Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ = ڪِتَابُ الحَجِّ هُذِه الواقعة كانت في حجة الوداع، وهو الصحيح، وحديث أم الحصين السالف يؤيده، فإنها سمعت رسول الله وَله يقول ذَلِكَ في حجة الوداع كما أخرجه مسلم، وعند القاضي عياض يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، ويحتمل أنه قاله في الموضعين(١)، وهو الأشبه؛ لأن جماعة من الصحابة توقفت(٢) في الحلق فيهما. وقال ابن بطال: هُذا قاله وَلخير يوم الحديبية فيما رواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة (٣)، كما ستعلمه إن شاء الله في بابه، وأنه العَيْه أمرهم أن ينحروا ويحلقوا فما قام رجل، فقالها ثلاثًا، فدخل على أم سلمة فقال لها: ((أما ترين الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه)) فاعتذرت وقالت: أدع حالقك فاذبح واحلق؛ فإن الناس إذا رأوك فعلتَ ذَلِكَ فعلوا، فخرج وفعل ذَلِكَ، فقام الناس فنحروا وحلق بعض وقصر بعض، فدعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة. وذکر ابن إسحاق، عن ابن أبي نجیح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون. فقال القلّة: ((اللهم أرحم المحلقين ثلاثًا)) قيل: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم في الترحم؟ قال: ((لأنهم لم يشكو)). وهذا في ابن ماجه(٤)، وورد في (١) ((إكمال المعلم)) ٣٨٣/٤ - ٣٨٤. (٢) في (ج): عن. (٣) رواه ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٣٥٦/٣، وانظر: ((سيرة ابن هشام)) ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩. (٤) ابن ماجه (٣٠٤٥) كتاب: المناسك، باب: الحلق، و((سيرة ابن هشام)) ٣٦٨/٣- ٣٦٩، وكذا رواه أحمد ٣٥٣/١، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٧٢/٥ (٢٨٦٢)، وأبو يعلى ١٠٦/٥ (٢٧١٨)، والطحاوي ((شرح معاني الآثار)) ٢٥٥/٢ - ٢٥٦، والطبراني ٩٣/١١ (١١١٥٠)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) ٢٣٤/١٥ - ٢٣٥ وجادة. = ١٢٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == بعض الأجزاء من حديث أبي سعيد(١): أن أهل المدينة حلقوا إلا عثمان وأبا قتادة، فاستغفر رسول الله رَّلهم للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة(٢). وما أحسن قول بعض أهل الطريق في ذَلِكَ يكفي المقصر اسمه، لا جرم كان الحلق أفضل بالإجماع، ولأنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل، والمقصر مبقٍ للزينة مناف لكونه أشعث أغبر، فأكد الحض عليه وهو ترك الزينة، ثم جعل للمقصر نصيبًا وهو الربع؛ لئلا يخيِّب أحدًا من أمته من صالح دعائه، ولما كانت العرب تعودت توفير الشعر، وكان الحلق فيهم قليلًا، وكانوا يرونه ضربًا من الشهرة فمالوا إلى التقصير، فدعا لمن آمتثل أمره بالحلق. ثم اختلف العلماء هل الحلاق واجب على الحاج والمعتمر أم لا : فقال مالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد، ونقل عن أبي حنيفة: هو نسك يجب على الحاج والمعتمر، وهو أفضل من التقصير، ويجب على وقال البوصيري في ((زوائده)» ص٤٠٢: إسناده صحيح، وحسنه الألباني في = ((صحيح ابن ماجه)) (٢٤٧٠) و((الإرواء)) ٢٨٥/٥ - ٢٨٦. (١) في هامش الأصل: وفي ((مسند أحمد)) من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله 45﴾ وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان وأبى قتادة، فاستغفر رسول الله ◌َّ للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة، ورواه أيضًا أحمد من طريق آخر من حديثه عنه وله أيضًا عن أبي سعيد أن النبي ◌َّ أحرم وأصحابه عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة فاستغفر للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة. (٢) رواه أحمد ٢٠/٣ والطيالسي في ((مسنده)) ٦٧٢/٣ (٢٣٣٨) وابن سعد في ((الطبقات)) ١٠٤/٢، وأبو يعلى ٤٥٣/٢ (١٢٦٣)، وابن عبد البر في ((التمهيد)» ٣٣٤/١٥، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٧/٣٣- ٨. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٦٢/٣: فيه أبو إبراهيم الأنصاري جهله أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح. - قلت: قال ابن حجر في ((التقريب)) (٧٩٢٢) أبو إبراهيم الأنصاري مقبول. ١٢٣ كِتَابُ الحَجِّ = من فاته الحج أو أُحصر بعدوٍ أو مرض(١)، وهو قول جماعة من الفقهاء إلا في المحصر فإنهم اختلفوا: هل هو من النسك؟ فقال أبو حنيفة: ليس على المحصر تقصير ولا حلق (٢)، وهذا خلاف أمر الشارع أصحابه بالحديبية حين صد عن البيت بالحلاق وهم محصورون، فلا وجه لقوله وحاصل ما للشافعي وأصحابه في الحلق خمسة آراء: ركن، واجب، سنة، مباح، ركن في العمرة، واجب في الحج(٣)، كما أوضحناها في كتب الفروع. وقال غيره: من جعله نسكًا أوجب على تاركه الدم، ومن جعله من باب الإحلال؛ لأنه ممنوع منه، بالإحرام فلا شيء على تاركه. ودعاء الشارع للمحلقين ثلاث دليل على أنه نسك، فلا وجه لإسقاطه عن المحصر، ولم يدع لهم على شيء من فعل المباحات مثل اللباس والطيب، ودعاؤه لا ينفك عن الإجابة، وقد صح عنه وَّل أن لمن حلق رأسه بكل شعرة سقطت من رأسه نورًا يوم القيامة. وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»(٤) وهو صريح في کونه نسگًا يثاب عليه، وكذا قوله تعالى: ﴿يُحِلِّينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ خصهما من بين المباحات، ولم يقل لابسين متطيبين فعلم أنه نسك وليس له حكم (١) انظر: ((الأصل)) (٤٣٠/٢)، ((بدائع الصنائع)) ١٤٠/٢، ((المجموع)) ١٨٥/٨، «المستوعب)) ٢٤٥/٤. (٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) ١٤٠/٢. (٣) انظر: ((البيان)) ٣٤٢/٤، ((المجموع)) ١٩١/٨. (٤) ((صحيح ابن حبان)) ٢٠٦/٥ (١٨٨٧) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة. ورواه أيضًا عبد الرزاق ١٥/٥ (٨٨٣٠)، والبزار كما في ((كشف الأستار)) (١٠٨٢)، والطبراني ٤٢٥/١٢ (١٣٥٦٦)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٩٤/٦ - ٢٩٥. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٢٧٤/٣ - ٢٧٥: رواه البزار ورجاله موثقون. ١٢٤ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - اللباس وغيره. وقام الإجماع: على أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير؛ لأن حلق رأسها مثلة، فإن حلقت كره، وقيل: حرم(١). وفي الترمذي من حديث علي: أنه التَّ نهى أن تحلق المرأة رأسها، وذكر أن فيه اضطرابًا (٢)، ثم روى من حديث عائشة مرفوعًا مثله ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم(٣). وفي ((سنن أبي داود)) من حديث ابن عباس مرفوعًا: ((إنما على النساء التقصير)) (٤). (١) ((الإجماع)) (٥٥)، ((المجموع)) ١٩٢/٨. (٢) الترمذي (٩١٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية الحلق للنساء. ورواه النسائي في ((المجتبى)) ١٣٠/٨ كتاب: الزينة، النهي عن حلق المرأة رأسها، وفي ((الكبرى)) ٤٠٧/٥ (٩٢٩٧) من طريق أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: نهى رسول الله وَ ﴿﴿ أن تحلق المرأة رأسها. ورواه الترمذي (٩١٥) من الطريق السابق، لكنه عن خلاس بن عمرو مرسلاً، لم یذکر فيه عن علي. قال الدارقطني في ((العلل)) ١٩٥/٣: المرسل أصح. وقال الحافظ في ((الدراية)) ٣٢/٢: رواته موثقون، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٦٧٨). (٣) ذكره الترمذي بعد حديث (٩١٥) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة أن النبي ◌َّ نهى .. الحديث، ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ١٠٥/٨ من طريق معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت .. الحديث. وانظر: ((الضعيفة)) (٦٧٨). (٤) أبو داود (١٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: الحلق والتقصير. ورواه البيهقي ١٠٤/٥ كتاب: الحج، باب: ليس على النساء حلق ولكن يقصرن . = ١٢٥ كِتَابُ الحَجّ من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريح قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله .. الحدیث. ورواه أبو داود (١٩٨٥)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ٤٦/٦، والدارمي ٢/ ١٢١٢ (١٩٤٦) كتاب: المناسك، باب: من قال: ليس على النساء حلق، والدارقطني ٢/ ٢٧١، والبيهقي ١٠٤/٥ من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريح، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله صلخير .. الحديث. ورواه الطبراني ١٢/ ٢٥٠ (١٣٠١٨)، والدار قطني ٢٧١/٢، والبيهقي ١٠٤/٥ من طريق أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفيه بنت شيبة، عن أم عثمان، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ قال : .. الحديث. وقواه البخاري في ((تاريخه))، وصححه أبو حاتم في ((العلل)) ٢٨١/١ (٨٣٤)، وأورده عبد الحق في ((الأحكام)) ٢/ ٣٠٤ وسكت عليه مصححًا له؛ لذا تعقبه ابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) ٥٤٥/٢ - ٥٤٧ فقال: هو حديث ضعيف منقطع؛ أما ضعفه فبأن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف لها حال، أما أنقطاعه فلقول ابن جريح -في طريق محمد بن بكر -: بلغني عن صفية. وطريق أبي داود الثاني أيضًا منقطع؛ لأن أبا داود قال: حدثنا رجل ثقة - يكنى أبا يعقوب- فإنا ما لم نعرف الذي به حتى يوضع فيه النظر، فهو بمثابه من لم يذكر، ولم ينفع كونه يكنى أبا يعقوب، فقد عرفنا نحن أنه مكنئ، وإنسان، فما ذلك بنافع، ومن لج في هذا، لن يلج في أنه مجهول، فلا يكون الحديث من أجله صحیحًا. اهـ بتصرف. وقال أيضًا في: ٢٩٠/٤: هو حديث لا يصح. قلت: وبالرغم من أن الحديث قد ضعفه ابن القطان كما سلف، إلا أن المصححين له أكثر، فصححه البخاري، وأبو حاتم -كما سلف- وكذا حسنه النووي في ((المجموع)) ١٨٣/٨، وقال المصنف -رحمه الله- في ((البدر المنير)) ٢٦٧/٦: سكت عليه أبو داود، ولم يضعفه فهو حجة على قاعدته، وقال الحافظ في ((التلخيص)) ٢/ ٢٦١: إسناده حسن. وصححه الألباني في ((صحيح أبو داود)) = ١٢٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح تنبيهات: أحدها: يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين، ذكره النووي في ((شرحه)) لمسلم(١) وأطلق ذَلِكَ، لكن الشافعي فصل في ((الإملاء)) فقال: إن أمكن أن يرد شعره يوم النحر حلق وإلا قصر (٢). وقال ابن التين نقلًا عن أبي محمد: ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له أفضل، إلا أن تفوت أيام الحج ويريد أن يحج فليقصر لمكان حلاقه في الحج، قال: ووجهه تخصيص أفضل النسكين بالحلاق. ثانيها: المشقص، بكسر الميم: النصل الطويل وليس بالعريض. قاله (٣) أبو عبيد(٣) . وقال ابن فارس وغيره: هو سهم فيه نصل عريض (٤). وقال أبو عمر: هو الطويل غير العريض. وقال أبو حنيفة الدينوري: هو كل نصل فيه عَير، وكل ناتئ في وسطه حديد فهو عَیر، ومنه عَیر الكتف والورقة. (١٧٣٢) وقال: أحد إسناديه صحيح. وانظر: ((البدر المنير)) ٢٦٧/٦ - ٢٦٩، = و ((الصحیحة)) (٦٠٥). قلت: في الباب من حديث عثمان رواه البزار في ((البحر الزخار)) ٩٢/٢ (٤٤٧) من طريق روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: نهى رسول الله وَلو أن تحلق المرأة رأسها. قال البزار: وهب بن عمير لا نعلم روى إلا هذا الحديث، ولا نعلم حدث عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح، فليس بالقوي، وقال الهيثمي في ((المجمع)) ٣/ ٢٦٣: فيه روح بن عطاء وهو ضعيف، وقال الحافظ في ((الدرايه)) ٣٢/٢: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه المباركفوري في ((تحفة الأحوذي)) ٥٦٦/٣. (١) ((صحيح مسلم بشرح النووي)) ٤٩/٩- ٥٠. (٢) انظر: ((معرفة السنن والآثار)) ٣٢١/٧. (٣) ((غريب الحديث)) ٣٤٩/١. (٤) (مجمل اللغة)) ٢ /٥٠٩. ١٢٧ ـ كِتَابُ الحَجّ وهذا الحديث(١) قد يحتج به من يقول: إنه القليّا كان في حجة الوداع متمتعًا؛ لأن المتمتع يقصر عند الفراغ من السعي، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن التقصير كان بالمروة (٢)، وهذا لا يصح أن يكون في حجة الوداع أصلًا؛ لأنه التَّر حلق رأسه فيها لا يختلف فيه، ثم قيل: إن هذا كان في بعض عُمَرٍ ولا يصح أن يكون في الحديبية؛ لأن الأصح أن معاوية أسلم يوم الفتح (٣)، فيشبه أن يكون في عمرة الجعرانة (٤)(٥). قال الشيخ أبو الحسن -فيما حكاه ابن التين -: لعل فعل معاوية كان في عمرة الجعرانة التي اعتمر منصرفه من حنين، ومعناه: أنه أخذ من شعره به، وزعم ابن حزم أنه القَّا كان قد بقي في رأسه في حجة الوداع بعض شعر بعد الحلاقة، فأخذها معاوية بمشقص فقال: (١) تحتها في الأصل: يعني حديث معاوية. (٢) رواه مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة. (٣) قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)) ٢٠٩/٥ (٤٩٧٧): أسلم معاوية هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند في الفتح، وكان معاوية يقول: إنه أسلم عام القضية، وانظر ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٢٤٩٦/٥ (٢٦٥٤)، و((الاستيعاب)) ٤٧٠/٣ (٢٤٦٤)، و «تهذيب الكمال)» ١٧٦/٢٨ (٦٠٥٤). قلت: وكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، أنظر: ((السيرة النبوية)) ٣/٤. (٤) ورد بهامش الأصل: قال النووي في ((شرح مسلم)): وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي ◌َّ في عمرة الجعرانة. (٥) جاء في ((السيرة النبوية)) لابن هشام ١٤٨/٤: لما فرغ الرسول وَّر من قسمة غنائم غزوة حنين في الجعرانة أهل معتمرًا منها، فأدى العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعًا إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه للمدينة لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة ٨هـ أنظر: ((السيرة النبوية)) ١٤٨/٤. ١٢٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قصرت عن رسول الله وَله لهذا (١). قال القزاز: العريض أولى أن يقصر به، ولا معنى في التقصير لطوله، وفي الحديث أنه كوى أسعد بن زرارة بمشقص(٢). فهذا يجوز أن يراد به السهم الذي ليس بعريض؛ لأنه أوفق للكيّ. وقال الداودي: المشقص: السكين، قال: وإنما ترك الحلاق ليحلق في الحج، وهو خلاف ما سلف أنه كان في عمرة الجعرانة. قلت: ومعلوم أنه لم يتمتع في حجة الوداع، فهذا التأويل بعيد، ولعله قصر عن نفسه بأمره القليل. ثالثها: قال محمد، عن مالك: من الشأن في الحاج أن يغسل رأسه بالخطمي والغاسول حين يريد أن يحلق، (وقال: لا بأس أن يتنور ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه ولحيته قبل أن يحلق، قال ابن القاسم: وأكره للمعتمر أن يغسل رأسه قبل أن يحلق)(٣) ويقتل شيئًا من الدواب، أو يلبس قميصًا قبل تمام السعي (٤). رابعها: ست مناسك في الحلق: أن لا يشارط عليه، وأن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بالجانب الأيمن، وأن يكبر ويدعو، وأن يدفن شعره. قال عطاء: ويصلي عقبه ركعتين، ويبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين(٥)؛ لأنهما منتهى نبات الشعر؛ ليكون مستوعبًا لجميع رأسه. وعند الكرماني، عن أبي حنيفة: يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق. وعند الشافعي: يبدأ بيمين المحلوق(٦). والصحيح عن (١) (حجة الوداع)) ص: ٤٤٢ - ٤٤٣. (٣) ساقطة من (ج). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٤/ ٤١٧. (٤) انظر: ((النوادر والزيادات)) ٤٠٩/٢، ((المنتقى)) ٢٩/٣. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣٠٤/٣ (١٤٥٦٥) كتاب: الحج، باب: في الحلق أين هو. (٦) انظر: ((البناية)) ١٣٩/٤. ١٢٩ - كِتَابُ الحَجِّ أبي حنيفة ما ذكر أولًا وهو السنة. خامسها: أقل الحلق ثلاث شعرات؛ لأنه أقل مسمى الجمع. وقام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب، وقيل: يكفي عندنا شعرة (١). وحكى الأبهري وغيره، عن مالك: أنه لا يجزئ حلق بعض الرأس دون استيعابه(٢). قال ابن التين: ويدل له أنه الظّهر حلق رأسه وقال: ((خذوا عني مناسككم))(٣). وعبارة ابن الحاجب: ولا يتم نسك الحلق إلا بجميع الرأس، والتقصير مغن، وسنة في الرجل أن يجز من قرب أصوله، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر فإن اقتصر على بعضه فكالعدم، فإن لم يمكن لتصميغ أو يسارة أو عدم تعين الحلق، وقال في المرأة: تأخذ قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا، والنورة تجزئ، هذا آخر كلامه(٤). وروي عن ابن عمر: قدر الأنملة(٥)، وعن عائشة: قدر التطريف. (١) ورد بهامش الأصل: قال الإمام النووي رحمه الله: (وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات حلقًا، أو تقصيرًا من شعر الرأس فتجزئ الثلاث بلا خلاف عندنا، ولا يجزئ أقل منها، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب في جميع الطرق، وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجهًا أنه تجزئ شعرة واحدة، وهو غلط، قال إمام الحرمين: قد ذكرنا وجهًا بعيدًا في الشعرة الواحدة أنه إذا أزالها المحرم في غير وقتها لزمه فدية كاملة لحلق الرأس، قال: وذلك الوجه هنا فتجزئ الشعرة، ولكنه مزيف غير معدود من المذهب، والله أعلم. ((المجموع)) ٨/ ١٨٥. (٢) أنظر: ((المنتقى)) ٢٩/٣. (٣) رواه مسلم (١٢٩٧) كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة ... بنحوه. (٤) ((مختصر ابن الحاجب)) ص١٠٧. (٥) رواه ابن أبي شيبة ١٤٣/٣ (١٢٩٠٧) كتاب: الحج، باب: المحرمة كم تأخذ من شعرها. ١٣٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح == قال مالك: ولا بد أن يعم طويله وقصيره والمسح في الوضوء، وقال: فإن لبدت رأسها فليس عليها إلا التقصير (١). قال (ابن التين، ولعل ذلك بعد أن تمشطه؛ لتتوصل إلى تقصير جميعه، وعند أبي حنيفة: الواجب مقدار الربع، قال ابن المنذر)(٢): وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ إلا أنه يروى عن الحسن: أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها، وهذا غير جيد، قال تعالى: ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧](٣). سادسها: عندنا يدخل وقت الحلق بنصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته، وعند المالكية: يدخل من طلوع الفجر(٤)، والحلق بمنى يوم النحر أفضل، قالوا: ولو أخَّره حَتَّى بلغ بلده حلق وأهدى(٥)، فلو وطئ قبل الحلق فعليه هدي بخلاف الصيد على المشهور عندهم، وعند ابن الجهم: لا يحلق القارن حَتَّى يفيض. وقال ابن قدامة: يجوز تأخيره إلى آخر أيام النحر، فإن أخّره عن ذَلِكَ ففيه روايتان: لا دم عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور، ويشبه مذهب الشافعي؛ لأن الله بيَّن أول وقته بقوله: ﴿تحلقوا رؤوسكم﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، ولم يبين آخره فمتى أتى به أجزأه. وعن أحمد: عليه دم بتأخيره. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه نسك أخره عن محله، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والساهي والعامد، (١) أنظر: ((المنتقى)) ٢٩/٣. (٢) ساقط من (ج). (٣) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر (٥٦). (٤) انظر ((المنتقى)) ٣٠/٣، ((المجموع)) ١٩١/٨. (٥) انظر: ((مختصر ابن الحاجب)) ص١٠٧. ١٣١ كِتَابُ الحَجّ = وقال مالك والثوري وإسحق وأبو حنيفة ومحمد: من تركه حَتَّى حلَّ فعليه دم؛ لأنه نسك، فيأتي به في إحرام الحج كسائر مناسكه(١). سابعها: في رواية ابن عمر: ((ارحم))، وفي رواية أبي هريرة: (اغفر)) فلعله دعا مرة بهذا، ومرة بهذا، وهذا أولى من قول ابن التين إما أن يكون قال: مرة: ((اغفر))، ومرة: ((ارحم))، أو وهم في أحدهما، أو رواها الراوي بالمعنى. فائدة : روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه ضحى بالمدينة وحلق رأسه، وكان الحسن يحلق رأسه يوم النحر بالبصرة(٢). وقال ابن عون قلت لمحمد: كانوا يستحبون أن يأخذ الرجل من شعره يوم النحر. قال: نعم. (١) ((المغني)) ٣٠٦/٥. وانظر: ((بدائع الصنائع)) ١٤١/٢، ((المنتقى)) ٣٠/٣، (المجموع)) ٨/ ١٩٢، ((المستوعب)) ٢٤٧/٤. (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٣٢٧/٣ - ٢٣٨ (١٣٨٨٨، ١٣٨٩١) كتاب: الحج، حلق الرأس بغير منى يوم النحر. ١٣٢ التوضيح لشرح الجامع الصحيح ١٢٨ - باب تَقْصِيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَةِ ١٧٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَنٍِ كُرَيْبُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َِّ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَزْوَةِ، ثُمَّ نَجِلُّوا، وَيَخْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا. [انظر: ١٥٤٥ - فتح: ٥٦٧/٣] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا قَدِمَ النَِّيُّ وَلِ مَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا. وهو من أفراده كذلك، وليس فيه أكثر من أن الحلاقة والتقصير لازم للمعتمر، كما يلزم الحاج لأمر النبي ◌َ# المتمتعين عند الإحلال به، وتأمل التنبيه الأول من الباب قبله هنا. ١٣٣ كِتَابُ الحَجّ ١٢٩ - باب الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّعْرِ وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَخَرَ النَّبِيُّ ◌ِلّ الزِّيَارَةَ إِلَى اللَّيْلِ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي حَسَّانُ (م، والأربعة)، عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يَزُورُ البَيْتَ أَيَّمَ مِنَّى. ١٧٣٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّهُ طَافَ طَوَّافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتٍِ مِنَّى. يَعْنِي: يَوْمَ النَّخرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ. [مسلم: ١٣٠٨ - فتح: ٥٦٧/٣] ١٧٣٣ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ بُكَثٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَغْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بَِّ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَزَادَ النَّبِيُّ بَلِّ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: ((حَابِسَتْنَا هِيَ؟)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّخْرِ. قَالَ: ((اخْرُجُوا)). [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٥٦٧/٣] وَيُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُزْوَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّخرِ. وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنَّى. يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ. ثم ذكر حديث الأَعْرَج أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةً قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ رسولَ الله وَّهِ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: ((حَابِسَتْنَا هِيَ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: ((اخْرُجُوا)). ١٣٤ = التوضيح لشرح الجامع الصحيح وَيُذْكَرُ عَنِ القَاسِمَ وَعُرْوَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّخْرِ. الشرح : تعليق أبي الزبير - وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي- أسنده الأربعة من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير عنها (١) خلا ابن ماجه، فمن حديث الثوري، عن محمد بن طارق، عن طاوس وأبي الزبير عنهما (٢)، وكذا ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في جزء جمع فيه ما رواه أبو الزبير، عن غير جابر(٣). قال الترمذي: (حديث حسن) (٤). قال ابن القطان: وإنما لم يصححه؛ لعنعنة أبي الزبير، وليس هو من رواية الليث عنه(٥). (١) رواه أبو داود (٢٠٠٠) كتاب: المناسك، باب: الإفاضة في الحج، الترمذي (٩٢٠) كتاب: الحج، باب: ما جاء في طواف الزيارة بالليل، النسائي في ((الكبرى)) ٢/ ٤٦٠ (٤١٦٩) كتاب: الحج، الوقت الذي يفيض فيه إلى البيت يوم النحر. ومن هذا الطريق أيضًا رواه أحمد ٢٨٨/١، ٣٠٩، ٢١٥/٦، والبيهقي ٥ /١٤٤ كتاب: الحج، باب: الإفاضة للطواف. (٢) ابن ماجه (٣٠٥٩) كتاب: المناسك، باب: زيارة البيت، والمزي في ((تهذيب الكمال)» ٤٠٦/٢٥ - ٤٠٧، والحافظ في ((التغليق)) ٩٨/٣. (٣) تحتها في الأصل: يعني: حديث سفيان، عن أبي الزبير. (٤) ((أحاديث أبي الزبير عن غير جابر)) (٣٥). (٥) ((بيان الوهم والإيهام)) ٣/ ٤٥٧. وقال ابن حزم: هذا حديث معلول، لأن أبا الزبير مدلس فما لم يقل فيه: حدثنا وأخبرنا وسمعت، فهو غير مقطوع على أنه مسند، فلسنا نحتج بحديثه إلا بما كان فيه بيان أنه سمعه، وهذا الحديث ليس فيه ذكر سماع من أبي الزبير إياه عن عائشة وابن عباس، فسقط الاشتغال به ا.هـ ((حجة الوداع)) ص: ٢٩٥ - ٢٩٦. وقال ابن القيم: هذا الحديث وهم، فإن المعلوم من فعله وَّ ر أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهارًا بعد الزوال ا.هـ ((مختصر سنن أبي داود)) ٤٢٨/٢، وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٤٢)، وقال في ((ضعيف ابن ماجه)) (٦٥٤): شاذ. ١٣٥ كِتَابُ الحَجّ = قال البيهقي(١): وقد سمع أبو الزبير من ابن عباس، وفي سماعه من عائشة نظر. قاله البخاري، وهذا في ((علل الترمذي)): أنه سأله عن هذا الحديث نفسه فقال ذَلِكَ(٢). قال البيهقي: وقد روينا عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله وَ ل فأفضنا يوم النحر(٣)، الحديث الذي في البخاري، وقد أُوّل الحديث السالف على أن المراد آخر طواف نسائه، نعم في البيهقي، عن القاسم، عن عائشة أنه القّ زاره مع نسائه ليلًا(٤). فيُحمل على الإعادة، وأن ذَلِكَ وقع مرتين: مرة ليلًا، ومرة نهارًا، وكذا جمع بذلك ابن حبان في ((صحیحه))(٥). وأما تعليق أبي حسان فأخرجه البيهقي من حديث ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا، قال: سمعته من أبي بكر ولم يقرأه، قال: فكان فيه: عن قتادة، عن أبي حسَّان، عن ابن عباس أن نبي الله وَلو كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى، قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه(٦). وروى الثوري في ((جامعه)) عن طاوس أن النبي ◌َّار كان يفيض كل ليلة. يعني: ليالي منى(٧). (١) ((سنن البيهقي)) ١٤٤/٥. (٢) ((علل الترمذي الكبير)) ٣٨٨/١ (١٣٨). (٣) ((سنن البيهقي)) ١٤٤/٥. (٤) السابق. (٥) ((صحيح ابن حبان)) ٩/ ١٩٧. (٦) ((سنن البيهقي)) ١٤٦/٥. (٧) ذكره البيهقي ١٤٦/٥. ١٣٦ التوضيح لشرح الجامع الصحيح = ورواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس(١). وأبو حسَّان(٢) اسمه مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد بصري ثقة. وأما أثر ابن عمر فأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ◌َّ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي ◌َّهِ فعله(٣). وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم أيضًا (٤)، وفي بعض طرق البخاري: حاضت ليلة النحر، وذاك من أفراده(٥). وقال ابن التين: الذي في أكثر الأحاديث السالفة والآتية أنها أفاضت ليلة النفر وهي أحاديث مسندة، وهذا قال فيه: ويذكر عن القاسم وسالم والأسود: أفاضت يوم النحر، ولم يسنده، وهو عجيب، فقد أسنده قبله وفيه: أفاضت يوم النحر. والذي في الأحاديث كلها أنها أفاضت يوم النحر؛ ففي مسلم عن عائشة: حاضت صفية بعدما أفاضت، فقلت: يا رسول الله، إنها قد (١) «مصنف ابن أبي شيبة)) ٢٧٦/٣ (١٤٢٨) كتاب: الحج، من رخص في زيارته كل یوم ولیله. (٢) فوقها في الأصل: (مسلم والأربعة) ومقابلها في الحاشية: قال ابن قيم الجوزية عقب تعليق أبي حسان: والكلام عليه بنحو من كلام شيخنا وهو وهم؛ فإن النبي ولو لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة ورجع إلى منى إلى حين الوداع. والله أعلم. انتهى. (٣) مسلم (١٣٠٨) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر. (٤) مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام. (٥) سيأتي برقم (١٧٧١) باب: من الإدلاج من المحصب، وفيه حاضت صفية ليلة النفر. ١٣٧ كِتَابُ الحَجّ = كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة (١). وكذا في عدة طرق، والغريب رواية حيضها ليلة النحر. وطواف الإفاضة هو الركن المعول عليه في الحج من بين الأطوفة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَنِيقِ﴾ بالإجماع(٢). ألا ترى أنه العَيْ لَمَّا توهم أن صفية لم تطف يوم النحر قال: ((أحابستنا هي؟)) فلما أُخبر أنها قد طافته. قال: ((فلا إذًا))(٣) وإنه مجزئها عن غيره. واستحب جميع العلماء فعله يوم النحر ثم يرجع إلى مبيت منى ورمي أيام التشريق(٤). وذكر عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير أنه كان إذا طاف يوم النحر لم يزد على سبع واحد، وعن طاوس مثله، وعن الحكم قال: أصحاب عبد الله لا يزيدون يوم النحر على سبع واحد. قال الحجاج: فسألت عطاء قال: طف (كم)(٥) شئت، والمستحب عندنا أن يكون طوافه قبل الظهر. وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا أنه بعده، ثم اختار وجهًا ثالثًا أنه إن كان في الصيف أفاض أول النهار، وإن كان في الشتاء أفاض آخره(٦). (١) مسلم (١٢١١/ ٣٨٢)، بعد حديث (١٣٢٨) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض. (٢) انظر: ((الإجماع)) لابن المنذر (٥٥)، ((الإقناع)) ٨٤٥/٢. (٣) سيأتي برقم (١٧٥٧) باب: إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، ورواه مسلم (٣٨٤/١٢١١). (٤) انظر: ((الأصل)) ٣٩٢/٢، ((البناية)) ١٤٣/٤، ((النوادر والزيادات)) ٤١٤/٢، (الذخيرة)) ٢٧٠/٣، ((البيان)) ٣٤٥/٤، ((المجموع)) ١٩٧/٨، ((المستوعب)) ٤/ ٢٤٩، ((الشرح الكبير)) ٢٢٥/٩. (٥) في (ج): کیف. (٦) أنظر ((حلية العلماء)) ٢٩٧/٣، ((المجموع» ١٩٨/٨. ١٣٨ التوضيح لشرح الجامع الصحيح - ولا خلاف بين الفقهاء: أن من أخره عن يوم النحر وطافه في أيام التشريق أنه مؤدٍّ لفرضه ولا شيء عليه، كما ذكر ابن بطال(١)، واختلفوا فيما إذا أخّره حَتَّى مضت أيام التشريق قال عطاء: لا شيء عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وأبي ثور(٢). وقال مالك: إن عجله فهو أفضل، وإن أخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس، وإن أخّره بعدما انصرف من منى أيامًا وتطاول ذَلِكَ فعليه دم(٣). واختلفوا إذا أخّره حَتَّى رجع إلى بلده، فقال عطاء والأربعة والثوري وإسحاق وأبو ثور: يرجع فيطوف لا يجزئه غيره، وروي عن عطاء قول ثان وهو: أن يأتي عامًا قابلًا بحج، أو بعمرة، وعن مالك: أن طواف الدخول يجزئه عنه كمن نسيه إذا رجع إلى بلده وعليه دم، وعنه أنه لا يجزئه عنه، وإنما يجزئ عنه كل عمل يعمله الحاج يوم النحر وبعده في حجته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ووجهه: أن الله تعالى فرضه بعد قضاء التفث، وذلك يوم النحر بعد الوقوف، فإذا طاف تطوعًا أجزأه عن فرضه؛ لأنه جاء بطواف في وقته، وكما ينوب طواف الوداع عنه، وكذا التطوع إذا لم يعتقده طواف الإفاضة؛ لأن كل عمل يكون في الحج ينوي به التطوع ولم يكمل فرض الحج فالفرض أولى به من النية التي نويت، كالداخل في صلاة بإحرام نواه لها، ثم صلى منها صدرًا، ثم ظن أنه قد فرغ منها، فصلى ما بقي عليه أنه تطوع عنده فهو (للفرض) (٤) الذي ابتدأه ولا تضره (٢) انظر: ((المجموع)) ٢٠٢/٨. (١) ((شرح ابن بطال)) ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥. (٣) ((المدونة)) ٣١٧/١. (٤) في (ج): كالفرض. ١٣٩ كِتَابُ الحَجّ نيته إذ لم يقطع الصلاة عمدًا، ذكره ابن شعبان من المالكية(١). ولا شك أن الله تعالى خص الحج بما لم يخص به غيره من الفرائض، وذلك قوله: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآية فمن فرض الحج في حرمه وشهوره، فليس له أن ينتقل عما فرضته نيته إلى غيره حَتَّى يتمه؛ لأن العمل على النية الأولى حَتَّى يكملها وهو فرضه، لقوله تعالى: ﴿وَنِقُواْ الَّْ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: ١٩٦] ألا ترى أن من وطئ بعد الجمرة قبل الطواف أن منهم من قال: يحج قابلًا. ومنهم من قال: إن أحرم بعمرة وأهدى أجزأه ذَلِكَ، وهم: ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، وربيعة، وفسّره ابن عباس فقال: إنما بقي من أمره أربعة أميال فيحرم من التنعيم أربعة أميال فيكون طواف مكان طواف وهذا طواف عمرة يجزئه عن طواف فريضة، وكذلك القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد بعمرته وحجته للسنة الثابتة عن عائشة، وابن عمر عن النبي وَل قر، والعمرة تطوع على قول جماعة من العلماء. وقال الرافعي: لا ينبغي له أن يخرج من مكة حَتَّى يطوف، فإن طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة، وإن خرج ولم يطف أصلًا لم يحل له النساء، وإن طال الزمان. وقضية قولهم: لا يتأقت آخر الطواف أنه لا يصير قضاء، لكن في ((التتمة)) أنه إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء، وحكى بعض المتأخرين: أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حَتَّى يطوف، وقال الماوردي: إنه يكون مسيئًا بتأخيره بغير عذر عن يوم النحر(٢)، قال غيره: وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة (١) انظر: ((الأصل)) ٤٠١/١ - ٤٠٢، ((مختصر اختلاف العلماء)) ١٤٥/٢ - ١٤٦، ((المدونة)) ٣١٧/١، ((المجموع)) ٢٠٢/٨، ((المغني)) ٣٤٥/٥. (٢) ((الحاوي)) كتاب الحج ٢/ ٧٤٣. ١٤٠ التوضيح لشرح الجامع الصحيح وخروجه من مكة بلا طواف أشد كراهة (١). فائدة : ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث ابن عمر: أنه الَّه صلى الظهر يوم النحر بمنى كما سلف(٢)، وثبت فيه أيضًا من حديث جابر: أنه صلى الظهر بمكة(٣). قال ابن حزم: وكذا قالته عائشة فاستشكل الجمع بينهما، ونسب أحدهما إلى الوهم. قال ابن حزم: إلا أن الأغلب عندنا أنه صلى الظهر بمكة؛ لوجوه ذكرها قال: ولم يبق من حجة الوداع شيء لم يبن لي وجهه غير الجمع بينهما، ومن تلك الوجوه: اتفاق عائشة وجابر على ذَلِكَ؛ ولأن حجة الوداع كانت في شهر آذار، وهو وقت تساوي الليل والنهار، وقد دفع القيمة من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها، وفعل أعمالًا لا تسع صلاته الظهر بمنى(٤). وقال القرطبي: حديث جابر أصح، ويعضده حديث أنس: أنه صلى العصر يوم النحر بالأبطح، وإنما صلى الظهر بمنى يوم التروية، كما قال أنس(٥) . وفي حديث ابن عمر (٦) وهم من بعض الرواة(٧). (١) ((المجموع ١٩٨/٨. (٢) مسلم (١٣٠٨) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر. (٣) مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) باب: حجة النبي ◌َّ مطولًا. (٤) (حجة الوداع)) ٢٩٦. (٥) سيأتي برقم (١٧٦٣) كتاب: الحج، باب: من صلى العصر يوم النفر بالأبطح، ورواه مسلم (١٣٠٩) باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر. (٦) رواه مسلم (١٣٠٨) باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر. (٧) («المفهم)) ٤١١/٣.