وعن عبد الرحمن بن عوف قال: الصائم في السفر
كالمفطر في الحضر(٣). ذكره أجمع ابن المنذر، وبه قال أهل الظاهر،
(١) انظر: ((المغني) ٤ /٤٠٦.
(٢) أنظرها في ((مصنف عبد الرزاق)) ٤/ ٢٧٠ (٧٧٦٣)، و((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢/
٢٨٢- ٢٨٣ (٨٩٩٥- ٨٩٩٦، ٨٩٩٨)، و((شرح معاني الآثار)) ٦٣/٢.
(٣) روي موقوفًا ومرفوعًا.
أما الموقوف، فروي من طريقين:
الأول: من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، قوله.
رواه النسائي ١٨٣/٤، وفي ((الكبرى)) ١٠٦/٢ (٢٥٩٣ - ٢٥٩٤)، وابن أبي شيبة
٢٨٠/٢ (٨٩٦٢) باب من كره صيام رمضان في السفر، والفريابي في كتاب:
((الصيام)) ص ١٠٥ (١٤٠)، والضياء في ((المختارة)) ٣/ ١١٠ - ١١١ (٩١١).
الثاني: من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، قوله.
رواه النسائي ١٨٣/٤، وفي ((الكبرى)) ١٠٦/٢ (٢٥٩٥).
وأما المرفوع، فروي من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه،
مرفوعًا.
رواه ابن ماجه (١٦٦٦) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار في السفر،
والبزار كما في ((نصب الراية)) ٢/ ٤٦٢، وابن عدي في ((الكامل)) ٩/ ١٤٥ - ١٤٦،
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ١١/ ٣٨٣، والضياء في («المختارة)) ١١١/٣ (٩١٢).
قال أبو زرعة الرازي في ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٣٨/١ - ٢٣٩ (٦٩٤): الصحيح
عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه، موقوف اهـ وهو الذى رجحه ابن عدي أيضًا،
وقال الدارقطني في ((العلل)) ٤/ ٢٨٣: الصحيح عن أبي سلمة عن أبيه موقوفًا اهـ
وقال ابن حزم: حديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف، قوله،
إسناده صحيح، وقد صح سماع أبي سلمة من أبيه، وحدیث حمید بن عبد الرحمن
عن أبيه، سند في غاية الصحة اهـ ((المحلى)) ٦/ ٢٥٧. وخالفه البيهقي فقال: روي
عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر وهو =

٣٢٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح --
وحكاه ابن التين عن داود والنخعي ومن تابعهما .
وقد صح التخيير في الصيام في السفر والفطر عن رسول الله وَله من
حديث حمزة بن عمرو وأنس، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأن
النبي ◌ّه وأصحابه صاموا مرة وأفطروا أخرى فلم يعب بعضهم على
بعض(١)، فلا يلتفت إلى من خالف ذَلِكَ؛ لأن الحجة في السنة،
= موقوف، وفي إسناده أنقطاع، وروي مرفوعًا ولا يصح اهـ
قلت: والقول بالانقطاع هو قول المصنف أيضًا كما سيأتي، وتعقب ابن التركماني
البيهقي فرجح ما قاله ابن حزم وقال: أخرجه النسائي وغيره من رواية أبي سلمة بن
عبد الرحمن عن أبيه، وقد قال ابن معين والنسائي: لم يسمع من أبيه، فهذا معنى
قول البيهقي: وفي إسناده أنقطاع؛ إلا أن ابن حزم صرح بسماعه من أبيه، وتابع
حميد بن عبد الرحمن أخاه أبا سلمة فرواه عن أبيه كذلك، كذا أخرجه أيضًا
النسائي في ((سننه)) بسند صحيح، وذكر ابن حزم أن سنده في غاية الصحة وحميد
سمع من أبيه نص عليه صاحب ((الكمال)) والرواية المرفوعة ذكرها ابن ماجه في
((سننه)) من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، وسندها حسن، وذكرها ابن
حزم ولم يذكر في إسنادها ضعفًا، إلا أسامة بن زيد وهو وإن تكلموا فيه يسيرًا فقد
أخرج له مسلم في ((صحيحه)). اهـ ((سنن البيهقي)) ٢٤٤/٤.
وقال عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الوسطى)) ٢٣٥/٢: يقال: إن أبا سلمة لم
يسمع من أبيه، ويروى موقوفًا عن أبي سلمة.
وقال ابن القيم في ((الحاشية)) ٣٣/٧: لا يصح رفعه إنما هو موقوف. وقال
البوصيري في ((زوائد ابن ماجه)) ص ٢٤٣ - ٢٤٤: إسناد حديث عبد الرحمن بن
عوف ضعيف ومنقطع، أسامة بن زيد متفق على تضعيفه، وأبو سلمة لم يسمع من
أبيه شيئًا. قاله ابن معين والبخاري.
وقال الحافظ: أخرجه البزار وصوب وقفه، وكذا ابن أبي حاتم عن أبيه
والدارقطني في (العلل)) والبيهقي اهـ ((التلخيص الحبير)) ٢٠٥/٢.
وكذا رمز السيوطي لصحة وقفه في ((الجامع الصغير)) (٤٩٧٤) فيض، وضعفه
الألباني في ((ضعيف الجامع)) (٣٤٥٦)، وانظر: ((الضعيفة)) (٤٩٨).
(١) تقدم تخريجها جميعًا.

٣٢٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
والأحاديث السالفة شاهدة له، وفي ((المستدرك)) للحاكم أن حمزة قال:
يا رسول الله، إني صاحب ظهر، وأنا أجد القوة، وأنا شاب(١)، وفي
البزار وابن حبان من حديث أبي سعيد بينما نحن مع رسول الله وَل
في بعض أسفاره والناس صيام في يوم صائف انتهى إلى نهر من ماء
السماء وهو على بغلة له فقال: ((يا أيها الناس اشربوا)» فجعلوا
ينظرون إليه فقال: ((إني لست مثلكم إني راكب وأنتم مشاة))
الحديث(٢)، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:
١٨٤]. وفي ((علل ابن أبي حاتم)) عن أنس: سافرنا مع رسول الله وَل
فمنا الصائم ومنا المفطر، وكان من صام في أنفسنا أفضل، وكان
المفطرون هم الذين يعملون ويستقون، فقال ◌َ : ((ذهب المفطرون
بالأجر)) قال أبي: هذا حديث منكر(٣).
(١) ((المستدرك)) ٤٣٣/١، وسكت عنه الحاكم.
ورواه أبو داود (٢٤٠٣) كتاب: الصوم، باب: الصوم في السفر، وصححه
الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٢/ ٢٠٤ وقال: صححه الحاكم!
وقال الألباني رحمه الله: وهم الحافظ في ((التلخيص)) وهمًا فاحشًا؛، فإنه صرح
بأنها رواية صحيحة، وأنه صححها الحاكم !! وكل ذلك خطأ.
أما الأول؛ فواضح، وأما الحاكم، فإنه أخرجها من طريق النفيلي ولم يصححها،
وإنما سكت عنها! وكذلك الذهبي!
ولم ينتبه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله لهذا الوهم، فنقل كلام الحافظ- المذكور-
في حاشيته على ((المحلى)) ٢٥٣/٦ وسكت عنه! اهـ ((ضعيف أبي داود)) (٤١٤).
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) ٣٣٧/٢ - ٣٣٨ (١٠٨٠)، ٤٢٠/٢ (١٢١٤)، وابن
خزيمة في ((صحيحه)) ٢٢٨/٣ (١٩٦٦) كتاب: الصيام، وابن حبان ٨/ ٣١٩
(٣٥٥٠) ٣٢٣/٨ (٣٥٥٦) كتاب: الصوم، باب: صوم المسافر.
وقال الألباني في ((صحيح موارد الظمآن)) (٧٥٣): صحيح لغيره.
(٣) ((علل ابن أبي حاتم)) ٢٥٦/١ (٧٥٦).

٣٢٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح ==
وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة: أفضل الأمرين أيسرهما
عليه قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية (١) [البقرة: ١٨٥].
قال ابن المنذر: وبه أقول، وممن كان يصوم في السفر ولا يفطر:
عائشة، وقيس بن عباد والنخعي وأبو الأسود وابن سيرين وابن عمر وابنه
سالم وعمرو بن ميمون والأسود بن يزيد وأبو وائل(٢).
وعند ابن عبد البر: قال علي بن أبي طالب فيما رواه حماد بن زيد،
عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة عنه: من أدرك رمضان وهو مقيم، ثم
سافر بعد لزمه الصوم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُنٌْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥](٣)، وقال أبو مجلز: لا يسافر أحد في
رمضان، فإن سافر فليصم (٤)، وقال أحمد: يباح له القصر فإن صام
كره وأجزأه، وعنه الأفضل الفطر كما أسلفناه عنه.
وقال أبو هريرة: لا يصح صومه(٥)، وقال أحمد: كان عمر وأبو هريرة
يأمران بالإعادة، وصح أنه القيّم قال: ((ليس من البر الصيام في السفر))(٦)
(١) روى هذِه الآثار الطبري في ((تفسيره)) ١٥٨/٢، ١٦٠، ١٦٢ (٢٨٧٦، ٢٨٩٢،
٢٩٠٤).
(٢) أنظرها في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٨١/٢-٢٨٢ (٨٩٧٥ - ٨٩٧٦، ٨٩٧٨،
٨٩٨٢- ٨٩٨٤ - ٨٩٨٧) باب من كان يصوم في السفر ويقول: هو أفضل،
و ((تفسير الطبري) ١٦٠/٢ (٢٨٩٣) عن الأسود وعمرو بن ميمون وأبي وائل.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) ٧٢/١٠، و((التمهيد)) ٦٦/٩.
(٤) رواه سعيد بن منصور ٦٩٥/٢ (٢٧٤) تفسير سورة البقرة، وابن أبي شيبة ٢٨٣/٢
(٩٠٠٠) كتاب: الصيام، ما قالوا في الرجل يدركه رمضانان.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٨٢-١٨٣ (٨٩٩٦) كتاب: الصيام، من قال: إذا صام في
السفر لم يجزه.
(٦) سيأتي قريبًا برقم (١٩٤٦).

٣٢٥
-- كِتَابُ الصَّوْمِ
وقال فيمن صام: ((أولئك العصاة)) وهو محمول، وهذا إنما قاله لما خرج
عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حَتَّى بلغ كراعِ الغمِيم فصام الناس،
ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حَتَّى نظر الناس إليه وشرب، فقيل له بعد
ذَلِكَ: إن بعض الناس قد صام فقال: ((أولئك العصاة أولئك العصاة))
أخرجه مسلم من حديث جابر منفردًا به (١)، وفي رواية قيل له: إن
الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من
ماء بعد العصر(٢). وحديث: ((ليس من البر الصيام في السفر)) إنما
قاله في الرجل الذي ظلل عليه من شدة ما ناله من الصوم كما
سيأتي(٣)، أي: من بلغ إلى هذِه الحالة ليس من البر صومه.
وأثر (٤) عمر أخرجه ابن أبي شيبة، عن عمرو بن دينار، عن رجل،
عن أبيه عنه(٥)، وأثر أبي هريرة أخرجه أيضًا عن عبد الكريم -أبي أمية-
عن عطاء، عن (المحرر ابنه)(٦) عنه(٧)، وأثر عبد الرحمن بن عوف
السالف: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر رواه الزهري عن أبي
سلمة، عن أبيه، وهو منقطع، أبو سلمة لم يسمع منه شيئًا (٨)(٩)،
(١) مسلم (١١١٤) في الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ..
(٣) سيأتي برقم (١٩٤٦).
(٢) مسلم (١١١٤ / ٩١).
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: ومر أثره المذكور في قوله: وقال أبو هريرة:
لا يصح صومه، وقال أحمد: كان عمر وأبو هريرة يأمران بالإعادة قبل هذا بيسير.
(٥) ((المصنف)) ٢/ ٢٨٢ (٨٩٩٨).
(٦) تحتها في الأصل: يعني ابن أبي هريرة.
(٧) ((المصنف)) ٢٨٢/٢ - ٢٨٣ (٨٩٩٦).
(٨) في هامش الأصل: كون أبي سلمة لم يسمع من أبيه شيئا قاله ابن معين والبخاري،
واسم أبي سلمة عبد الله، وقيل: إسماعيل.
(٩) تقدم تخريجه قريبًا باستيفاء.

٣٢٦
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر مرفوعًا به، وفي سنده عبيد الله بن
عمر العمري المكبر المصغر(١) (٢)، ورواه غير واحد من الثقات، عن ابن
أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة موقوفًا(٣).
وقال الأثرم: قلت لأحمد: رواه يونس، عن الزهري، عن أبي
سلمة، عن أبيه مرفوعًا فعجب، وقال مرة عن يونس، قلت: عنبسة،
فتبسم وقال: ما لنا ولعنبسة؟! فقلت: رواه أسامة بن زيد، عن ابن
شهاب ورفعه، فقال: هكذا وسكت .
وفي ((علل ابن أبي حاتم)): ورواه أيضًا ابن لهيعة، عن يونس، عن
ابن شهاب، عن أبي سلمة عن عائشة مرفوعًا، ورواه بقية، عن آخر، عن
الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: الصحيح:
الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه. موقوف(٤).
ولابن أبي حاتم من حديث غالب بن فائد، عن إسرائيل، عن
(جابر)(٥)، عن ابن المنكدر، عن جابر يرفعه: ((خياركم من قصر
(١) كذا وقع في الأصل المكبر المصغر، وهما أثنان، والصواب المصغر كما في
((سنن ابن ماجه)) (١٦٥٥).
(٢) ابن ماجه (١٦٦٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار في السفر، وقال
البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. اهـ
((مصباح الزجاجة)) ٦٤/٢، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٩٢٥)، و((صحيح
سنن ابن ماجه)) (١٣٥١).
(٣) رواه النسائي في ((المجتبى)) ١٨٣/٤، وفي ((الكبرى)) ١٠٦/٢ (٢٥٩٣)، وابن أبي
شيبة ٢٨٠/٢ (٨٩٦٢) وقد تقدم.
(٤) ((العلل)) ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩ (٦٩٤).
(٥) كذا بالأصل وفي ((العلل)) ٢٥٥/١، ولعل صوابه: خالد، كما سيأتي في تخريج
الحدیث.

٣٢٧
كِتَابُ الصَّوْمِ
الصلاة وأفطر))(١).
فإن قلت: الأخبار السالفة ليس فيها إلا مجرد الفعل، ولا يلزم منه
الإجزاء ولا سقوط القضاء. قلت: إخبارهم بصومه مع ترك الإنكار دال
على الإجزاء، لإجماع الكل أنه لا يجب الجمع بين الصوم والقضاء،
فإن قلت: يجوز أن يكونوا صاموه عن غير رمضان، قلت: خلاف
الظاهر ورمضان لا يقبل غيره، وقوله: ﴿فَعِدَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي:
فأفطر فعدة، ومثله ﴿فَفِذْيَةٌ مِّنْ صِيَاءٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فحلق فقديةٌ،
والمريض لو تكلف فصام صح إجماعًا، فكذا المسافر.
(١) ((العلل)) ٢٥٥/١ (٧٥٥).
والحديث رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٦٥/٣ من حديث عبد الله بن
صالح، عن إسرائيل، عن خالد العبد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر
الحديث، ومن هذا الطريق رواه ابن عدي في ((الكامل)) ٤٤٧/٣. قلت: والحديث
ضعيف من أجل خالد العبد.
قال ابن عدي: سمعت يزيد بن زريع يقول: ثنا خالد فقال له رجل: من خالد؟
قال: أتراني أقول خالد العبد؛ لأن أقع من فوق هذِه المنارة أحب إلي من أن
أحدث عن خالد العبد.
سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: خالد العبد، عن محمد بن المنكدر، عن
جابر مرفوعًا: (( خياركم من قصر الصلاة في السفر وأفطر)). منكر الحديث. وقال:
وخالد العبد أحاديثه بمقدار ما يرويه مناكير اهـ ((الكامل)) ٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧ بتصرف.
والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٣٥٦٠).

٣٢٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
٣٤- باب إِذَا صَامَ آَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ
١٩٤٤- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ
بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَهُ خَرَجَ إِلَى
مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ. فَأَفْطَرَ النَّاسُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. [١٩٤٨، ٢٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦،
٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٤ / ١٨٠]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي
رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

٣٢٩
=ِ كِتَابُ الضَّوْمِ
٣٥- باب
١٩٤٥- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
يَزِيدَ بْنِ جَابٍِ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ حَدَّثَهُ، عَنْ أُمِّ الدَّزِدَاءِ، عَنْ أَبيِ الدَّزدَاءِ رضي
الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ وََّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي ◌َوْمٍ حَارِّ، حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ
يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّ مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ وَِّ وَابْنِ رَوَاحَةً.
[مسلم: ١١٢٢ - فتح: ٤/ ١٨٢]
ذكر فيه حديث أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ
مَِّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمِ حَارِّ، حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ
شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّي ◌َّهِ وَابْنِ رَوَاحَةَ.
الشرح:
حديث ابن عباس أخرجه مسلم بزيادة: فصام رسول الله وَله وأفطر،
من شاء صام، ومن شاء أفطر(١). وفي لفظ: لا (تعب)(٢) على من صام
ولا على من أفطر، قد صام رسول الله وَّ في السفر وأفطر(٣).
وحديث أبي الدرداء أخرجه مسلم، وقال: في شهر رمضان(٤)،
وهي أم الدرداء الصغرى هجيمة ويقال: جهيمة بنت حُيي الأوصابية،
وقيل: الوصَّابية(٥)، ووصاب: أخو جُبلان بضم الجيم ابنا سهل،
وفي مسلم من حديث ابن عباس: وكان صحابة رسول الله وَّل- يتبعون
(١) مسلم (١١١٣) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر ...
(٢) في الأصل: يعيب، والمثبت من ((صحيح مسلم)).
(٣) مسلم (١١١٣/ ٨٩).
(٤) مسلم (١١٢٢) كتاب: الصيام، باب: التخيير في الصوم والفطر في السفر.
(٥) هي سيدة عالمة فقهية، روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان
الفارسي وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة.
=

٣٣٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
الأحدث فالأحدث من أمره، قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين
وإنما يؤخذ من أمر رسول الله وَال# بالآخر فالآخر.
قال الزهري: فصبح رسول الله ◌َو لثلاث عشرة خلت من رمضان.
قال ابن عيينة: لا أدري من قول من هو، يعني: كان يؤخذ بالآخر
فالآخر من قول رسول الله بصير، وفي رواية: كانوا يتبعون الأحدث
فالأحدث من أمره ويرونه بالناسخ المحكم(١) .
وللبخاري أنه القيمة خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف
وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه
من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون، حَتَّى بلغ الكديد وهو ماء
بين عسفان وقديد أفطر وأفطروا، ثم ذكر قول الزهري (٢). وفي رواية
له: فلم يزل مفطرًا حَتَّى انسلخ الشهر(٣)، وفي أخرى له: خرج
رسول الله ور والناس مختلفون فصائم ومفطر، فلما استوى على
راحلته دعا بإناء من لبن أو بماء فوضعه على راحته، أو راحلته ثم
= عرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم
والعمل والزهد، وهي معدودة في أفضل التابعيات، قال ابن الصلاح في ((علوم
الحديث)) النوع الأربعون: سيدتا التابعين من النساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة
بنت عبد الرحمن، وثالثتهما وليست كهما، أم الدرداء.
وانظر ترجمتها في ((الثقات)) لابن حبان ٥١٧/٥، و((ذكر أسماء التابعين))
للدارقطني ٤٣٣/١، ((وتهذيب الكمال)) ٣٥/ ٣٥٢ (٧٩٧٤)، و((سير أعلام
النبلاء)) ٤/ ٢٧٧ (١٠٠).
(١) (صحيح مسلم)) (١١١٣) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر ...
وكلام الزهري وابن عيينة مذكور عقب الحديث.
(٢) سيأتي برقم (٤٢٧٦) كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح في رمضان.
(٣) سيأتي برقم (٤٢٧٥).

٣٣١
- ڪِتَابُ الصَّوْمِ
نظر الناس فقال المفطرون للصوام: أفطروا، ذكره في المغازي(١)،
ولأحمد: مرُّوا بغدير في الطريق نحر الظهيرة فجعلوا يلوون أعناقهم
وتتوق أنفسهم إليه، فدعا بقدح(٢)، الحديث.
وله: فصام رجل من الصحابة فضعف ضعفًا شديدًا، وكاد العطش
يقتله، وجعلت ناقته تدخل بين العضاة فأخبر القيا فقال: ((ائتوني به))
فقال: ((أنت في سبيل الله ومع رسول الله أفطر))، فأفطر (٣). وللحاكم
وقال: صحيح على شرط مسلم من حديث جابر: أن النبي ◌َّ سافر
في رمضان، فاشتد الصوم على رجل من أصحابه فجعلت راحلته تهيم
به تحت الشجر؛ فأخبر رسول الله وسلم بأمره فأمره أن يفطر، ثم دعا
النبي ◌َّ بإناء فوضعه على يده ثم شرب والناس ينظرون(٤).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها :
هذا الحديث مما لم يحضره ابن عباس؛ لأنه كان مع المستضعفين
بمكة، قاله ابن التين، ويدخل في المسند؛ لأنه من صحابي(٥).
(١) سيأتي برقم (٤٢٧٧).
(٢) أنظر: ((مسند أحمد)) ٣٦٦/١.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٣٢٩، وأبو يعلى في «مسنده)) ١٧٤/٤ (٢٢٥٢).
(٤) ((المستدرك)) ٤٣٣/١ كتاب: الصوم، وقال الألباني كما في ((صحيح ابن خزيمة))
(٢٠٢٠) صحیح، إن سمع أبو الزبير من جابر.
(٥) قلت: هذا يسمى في أصول الفقه، وكذا في مصطلح الحديث بمرسل الصحابي
وهو ما أخبر به الصحابي عن رسول الله بما لم يسمعه أو يشاهده منه؛ لغيابه
أو تأخر إسلامه أو صغر سنه كابن عباس وغيره من صغار الصحابة، وهو حجة عند
جمهور المحدثين والفقهاء. وللاستزادة ينظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح
رحمه الله- النوع التاسع، و((المقنع)) للمصنف- رحمه الله - ١٣٨/١.

٣٣٢
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
ثانيها :
خروج سيدنا رسول الله ولو لفتح مكة يوم الأربعاء بعد العصر لعشر
مضين من رمضان، فلما كان بالصلصل -جبل بذي الحليفة (١) - نادى
مناديه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم. فلما
بلغ الكديد أفطر بعد صلاة العصر على راحلته كما سلف.
ثالثها :
الكَديد(٢) بفتح الكاف، ثم دال مهملة، ثم مثناة تحت، ثم دال
مهملة بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكة نحو
مرحلتين، وهو أقرب إلى المدينة من عسفان، قال أبو عبيد: بينه
وبين عسفان ستة أميال، وعسفان على أربعة برد من مكة، وبالكديد
عين جارية بها نخل كثير.
وفي البخاري - كما سلف -: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. ورواه
بعد: حَتَّى بلغ عسفان(٣).
قال عبد الملك: والكَديد: العقبة المطلة على الجحفة، وذكر
صاحب ((المطالع)) أن بين الكديد ومكة اثنين وأربعين ميلًا، وكذا قاله
قبله القاضي عياض قال: وهذا كله في هذِه الغزوة، وسميت هذِه
المواضع فيه لتقاربها وإن كانت عسفان متباعدة عن هذه المواضع
لكنها كلها مضافة إليها ومن عملها، فاشتمل اسم عسفان عليها(٤).
(١) أنظر: ((معجم ما استعجم)) ٨٨٠/٣.
(٢) أنظر: ((معجم ما استعجم)) ٤/ ١١١٩.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٩٤٨).
(٤) ((إكمال المعلم)) ٤ / ٦٤.

٣٣٣
كِتَابُ الصَّوْمِ
=
رابعها :
عَلِمَ رَِّ بحال الناس ومشقتهم في بعض هذه المواضع فأفطر
وأمرهم بالفطر في بعضها.
خامسها :
فيه: دلالة لما ترجم له إشارة، وهو أن المسافر يصوم بعض رمضان
دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه الدوام عليه، وفيه: رد لما أسلفناه من
قول علي، والمعنى عنده: من أدركه رمضان وهو مسافر فعدة من أيام
أخر، ومن أدركه حاضرًا فليصمه، وهو قول عبيدة السلماني وسويد
وأبي مجلز، كما سلف، وهو قول مردود بسفر الشارع في رمضان
وإفطاره فيه في الكديد، وجمهور الأمة على خلافه لثبوت السنة
بالتخيير فيه؛ ولصيامه في سفره، وإنما أمر من شهد الشهر كله أن
يصوم، ولا يقال لمن شهد بعضه أنه شهده كله، والمبين عن الله سافر
فيه وأفطر. ومن الغريب أن ابن أبي حاتم لما ذكره عن علي قال:
وروي عن عائشة وابن عمر، وابن عباس وابن جبير، وابن الحنفية،
وعبيدة، وعلي بن حسين، وسويد بن غفلة، وإبراهيم النخعي،
ومجاهد، والشعبي، وأبي مجلز، والسدي نحو ذاك(١).
وفيه أيضًا: رد ظاهر لقول من زعم أن فطره بالكديد كان في اليوم
الذي خرج فيه من المدينة. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز له الفطر في
ذَلِكَ اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر(٢)، واختلفوا كما
(١) (تفسير القرآن العظيم)) لابن أبي حاتم ٣١١/١- ٣١٢، وقد روى حديث علي
بسنده (١٦٥٦).
(٢) ((البيان) ٤٧١/٣.

٣٣٤
التوضيح لشرح الجامع الصحيح =
قال أبو عمر(١) وغيره في الذي يخرج في سفره وقد بيت الصوم، فقال
مالك: عليه القضاء ولا كفارة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وداود
والطبري والأوزاعي، ونقله ابن بطال(٢) عن سائر الفقهاء بالحجاز،
وللشافعي قول آخر: أنه يكفر إن جامع، وعن مالك: الكفارة أيضًا(٣).
وقال أشهب: لا يُكَفِّر إن تأول فعل رسول الله وَله بالكَديد، وقال
ابن الماجشون: إن أفطر بالجماع كفر أو بغيره فلا(٤).
والحجة في سقوط الكفارة واضحة بحديث ابن عباس وجابر، كذا
قال ابن بطال، وفيه ما سلف، ومن جهة النظر أيضًا؛ لأنه متأول غير
هاتك لحرمة صومه عند نفسه وهو مسافر فدخل في عموم إباحة الفطر(٥).
سادسها :
السفرة التي كان فيها عبد الله بن رواحة غير هذِه، ويحتمل أن تكون
غزوة بدر؛ لأن الترمذي روى عن عمر: غزونا مع رسول الله وَّ في
رمضان يوم بدر والفتح(٦)، قال: وأفطرنا فيهما (٧).
سابعها :
معنى حديث أبي الدرداء في الباب أنه الظّهر كان صائمًا وابن رواحة،
(١) ((التمهيد)) ٩/ ٦٩.
(٢) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٩٠.
(٣) (بدائع الصنائع)) ١٠٠/٢، ((عيون المجالس)) ٢/ ٦٤٨، ((روضة الطالبين)) ٢/
٣٦٩، ((المغني)) ٤ /٤٨٠.
(٤) ((النوادر والزيادات)) ٢٤/٢، ٤٩.
(٦) في هامش الأصل: ولا يحتمل أن يكون يوم الفتح وذلك؛ لأنه توفي في وقعة مؤتة
(٥)
(شرح ابن بطال)) ٤/ ٩٠.
في جمادى الأولى سنة ثمان، والفتح كان في رمضان منها.
(٧) الترمذي (٧١٤) باب: ما جاء في الرخصة للمحارب في الإفطار، وقال: حديث
عمر لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني : ضعيف الإسناد.

٣٣٥
- كِتَابُ الصَّوْمِ
وسائر أصحابه مفطرون، فلو لم يجز الفطر في رمضان لمن سافر فيه
ما ترك الشارع أصحابه مفطرين فيه ولا سوغهم ذَلِكَ.
وفيه: وفي حديث ابن عباس الرد على من قال: إن الصيام لا يجزئ
في السفر معللًا بأن الفطر عزيمة من الله وصدقة فإن الشارع فعله، وكذا
ابن رواحة، وقصد بذلك أن يسنَّ لأمته لیقتدوا به لمن كان به قوة له.
وقد روي عن ابن عباس: إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير
عليكم فمن يسر الله عليه الصيام فليصم ومن يسر عليه الفطر فليفطر(١).
فهذا ابن عباس لم يجعل إفطاره وَّر في السفر بعد صيامه ناسخًا
للصوم في السفر ولكنه جعله على جهة التيسير، بل ظاهر الحديث أن
الصوم فيه أفضل، وقد صام وكان يومًا حارًّا كما سلف وتكلف صومه.
فإن قلت: لا يأمن أن يضعف.
قلت: المقيم كذلك، نعم مظنة المشقة في السفر أكثر، ولا يقاس
على القصر.
وفيه: ترك بعض العمل وهو يحب أن يعمل به خيفة أن يعمل به
الناس فيفرض عليهم، وهو مخصص لقوله تعالى: ﴿وَلَا نُبْطِلُواْ
أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقال الداودي: أفطر بعد أن بيَّت الصوم
للضرورة، وقيل إنه أصبح ناويًا للفطر، وقال مطرف: للمسافر أن
يفطر بعد أن يبيت الصوم، واحتج بهذا الحديث وكله مردود؛ لأنهم
ظنوا أن ذَلِكَ في يوم واحد، وهو غلط كما أسلفناه، فبينهما أيام،
ووقع ذَلِكَ للمزني؛ فإنه قال: إذا أصبح صائمًا ثم سافر يجوز له
(١) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٦٦/٢ - ٦٧ كتاب: الصيام، باب:
الصيام في السفر، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢/ ١٧٢.

٣٣٦
=
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
الفطر. واحتج بأنه القي خرج عام الفتح إلى مكة صائمًا في رمضان حَتَّى
بلغ كراع الغميم أفطر، أخرجه مسلم من حديث جابر(١)، وغلطوه؛ فإن
بين المدينة وكراع الغميم ثمانية أيام، والمراد بالحديث: أنه صام أيامًا
في سفره، ثم أفطر، وقيل: إن المزني تبين له ذَلِكَ فرجع عن هذا
الاحتجاج لا عن مذهبه، لكن المزني غير منفرد بهذا الاحتجاج، فقد
وقع أيضًا في كتاب البويطي وهذا لفظه ومنه نقلته: من أصبح في
حضر صائمًا، ثم سافر فليس له أن يفطر. إلا إن ثبت حديث رسول
الله وَلهى: أنه أفطر يوم الكديد انتهى. والكديد وكراع الغميم متقاربان.
فرع:
خرج مسافرًا فأفطر. فقال مالك: لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة،
وقال المغيرة وابن كنانة: يكفر، وهو قول للشافعي (٢).
وفي القضاء على من سافر في صوم التطوع فأفطر قولان(٣)، وإذا
أبتدأ صوم التطوع في السفر ثم أفطر من غير عذر ففيه أيضًا روايتان
(٤)
لهم(٤).
(١) مسلم (١١١٤) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر ...
(٢) ((مختصر الطحاوي)) ص٥٣ -٥٤، ((عيون المجالس)) ٢ / ٦٤٨، ((روضة الطالبين))
٢/ ٣٦٩.
(٣) في الأصل تحتها تعليق: أي للمالكية.
(٤) في هامش الأصل: آخر ١ من ٧ من تجرئة المصنف.

٣٣٧
كِتَابُ الضَّوْمِ
٣٦- باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَِِّّ لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الحَرُّ:
(لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ))
١٩٤٦- حَذَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُغْبَةُ، حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنَّصَارِيُّ قَالَ:
سَمِعْتُ نُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الَحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهم
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ فِي سَفَرٍ، فَرَأىُ زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا
هذا؟)). فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: ((لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)). [مسلم: ١١١٥-
فتح: ٤ / ١٨٣]
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ فِي سَفَرٍ،
فَرَأىْ زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: ((مَا هذا؟)). فَقَالُوا: صَائِمٌ.
فَقَالَ: (لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)).
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: ((ليس البر أن تصوموا في السفر))،
قال شعبة: وكان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا
الحديث أنه قال: ((عليكم برخصة الله التي رخص لكم))، قال: فلما
سألته لم يحفظه (١).
ورواه الوليد عن الأوزاعي: حَدَّثَني يحيى، عن محمد بن
عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر: مرَّ برجل في سفر في ظل شجرة
يُرش عليه الماء فسأل فقالوا: صائم يا رسول الله، قال: ((ليس من
البر الصيام في السفر عليكم برخصة الله التي أرخص لكم فاقبلوها))(٢)،
(١) مسلم (١١١٥).
(٢) هذا الحديث اختلف في إسناده:
فرواه النسائي ٤ / ١٧٦ كتاب: الصيام، ما يكره من الصيام في السفر، وفي
((الكبرى)) ٢ / ٩٩ - ١٠٠ (٢٥٦٦) من طريق شعيب، قال: حدثنا الأوزاعي، =

٣٣٨
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
=
= قال: حدثنى يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال حدثني
جابر بن عبد الله ... فذكره.
قلت: في هذا السند ذكر محمد بن عبدالرحمن دون ذكر اسم جده، وصرح فيه
بالتحديث من جابر.
قال النسائي: هذا خطأ ومحمد بن عبدالرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر!
ورواه النسائي ١٧٦/٤، وفي ((الكبرى)) ٢/ ١٠٠ (٢٥٦٧) من طريق الفريابي قال:
حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال
حدثني من سمع جابرًا، عن جابر ... فذكره.
قلت: وقع هنا أيضًا محمد بن عبد الرحمن دون ذكر اسم جده، وأبهم أسم شيخه
الذي سمع الحديث من جابر.
ورواه الفريابي في كتاب ((الصيام)) ص ٧٣ (٧٧)، والطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) ٦٢/٢ كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر، وابن حبان ٢/ ٧٠ - ٧١
(٣٥٥) كتاب: البر والإحسان، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها. من طريق
الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن
محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ... فذكره.
ورواه أيضًا النسائي ١٧٦/٤، وفي ((الكبرى)) ٢/ ١٠٠ (٢٥٦٨) من طريق علي بن
المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر
... فذكره.
ورواه أيضًا النسائي في ((المجتبى)) ١٧٦/٤، وفي ((الكبرى)) ١٠٠/٢ (٢٥٦٩) من
طريق علي بن المبارك ، عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر
... فذكره.
ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٧٧، وفي ((الكبرى)) ٢/ ١٠٠ (٢٥٧٠) من طريق شعبة،
عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر .. فذكره .
قلت: فسمى شعبة هنا اسم شيخ محمد بن عبد الرحمن المبهم في السند السابق
بأنه محمد بن عمرو بن حسن. قال النسائي: حديث شعبة هذا هو الصحيح.
قال أبو حاتم في (العلل)) ٢٤٧/١ كما سيأتي رادًّا على من سمى محمد بن
عبد الرحمن أنه ابن ثوبان -: إنما هو محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة . =

كِتَابُ الصَّوْمِ
=
٣٣٩
= وقال عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الوسطى)) ٢٣٤/٢: رواه النسائي من
حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر ولم يسمع محمد بن عبد الرحمن
من جابر بن عبد الله. اهـ
وأطنب ابن القطان في الرد عليه ومناقشة النسائي فقال: هو خطأ، وإنما هو قول
النسائي تلقاه عنه، ولم ينظر فيه، ولا تفقَّد صحته، ولا نقله عنه كما قاله، فإن
النسائي إنما قال: لم يسمع هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن من جابر، فقال
هو لم يسمع من جابر، هكذا بإطلاق، وزاد من عنده أنه ابن ثوبان، وأصاب في
ذلك، ولكنه لم يصب من حيث القضاء عليه بأنه لم يسمع من جابر .
والنسائي إنما قال فيه: إنه لم يسمع من جابر هذا الحديث، وذلك أنه أعتقد فيه أنه
رجل آخر.
وبيان أتصال الحديث المذكور وأنه ليس بمنقطع كما ذكر، فهو بأن تعلم أنه حديث
يرويه رجلان، كل واحد منهما يقال له: محمد بن عبد الرحمن؛ أحدهما: ابن
ثوبان، والآخر: ابن سعد بن زرارة، وهذا هو الذي لم يسمعه من جابر، فأما ابن
ثوبان فإنه يقول فيه: حدثني جابر.
ثم ذكر ابن القطان حديث النسائي (٢٥٦٦) وقال: هذا إسناد صحيح متصل، يذكر
كل واحد منهم: حدثني، حتى انتهى ذلك إلى محمد بن عبد الرحمن فقال:
حدثني جابر.
وهذا هو الذي أورد أبو محمد وفسر محمد بن عبد الرحمن، بأنه ابن ثوبان،
وأصاب في ذلك، وأخطأ في قوله: لم يسمع من جابر، وهو يروى من قوله ويسمع
حدثني جابر.
والذي بعده من قول النسائي: هذا خطأ، ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا
الحدیث من جابر.
نبين الآن- إن شاء الله- أنه إنما قال ذلك معتقدًا أنه محمد بن عبد الرحمن بن
سعد، لا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وذلك أن كل ما أورد بعده منقطعًا، إنما
هو لمحمد بن عبد الرحمن بن سعد، لا لابن ثوبان.
ثم ساق طرق النسائي طريقًا طريقًا وناقش جميعها، فمن أراد الاستزادة فليراجع
((بيان الوهم والإيهام)» ٢/ ٥٧٧ - ٥٨٢ فإنه شفی فیه و کفی.
=

٣٤٠
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
قال أبو حاتم في ((علله)): هذا خطأ إنما هو محمد بن عبد الرحمن بن
أسعد بن زرارة، عن جابر(١).
قلت: وله طريقان آخران أحدهما من طريق كعب بن عاصم
الأشعري مرفوعًا: ((ليس من البر الصيام في السفر))، أخرجه الحاكم
بإسناد صحيح(٢)، والبيهقي: ((ليس من أم بر أم صيام في أم سفر))(٣)،
= ونقل الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ٢٠٥/٢ كلام ابن القطان وأقره.
أما في ((الفتح)) ٤/ ١٨٥ فذهب إلى أن الصواب في رواية يحيى بن أبي كثير أنها
عنه عن محمد بن عبد الرحمن، وهو ابن سعد عن محمد بن عمرو بن الحسن عن
جابر، وأن قول من قال فيها: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وهم، وإنما هو
ابن عبد الرحمن بن سعد اهـ
وقال الألباني في ((الإرواء)) ٥٦/٤ رادًّا على ما قاله الحافظ في ((الفتح)) وهذا
عندي بعيد؛ لأنه يلزم منه تخطئة ثقتين حافظين هما الوليد بن مسلم ووكيع فإنهما
قالا: ابن ثوبان، ومثل هذا ليس بالأمر السهل ما أمكن الجمع دون تخطئة الثقات
الآخرين وذهب إليه ابن القطان، والله أعلم وخلاصة القول أن هذه الزيادة إسنادها
صحيح، ولا يضره تفرد يحيى بن أبي كثير؛ لأنه ثقة ثبت كما في ((التقريب))، وإنما
يخشى البعض من التدليس وقد صرح هنا بالتحديث فأمنا من تدليسه اهـ أنظر
((الإرواء)) (٩٢٥).
(١) ((العلل)) ٤٢٧/١.
(٢) ((المستدرك)) ٤٣٣/١. وصححه الألباني في ((الإرواء)) ٥٨/٤ (٩٢٥).
(٣) رواه بهذا اللفظ أحمد ٤٣٤/٥، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٦٣/٢
كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر، والطبراني ١٩/ ١٧٢ (٣٨٧ - ٣٨٨).
والذي عند البيهقي في ((السنن)) ٢/ ٢٤٢ كتاب: الصيام، باب: تأكيد الفطر في
السفر إذا كان يجهده الصوم، وفي ((معرفة السنن والآثار)) ٦/ ٢٩٢ (٨٧٦٨)
كتاب: الصيام، الفطر والصوم في السفر، بلفظ: ((ليس من البر الصيام في السفر)).
وكذا رواه النسائي ٤/ ١٧٤ - ١٧٥ كتاب: الصوم، باب: ما يكره من الصيام في
السفر، وابن ماجه (١٦٦٤) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار، وأحمد
٥/ ٤٣٤.
=